
رواية الدياجي بينهما الفصل الحادي عشر 11 بقلم رولا هاني
باليوم التالي
حاولت حل وثاقها بكل الطرق، ولكنها فشلت. لعنت "وصال" مرارًا وتكرارًا غباءها الذي أتى بها لهذا المكان اللعين، وأخذت تمرر شريط أحداث الأمس على مخيلتها لعلها تستطيع فك أي لغز؛ لتخرج من ذلك المأزق. رجل غريب الأطوار رأته بالملهى الليلي الذي تعمل به، ولم تنكر أنه نال إعجابها، فحاولت التودد إليه. أتت معه لشقته الخاصة لإرضاء فضولها، وهي لا تدرك أيًا من نواياه، وبغتةً خاطبها بعدة كلمات مريبة، لتتفاجأ بتكميمه لفمها، وربطها بتلك القسوة، وإلقائها في تلك الغرفة، وكما ظهر كما اختفى.
انفتح الباب خلال لحظات ليلج هو للداخل متفحصًا إياها بـزرقاويتيه، فصاحت هي في الحال بهياجٍ:
-إنتَ حابسني هنا ليه؟
سحب كرسيًا خشبيًا كان موضوعًا قبالتها، ثم جلس عليه واضعًا ساقًا فوق الأخرى بمنتهى البرود، وأخيرًا تحدث بغموضٍ عهدته منه منذ رأته:
-حبايبك باعتني.
عقدت حاجبيها بعدم فهم، وتساءلت في غضبٍ:
-حبايبي مين اللي باعتينك؟... ما تخلص أنا مبحبش شغل ال ****** دة.
رد عليها وهو يغمز بيمناه:
-حبايبك في الصعيد.
فغرت فاها بصدمةٍ، وتلقائيًا تشنج جسدها واضطربت نظراتها، ثم همست بتلعثمٍ وجسدها ينتفض بوضوحٍ:
-أ.. أهلي!
أومأ لها بهدوءٍ، فتساءلت وقتها مجددًا بصوتٍ باكي:
-عرفوا مكاني؟
هز رأسه نافيًا، فاستطردت في رجاءٍ، ونحيبها يتعالى بهستيريةٍ:
-أبوس إيدك ده لو عرفوا مكاني هيقتلوني... سيبني أمشي.
طالعها في برودٍ، ثم قال بتلاعبٍ:
-ومين قالك إني هقولهم مكانك؟
-يعني إيه؟
-بصي أنا هبقى صريح معاكي... أنا أهلي صعايدة زي أهلك ومن نفس القرية حتى، وقريب اتفقنا ألاقيكي وأسلمك ليهم قصاد مبلغ ما...قعدت أدور واتطقس لغاية ما عرفت مكانك، وفضلت أراجع حساباتي ومعارفي أفتكرت "هيثم" وأنا عارفه صاحب كيف، اتطقست تاني وعرفت بالصدفة أنه بيجي نفس الكباريه بتاعك ده علطول، وروحتله.
ثم أكمل بحزنٍ مصطنعٍ، وهو يقلب شفتيه بأسى سخيفٍ:
-قولتله إلحقني يا "هيثم"...إلحقني نفسيتي زي الزفت والبت اللي كنت مظبط معاها بقالي مدة خلعت...مخنوق ومش عارف أعمل إيه.
واستطرد في خبثٍ لتتشكل هيئة شيطان مرعب على قسماته التي تحولت في ليلةٍ واحدةٍ من ملاك برئ إلى وحشٍ داميٍ لا يستهان به:
-وجرت الأمر كما خُطط لها، وأخدني لنفس المكان اللي إنتِ شغالة فيه وده لسبب إني طلبت منه إني محتاج أجرب حاجة مختلفة أفك بيها عن نفسي، وهو عارف إني مليش في شغل العك ده كله، وعشان كده وداني لحد عندك بدون أي مجهود، وبصراحة هو قصر عليا طريق طويل من المجهود بمجرد ما عرفت إن علاقتك بيه كويسة... وإنتِ كنتي مغفلة ف متعبتينيش.
