رواية آلاء من الله الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم حنين سامي


رواية آلاء من الله الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم حنين سامي


( غادة )

منذ الصباح وأنا أشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي.
أمي منذ أن استيقظت وهي تتحرك في المنزل وكأننا نستعد لحدث تاريخي، وأبي دخل غرفته أكثر من مرة ليغير ملابسه، ثم خرج في كل مرة ليسأل أمي :
"كده كويس؟"
وفي المرة الثالثة لم أتمالك نفسي و قلت :
"يا بابا إحنا رايحين ناكل ، مش رايحين نقدم على وظيفة !"
نظر إليّ بضيق مصطنع و قال : "ما تسيبيني يا غادة أظبط نفسي ."
ضحكتُ و أنا أعود إلى غرفتي .
وقفت أمام المرآة أرتب حجابي ، ثم نظرت إلى ملابسي للمرة الأخيرة .
كنت أعرف أن عمرو هو من دعا أبي وأمي للغداء، وأن والدته ستكون موجودة أيضًا، لكنني لم أعرف سبب إصراره على أن يكون اللقاء اليوم تحديدًا .
والأغرب أنني منذ الصباح أشعر بتوتر غريب .
قلت لنفسي : "ما هو غدا ، هنروح ناكل ونرجع . مالك يا غادة ؟"
لكن قلبي لم يقتنع .
خرجتُ من الغرفة، فوجدت أمي تنتظرني.
قالت : "يلا يا غادة ."
"حاضر ."
ثم نظرت إليّ من رأسي إلى قدمي و قالت : "بنتي زي القمر تبارك الله ."
ابتسمتُ و قلتُ بفخر  : "عارفة ."
هزت رأسها وهي تضحك : " ماشي يا اختي ."
وصلنا إلى المطعم، وكان عمرو ينتظرنا عند المدخل برفقة والدته .
ما إن رآنا حتى تقدم لاستقبال أبي وأمي .
"أهلًا و سهلًا يا بابا ، نورتونا ."

( " هو ايه ده ؟ ده بابايا أنا " )

صافحه أبي بابتسامة : "ده نورك يا ابني ."
ثم رحب بوالدته ، بينما سلمتُ أنا عليها و قد احتضنتني بحرارة ..
ابتسمت لي و قالت : "ازيك يا غادة يا بنتي؟"
"الحمد لله، حضرتك عاملة إيه؟"
"بخير يا حبيبتي."
ثم جاء دور عمرو .
نظر إليّ و قال : " عاملة ايه؟"
قلت : "الحمد لله ."
ثم نظرت إلى المكان حولي بانبهار و قلت : "هو أنت اللي اخترت المكان؟"
" آه ، ايه رأيك ؟ "
"جميل ، ذوقك حلو ."
ابتسم : "عجبك ؟"
"لسه هشوف الأكل الأول ."
ضحك وقال : "ماشي ، أهم حاجة الأكل ."
دخلنا و جلسنا إلى الطاولة .
في البداية دار الحديث بين الكبار ، بينما بقيت أنا و عمرو نستمع إليهم .
لكن بعد قليل ، مال نحوي وقال بصوت منخفض :
"انتي ساكتة ليه؟"
نظرتُ إليه باستغراب : "عادي يعني ."
ابتسم : "لا ده مش العادي بتاعك ، عشان كده مستغرب ."
ضحكت : "أصل مش عارفة أنت عامل الدعوة دي ليه ."
نظر إليّ لحظة ، ثم قال : "يعني لو عارفة ، كنتي هتتوتري أقل ؟"
ضيقت عينيّ : "أنا أصلًا مش متوترة ."
"آه طبعًا واضح ."
"بقولك إيه ، متستفزنيش ."
ضحك بخفوت .

وبعد أن بدأنا تناول الطعام، اقترب مني قليلًا وقال : "بصراحة ، أنا كنت عايز أتكلم معاكي النهاردة في حاجة ."
توقفتُ عن الأكل ونظرت إليه : "في إيه؟"
"حاجة عايز أقولها من فترة ."
" طب ايه ؟"
"استني بس ."
نظرت إليه بشك : "انت فاجئتني أصلًا بالدعوة دي ."
ابتسم : "أنا حبيت إن الموضوع يكون وسط أهلك و مامتي ."
قلت : " موضوع ايه ؟ و ليه ؟ "
"عشان الكلام اللي عايز أقوله مش بيني و بينك بس ."
توقفتُ عن الكلام .
لأول مرة شعرتُ أن الموضوع أكبر من مجرد غداء .
قلت له : "عمرو ، انت مخوفني ."
ضحك : "لا والله، متخافيش ."
"طب قول !"
"بعد شوية ."
رفعتُ حاجبي : "بعد شوية إيه؟"
"بعد ما نخلص أكل ."
هززت رأسي بضيق : "أنا مش بحب الانتظار ."
قال مبتسمًا : " و لا انا ."

