
رواية الدياجي بينهما الفصل الثاني عشر 12 بقلم رولا هاني
توالت ضحكاته المتشفية وهو يتابعها بتركيزٍ جمٍ، يتابع التفاتَها يمينًا ويسارًا كالمجانين، وصياحها الهستيري بصرخاتٍ فزعةٍ، والشيء الوحيد الذي كان يبدد ابتسامته الواسعة تلك هتافها غير المتوقف بـ:
-متعمليش حاجة عشان خاطري يا مرات عمي... ه.. هسمع الكلام... و.. وهعمل اللي تعوزيه... بلاش تضربيني.
تنهد بضيقٍ وهو يشعر بانقباضة موجعة تتملك موضع قلبه؛ لذا أغلق الهاتف الذي ظل يتابع ما كان يحدث معها من خلال شاشته، ثم تنحنح بغلظةٍ قبل أن يتابع الأوراق التي بقيت أمامه بهدوءٍ تحلى به؛ حتى يزيح من رأسه هيئتَها المزرية التي راقبها بشماتةٍ، هيئتَها التي تسبب هو نفسه بها بسبب ذلك الدواء الذي أعطاه لها من خلال الطعام.
وفجأة انفتح باب مكتبه، ليجد "أصيل" يلج للداخل بتعابيرٍ رسميةٍ لم يتعجب على أثرها، فقد باتت العلاقة بينهما شديدة التوتر، وخاصةً في الآونة الأخيرة بعد تلك المواجهات العنيفة التي دارت بينهما؛ لذا تابعه "عمير" بنظراتٍ خاطفةٍ، حتى وجده يتحدث في جديةٍ:
-العيون اللي ليا عند "جون" قالتلي إنه ناويلنا على بلاوي كتيرة الفترة الجاية.
تنهد في مللٍ، ثم قال بإيجازٍ:
-بلاوي إيه؟
هز كتفيه للأمام دلالة على عدم علمه، ثم خاطبه ببرودٍ:
-محرص زيادة عن اللزوم ومخون كل اللي معاه، بقى أما بينوي يعمل أي حاجة مبيعرفش إلا اللي ناوي يخليه يقوم بالبلوة.
رد عليه "عمير" بفطنته المعهودة بعدما انتبهت كامل حواسه لما قاله شقيقه، فهو استطاع في تلك اللحظة إدراك مدى خطورة كل ذلك الغموض الذي قُص عليه:
-طب مين من رجالته اختفى أو مش موجود كدة مثلًا.
ضيق "أصيل" عينيه يحاول تذكر ما أخبره ذلك الرجل بالأمس:
-باين "مارك" و"ألكسندر" و"رويد" و"إيفان".
لفت نظره الاسم العربي الذي نُطق بالمنتصف، فتساءل وقتها بعدما تذكر شيئًا ما:
-مش "رويد" دة الواد المصري اللي شغال معاه؟
أومأ له، ثم قال في تيقنٍ:
-بس تلاقيه مختفي في أي شغلانة تبعه... بيقولوا بقى دراعه اليمين بعد ما "ليو" مات... والباقي زيه.
-خلاص كبّر دماغك... رجالتنا موجودة وإحنا شغلنا ماشي تمام، مش هنندب قبل وقوع البلا.
تأهب للمغادرة ثم قال باقتضابٍ:
-تمام، أنا هقوم أروح عشان بقالي يومين منمتش وقرف الشغل كله شايله لوحدي.
تغاضى عن مغزى كلماته الواضح، فقد كان يقصد انشغاله بـ "غاية"، وبابتعاده المتعمد خلال الأيام الماضية؛ لذا تركه يرحل في صمتٍ التزمه، ثم أخرج هاتفه ليرى إلى أين وصلت "غاية"، ولكن من سوء حظه فرغ شحنه؛ لذا تنهد بحنقٍ، فمفعول الدواء اقترب من التلاشي، فقرر وقتها إكمال عمله من تنظيم الصفقات القادمة، وغيرها وغيرها من أعمال خاصة بشركة "أوليان" التي كان يديرها، والتي كانت مجرد ساتر وهمي لأعمالهم الغير مشروعة، فقد كانت مختصة في الاستيراد والتصدير، وما خفي كان أعظم.
*************
باليوم التالي.
-قربنا نوصل خلاص.