صاحت بتلهفٍ وهي تحاول الاعتدال في جلستها على ذلك الفراش، ولكنها فشلت إلى حد ما؛ بسبب يديها المقيدتين:
-كل اللي تحتاجه هديهولك، وهديك ك...
قاطعها بلا صبرٍ وهو يعقد ساعديه أمام صدره:
-مليون ونص.
جحظت مقلتاها بقوةٍ، وقالت بصوتها المهزوز والارتعاد يحتل ثنايا قلبها:
-بس أنا مش معايا المبلغ ده!
هز كتفيه ببساطةٍ هاتفًا:
-يبقى أخليني مع اللي هيدفع.
-لا أرجوك أنا ممكن أعمل أي حاجة بس ده ميحصلش.
حك مقدمة رأسه، وهمس بمكرٍ تجلى بنبرته المقيتة:
-أي حاجة.
أومأت "وصال" بلا تفكير وهي لا تدرك أن بموافقتها المبدئية تلك تفتح أبواب الجحيم بوجهها!
*********
-ذاكرتي إمبارح كويس؟
قالها "رويد" ببسمةٍ بسيطةٍ، ولكنها اختفت خلال ثوانٍ عندما لاحظ عدم ردها، بالإضافة إلى كوب الشاي الذي التقطته من أمامها لتهب واقفة استعدادًا للذهاب، فأوقفها هو متابعًا بتريثٍ:
-إنتِ مبترديش عليا ليه يا "بهجة"؟
وقبل أن تلج للداخل قلبت نظراتها بالشرفات التي كانت أمامهم وبجانبهم، وعندما اطمأنت من عدم وجود أحد أخبرته بصوتٍ خفيضٍ خشيةً من سماع أمها:
-هبعتلك ماسنجر أنا في مرة لقيت الأكونت بتاعك.
أومأ لها في صمتٍ، وتابعها بترقبٍ وهي تتوارى عن أنظاره، فزفر بغيظٍ وهو يشعر بعودته للخلف عدة خطوات، فبالرغم من عدم مرور عدة أيام ومن عدم طلب "جون" بالإسراع في الأمر إلا إنه كان ينتوي التعجل؛ حتى يغادر البلاد في أسرع وقت ممكن، فبقاؤه هنا كان يشكل تهديدًا صريحًا لاستقراره الذي حافظ عليه بمنتهى التعسر.وفجأة انتبه لإشعارات الهاتف التي صدر صوتها بتلك اللحظة؛ لذا التقطه وهو يفتحه في سرعةٍ ليقرأ ما أُرسل إليه منها.
قرأ محتوى الرسالة بصوتٍ شبه مسموع، والغضب يتملك قسمات وجهه رويدًا رويدًا:
-"حد من الجيران شافنا قاعدين مع بعض وقال لماما، وماما بهدلت الدنيا وحذرتني أتعامل معاك تاني عشان ميصحش وكده... فأعذرني يعني لو بقيت سخيفة معاك بعد كده."
أغلق الهاتف ملقيًا إياه على المنضدة بإهمالٍ، ثم تمتم بعبوسٍ وهو يجز على أسنانه:
-أنا هقول ل" جون" وهو يتصرف أنا جبت أخري كل ما أصلحها من حتة تبوظ من الناحية التانية.
***********
-مفيش أخبار يا "بهجة" عن بنت عمك؟
قالتها "إنعام" وهي تدلف لغرفة ابنتها التي وما إن رأتها تركت الهاتف سريعًا، ولكنها لم تلاحظ وأكملت قائلة بتوجسٍ:
-ما تحاولي يا بنتي تعملي أي حاجة، ولا حتى أوصليلنا لـ "أصيل" تاني مادام بيرد عليكي.