بعد انتهاء الغداء ، جلس الجميع يتحدثون لبعض الوقت .
كنتُ أظن أن عمرو سيتحدث أمام الجميع مباشرة ، لكنه أشار إليّ أن نتحدث قليلًا في مكان أهدأ داخل المطعم بعدما استأذنهم .
جلستُ أمامه و قلت : " ها ؟ كنت عايز تقول ايه ؟ "
ابتسم : " انتي مستعجلة أوي ."
"طبعًا مستعجلة .. من الصبح وأنا حاسه إن في مصيبة ."
ضحك : "مصيبة إيه بس؟"
ثم أصبح أكثر جدية وقال :
"غادة ، أنا الفترة اللي فاتت كنت بحاول أعرفك أكتر ، وأشوف هل إحنا فعلًا مناسبين لبعض ولا لأ."
أومأتُ بصمت .
"والحمد لله ، أنا ارتحت لكِ ، و حاسس إن في بينا قبول، وكل مرة بنتكلم فيها بلاقي نفسي عايز أعرفك أكتر ."
ابتسمتُ بخجل : " اممم ..."
"فأنا حابب نحدد ميعاد الخطوبة ."
اتسعت عيناي .
حدقت فيه للحظات دون أن أجد شيئًا أقوله .
قال وهو يبتسم : "إيه ؟"
قلت : "أنت فاجئتني بجد ."
"كنتي متوقعة إيه؟"
"مش عارفة ... بس مش النهاردة ."
ضحك : "طب ده معناه إيه؟ موافقة و لا لأ ؟ "
نظرتُ إلى يدي ، ثم قلت : "معناه ... إني موافقة ."
ابتسامته اتسعت فورًا .
"بجد ؟"
رفعت عيني إليه : " اه .. بجد ."
قال بهدوء : "الحمد لله ."
ضحكت : "انت كنت خايف إني أرفض؟"
" بصراحة ايوا ."
"مع إن شكلك واثق أوي من نفسك !"
"الثقة حاجة ، والخوف من الرفض حاجة تانية ."
ضحكتُ ، ثم قلت : "بس عندي شرط ."
رفع حاجبه : "شرط إيه؟"
"متفضلش تقولي يا آنسة غادة ."
ضحك لأول مرة بصوت واضح .
"خلاص يا غادة .. ده كان أول التعارف بس ."
ابتسمت .
ولسبب لم أفهمه وقتها ، شعرت أن تلك الكلمة البسيطة كانت أجمل شيء قاله لي منذ عرفته .

بعد أن انتهينا من حديثنا ، عدنا إلى الطاولة، وجلستُ بجانب أمي وأنا أحاول إخفاء ابتسامتي .
كان عمرو يتحدث مع والدي ووالدته، ثم قال :
"بما إننا اتفقنا ، فأنا حابب أقول لحضراتكم إن شاء الله عايزين نحدد ميعاد الخطوبة و يكون في أقرب وقت ."
رفعتُ عيني إليه بسرعة ، بينما ابتسمت والدته بسعادة و قالت : "ربنا يتمم لكم على خير يا حبايبي ."
نظر أبي إليّ، ثم إلى عمرو، وقال بابتسامة : "إن شاء الله يا ابني، وربنا يكتب لكم الخير ."
أما أمي فاقتربت مني وهمست : "مبروك يا عروسة ."
نظرتُ إليها بخجل وقلت : "لسه يا ماما .."

لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا؛ فقد تحدث أبي ووالدته، واتفقوا على كل شيء بهدوء، حتى أصبح موعد الخطوبة و تفاصيلها شبه محسومة .
كنت أجلس بينهم و أنا أشعر أنني أعيش حلمًا لا أصدق أنه يحدث بهذه السرعة .
وبعد أن انتهينا ، ودعنا عمرو ووالدته، وعدنا إلى المنزل .
ما إن دخلت غرفتي حتى أمسكت هاتفي .
كان هناك شخص واحد لا يمكن أن أخفي عنه هذا الخبر ..
آلاء ..