قالها "أمان" وهو يعقد ساعديه أمام صدره، بينما "وصال" تتأمل أجواء الطائرة بريبةٍ تارةً وتتأمله بوجلٍ تارةً أخرى، فاستطرد هو وقتها باستخفافٍ:
-لسة مقلقة لغاية دلوقتي؟
زفرت بهمٍ، ثم قالت في عبوسٍ:
-رايحة بلد لا أعرفها ولا أعرف ناسها مع واحد معرفوش... مستني مني إيه؟
ثم تابعت بصدقٍ وهي تشيح بوجهها عنه:
-أنا لولا ضغطك عليا بالموضوع إياه دة لو كنت عرضت عليا كنوز الدنيا لا يمكن كنت أقبل بالكارثة دي.
رد عليها بعدم اهتمام وهو يعطيها بسمة سخيفة:
-شدي حيلك وإنتِ تخلصي من الهم دة بدري بدري.
على نفسها جنت براقش!... كانت تشعر بذلك الأمر جيدًا، تشعر بأن حتفها يقترب منها، وتشعر بما تضمر لها الأيام، ولكنها باتت في وضعٍ لا هروب منه، وضع لم يكن في الحسبان قط، فقد كانت تظن أن حياتها ستظل مستقرة كما حافظت عليها لمدة ليست بقليلة.
سحبت نفسًا عميقًا، ثم لفظته على مهلٍ، تحاول تهدئة حالها من ذلك الذعر الذي ظل ينهش فيها بلا رحمة... تُرى ماذا يخبئ لها القدر...!؟
***************
وقفت أمام باب الشقة وهي تحدق فيه بجمودٍ تامٍ، ثم أطرقت عليه وهي ترسم على ثغرها ابتسامة واثقة. شعرت بالحركة من الخلف؛ لذا أخرجت المفتاح من جيبها ووضعته بمكانه؛ لتفتح الباب في لمح البصر، فوجدت أمامها - كما توقعت - "غاية" التي طالعتها بتوجسٍ، بينما هي تدلف بخطواتها الوئيدة، تضرب الأرض بحذائها ذي الكعب العالي، فصاحت التي وقفت قبالتها بقلقٍ:
-"أوليان"!
ردت عليها تلك الأفعى وهي تتابعها بعينيها المتربصتين:
-قلب "أوليان".
اقتربت منها، فتراجعت تلك المسكينة بخوفٍ تلقائيًا، فهي وبعد ما مرت به في الآونة الأخيرة أصبحت لا تثق في أي لحظة تعيشها مع هؤلاء المختلين، أصبحت تنتظر البطش في أي وقت، وتخشى كل شيء، خصيصًا بعد أحداث أمس الغير الطبيعية من رؤيتها لزوجة عمها المتوفاة، وسماعها لأشياء غير موجودة من الأساس. كل ذلك جعلها في حالة يرثى لها، وفي إعياء جلي، وبألمٍ عصف بها بلا رحمة. كان كل ذلك أمام مرأى "أوليان" التي تشفت منها بوضوحٍ، وظلت تدور حولها لتتأمل منظرها أكثر وأكثر؛ حتى تتأكد من شكوكها. "عمير" لم يمل لتلك الحمقاء ولو للحظة واحدة، بل تمادى وأبعدها عنهم؛ حتى يبدع في عذابها وانتقامه منها؛ لذا وقفت قبالتها وراحت تراقب كل تفصيلة بها وهي تتوسلها قائلة بقلة حيلة، فهي حتى وإن كانت تخشاها، فبالتأكيد "أوليان" أرحم كثيرًا من ذلك الوحش الضاري الذي سيصل بعقلها إلى الهاوية:
-خُديني من هنا يا "أوليان" عشان خاطري.
قلبت أنظارها بالمكان، ثم قالت بتهكمٍ بلهجتها العربية الركيكة:
-مكنتش أتوقع "عمير" يجيبك في شقة من بتوعي.
ثم أكملت في تسليةٍ:
-بس مكان محدش يتوقعه، هيعرف ينتقم منك "غاية" زي ما هو يحب.
برقت بحدقتيها برعبٍ، ثم قالت في نبرة يغلبها البكاء:
-عشان خاطري يا "أوليان"، بكفاية اللي حصل فيا... خليني أمشي ووعد هختفي من حياتكم، بس سيبوني في حالي.
