
رواية الدياجي بينهما الفصل العاشر 10 بقلم رولا هاني
تمايل خصرها كالأفعى بحركاتٍ احترافيةٍ، وهي تحرك كلا ذراعيها ببطء، فتحت جفنيها وراحت ترمق من أمامها بنظراتٍ ضاحكة تميزت بها، مالت بظهرها كله للخلف وأخذت تهز كتفيها بإغواء وسط ذلك التصفيق الحار الذي وقع على مسامعها، ثم اعتدلت في وقفتها لتتوقف الموسيقى مزامنةً لما فعلته.
تحركت "وصال" للأمام؛ لتقف قبالة منضدة ما هاتفة ببشاشةٍ والبسمة لا تفارق وجهها:
-"هيثم" باشا منورنا.
جلست على ذلك الكرسي الفارغ، وامتدحت أكثر وأكثر في زبونها السخي والكريم:
-قال وأنا أقول المكان منور ليه، أتاريك فيه.
رد "هيثم" عليها ببساطةٍ اعتادتها منه، وكان ذلك أكثر ما جعل التودد بينهما متأججًا، بينما هي تثبت نظراتها اللعوب على ذلك الأشقر مجهول الهوية الذي جلست قبالته:
-تسلمي يا "وصال".
تابعته بنظراتٍ أخرى غير تلك المصطنعة التي اعتادت بثها؛ لكونها راقصة بملهى ليلى. كانت خصلاته شقراء، عيناه صافيتان بلون السماء في نهارٍ مبهجٍ، بشرته بيضاء، وجهه أملس، ومن تأملها لهيئة جسده زكنت كونه متوسط القامة، ونحيفًا إلى حد ما، ملابسه مهندمة قميص أسود وبنطال كلاسيكي يماثله في اللون. كانت نظراته تائهة وغير مثبتة على مكانٍ محددٍ، فقط يتأمل المكان بعينين فضوليتين؛ لذا هتفت بعدها باهتمامٍ لم تستطع السيطرة عليه:
-مش هتعرفنا يا "هيثم" باشا على الزبون الجديد.
رد "هيثم" تلقائيًا وهو يرتشف من كأس الخمر عدة رشفات:
-ده "أمان" يا ستي.
وبعفوية ما إن وقع اسمه على مسامعه راح يطالعهم بترقبٍ، بينما "هيثم" يسترسل حديثه باستهزاءٍ:
-على الهادي عليه يا "وصال" عشان الزبون مستجد.
هتفت وقتها بإعجابٍ وهي تتفحصه بنظراتها:
-اسمك حلو أوي.
رمقها برويةٍ قبل أن يتساءل بصوتٍ عالٍ - نظرًا لصوت الموسيقى العالي - موجه حديثه لصديقه:
-أرد أقول إيه؟
تعالت ضحكاتها رغمًا عنها، وحاولت قدر المستطاع التوقف عن تحديجه بتأملٍ مثير للريبة هكذا، ثم قطع الصمت صوت "هيثم" الذي خرج بتصميمٍ:
-يابني خدلك درينك بقى إنتَ هتفضل ماسكلي ف عصير البرتقال ده.
ثم استكمل ساخرًا:
-فاكر نفسك قاعد على كافيه تحت مدرسة السعدية الثانوية بنين.
التقطت "وصال" كأس الخمر وجلست بجانب ذلك الغامض، ثم استطردت ببسمةٍ واسعةٍ:
-أشرب يا "أمان" باشا دة شوت صغير مش هيأثر في حاجة.
هتف "أمان" وقتها في عصبية موجهًا حديثه لرفيقه:
-ما قولنا مش بتزفت أشرب يا "هيثم".
حوّلت نظراتها ناحية "هيثم" الذي وجّه لها إشارة خفيفة بكف يده؛ حتى تتوقف عن محاولاتها، ثم تابعته وهو يراقب هاتفه لتنقلب سحنته على حين غرة، وخلال لحظات هتف على عجالةٍ وهو ينهض من مجلسه:
-"أمان" أنا لازم أمشي ضروري، في مشكلة كبيرة في البيت.
