
تميم : انت بتقول إيه؟!
ـ وقف تميم في مكانه للحظات، وكأن الكلمات التي سمعها عبر الهاتف جعلته غير قادر على استيعابها.
ـ تغيرت ملامحه تمامًا، واختفت اللامبالاة التي كانت تسيطر عليه منذ دقائق، ليحل محلها القلق والحذر.
ـ كانت ليان تراقبه بصمت، تحاول أن تفهم ما الذي يحدث.
ـ اقتربت منه بخطوات سريعة.
ليان : في إيه يا تميم؟
ـ لم يجبها فورًا، فقد كان لا يزال يستمع للطرف الآخر.
تميم : إنت متأكد من الكلام ده؟
ـ صمت لثوانٍ.
تميم : ماشي... أنا جاي.
ـ أغلق الهاتف، ثم ظل واقفًا ينظر إلى الشاشة بشرود.
ليان : تميم!
ـ رفع عينيه إليها.
ليان : في إيه؟
ـ تنهد بهدوء، لكنه لم يستطع إخفاء القلق في عينيه.
تميم : سارة...
ـ ما إن سمعت ليان اسمها حتى تغيرت ملامحها.
ليان : مالها؟
تميم : مش موجودة.
ـ اتسعت عينا ليان بدهشة.
ليان : يعني إيه مش موجودة؟
تميم : محدش عارف هي خرجت إمتى، ولا راحت فين.
ليان : طب ممكن تكون خرجت عند مامتها؟
تميم : لو كانت راحت هناك، كنا عرفنا.
ـ سكتت ليان للحظات، ثم قالت بقلق:
ليان : طب يلا ندور عليها.
ـ أومأ تميم، واتجها سريعًا نحو السيارة.
ـ صعدا إليها، وانطلق تميم بأقصى سرعة ممكنة.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
عند أحمد...
ـ كان أحمد يقف داخل القصر، ممسكًا بهاتفه، يجري اتصالًا بأحد رجاله.
أحمد : في أخبار؟
ـ جاءه صوت الطرف الآخر:
ـ لا يا فندم، لحد دلوقتي مفيش أي حاجة.
أحمد : دورتوا في كل الأماكن اللي ممكن تكون راحتها؟
ـ أيوه يا فندم.
أحمد : تمام... تابعني أول بأول.
ـ أغلق أحمد الهاتف ووضعه في جيبه.
ـ ظل واقفًا للحظات، ينظر أمامه بشرود.
ـ لم يكن الأمر طبيعيًا.
ـ سارة لم تكن تعرف الكثير من الأشخاص هنا، واختفاؤها بهذه الطريقة جعله يشعر بأن هناك شيئًا غير مفهوم.
أحمد : مش معقول... هتكون راحت فين؟
ـ تحرك أحمد نحو الخارج، لكنه قبل أن يصل إلى الباب اصطدم بأحدهم.
ـ رفع عينيه بسرعة.
ـ تجمد للحظة عندما وجد سارة أمامه.
أحمد : آنسة سارة؟!
ـ لم تجبه.
ـ كانت تقف أمامه وهي تنظر إلى الأرض، وشعرها يغطي جزءًا من وجهها.
ـ كانت عيناها حمراوين من شدة البكاء، والدموع تنزل بصمت على وجنتيها.
ـ تغيرت ملامح أحمد.
أحمد : إنتي كويسة؟
ـ لم ترد.
أحمد : سارة؟
ـ اقترب منها خطوة.
أحمد : إنتي سامعاني؟
ـ رفعت عينيها إليه للحظة، لكنها سرعان ما أبعدتهما.
ـ بدا وكأنها لا تعرف ماذا تقول.
ـ وفجأة فقدت توازنها وسقطت على الأرض.
أحمد : سارة!
ـ أسرع أحمد وجلس بجانبها.
ـ كانت تبكي وهي تضع يديها على وجهها، تحاول إخفاء دموعها، لكن صوت بكائها كان يزداد.
أحمد : اهدي... اهدي بس.