دارت كلماتها في رأس "أوليان" كبصيص النور، واتسعت حدقتاها بلمعةٍ خبيثةٍ، وكأنها تنوي موافقتها على طلبها في مقابل اختفائها من حياتهم وعدم تعكير صفوها مع "عمير" الذي تعشق تملكه، ولكنها - وبسبب عينيها الخاطفتين - التقطت تلك الكاميرا الملتصقة بإطار الصورة المعلق على الحائط بطريقةٍ لن يراها أي شخص مهما ركز، فقد تماشت الكاميرا الصغيرة مع لون اللوحة؛ حتى تكون غير ملحوظة، فتيقنت وقتها ضرورة مغادرتها للمكان سريعًا قبل أن يعود "عمير" بعدما يراها هنا بالمكان... في كلا الأحوال سيعرف؛ ولكن ولتجنب تلك المواجهة هنا وأمام "غاية" ردت عليها في لا مبالاة:
-آسفة "غاية" معنديش حلول أقدمها.
-وما الذي أتى بكِ إلى هنا في حين أنه ليس لديكِ أي حلول؟
قالها "عمير" بالروسية من خلفها بصوته الأجش، فاتسعت ابتسامتها الغامضة وقتها، أما "غاية" فكانت تتراجع للخلف في هلعٍ، بينما "أوليان" يدور في رأسها كيفية الخروج من تلك الورطة دون حدوث ما لا يُحمد عقباه، خاصةً وبعدما حذر "عمير" من قبل من عدم التدخل بينه وبين تلك اللعينة، وتحذيرات "عمير"... ليست بهينة.
********************
-يعني تقولي ملكيش علاقة بيه نهائي، وتلاقيني مروحة بيك إنهاردة من جامعتي!؟
قالتها "بهجة" وهي تسير بجانبه على مضضٍ، فرد عليها "رويد" في الحال باستخفافٍ:
-إنتِ اللي مروحة بيا أيوة... ده إنتِ بتتوهي في شارع بيتكم.
توقفت عن السير، وتخصرت قائلة:
-هي مين دي يا عسل اللي بتتوه في شارع بيتها.
أعطاها بسمة سمجة بعدما توقف مثلها، ثم خاطبها في مشاكسةٍ:
-أقولك مين اللي بتتوه ولا تزعليش؟
تنحنحت بحرجٍ ورددت في تهاونٍ، فهي بالفعل كانت قمة في الفشل في تمييز الطرق والشوارع، وذاع ذلك بين سكان منطقتها الذين لا يكفون عن اللت الذي وبالتأكيد وصله:
-لا وعلى إيه.
عاودا السير معًا مجددًا، لتتابع هي وقتها بحيرةٍ:
-بقالي أيام بس أعرفك... بس مش عارفة ليه مرتاحة ليك، يعني حاساك حد كويس أوي.
همهم سرًا وهو يبتسم بسخريةٍ:
-إنتِ المفروض متحسيش تاني.
-بتقول إيه؟
-لا لا ولا حاجة.
ضيقت عينيها وحدقته بغيظٍ قائلة:
-بتاع برطمة إنتَ.
ألقى عليها نظرة خاطفة، ثم تعلل:
-مبيبقاش قصدي أنا بس مش متعود على الرغي أوي.
تمم جملته وهو يستهزئ حاله سرًا، فلم يكن يعشق سوى ما يناديه بال (رغي) مع أحدهم قديمًا.
أخرجه من شروده سؤالها المفاجئ، والذي لم يكن في حسبانه أبدًا:
-أمال إنتَ أهلك فين؟
ازدرد ريقه بصعوبةٍ، وأشاح بوجهه عنها يحاول مواراة تجهم قسماته الذي ظهر في الحال، ثم وبعد عدة لحظات حاول فيها تهدئة حاله التفت لها، وقبل أن يرد أكملت هي في ارتباكٍ:
-ه..هو أنا قولت حا.. حاجة غلط؟
هز رأسه نافيًا، ثم أجابها في اقتضابٍ:
-ماتوا.
أطرقت رأسها بأسفٍ وخاطبته في مواساةٍ:
-الله يرحمهم.
ثم تابعت في فضولٍ وهي تجلس على المقعد المخصص لانتظار الحافلات، بينما هو يجلس بجانبها تلقائيًا:
-بس معقول كلهم... مش قصدي، بس يعني بقية عيلتك، علاقتك بيهم وكدة... دة اللي أقصده مش..
قاطعها بقهقهةٍ وهو يحاول الحفاظ على مزاحه معها رغم مساسها بأوجاعه الثقيلة:
-براحة خدي نفسك، هو راديو وفتح.
تنهد بقلة حيلة وقرر إيجاد أي إجابات تخرجه من ذلك المأزق، خاصةً بعدما رآها تطالعه بحماسٍ، وكأنها طفلة تنتظر قصة قبل النوم:
-يعني إحنا علاقتنا بيهم كانت سطحية، وأنا مكانش ليا إلا أبويا وأمي وأختي واتوفوا في حادثة من زمان.