ثم تابع بتكدرٍ وهو يسحب معطفه ليرتديه متأهبًا للذهاب:
-مراتي شكلها فتحت دماغ الشغالة الجديدة.
كاد "أمان" أن ينهض معه ولكنه أوقفه بإشارة أخرى قائلًا:
-خليك قاعد هتنبسط متقلقش.. إنتَ محتاج تفك من المود الزفت اللي إنتَ فيه كدة كدة.
وخلال لحظات اختفى "هيثم" من المكان، بينما هي يدور بذهنها ما تفوّه به منذ قليل؛ لذا وبعد صمت دام لعدة دقائق هتفت هي بمزاحٍ:
-قالتلك خلينا أخوات ولا إيه.
نظر لها مطولًا، ثم هتف بتهكمٍ:
-وعرفتي منين بقى يا فالحة؟
طالعته من الأعلى للأسفل، وصدرت ضحكتها الخفيفة قائلة:
-ما باين.
-قصدك إيه!؟
-مش قصدي بس إنتَ مش التايب بتاع الجيل ده يعني.
دقدق بأصابعه على المنضدة ونظر لها بغيظٍ، ثم هتف بفضولٍ راوده فجأة:
-جيل!...ليه إنتِ عندك كام سنة؟
حدقت فيه بمشاكسةٍ، ثم هتفت بنبرةٍ ضاحكةٍ كعادتها:
-هو مفيش راجل يسأل ست السؤال ده، بس أنا عيوني لأي حد من طرف "هيثم" باشا...انا عندي ٢٧ سنة.
-انا ٢٩.
وفجأة انكمشت تعابير وجهه بانزعاجٍ عندما تعالى صوت الموسيقى بالمكان أكثر؛ لذا هتف وقد لاح على وجهه تعابير العبوس بوضوحٍ:
-هو إحنا ينفع نمشي؟
تفاجأت من طلبه المباغت، فهتفت في حذرٍ وهي تتأهب للنهوض:
-طب ممكن بس أروح أغير هدومي؟
أومأ لها في صمتٍ، فنهضت في الحال وتراكضت في خطواتها وفضولها يقودها تجاه اكتشاف ذلك المريب!
_________________________________________
أحاطت ركبتيها بذراعيها وظلت على تلك الأريكة كالصنم لا تتحرك، حتى عبراتها كانت متحجرة بمقلتيها في مشهد يجسد كل معاني الألم والكرب.
تذارف الدمع أخيرًا من بين أعينها، وظلت تئن المسكينة بنبرةٍ مكتومةٍ، فخرجت شهقاتها بصعوبةٍ وجسدها يرتجف من فرط البرودة. هي حتى لم تُعر الانتباه لجسدها العاري؛ حتى تستره بأي ملابس، فقط ظلت هكذا ملتفة بذلك الغطاء بعدما خرجت من الغرفة التي حدث فيها ما قتل آخر ما تبقى من روحها، فهي لم تحتمل البقاء بها وكأن هناك ما يطبق على عنقها!
وفجأة استمعت لصوت الباب يُفتح، فشخصت أنظارها تجاهه.
دلف "عمير" وأغلق الباب بعدما فتحه بمقدارٍ صغيرٍ متعمدٍ، ثم تقدم ناحيتها وقال بنبرته الجافة:
-كنت عامل حساب إنك ممكن تبقي لسة بالمنظر ده.
ثم استكمل وهو يشيح بأنظاره عنها:
-قومي البسي هدومك الدكتور اللي هيشوف كتفك موجود برا.
لاح على ثغرها بسمة تهكمية جانبية ولم تُعره انتباهًا؛ لذا هتف وقتها باغتياظٍ وهو يتراجع بخطواته:
-خلاص خليكي بالمنظر ده وأنا هدخله كده كده مبيفرقلكيش.