ـ لم تجبه.
أحمد : سارة، حصل إيه؟
ـ هزت رأسها وهي تبكي.
سارة : أنا دمرت كل حاجة...
ـ نظر أحمد إليها بحيرة.
أحمد : دمرتي إيه؟
سارة : كل حاجة...
أحمد : طيب اهدي الأول، وبعدين نتكلم.
سارة : مش عارفة ليه بيحصل كده معايا...
ـ جلس أحمد أمامها، ولم يجد الكلمات المناسبة ليقولها.
ـ هو لم يكن معتادًا على مواساة أحد.
ـ لكنه في تلك اللحظة لم يستطع أن يتركها وحدها.
أحمد : بصي... أنا معرفش حصل إيه، ومش هضغط عليكي عشان تحكي.
ـ رفعت سارة عينيها نحوه.
أحمد : بس مهما كان اللي حصل، أكيد ليه حل.
سارة : مفيش حل...
أحمد : مفيش حاجة اسمها مفيش حل.
ـ ظلت تنظر إليه بصمت.
أحمد : يمكن إنتي شايفة الدنيا كلها مقفولة دلوقتي، بس ده عشان إنتي متضايقة.
ـ مسحت سارة دموعها بيدها.
سارة : أنا السبب...
أحمد : سبب إيه؟
ـ سكتت.
أحمد : سارة؟
ـ نظرت إليه، ثم قالت بصوت منخفض:
سارة : مش عارفة أنا إزاي كنت هعمل حاجة زي كده؟
ـ عقد أحمد حاجبيه.
أحمد : حاجة زي إيه؟
ـ اتسعت عينا سارة فجأة.
ـ أدركت أنها قالت شيئًا لم يكن يجب أن تقوله.
سارة : لا... مفيش.
أحمد : لأ، استني.
ـ حاولت سارة الوقوف، لكنه قال:
أحمد : إنتي بتتكلمي عن إيه؟
سارة : قولت مفيش.
أحمد : أنا بس بحاول أفهم.
ـ ظلت صامتة.
ـ كان واضحًا أنها لا تريد الحديث.
ـ لذلك لم يضغط عليها أحمد أكثر.
ـ وقف ومد يده إليها.
أحمد : يلا قومي.
ـ نظرت سارة إلى يده للحظات.
ـ ثم مدت يدها وأمسكت بها.
ـ ساعدها أحمد على الوقوف، لكنها ظلت تنظر للأرض.
سارة : أنا آسفة...
أحمد : على إيه؟
سارة : على اللي حصل.
أحمد : مفيش داعي تعتذري.
ـ رفعت عينيها إليه للحظة، وكأنها تريد أن تقول شيئًا، لكنها تراجعت.
ـ ثم أسرعت نحو الدرج وصعدت إلى الأعلى.
ـ ظل أحمد يتابعها بعينيه.
ـ وبعد أن اختفت عن أنظاره، قال لنفسه:
أحمد : في حاجة غلط...
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
ـ دخلت ليان القصر بسرعة، يتبعها تميم.
ليان : أحمد!
ـ التفت إليها أحمد.
ليان : لقيتوها؟
أحمد : أيوه... فوق.
ـ تنفست ليان براحة.
ليان : الحمد لله.
ـ لكنها لاحظت نظرات أحمد الغريبة.
ليان : إيه اللي حصل؟
أحمد : معرفش... جات من شوية وطلعت فوق.
ليان : يعني إيه جات؟
أحمد : كانت بتعيط، وسألتها حصل إيه، قالت مفيش.
ـ نظرت ليان إلى تميم بقلق.
تميم : المهم إنها رجعت.
ـ ثم سأل أحمد:
تميم : الأستاذ هيثم مشي إمتى؟
أحمد : بعد ما خرجتوا.
تميم : تمام.
ـ صمت قليلًا، ثم نظر إلى الدرج.
ـ كان يشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي، لكنه قرر ألا يتحدث الآن.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في الأعلى...