ضمت حاجبيها بحزنٍ، ثم قالت بتأثرٍ ليشعر هو وقتها بموجة غباء عظيمة تهب عليه من تلك الحمقاء:
-إيه ده أمال إنتَ مين اللي رباك؟
-لا أنا كنت متربي وقتها... ماتوا وأنا عندي ٢٤ سنة يا بقرة.
عبست ملامحها سريعًا، فلجأ لجملته الذهبية التي اعتاد استخدامها معها طوال الوقت:
-بهزر معاكي مش كل حاجة تقفشي.
أومأت له عدة مرات، ثم تحدثت في ذهولٍ:
-بتقول ٢٤ سنة أمال إنتَ عندك كام سنة أساسًا دلوقت!
-٣١.
-معقول إنتَ أكبر مني بحداشر سنة!
وهنا تذكر صغر سنها، والذي كان يعرفه من البداية؛ لذا اكفهرت ملامحه وهو يشعر بثقلٍ شديدٍ يحتل صدره، كان يراها صغيرة وبريئة جدًا على ما ستمر به على يده، كانت طفولية وبلهاء شبه لا تفقه أي شيء عن البشر، وكان يتأكد من كل ذلك يومًا بعد يوم، حتى وإن كانت الأيام بينهما قليلة، ففطنته ودهاؤه ساعداه على اكتشاف هويتها سريعًا. لطالما ارتكب جرائم شنعاء منذما عمل مع "جون"، لطالما دفن قلبه وعواطفه في الثرى معه، لطالما لم يشفق على أحد، ولم يمل قلبه ذات يوم لأي موقف إنساني، ولكن معها كان الأمر مختلف، ونظرًا لصغر سنها وعدم خبرتها بالحياة، بالإضافة إلى عدم وجود ذنب تحمله في كل تلك المعارك... لا ناقة لها فيها ولا جمل!
أتت الحافلة أخيرًا؛ لذا نهضت بعده؛ ليتجها ناحيتها، ثم استقلاها ليجلسا على إحدى المقاعد، بينما هي تستكمل حديثها بعدما بدأت الحافلة في السير:
-طب مقولتليش... كنت مسافر فين على كده.
ربط الأحداث ببعضها، فأدرك سبب معرفتها لذلك الأمر، بالطبع ليس إلا صاحب الشقة التي استأجرها، فهتف مجيبًا إياها:
-روسيا... شغلي بيحكم عليا أسافرها غالبية الوقت.
انكمشت قسماتها باغتمامٍ واضحٍ، بينما هو يرمقها بلؤمٍ صائحًا بـ:
-في حاجة ضايقتك؟
كالمتوقع تذكرت أمر ابن عمها وعمله المشين؛ لذا هزت رأسها نافيةً والتزمت الصمت طوال الطريق بملامحها المتجهمة، بينما هو يحمد ربه أنه - أخيرًا - نال لحظات سعيدة من صمتها النادر حدوثه!
مر ما يقرب من النصف ساعة، وترجل الاثنان بعدما وصلا للمنطقة المنشودة، فاتخذت هي وقتها جانبًا في سيرها متعمدةً قائلةً في حذرٍ وهي تطرق رأسها بخجلٍ:
-معلش بقى أمشي بعيد شوية عشان محدش يشوفنا.
لبى طلبها وسار مبتعدًا إلى حد لا يسمح لأحد بالتفكير في أي شيء ضار بسمعتها، وانتظرها تصعد سلالم العمارة، ليصعد خلفها وقبل أن يتجه لشقته استمع لصرخاتها الفزعة، والتي جعلت الدماء تتجمد في عروقه؛ لذا هرع ناحية شقتها التي كان بابها مفتوحًا، ثم اتجه ناحية إحدى الغرف التي أتى منها مصدر النحيب بوضوحٍ، ليجدها تصرخ بعويلٍ لاطمةً على صدغيها، بينما كانت والدتها نائمة على الفراش بوجهٍ شاحبٍ:
-أمي ماتت... نسيت البوتوجاز مفتوح والغاز خنقها.
وخلال لحظات تجمع سكان العمارة بالشقة أثرًا لذلك الصوت الأنثوي المدوي الذي احتل أرجاء المكان، بينما هو وقف جاحظ العينين، مصدومًا لا يعي شيئًا، ليشتم وقتها رائحة الغاز التي سيطرت على المكان بالفعل، وهنا لم يمر بباله سوى شخص واحد. "جون"...!