لم تستفزها كلماته كالعادة، فقط ظلت هكذا دون أن تنبس بكلمة واحدة، بينما هو يزداد غضبه ليهتف وقتها بنبرة شبه خفيضة مراعاة للطبيب الذي انتظره بالخارج:
-طب قومي بهدوء البسي هدومك الراجل واقف برا.
ثم استطرد بغلٍ:
-أنا ولا فارق معايا يشوفك إزاي إنتِ كده كده رخيصة... بس الوضع ده مش طبيعي ومينفعش يكشف عليكي بالمنظر ده.
صمت!
قابله الصمت مجددًا، وكأنها لا تستمع لصوته من الأساس، وكأنها واقعة في زوبعةٍ عنيفةٍ من التفكير البائس، فكشر هو وقتها عن أنيابه وقال باستفزازٍ:
-هلبسك أنا بنفسي شكل ليكي رغبة في ده.
انتفض جسدها فجأة عندما التقطت أذناها تلك الكلمات التي أشارت لاحتمالية اقترابه منها مجددًا؛ لذا تحاملت على حالها ووقفت وهي تتجه بصعوبةٍ تجاه غرفتها متشبثة بذلك الغطاء اللعين.
أغلقت الباب وارتدت ملابسها على عجالةٍ، ثم خرجت واتجهت للغرفة الثانية، بينما هو يتابعها سائرًا خلفها بتعجبٍ، فهمست هي بتوضيحٍ؛ حتى لا تستمع لصوته البغيض:
-مش عايزة أقعد في الأوضة دي تاني.
تابعها حتى وجدها ترتمي على الفراش، ثم اتجه ناحية باب البيت ليفتح لذلك الطبيب، ولسان حاله يردد سرًا:
-هانت خلاص، كلها ليلة انهاردة وبعدها هوريكي الانتقام بحق وحقيقي.
_________________________________________
-هنا في العربية ولا في شقتك.
عقد "أمان" حاجبيه بعدم فهمٍ حين استمع لتلك الكلمات التي وقعت على مسامعه من قِبَل "وصال" التي جلست بجانبه في سيارته بعدما بدلت ملابسها الخاصة بالرقص؛ لذا هتف باستفسارٍ:
-هو إيه اللي في عربيتي أو شقتي؟
اتسعت حدقتاها بذهولٍ، ثم همست بسخرية بعدما رطبت شفتيها بلسانها:
-ده إنتَ ضايع.
نظر لها مطولًا وكلماتها تدور في ذهنه بلا توقف، وبالفعل وبعد صمت دام لمدة دقيقة تقريبًا استطاع استيعاب مقصدها، فهتف وقتها وهو يسيطر بصعوبةٍ على حالة الاشمئزاز التي باغتته، وكأنه نسي للتو أن من تجلس بجانبه ليست إلا راقصة وفتاة ليل:
-لا أنا مش بتاع العك ده، إنتِ فهمتيني غلط... أنا بس محتاج حد أرغي معاه لا أعرفه ولا يعرفني.
ثم تابع بكلماته الموضحة التي وقعت فوق رأسها كدلو مياه بارد، وبالرغم منه تأججت النيران بصدرها ضيقًا:
-بس متقلقيش فلوسك هديهالك زي أي حد كنتي هتطلعي معاه.
ردت عليه بعدما ازدردت ريقها بصعوبة، وكأنها تحاول لملمة بواقي كرامتها التي تبعثرت بسببه:
-الدكاترة النفسيين ماليين البلد... كان ممكن تروح لأي حد فيهم يسمعك.
وقبل أن تفتح الباب لتخرج قبض هو على معصمها هاتفًا بحرجٍ وهو يطالع مقلتيها بأسفٍ:
-أنا آسف مكانش قصدي أضايقك.
سحبت ذراعها وهي تنفخ الهواء بضجرٍ، ثم قالت بفتورٍ وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
-شوف هنروح فين عشان ترغي مع حد لا يعرفك ولا تعرفه زي ما قولت.