( آلاء )

استيقظتُ هذا الصباح على هدوءٍ غريبٍ ملأ الغرفة، ومددتُ يدي بصورة تلقائية إلى الجهة الأخرى من الفراش ، لكنني لم أجد حبيب .

تذكرتُ أنه في عمله، كما يفعل كل يوم .

جلستُ قليلًا على حافة الفراش ، ثم رفعتُ عيني أبحث عن هاتفي . مددتُ يدي إلى الطاولة الصغيرة بجوار السرير ، لكنني لم أجده .

تنهدتُ بضيق ، و بدأتُ أبحث عنه .

فتحتُ الدرج الأول ، ثم الثاني ، وألقيتُ نظرة أسفل السرير وفوق الطاولة ، قبل أن أنتقل إلى الجهة الأخرى من الغرفة .

وبينما كنتُ أنحني لأبحث أسفل أحد الأدراج، لمحتُ شيئًا صغيرًا يلمع بالقرب من السرير .

مددتُ يدي و التقطته .

توقفتُ ..

كان سوارًا رقيقًا، منقوش في وسطه " آلائي " كنتُ أشعر تجاهه بشيء غريب .
شيء يشبه الألفة .
قلّبتُه بين أصابعي ، وحاولتُ أن أتذكر أين رأيته من قبل .

و فجأة ...
تغيّر كل شيء .
لم أعد أرى غرفتي .
رأيتُ حبيب أمامي ..
ملامحه تحمل تلك الابتسامة التي أعرفها جيدًا ، لكنه كان يبدو أكثر توترًا مما اعتدتُ عليه .

كان يمسك بالسوار بين أصابعه .
— " قعدت أدور على حاجة تشبهك ؛ فلقيت السوار ده ."

سمعتُ صوتي في الذكرى و أنا أقول بامتنان :
—" شكرًا بجد يا حبيب ، أنا مش عارفة أقولك ايه ."

ابتسم ، ثم أمسك بيدي ، و أخذ يُلبسني السوار و هو يقول :
— " أنا عايزك تفرحي بس ، و نفسي أعوضك عن كل حاجة وحشة حصلتلك ."

اختفت الصورة فجأة ..!

شهقتُ وعُدت إلى الغرفة ، و السوار لا يزال بين أصابعي .
وضعتُ يدي على صدري .
كان قلبي يخفق بعنف .

لم أكن أتذكر كل شيء ، و لا أعرف متى حدث ذلك ، لكنني كنتُ متأكدة من شيء واحد ...
أن هذا السوار كان منه .
وأن تلك الذكرى كانت حقيقية .

نظرتُ إليه طويلًا ، ثم أغلقتُ المشبك حول معصمي .
و للمرة الأولى منذ أن استيقظتُ فاقدةً جزءًا كبيرًا من حياتي ، شعرتُ أن هناك شيئًا لم يستطع النسيان انتزاعه مني .
مشاعري تجاهه ..
أنا أحب حبيب .. نعم أحبه !

ربما لم أكن أملك الشجاعة لأعترف بذلك لنفسي من قبل ، و ربما كنتُ أخشى أن يكون ما أشعر به مجرد امتنان أو تعلق بشخص وقف إلى جواري في كل شيء .

لكن الآن ...
لم يعد الأمر غامضًا .
أنا أحبه ..
وحين أدركتُ ذلك ، شعرتُ برغبة غريبة في أن أراه .
أن يعود إلى المنزل .
أن أخبره .
----------

قضيتُ وقتًا أطول من المعتاد أمام خزانة ملابسي .
أخرجتُ أكثر من فستان ، ثم أعدتُها إلى أماكنها ، حتى استقر اختياري على فستان نبيتي قصير بعض الشيء .

ارتديته ، وصففتُ شعري بعناية و تركته منسدلًا ، ثم وقفتُ أمام المرآة أعدّل تفاصيل صغيرة لا تحتاج إلى تعديل .
وضعتُ عطري المفضل و القليل من مساحيق التجميل .

ثم نظرتُ إلى انعكاسي مرة أخرى .
ابتسمتُ لنفسي بخجل .
لماذا أفعل كل هذا؟
أنا لا أنتظر مناسبة ، و لا ذاهبة إلى مكان .
أنا فقط ...
أنتظر زوجي .. حبيبي .
لكنني هذه المرة لم أكن أنتظره كعادتي .
كنتُ أنتظره لأخبره أنني أحبه و قلبي يخفق بشدة .

