
رواية آلاء من الله الفصل السادس والعشرون 26 بقلم حنين سامي
(آلاء)
ظللتُ أحدق في الصورة، وكأنني أنتظر أن أجد فيها شيئًا يثبت لي أنها ليست حقيقية.
لكنها كانت واضحة.
كان حبيب.
يجلس في مكان يشبه أحد أماكن السهر، يرتدي ملابس مختلفة تمامًا عن التي اعتدت رؤيته بها، وفي يده سيجارة، وأمامه أشياء جعلتني أدرك أن هذا المكان ليس من الأماكن التي اعتدتُ أن أراه فيها.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
ظللتُ أحدق فيها وأنا أشعر أن شيئًا باردًا يتسلل إلى صدري.
"إيه ده بجد..؟"
كبرتُ الصورة بأصابع مرتجفة، كان وجهه واضحًا..
ليس شخصًا يشبهه..
ليست صورة مفبركة..
إنه هو.
مررتُ إصبعي على الشاشة، وكأنني أبحث عن شيء قد يطمئنني، عن أي تفصيلة تثبت أنني مخطئة، لكن الصورة ظلت كما هي.
لم أكن أعرف متى التُقطت الصورة، ولا من أرسلها، ولا كيف وصلت إليه.
لكن أكثر ما أخافني هو أنني لم أعرف هذا الجانب من حياته.
أغلقتُ الصورة، ثم فتحتها مرة أخرى.
"حبيب..."
همستُ باسمه، وكأنني أنتظر أن يجيبني من داخل الصورة.
تذكرتُه وهو يصلي معي، وهو يطمئنني كلما شعرتُ بالخوف، وهو يحدثني عن نفسه وعن حياته.. فكيف يمكن أن يكون هذا هو الشخص نفسه؟
ألم أعرفه حقًا، أم أنني لم أعرف عنه إلا ما أراد هو أن أعرفه؟
وضعتُ الهاتف على السرير، ثم نهضت وبدأت أتحرك في الغرفة بلا هدف.
حبيب الذي أعرفه..!
حبيب الذي يصلي معي..!
حبيب الذي حدثني عن النظام وعن نفسه..!
جلستُ مرة أخرى، وأخذتُ الهاتف بين يدي.
"بس الصورة قديمة.."
قلتها لنفسي، دون أن أعرف لماذا شعرت أنني أحاول الدفاع عنه، رغم أنني لا أملك ما يثبت لي شيئًا.
بدأتُ أفكر في الرسائل السابقة.
"لو عايزة تعرفي حبيب على حقيقته..."
"روحي مكتبه."
ثم هذه الصورة.
لم يعد الأمر يبدو عشوائيًا.
كان هناك شخص يتعمد أن يجعلني أشك في زوجي.
لكن لماذا؟
ولماذا يعرف عن حبيب أشياء لا أعرفها أنا؟
ترددتُ طويلًا قبل أن أفتح المحادثة.
لأول مرة منذ بدأت هذه الرسائل، قررتُ أن أرسل أنا رسالة.
كتبتُ:
"إنت مين؟ وليه بتعمل كده؟"
ظللتُ أحدق في الشاشة.
مرت ثوانٍ.
ثم دقيقة.
وفجأة ظهر: "لأني عايز أساعدك."
عقدتُ حاجبي وكتبتُ بسرعة: "تساعدني في إيه؟ إنك تخليني أشك في جوزي؟"
جاء الرد: "أنا مش بطلب منك تصدقي أي حاجة. أنا بس عايزك تعرفي الحقيقة بنفسك."
"أنهي حقيقة؟"
تأخر الرد قليلًا.
ثم وصلت رسالة: "الحقيقة اللي حبيب مخبيها عنك."
شعرتُ بانقباض في صدري.
كتبتُ: "مهو لو أنت صادق بجد قول بدل اللف والدوران."
جاء الرد: "مش كل حاجة تتقال مرة واحدة."
ضيقتُ عيني.
"طب والصورة دي؟"
"الصورة حقيقية."
توقفتُ.
شعرتُ بقلبي يهبط إلى مكان ما في صدري.
كتبتُ: "امتى اتصورت؟"
لم يرد.. انتظرتُ..
ثم ظهرت رسالة أخرى: "اسأليه بنفسك."
حدقتُ في الشاشة.
ثم كتبتُ: "وليه أنت مهتم بيا أصلًا؟"
جاء الرد: "لأنك تستحقي تعرفي الحقيقة عن حياتك."
ثم اختفى الشخص من المحادثة.
لم أستطع معرفة هل أغلق هاتفه أم تعمد ألا يرد.
وضعتُ الهاتف بجانبي، وشعرتُ بالإرهاق.
كلما حاولتُ أن أصل إلى إجابة، ظهرت أمامي أسئلة أكثر.