ـ كانت سارة تجلس على سريرها، تضم يديها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بنقطة مجهولة أمامها.
ـ لم تكن تفكر إلا في كلمات والدتها.
ـ كل كلمة كانت تعود إلى ذهنها من جديد.
ـ أغمضت عينيها، ثم مسحت دموعها بسرعة.
سارة : ليه؟
ـ خرجت الكلمة منها بصوت منخفض.
ـ لماذا أصبحت كل الأمور بهذا التعقيد؟
ـ لم تجد إجابة.
ـ فجأة فُتح الباب.
ـ رفعت رأسها بسرعة.
ـ دخلت ليان.
ليان : سارة!
ـ أسرعت إليها وجلست بجانبها.
ليان : إنتي كويسة؟
سارة : أيوه.
ليان : إنتي بتعيطي ليه؟
سارة : مفيش... بس متضايقة شوية.
ليان : كنتي فين؟ إحنا قلقنا عليكي جدًا.
ـ ترددت سارة للحظة.
سارة : كنت... عند ماما.
ليان : عند مامتك؟
سارة : أيوه.
ليان : طب حصل إيه؟
سارة : اتخانقنا شوية.
ليان : ليه؟
سارة : مش عارفة... حصل سوء تفاهم.
ـ لاحظت ليان أن سارة لا تريد الحديث.
ـ لذلك لم تضغط عليها.
ليان : طيب خلاص، متزعليش.
سارة : خلاص عادي.
ليان : عادي إيه بس وإنتي كنتي بتعيطي بالشكل ده؟
ـ ابتسمت سارة ابتسامة صغيرة.
سارة : أنا كويسة.
ليان : متأكدة؟
سارة : أيوه.
ـ ظلت ليان تنظر إليها للحظات، ثم قالت:
ليان : طيب عندي فكرة.
سارة : إيه؟
ليان : تعالي نخرج.
سارة : دلوقتي؟
ليان : أيوه.
سارة : لا، مش قادرة.
ليان : خلاص براحتك.
ـ ثم ابتسمت فجأة.
ليان : بس بكرة تعملي حسابك.
سارة : في إيه؟
ليان : هنروح حفلة.
سارة : حفلة مين؟
ليان : إبرار.
سارة : مين إبرار؟
ـ ضحكت ليان.
ليان : صحبتي.
سارة : بس أنا معرفهاش.
ليان : عشان كده هتعرفيها.
سارة : بس أنا مش بحب الحفلات.
ليان : ولا أنا كنت بحبها زمان.
سارة : أمال هتروحي ليه؟
ليان : عشان إبرار رجعت، ومش هينفع ما روحش.
ـ سكتت سارة قليلًا.
ليان : وبعدين هتكوني معايا طول الوقت.
سارة : ماشي.
ليان : كده تمام.
سارة : بس...
ليان : مفيش بس.
ـ ضحكت ليان.
ليان : بكرة هبعتلك فستان، وبنت هتساعدك في كل حاجة.
سارة : ماشي.
ـ احتضنتها ليان بسرعة.
ليان : عايزاكي تفرحي شوية.
ـ ابتسمت سارة رغم حزنها.
سارة : حاضر.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في الأسفل...
ـ نزلت ليان من الأعلى، فوجدت تميم يقف بالقرب من الباب.
ليان : تميم.
تميم : نعم؟
ليان : بكرة عندنا حفلة.
ـ نظر إليها تميم باستغراب.
تميم : حفلة إيه؟
ليان : حفلة صحبتي.
تميم : مش هينفع.
ليان : ليه؟
تميم : عشان إنتي عارفة إن خروجك في الوقت ده مش فكرة كويسة.
ليان : تميم، بقالنا فترة كبيرة مش بنخرج.
تميم : وأنا مش هجازف.
ليان : بس دي حفلة مهمة.
تميم : ليان هانم ....
ـ قاطعته ...
ليان : متخافش.
تميم : أنا مش بخاف.
ليان : أمال قلقان ليه؟
ـ صمت تميم.