أجابتها "بهجة" في وجلٍ هي الأخرى بعدما تذكرت أمر أولاد أعمامها، فظهور "رويد" بحياتها قلب جميع الموازين، وألهى عقلها عن كل شيء حتى دراستها:
-صدقيني معرفش يا ماما من آخر مرة والجنان اللي حصل ده معرفش عنهم أي حاجة.
ثم استطردت قبل أن تتساءل والدتها مجددًا وكأنها تقرأ أفكارها:
-حتى "أصيل" بطل يرد عليا من ساعة ما قال إن أخوه رجع من السفر.
-أنا خايفة يطلع عمل في البت حاجة يا "بهجة" يودي نفسه فداهيا.
-على أساس إنه مش رايح ما شغله كله شمال وفاضحنا والناس كلها عارفة.
ثم تابعت "بهجة" في امتعاضٍ:
-وهي بردو مش سالكة... حبكت يعني تموت الولية.
لوحت "إنعام" بكفها بالهواء بعدم رضا عما قالته ابنتها، ثم قالت بأسى:
-دي كانت ست بومة... ياما بهدلت البت وعيشتها في سواد لما ربت جواها غل وكبت خلاها تقتلها في الآخر.
ثم استرسلت بتنهيدةٍ عميقةٍ:
-يلا الله يرحمها.
-الله يرحمها.
-ألا هو إنتِ كلمتي الواد اللي ساكن جديد ده تاني على كده بعد ما قولتك؟
تجمد جسدها، وتسمرت بمكانها، ثم نبست بصوتٍ مبحوحٍ يكاد يُسمع:
-لا يا ماما خالص.
رمقتها بريبةٍ، ثم قالت في رويةٍ:
-متأكدة؟
أومأت لها عدة مرات وهي تتحلى بالثبات بصعوبةٍ بالغةٍ، وكادت أمها أن ترد ولكن صوت رنين الهاتف الذي صدح من الخارج جذب انتباهها؛ لذا خرجت مسرعة، بينما "بهجة" تتنفس الصعداء واضعة كفها على موضع قلبها باضطرابٍ، فهي تشعر - نظرًا لقوة شخصية "إنعام" - أن نظرة حازمة واحدة منها كافية لجعلها تعترف بكل ما انتوت تخبئته ذات لحظة!
************
وضع أمامها صينية الطعام، ثم قال في قسوةٍ:
-ما كانش ناقص إلا أجيبلك تطفحي على السرير كمان...بس أنا هراعي حالتك النفسية قصاد اللي حصل بردو.
طالعته بنظرة خالية من التعابير، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا، فصاح "عمير" بنفاد صبر وهو يعض على شفتيه بعصبيةٍ:
-أنا مش فايق لأمور الجذاب بتاعتك دي.
دفع الصينية ناحيتها أكثر لتصطدم بأول معدتها مسببة ألمًا طفيفًا، ثم قال في جحودٍ:
-اطفحي أنا مش عايزك تموتي دلوقت.
ازدردت ريقها بصعوبةٍ ملحوظةٍ، وكأنها تصارع نوبة نحيب تكاد تداهمها في أي لحظة ممكنة، ثم همست بتهكمٍ:
-هتعملي إيه يعني لو مكلتش؟... إيه باقي معملتوش؟
ابتسم بلؤمٍ، ثم قال مهددًا وهو يضغط على وترها الحساس بمنتهى التبجح:
-مفيش حاجة تاني ممكن أعملها أنا عارف... بس في حاجات ممكن أكررها.
رفعت عينيها لتقابل مقلتيه، وطالعته بعينين مغمورتين بالذل والهوان، ثم شرعت في الطعام والعبرات متعلقة بأهدابها من فرط الارتعاد، تارةً من تهديده، وتارةً من شكها بوجود شيء ما بالطعام، فرجل مجنون مثله قادر على فعل أي كارثة دون خشية من أي عواقب، أما هو فكان يتابعها تأكل ببسمة شيطانية جانبية لا تبشر بالخير مطلقًا.وكأن القادم ما هو إلا هدوء يسبق العاصفة... عاصفة ستبتلع تلك المسكينة التي لا ذنب لها!