أنا حتى لا أعرف متى التُقطت هذه الصورة.
ولا أعرف ما الذي كان يفعله حبيب وقتها.
ولا أعرف لماذا أشعر أن هناك جزءًا كاملًا من حياتي يقف خلف باب مغلق في رأسي.
استلقيتُ على السرير، وأغمضتُ عيني.
حاولتُ أن أنام.
لكن النوم لم يأتِ.
كلما أغمضتُ عيني ظهرت الصورة أمامي، فأفتحها من جديد وكأنني أهرب منها، لأجد نفسي أفكر فيها مرة أخرى.
تنهدتُ بضيق.
"كفاية بقا... يمكن كل ده كدب..."
حاولتُ أن أهدئ نفسي، لكن القلق كان أقوى مني.
وبعد فترة، سمعتُ صوت الباب يُفتح.
التفتُّ بسرعة.. كان حبيب.
دخل الغرفة بهدوء، وما إن رآني مستيقظة حتى قال: "لسه منمتيش؟"
هززتُ رأسي نافية.
اقترب مني وجلس على طرف السرير وقال: "مالك يا حبيبتي؟"
"مش عارفة أنام."
نظر إليّ للحظات، ثم قال: "من التفكير؟"
تنهدتُ ولم أجب.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وكأنه فهم.
مد يده إليّ، وقال: "تعالي."
ترددتُ لحظة، ثم اقتربتُ منه.
احتواني بهدوء، ووضع يده حولي، ثم قال: "متفكريش في حاجة دلوقتي، كل حاجة هتبقى كويسة بإذن الله."
سكتُّ.
شعرتُ بأنفاسه الهادئة، وبيده تربت على كتفي.
ثم قال بصوت حنون: "أنا هنا."
أغمضتُ عيني.
للحظات قليلة، شعرتُ بالأمان.
ذلك الشعور الذي اعتدتُ أن أشعر به بجواره دون أن أفكر.
لكن حتى وأنا بين ذراعيه، لم أستطع منع السؤال من العودة إلى رأسي.
هل كنتُ أشعر بهذا الأمان معه قبل أن أفقد ذاكرتي أيضًا؟
قبّل رأسي برفق، ثم قال: "نامي يا آلائي."
همستُ: "حاضر."
استلقى بجانبي، وبقي قريبًا مني حتى بدأتُ أشعر بالنعاس.
لكن قبل أن أغمض عيني تمامًا، نظرتُ إليه مرة أخرى.
كان وجهه هادئًا، ولم أجد فيه ما يخيفني.
ومع ذلك، ظلت الصورة عالقة في رأسي.
هل يمكن أن يكون الشخص المجهول كاذبًا؟
أم أن هناك بالفعل أشياء لا أعرفها عن الرجل الذي أعيش معه؟
أغمضتُ عيني، لكن شيئًا في داخلي ظل مستيقظًا.
شيء يطالبني بمعرفة الحقيقة...
مهما كانت.
استيقظتُ في اليوم التالي وأنا أشعر بثقلٍ غريب في رأسي.
فتحتُ عيني ببطء، وظللتُ للحظات أحدق في السقف، أحاول أن أرتب ما حدث خلال الأيام الماضية.
الرسائل.
الصورة.
التليفون القديم.
وحبيب...
وضعتُ يدي على جبيني وتنهدتُ.
لم أكن أريد أن أبدأ يومي بالتفكير في كل ذلك، لذلك نهضتُ من السرير واتجهتُ إلى الحمام.
وبعد قليل خرجتُ لأجد حبيب قد استيقظ هو الآخر.
قال وهو ينظر إليّ: "صباح الخير."
ابتسمتُ ابتسامة صغيرة وقلت: "صباح النور."
نظر إليّ للحظات، ثم قال: "نمتي كويس؟"
ترددتُ قليلًا، ثم قلت: "أحسن من امبارح."
أومأ، ولم يسألني أكثر.
كنتُ ممتنة له لأنه لم يضغط عليّ.
بعد أن تناولنا الإفطار، أخبرني أننا سنذهب إلى منزل أهلي لبعض الوقت.
ارتحتُ للفكرة.
كنتُ بحاجة إلى أن أرى أمي وأبي، وأبتعد قليلًا عن التفكير في كل ما يحدث.
وصلنا إلى منزل أهلي بعد وقت قصير.
استقبلتنا أمي بابتسامتها المعتادة، وما إن دخلنا حتى بدأت تسألني عن دراستي وصحتي، بينما كان أبي يتحدث مع حبيب في الصالة.
جلستُ مع أمي قليلًا، ثم دخلتُ إلى المطبخ لأساعدها.
وبعد فترة، اجتمعنا جميعًا في الصالة.
كان الجو هادئًا، والحديث انتقل من موضوع إلى آخر.