هتف بهدوءٍ وهو يدير محرك السيارة استعدادًا للتحرك:
-هنروح شقتي عشان أكون مرتاح أكتر.
طالعته باستغرابٍ جمٍ، فقد بدا لها محافظًا ولا يبتغي الاقتراب منها، والآن يخبرها بمنتهى البساطة بذهابهما لشقتِهِ... أي مجنونٍ ذلك!؟
_________________________________________
-إنتِ الصبح قال كنتي قاعدة مع الساكن الجديد؟
قالتها "إنعام" وتعابير العصبية بائنة على ملامحها بصورةٍ ملحوظةٍ، وعلى جراء ذلك أصاب ابنتها توتر بالغ، فهمست وقتها "بهجة" بارتباكٍ:
-اة يماما صادفته الصبح وقعدت شوية معاه كنت في البلكونة.
-وإنتِ إزاي تعملي حاجة زي دي... حلو يعني لما جارتنا اللي قدامنا تشوفكوا وتيجي تقولي؟
عضت على شفتيها بحرجٍ وهتفت بطاعةٍ:
-حقك عليا يا ماما مش هكررها... بس صدقيني أنا مكانش في نيتي حاجة وب..
قاطعتها "إنعام" بصرامةٍ، وعيناها تجحظان بصورة تحذيرية بحتة:
-بلا نيتك بلا مش نيتك اللي عندي قولته وده ميتكررش.
ثم تركتها ذاهبة لغرفتها بلا إعطائها فرصة للنقاش، بينما "بهجة" تسبه في سرها؛ بسبب ذلك الموقف السخيف الذي وضعها فيه.
_________________________________________
ولجت معه لداخل الشقة التي ما إن خطت قدماها بداخلها راحت تتفحصها بأعينها. كانت شقة في منطقة راقية، وأجواؤها قمة في الهدوء، وتصميماتها بسيطة وراقية بنفس الوقت دلالة على ذوقه الرفيع، وفجأة أخرجها من تأملها للمكان صوته وهو يحادثها بنبرةٍ عاديةٍ، بينما كان يترك مفاتيحه على المنضدة ويبتدئ في خلع معطفه:
-اتفضلي ارتاحي واقفة ليه؟
تنحنحت بنبرةٍ خفيضةٍ، ثم همت لتتجه ناحية الأريكة التي كانت أمامها، ولكن صوته أوقفها:
-إنتِ مش هتقلعي الجزمة!؟
ازدردت ريقها بتوترٍ، وطالعته بدهشةٍ قبل أن تبتسم بحرجٍ وهي تنخفض بجذعها؛ حتى تبدأ في خلع حذائها، بينما هو يماثلها الفعل في صمتٍ، وبعدما انتهت تقدمت ناحية الأريكة لتجلس عليها وهي ترمقه بترقبٍ.
ارتمى بجانبها وهو يفك أولى أزرار قميصه، حتى وصل للمنتصف وتوقف، ثم قال وهو يوزع نظراته على الشقة مثلها:
-عجبتك الشقة ولا إيه.
-أوي.
-وأنا؟
-إنتَ إيه؟
-مخوفتيش تروحي مع واحد زيي؟
-تبع "هيثم" باشا ثم إنك مش أول حد أخد معاه الريسك دة يعني.
-طب "هيثم" باشا وواثقة فيه... معارف "هيثم" باشا معتقدش إن لازم تثقي فيهم.
رمقته بقلقٍ وراودها شعور الوجل... ذلك الرجل يرمي لشيء ما خطير هي لا تدركه... أيعقل أن يكون ذلك الرجل بملامحه التي تشبه الحمل الوديع ما هو إلا ذئب مفترس متربص لفريسته المسكينة!؟...لذا وبصوتٍ مرتجفٍ همست "وصال" باستفهامٍ:
-قصدك إيه؟..