*************
-فكري في اللي قولتلك عليه... محدش كسبان غيرك عامةً.
قالها "أمان" ببسمةٍ لعوبٍ وهو يحل وثاقها بتمهلٍ، ثم حدثها بلهجةٍ واثقةٍ يحاول إقناعها بكل الطرق:
-شغل أنضف من شغلك، وضيفي عليه حماية مني ليكي، ومصاريفك كاملة طول مدة الشغل عليا.
دلكت معصميها بألمٍ، ثم تساءلت بامتعاضٍ:
-واشمعنى أنا؟
-ما قولتلك باشا كبير أوي أجنبي عايز يوقع واحد مصري وكلهم قاعدين في روسيا ف الموضوع عايز حد يفضي نفسه من كل اللي وراه مدة محترمة.
ثم تابع لتظهر دناءة نواياه أمام مرأى عينيها:
-وأنا لو جبت أي حد في الشغلانة دي هيقاسمني الفلوس النص بالنص إن مكانش أكتر، إنما إنتِ الوحيدة اللي هقدر أساومها... أحميكي وأمنع أهلك يوصلوا ليكي قصاد الشغلانة دي، وإنتِ وشطارتك لو عرفتي توقعي الواد بدري بدري شغلانتك تخلص ووقتها إنتِ حرة... حابة تكملي معايا شغل ماشي، مش حابة خلاص.
لم يكن لديها أي خيارات أخرى، لم يكن أمامها سوى الموافقة بما فُرض عليها. أتذهب للموت بكلتا ساقيها؟... أم تنساق خلف ذلك الأشقر اللعين؟ تفاقمت وحشية الأفكار برأسها والحيرة تتزايد أكثر وأكثر، ولكنها وفي نهاية الأمر همهمت باضطرارٍ فقرأ هو ما نبست به من حركة شفتيها، لتتهلل أساريره بعدما استوعب الأمر، وكأن الرياح أتت بما اشتهت السفن:
-موافقة.
***********
راحت تسير بأنحاء الشقة تبحث عن مصدر صوت المياه التي تتناثر، ولكنها لم تجده بالرغم من اشتداد الصوت، وفجأة وجدت صمتًا مهيبًا يعم المكان، وكأن شيئاً لم يكن!
لاحظت "غاية" أيضًا عدم وجوده بالمكان، فأدركت مغادرته، ثم قلبت عينيها بأنحاء الشقة لعلها تفهم سبب ذلك الصوت، وجلست على الأريكة ظنًا منها بأن مصدره قادم من الخارج، ولا داعي للقلق أو للبحث.
سحبت زجاجة المياه من أمامها، ثم ارتشفت عدة رشفات منها، وقبل أن تزيحها من أمام فمها رأت ما جعلها تنتفض بهلعٍ تاركة إياها لتسقط على حجرها مبللة بنطالها. تلاحقت أنفاسها بارتعابٍ، وفركت جفنيها بقوةٍ لعل ما تراه يتبخر... لعل ما تراه وهمٌ غير حقيقي.
تابعتها وهي تسير أمامها بخطواتها الوئيدة، بنظراتها القاتمة، بملامحها الشيطانية، وبهيئتها المرعبة التي لطالما دبت الذعر في قلبها لسنواتٍ عديدةٍ.
لذا وبشفتين مرتجفتين همست بصدمةٍ، والعبرات تتذارف بلا توقف من عينيها، بالإضافة إلى قلبها الذي تسارعت نبضاته حد الجنون، وكأنه سيتوقف في أي لحظة من هول الموقف:
-"روحية"... مرات عمي...!...