بعد الحادث ..  استيقظتُ بعد ذلك اليوم وأنا لا أعرف شيئًا عن الرجل الذي كان يحدق بي بعينين ممتلئتين بالخوف و الحب .
أما اليوم ...
فقد عدتُ إليه بإرادتي .
لم أكتفِ باختيار ثوبي ؛ بل ذهبتُ إلى المطبخ، وبدأتُ أُعدّ العشاء بنفسي .

لم أعرف لماذا شعرتُ برغبة شديدة في أن أفعل كل شيء بيدي ، و كأنني أريد أن تكون هذه الليلة مختلفة عن كل ليلة سبقتها .

أعددتُ الأطباق التي أعرف أنه يحبها ، ورتبتُها بعناية فوق المائدة ، ثم وضعتُ طبقًا أمام مقعده وآخر أمام مقعدي .

أشعلتُ بعض الشموع الصغيرة، وخفّضتُ إضاءة الغرفة، ثم ابتعدتُ قليلًا لأتأمل ما فعلت.

ابتسمتُ.

كان المشهد بسيطًا، لكنه بدا لي جميلًا.
عدّلتُ إحدى الشموع التي مالت قليلًا، ثم وضعتُ السوار في مكان واضح حول معصمي.

كل شيء كان جاهزًا .
لم يبقَ سوى هو .

قطع تفكيري رنين هاتفي ، أخذته فبإذا بها " غادة "
ألقيتُ السلام و ردت عليّ و قلت : " عاملة ايه ؟ وحشتيني بجد ."
ضحكت و قالت : "الحمد لله و انتي كمان بجد .. عندي ليكي مفاجأة ."
قلتُ : " مفاجأة ايه ؟"
قالت بحماس : " خمني .."
أخذتُ أفكر قليلًا و قلت : " مش عارفة .. ايه مش هتيجي الكلية بكره ؟ "
قالت باستنكار : " ليه هو انتي رايحة الكلية بكره ؟"
أومأت ( و يكأنها تراني ) ..
أكمَلَت : " لولا فوقي بكره الجمعة ."
قهقهت و قلت بذهول : " و الله نسيت خالص ."
قالت : " اللي واخد عقلك ."
ألقيتُ نظرة على السوار ثم الباب ..
قلتُ لها : " قولي المفاجأة يلا ."
قالت بحماس : " مش هتصدقي يا آلاء ميعاد خطوبتي اتحدد .!"
قلت متفاجأة : " بجد ؟ بتهزري ! "
قالت بابتسامة : " و الله مش بهزر عمرو عزمنا انهاردة و بإذن الله الخطوبة الاسبوع الجاي ."
قلتُ بفرحة : " الف مبارك يا غادة بجد ربنا يتمم لك على خير .. انتي تستاهلي كل خير .. أحكيلي بالتفصيل يا سلوى أرجوكي ."

حكت لي ما حدث اليوم و أستمعتُ إليها إلى أن انتهت و ودعدتها .
كنت أشعر بالسعادة ، فحقًا لا أريد إلا أن أراها بخير و سعيدة .

جلستُ أنتظر حبيب بعد أن تفحصت المكان و ذهبتُ لأرتب ملابسي و شعري و أجدد عطري .

قلبي يزداد خفقانًا كلما اقترب الوقت .
لم أكن أعرف إن كنتُ سأستطيع قول ما أريد .
كنتُ أعرف فقط أنني أريد أن أراه سعيدًا .

---

( حبيب )

دخلتُ المنزل وأنا أُفكر في يوم العمل الطويل ، ولم أكن أتوقع شيئًا سوى أن أجد آلاء كعادتها في استقبالي .
لكنني ما إن فتحتُ الباب حتى توقفت .

كانت الإضاءة خافتة ، و الشموع موزعة حول المائدة ، ورائحة الطعام تملأ المكان .

ثم رأيتها .

كانت واقفة أمام المائدة ، ترتدي فستانًا قصيرًا أنيقًا و بلوني المفضل . كان شعرها منسدلًا بعفوية حول وجهها و ظهرها كما أحب ، و ملامحها هادئة  و على وجهها ابتسامة جعلتني أنسى للحظة كيف أتكلم .
نظرتُ حولي ، ثم إليها و قلت : " إيه ده كله ؟"
ضحكت بخجل : " العشاء ."
نظرتُ إلى المائدة مرة أخرى و قلت : " انتي اللي عملتي كل ده ؟"
هزت رأسها : " ايوا ."
لم أستطع منع ابتسامتي .