شعرتُ لأول مرة منذ فترة أن رأسي بدأ يهدأ.
إلى أن حدث شيء بسيط جدًا...
كنتُ أحمل أكوابًا من عصير المانجا، وبينما أضعه على الطاولة، انزلق كوب وسقط على الأرض.
نهض حبيب من مكانه وهو يقول بضحكة: "خير.. دلق المانجا خير."
توقفتُ.
نظرتُ إلى الأرض، ثم إليه..
وفجأة...
شعرتُ بشيء يضرب رأسي كوميض سريع.
رأيتُ مكانًا آخر.
نفس البيت.
لكنني كنتُ مختلفة قليلًا.
كنت أعطي كوبًا من المانجا لحبيب، وفجأة سقط عليه..!
كان يجلس أمامي ويحاول تجفيف ملابسه وهو يقول: "خير خير.. دلق المانجا خير."
اختفى المشهد في اللحظة نفسها.
رمشتُ عدة مرات.
وضعتُ يدي على رأسي، محاوِلةً استيعاب ما رأيت.
"آلاء؟"
جاءني صوت أمي.
رفعتُ عيني إليها.
"إيه يا ماما؟"
اقتربت مني بقلق.
"مالك؟ وشك اتغير فجأة."
نظرتُ إلى المانجا الموجودة على الأرض، ثم إلى حبيب.
للمرة الأولى منذ فقدتُ ذاكرتي، لم يكن ما أشعر به مجرد محاولة لتخيّل ماضٍ لا أتذكره.
لقد رأيتُه.
رأيتُ نفسي معه، في لحظة حقيقية من حياتنا.
ثم قلتُ ببطء: "أنا... حاسه إن في موقف حصل قبل كده زي ده."
جاء حبيب من الصالة بعدما سمع صوت أمي.
"في إيه؟"
نظرتُ إليه.
لم أعرف لماذا شعرتُ بشيء غريب في صدري عندما رأيته، وكأن ملامحه المألوفة أصبحت تحمل ذكرى لا أستطيع الوصول إليها كاملة.
قلت: "افتكرت يوم ما جيت تتعرف عليا."
اتسعت عيناه قليلًا وقال: "افتكرتي؟"
أومأتُ وقلت: "مش كل حاجة... بس افتكرت لما المانجا وقعت عليك، وإنت قلت لي نفس الجملة: دلق المانجا خير."
ابتسم حبيب دون أن يشعر وقال: "أيوا ... هو ده يوم يتنسي ."
نظرتُ إليه باستغراب وقلت: "يعني الكلام ده حصل فعلًا؟"
ضحك وقال: "آه.."
ثم اقترب مني وهمس: "بس يومها انتي اللي وقعتي المانجا عليا قاصدة."
نظرتُ إليه بذهول وقلت: "أنا؟ ليه؟"
نظر إليّ مطولًا، ثم تجاهل الأمر.
سكتنا للحظات..
كان الأمر بسيطًا جدًا.. مجرد ذكرى صغيرة.
لكنها جعلتني أشعر بشيء لم أشعر به منذ فقدتُ ذاكرتي.
كأن جزءًا من حياتي كان بعيدًا عني، ثم عاد للحظة قصيرة، تاركًا خلفه شعورًا بالحنين لا أعرف كيف أفسره.
قال حبيب بهدوء: "متستعجليش نفسك يا آلائي.. الذكريات هترجع واحدة واحدة، والحمد لله فيه تقدم."
نظرتُ إليه.
"أنا نفسي مش فاهمة ليه افتكرتها دلوقتي."
"يمكن عشان الموقف اتكرر."
ابتسمتُ قليلًا وقلت: "يعني المانجا هي السبب؟"
قال مازحًا: "واضح إن ليها فضل علينا دلوقتي."
ضحكتُ رغمًا عني.
وعاد الجو إلى طبيعته.
لكن داخلي لم يعد كما كان.
لأول مرة شعرتُ أن ذاكرتي ليست مغلقة تمامًا.
هناك أشياء ما زالت موجودة في مكان ما بداخلي.
وأنا سأجدها.
مر اليوم بهدوء...
تحدثنا كثيرًا، وتناولتُ الغداء مع أهلي، ثم عدنا إلى المنزل في المساء.
كنتُ طوال الطريق أفكر في الذكرى التي عادت إليّ.
لم تكن مؤلمة، ولم تجعلني خائفة.
على العكس...
جعلتني أشعر بالحنين إلى شيء لا أستطيع حتى أن أتذكره كاملًا.
عندما وصلنا إلى البيت، دخلنا وبدّلنا ملابسنا، ثم جلسنا قليلًا في الصالة.
كان حبيب يتحدث عن بعض الأمور المتعلقة بالعمل، وأنا أستمع إليه.