ـ ابتسمت ليان.
ليان : وبعدين إنت هتكون معايا.
تميم : أيوه، بس الخطر مش شرط ييجي وإنتي لوحدك.
ليان : أحمد هيكون معانا كمان.
تميم : برضو .
ليان : عشان خاطري.
ـ نظر لها تميم للحظات.
ـ كان يعلم أنها لن تتراجع بسهولة.
تميم : هنشوف الموضوع بكرة.
ليان : يعني موافق؟
تميم : قلت هنشوف.
ـ ابتسمت ليان.
ليان : ماشي.
ـ تحرك تميم نحو الخارج.
ـ وقفت ليان تراقبه وهو يبتعد.
ـ لم تستطع منع الابتسامة التي ظهرت على وجهها.
ـ لم تكن تعرف لماذا كانت تشعر بالسعادة لمجرد وجوده بالقرب منها.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في اليوم التالي...
في الليل...
ـ كانت ليان تقف أمام المرآة.
ـ كانت تستعد للحفلة، بعدما قضت وقتًا طويلًا في اختيار ما سترتديه.
ـ أمسكت بالعقد الفضي ووضعته حول عنقها.
ـ ثم نظرت إلى انعكاسها في المرآة.
ـ كانت ترتدي فستانًا أسود طويلًا، وتركت شعرها الأسود منسدلًا بحرية، بينما ارتدت حذاءً أسود أنيقًا.
ـ عدلت العقد قليلًا.
ـ ثم ابتسمت لنفسها.
ـ لكن ابتسامتها لم تكن بسبب مظهرها.
ـ فقد تذكرت تميم.
ـ تذكرت نظراته إليها في الأيام الماضية.
ـ سرعان ما أبعدت عينيها عن المرآة.
ليان : أنا بعمل إيه؟
ـ ابتسمت ، ثم عادت لتنظر إلى نفسها.
ـ في تلك اللحظة...
ـ طرق أحدهم الباب.
ليان : ادخل.
ـ فُتح الباب ودخلت سارة.
ـ التفتت ليان إليها.
ـ كانت سارة ترتدي فستانًا بنيًا طويلًا، وشعرها البني منسدلًا على كتفيها، بينما زين عنقها عقد ذهبي بسيط.
سارة : يلا؟
ليان : يلا.
ـ اقتربت منها ليان.
ليان : شكلك حلو أوي.
سارة : بجد؟
ليان : أيوه.
ـ ابتسمت سارة.
سارة : وإنتي كمان.
ليان : يلا قبل ما نتأخر.
ـ خرجتا من الغرفة.
ـ وعندما وصلتا إلى الدرج، توقفت سارة فجأة.
ليان : إيه؟
سارة : انزلي إنتي، أنا نسيت شنطتي.
ليان : ماشي، مستنياكي تحت.
سارة : حاضر.
ـ عادت سارة إلى الغرفة، بينما بدأت ليان بالنزول.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
ـ كان تميم يقف في الأسفل.
ـ يرتدي بدلة زرقاء داكنة، وقميصًا أنيقًا، بينما كان شعره مصففًا بعناية.
ـ كان يتحدث مع أحمد، لكنه توقف فجأة.
ـ رفع رأسه.
ـ كانت ليان تنزل الدرج.
ـ تجمدت ملامحه للحظة.
ـ لم يسمع ما يقوله أحمد.
ـ ولم يعد يرى أي شيء من حوله.
ـ فقط هي.
ـ كانت خطواتها هادئة، وفستانها الأسود ينساب خلفها مع كل خطوة.
ـ رفعت ليان عينيها نحوه.
ـ والتقت أعينهما.
ـ توقفت للحظة.
ـ شعر تميم وكأن الزمن توقف حوله.
ـ لم يكن يرى سوى ليان.
ـ أما هي، فلم تستطع منع ابتسامتها الصغيرة.
ـ ظل ينظر إليها دون أن يتحدث.
ـ اقتربت ليان حتى وصلت إلى آخر درجه .