و فجأة اقتربت مني بخطوات هادئة ، ثم احتضنتني فجأة و هي تقول بابتسامة :"حمدًا لله على سلامتك ."
تجمدتُ في مكاني للحظة .
لم أكن مستعدًا لهذه المبادرة منها ، و كأن عقلي احتاج ثواني ليستوعب ما حدث . وصلتني رائحة عطرها الهادئة ، فتنفست بعمق و أنا أبتسم دون إرادة مني .
وضعتُ يدي على ظهرها برفق ، وقلتُ و أنا أحاول إخفاء ارتباكي : "الله يسلمك يا آلائي ."

ابتعدت عني قليلًا ، فوجدتُ ابتسامتها أمامي .
وقتها أدركت أن كل إرهاق يوم العمل اختفى في لحظة واحدة .
كان يكفيني أن أعود إلى البيت و أجدها في انتظاري ..

قالت و هي ما زالت قريبة مني : " زمانك تعبان طول اليوم .. حبيت أعمل لك الأكل اللي أنت بتحبه ."

قلت لها بابتسامة : " يعني تعبتي نفسك ليه بس ؟ "

همست في أذني قائلة : " ده أقل حاجة اعملها عشانك ."
اتسعت عيناي فابتعدت عني و أخذت بيدي و هي تقول : " أنا جهزت لك الحمام .. و حطيت لك هدومك على السرير .. روح غير و أنا مستنياك ."
رفعتُ حاجبي و قلت : " من امتى الحنية دي كلها ؟ "
ابتسمَت و قالت : " من اللحظة دي ."
لم أفهم مقصدها لكنني تجاهلت الأمر و ذهبتُ و استحممت ، ثم ارتديت ملابسي التي كانت عبارة عن تيشيرت أسود و بنطالًا أسود .
وقفتُ أمام المرآة أرتب شعري بعناية ، و وضعت قليلًا من عطري المفضل .
تأملتُ مظهري للحظات ، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة .
يبدو أنني أهتم بمظهري أكثر من المعتاد الليلة ...

جلستُ مع آلاء ، وتناولنا العشاء وسط ضحكات متقطعة و حديث بسيط عن يومنا و أخبرتني عن خطبة غادة .

كنتُ أراقبها بين حين و آخر .
كانت مختلفة .. هادئة ، لكنها سعيدة .

تبتسم كثيرًا ، وتنظر إليّ بنظرات لم أستطع تفسيرها .
وبينما كنتُ أرفع كوب الماء ، قالت فجأة : " حبيب ؟"
" هممم ؟ "
" تعالى نرقص ."

كدتُ أختنق .
وضعتُ الكوب على المائدة ونظرت إليها بدهشة : " نرقص؟"

ضحكَت : "آه .."
" هنرقص على أغنية ؟"
هزت رأسها بالنفي ، ثم وقفت : " مش محتاجين ."

مدّت يدها نحوي .
نظرتُ إلى يدها للحظات ، ثم إليها .
لم أعرف ماذا حدث لها اليوم ، لكنني كنت مستعدًا لأن أفعل أي شيء تطلبه مني .
أمسكتُ يدها ونهضت .
اقتربت مني ، و وضعت يدها على كتفي ، بينما أحاطت يدي بخصرها برفق .
و بدأنا نتحرك ببطء .
من دون موسيقى .
فقط صوت أنفاسنا و قليل من دندنتها ، وضحكتها الخافتة كلما كادت قدمها أن تتعثر ، و صوت قلبي الذي شعرتُ أنه أعلى من أي أغنية .

وضعتُ ذقني فوق كتفها للحظات : " انتي غريبة النهاردة ."

ضحكت وهي ما تزال بين ذراعي : " وحشة ؟"
" لا طبعًا .. عمرك ما كنتي وحشة في نظري و لا هتكوني ."
ابتعدت قليلًا لتنظر في عيني : " اومال ؟"
ابتسمت و قلت : " أحلى من أي يوم ."
احمر وجهها ، و خفضت عينيها.

ضممتها إليّ من جديد .
وفي تلك اللحظة ، أدركتُ أن شيئًا ما يحدث .
شيء أكبر من عشاء رومانسي أو شموع أو فستان جميل .
كانت تخبئ لي شيئًا .