رن هاتفي.
نظرتُ إلى الشاشة.
لكنني لم أفتح الرسالة.
قلت: "هروح الحمام وجايه."
أومأ وقال: "ماشي يا حبيبتي."
غادرتُ الصالة، ثم اتجهتُ إلى الحمام.
(حبيب)
جلستُ وحدي في الصالة.
كان اليوم هادئًا، لكن عقلي لم يكن كذلك.
منذ أن رأيتُ التغير الذي حدث لآلاء عندما تذكرت يوم مجيئي إليها، وأنا أفكر في الأمر.
ربما بدأت ذاكرتها فعلًا تعود.
ربما كل ما تحتاجه هو الوقت.
ابتسمتُ لنفسي، وشعرتُ بشيء من الراحة لم أشعر به منذ فترة.
ثم سمعتُ صوت إشعار من هاتف آلاء الموضوع على الطاولة.
التفتُّ إليه بصورة تلقائية.
ظهرت رسالة على الشاشة.
رقم مجهول.
لم أمد يدي إلى الهاتف في البداية.
لكن جزءًا من الرسالة ظهر أمامي: "فاكرة الصورة؟..."
تجمدتُ.
اختفت ابتسامتي في لحظة، وشعرتُ بأن عضلات فكي تشتد دون إرادة مني.
ثم ظهرت رسالة أخرى.
"لسه عندي حاجات أكتر..."
اشتد فكي أكثر.
إذن الأمر مستمر..
ولم يكن مجرد شخص عابر يريد مضايقتها.
نظرتُ نحو باب الحمام.
آلاء لم تكن تعرف أنني رأيت الرسالة.
ترددتُ للحظة، ثم أمسكتُ الهاتف وفتحتُ المحادثة.
قرأتُ الرسائل السابقة.
وكلما انتقلتُ من رسالة إلى أخرى، ازداد الغضب داخلي.
ثم وقعت عيناي على الصورة.
تجمدتُ مكاني.
هذه الصورة تعود إليّ..!
من أين أتى بهذه الصورة؟! ومَن هذا حتى يرسلها إلى زوجتي؟!
هذه الصورة قديمة، قبل أن أتوب..
صورة من ماضٍ ظننتُ أنني تجاوزته، ولم يخطر ببالي يومًا أن يأتي شخص ما ليستخدمه ضدّي، والأدهى أن يضعه أمام آلاء في الوقت الذي تحاول فيه استعادة ذكرياتها.
أغلقتُ عيني للحظة، محاولًا السيطرة على غضبي.
لم يكن خوفي على نفسي، ولا على الصورة التي قد تتكون عني.
كان خوفي من أن تنظر إليّ آلاء يومًا بعينين لا تعرفانني، فتصدّق عني أشياء لا تعرف قصتها كاملة.
هناك شخص يتعمد أن يجعلها تشك فيّ.
لكن من يكون؟
ولماذا الآن؟
أمسكتُ هاتفي ونسختُ الرقم، ثم بدأتُ أبحث عنه.
بحثتُ في جهات الاتصال.
لا شيء.
فتحتُ أحد التطبيقات التي يمكن أن تُظهر اسم صاحب الرقم.
ظهرت نتيجة أولية...
لكن الاسم لم يكن واضحًا.
ظللتُ أحدق في الشاشة، أحاول أن أجد خيطًا واحدًا يقودني إلى صاحبه.
"إنت مين؟"
رفعتُ عيني عندما سمعتُ صوت باب الحمام يُفتح.
وضعتُ الهاتف مكانه بسرعة.
خرجت آلاء وهي تجفف شعرها، ثم نظرت إليّ وقالت: "في إيه؟"
ابتسمتُ بهدوء مصطنع وقلت: "ولا حاجة.."
اقتربت وجلست، ثم قالت: "في حاجة حصلت؟"
نظرتُ إليها للحظات.
كنتُ على وشك أن أسألها عن الرسالة، وأن أخبرها بما رأيت.
لكنني تراجعت.
ليس الآن.
لا أريد أن أزيد قلقها قبل أن أعرف من يقف خلف هذا الأمر، ولا أريد أن أتهم أحدًا دون دليل.
نظرتُ إليها مرة أخرى، وحاولتُ أن أبدو طبيعيًا.
لكن شيئًا واحدًا كان قد استقر في رأسي.
لن أسمح لهذا الشخص بأن يستمر في العبث بحياتها، أو أن يحوّل ماضيّ إلى سلاح يؤذيها به.
هذه المرة، لن أنتظر حتى يصل إليّ الخطر.
سأصل إليه أنا.
نظرتُ إلى الهاتف في صمت، وكررتُ في داخلي القرار نفسه:
"سأعرف صاحب الرقم مهما كان."
(يتبع...)...