وبعد لحظات، ابتعدت عني قليلًا ، ونظرَت إلى السوار في معصمها و الذي لم ألاحظه إلا الآن .

ثم رفعت عينيها إليّ و قالت : " لقيت السوار ده الصبح ."
توقفتُ قليلًا ثم قلتُ لها : " وعرفتي إنه مني ؟"
ابتسمت و قالت : " عرفت إنه منك  ."
ثم سكتت قليلًا ثم قالت : " و افتكرت اليوم اللي اديتهولي فيه ."

شعرتُ بأن قلبي بدأ يخفق أسرع ..
قلتُ بسرعة : " افتكرتي إيه ؟"

بدأت تحكي لي عن الذكرى ، عن السوار ، عن كلماتي لها .
كنتُ أستمع إليها وكأنني أستمع إلى جزء من حياتي يعود أمام عيني .
وحين انتهت، أمسكت يدي و قالت : " حبيب ... أنا عايزة أقولك حاجة ."

نظرتُ إليها مترقبًا ..
كانت متوترة .. لكنها لم تتراجع .

أخذَت نفسًا عميقًا، ثم قالت : " أنا بحبك ."

توقفت أنفاسي و شعرتُ و كأن الزمن توقف للحظة .
اختفت أصوات العالم من حولي ، و لم أعد أرى أمامي سوى آلاء .
لم أعرف كم مرّ من الوقت و أنا أحدق بها و قلبي يخفق بقوة .
غير قادر على تصديق ما سمعته .

فابتسمت و هي تكررها : " بحبك يا حبيب .."
لم أتمالك نفسي .
ضحكتُ من شدة الفرح، وشعرتُ بعيني تمتلئان بالدموع : " قوليها تاني ."

ضحكَت وهي تمسح دمعة سقطت على خدي دون إذني :  " ليه؟"
" عشان أنا مستنيها من زمان . "

اقتربَت مني أكثر و همست بخجل : " بحبك .. بحبك .. بحبك .."

أغمضتُ عيني للحظة .
المرة الأولى التي قالتها لي كانت قبل الحادث .

أما هذه المرة ...
فقد كانت أجمل ؛ لأنها لم تقلها لأنها تتذكر .
قالتها لأنها تشعر .
لأن قلبها ، رغم كل ما فقده عقلها ، ظل يعرفني .

فتحتُ عيني ، و احتضنتها بقوة : " و أنا بحبك من قبل ما تعرفي يعني إيه حب و أكتر مما تتخيلي ."

ضحكت بين ذراعي .
رفعتُ وجهها إليّ، ومسحت دموعها بأطراف أصابعي ، ثم طبعت قبلة هادئة على جبينها .
استقرت رأسها على صدري ، و بقيتُ أضمها إلى أن هدأت أنفاسها .

حملتها برفق ودخلتُ بها إلى الغرفة، ثم وضعتها برفق على طرف السرير .
كنتُ أشعر و كأنني أطير من شدة الفرح ، بينما كانت هي تخفض عينيها من شدة الخجل ، ولم تستطع أن تمنع ضحكتها الصغيرة .

نظرتُ إليها مبتسمًا وقلتُ بمزاح : " انتي بتاعتي انهاردة يا آلائي ."
ضحكت بدلال ، فابتسمتُ أكثر .
و في تلك اللحظة، لم أشعر إلا بامتنان كبير لأنها أصبحت جزءًا من حياتي ، و أن وجودها بجانبي صار واحدًا من أجمل الأشياء التي أملكها .
و في تلك الليلة ، لم نحتج إلى كلمات كثيرة .
كان يكفينا أننا وجدنا بعضنا من جديد .

و حين خفت ضوء الشموع واحدة تلو الأخرى ، بقيت الغرفة غارقة في دفءٍ هادئ ، وأُغلق بابها خلفهما ...
ليترك ما حدث بعد ذلك سرًا جميلًا لا يخص سواهما .

بينما في مكانٍ آخر ، بعيدًا عن تلك الأجواء الهادئة، كانت هناك عيونٌ تراقب من بعيد ، وقلوبٌ امتلأت بالحقد والغيرة ... كانت تُدبّر في الخفاء شيئًا لم يكن أحدٌ يعلم عنه شيئًا ، بينما الأيام القادمة تحمل مفاجأةً لم تخطر لهم على بال .

( يتبع ...)..



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة