رواية الدياجي بينهما الفصل الثالث عشر 13 بقلم رولا هاني


رواية الدياجي بينهما الفصل الثالث عشر 13 بقلم رولا هاني


-إياكِ والتدخل "أوليان"... إياكِ والتدخل ثانيةً.


زمجر بها "عمير" بالروسية وهو يقترب منها، وتابع بعدها بلهجةٍ آمرة لم تنل إعجاب شخصيتها المتغطرسة أبدًا:


-أخرجي من هنا.


لم تبرح مكانها، فقط ظلت تطالعه باستفزازٍ، وصاحت وقتها بكلماتٍ ذات مغزى فهمه في حينها:


-أتصرخ في وجهي لأجل دخولي لشقتي؟


غامت تعابير وجهه، واحتلها الوجوم الشديد؛ لذا سار ناحية "غاية" التي كانت تتابع الموقف بعدم فهم، وسحبها من معصمها قائلًا بحدةٍ:


-إذًا لن ألج لأي مكان لا يخصني من بعد الآن.


تهدجت أنفاس "غاية" رعبًا، وحاولت سحب ذراعها صارخة بانهيارٍ لفت نظرهما بوضوحٍ:


-أوعى سيبني متلمسنيش.


تجاهلتها "أوليان" ثم قالت بالعربية، بنبرة تضمر شرًا:


-مش بمزاجك "عمير"... مش بمزاجك تنسحب، إنتَ عارف اللي بيطلع من وسطينا بيحصل فيه إيه.


دفع "غاية" بعيدًا، فوقعت على الأريكة متأوهةً بألمٍ، ثم اقترب من "أوليان" مسرعًا وخاطبها ببسمته المريضة:


-إنتِ وشركات أبوكي كلها ملكوش لازمة منغيري.


ثم تابع وابتسامته الشيطانية تزين ثغره أكثر وأكثر، بينما هي تتابعه بجمودٍ تامٍ:


-بس زي ما قولتلك اعتبريني من إنهاردة برا اللعبة دي خالص... توبت خلاص.


كررت كلماته بسخريةٍ:


-توبت.


أومأ لها هاتفًا ببرودٍ استثار حنقها:


-آه... دة أنا حتى بفكر أرجع مصر وأفتح محل سبح.


تملكه الإصرار بصورةٍ عجيبةٍ، خاصةً وبعدما تجرأت وقررت المساس بكرامته، وبتذكيره بوجوده بمكانٍ تملكه، هو الذي أضاع عمره كله في إدارة أعمال والدها، لولا وجوده لكانت لقمة سائغة بين أنياب أعداء أبيها المتعطشين لدماء أي شخص تربطه به أي علاقة، لولا وجوده لكان كل شيء حطام لا معنى له!


لم يُسدل الستار بعد، هذا ما رددته بحالها بعدما شعرت به يضيع من بين يديها؛ بسبب عنجهيتها في الحديث معه منذ قليل؛ لذا استخدمت آخر وسيلة ضغط لديها وقالت بخبثٍ وهي تعود للروسية حفاظًا على مظهرها أمام "غاية" التي ظلت تتابعهم بنظراتٍ غير مفهومة:


-وشقيقك "أصيل".


ثم أضافت في لؤمٍ:


-هو ليس في صفك تلك الفترة "عمير".


رد عليها بعندٍ:


-جربي بس تقربيله... وأنا أوعدك هدفنك حية.


-بلاش تتحداني "عمير"، هتخسر.


-كرامتي خط أحمر، لا إنتِ ولا غيرك يقدر يقربلها.


-أنا مك...


بترت جملتها ما إن نظرت خلفه، فجحظت مقلتاها بصدمةٍ؛ لذا التفت للخلف ليرى ما الذي تسبب في ذلك التغيير الذي طرأ على قسماتها، فلم يجد "غاية" كما تركها منذ قليل، لم يجدها في المكان بأكمله، ثم انتقلت نظراته تلقائيًا تجاه باب الشقة الذي نساه مفتوحًا، وصرخ بصوتٍ جهوري دب القشعريرة بجسدها، فهي على دراية كاملة بحالة الاهتياج التي سيفرغها عليها بعد ما حدث؛ بسبب ظهورها في الصورة:


-"غــايـة".


***************


في اليوم التالي مساءً


لم تدرِ متى تمت مراسم الدفن، ولا متى أتوا بها مرة أخرى لبيتها لتلقي العزاء من المعزين، ولا أين غادرتها أمها حتى، لا تدري بأي شيء، فقط مرارة جمة كالتي تكسو حلقها الآن، وشعور بالوحشة لا مثيل له، يومٌ كان كافيًا لتغيير حياتها الوردية لأخرى جحيمية لا حياة فيها، لم تكن تتصور حياتها بلا والدتها ولو ليومٍ واحدٍ، كانت تدعو أن ترحل عن الحياة قبلها؛ حتى لا تعيش يومًا كهذا، لم تكن تتوقع أن الرحيل كان قريبًا منها لهذه الدرجة، وبالرغم من كل هذا إلا أن هناك شيئًا ما في داخلها يرفض الأمر، والدتها نائمة بالداخل، وكل هؤلاء الحمقى المغمورين بالسواد ما هم إلا كاذبون، والدتها ستخرج الآن من غرفتها وعلى ثغرها تلك البسمة الحنونة، بالتأكيد لم تتركها، ليس لها في الدنيا سواها كيف لها أن تتركها!؟


-البقاء لله يا بنتي، شدي حيلك كده أمال.


فاقت على كف السيدة الذي ربت على كتفها بمواساةٍ، فنظرت لها باستنكارٍ، وبغتةً صرخت بانهيارٍ والعبرات تلهب وجنتيها:


-إنتِ بتعزيني ليه؟


ثم نفضت كفها وهي تضيف بصوتها المبحوح:


-أوعي إيدك متطبطبيش عليا ومتعملليش كده، ماما كويسة جوا أساسًا ومفيش الكلام اللي بتقولوه ده.


ثم هبت واقفة كمن لدغه عقرب، ونظرت حيث النسوة اللاتي تابعنها بشفقةٍ واضحةٍ، فصاحت في توبيخٍ موجهة حديثها للكل:


-وإنتوا لابسين أسود ليه؟... وفي مين؟


كانت تلك أولى الكلمات التي نبست بها منذ تلقيها تلك الصدمة، أولى الكلمات منذ أمس، كانت كلوحة مرسومة بعنايةٍ توضح كامل معاني المأساة والفقد، بحجابها غير المحكوم، وملابسها الحالكة غير المهندمة، وعينيها المتورمتين من فرط البكاء، ووجهها الشاحب شحوب الموتى، وقبل أن تكمل حديثها من وسط نهنهتها قاطعها ولوجه لداخل المكان هاتفًا بحزمٍ وهو يوجه حديثه لجميعهن، ولم يكن فيهن أي أقرباء، أو أفراد من العائلة، فقط صديقات "إنعام" وبعض من الجيران:


-أخدتوا واجب العزا يا جماعة وإحنا تعبناكم معانا، ياريت تسيبوها وحدها بقى عشان في الحالة دي هي مش هتقدر تكون في وسط ناس.


غمغمن بخفوتٍ وبكلماتٍ كانت غير مفهومة، منهن من يتساءل عن هوية ذلك الشاب الوسيم الذي تواجد فجأة في الصورة، ووقف بجانبها في تلك المحنة من أولها حتى تلك اللحظة، ومنهن من ظن بها سوءًا؛ بسبب علاقتهما التي باتت لهن غير رسمية وغير محددة؛ وخلال لحظات انسحبن من المكان بعدما أخذت كل واحدة منهن تواسيها بكلماتٍ قليلةٍ، بينما هي تشعر وكأنها في كابوسٍ، متيقنة أنها ستستيقظ منه في أي لحظة.


اقترب "رويد" منها بعد ذهاب آخر امرأة، وخاطبها في عطفٍ:


-شدي حيلك.


نظرت له شزرًا، ثم عادت تصرخ بغضبٍ:


-محدش يقولي الكلام ده تاني، أمي عايشة وموجودة، مستحيل تسيبني هي عارفة إني مليش غيرها.


ثم تابعت وهي تجحظ بمقلتيها بعصبيةٍ:


-إنتَ فاهم ولا لا؟


تنهد بعمقٍ، ثم أومأ لها في طاعةٍ، فهو يقدر كثيرًا مدى هول الصدمة عليها، ويتفهم أكثر حالة الإنكار التي تملكتها، فتلك إحدى مراحل الحزن التي يدركها جيدًا؛ لذا هتف بعدها مغيرًا للموضوع:


-أنا مش عايزك تشيلي هم، أنا موجود جمبك، أي حاج..


قاطعته بصوتٍ ضعيفٍ بعدما أطرقت رأسها للأسفل، وأحاطت كلتا أذنيها بكفيها؛ حتى لا تستمع لكلماته التي باتت تجرحها بسكينٍ حادٍ:


-متقوليش الكلام ده، أنا مش عايزة أسمع ده.


شيءٌ بداخله اهتز على رؤيتها في تلك الحالة، ليشعر وقتها بخفقان قلبه الذي ازداد، وضيق التنفس الذي تملكه بلا هوادة. مد ذراعيه ناحيتها ينوي جذبها بين ترائبه وليس أحضانه فقط، ولكنه توقف في النهاية ليسحبهما مغادرًا إياها، راكضًا لخارج الشقة خشيةً من حاله!... بينما هي تغلق الباب خلفه لتسقط على الأرضية الصلبة أمامه منتحبة بحرارةٍ.


*************


ارتشف عدة رشفات من كأس الخمر الذي أمامه، وتابع بعينيه الفتيات اللاتي تمايلن بأجسادهن على الناحية الأخرى رقصًا. زفر "أصيل" الهواء بضجرٍ، وفجأة انتبه للموسيقى الغربية التي تبدلت للشرقية، فعقد حاجبيه بتعجبٍ هامسًا باستهجانٍ:


-آه لو لعبت يا زهر!... أنا تقلت في الشرب ولا إيه؟


وفجأة أبصر أمامه تلك الفتاة العشرينية التي توسطت ساحة الرقص بتلك البدلة شبه العارية، فتفهم وقتها أنها راقصة بالمكان كنوع من التغيير أو التعرف على الثقافات الأخرى؛ لذا ابتسم بتهكمٍ هاتفًا باستهزاءٍ:


-قال يعني جايبين فيفي عبده.


رفع كأسه مجددًا يشرب بشراهةٍ، فتلاقت عيناه بملامحها التي تأملها بنظراتٍ مرتكزة متمتمًا:


-شكلها عربية.


تابع خصرها وهو يتمايل بصورةٍ احترافيةٍ، فرفع حاجبه بإعجابٍ حقيقيٍ، بينما الجميع يصفق حماسًا لرؤيتهم رقصها المتقن، ظلت تميل يسارًا ويمينًا تزامنًا مع الأغنية، فصاح هو وقتها من وسط ضحكاته:


-أقطع دراعي إن مكانتش عربية.


تمركزت نظراته بقدها المياس بصورةٍ تخبل العقل، وبخصلاتها الطويلة التي تمايلت معها بانسيابية، وجسدها البض الذي اهتز أمام الجميع بشكلٍ يهز أعتى الرجال، وفجأة توقفت الموسيقى ليتوقف معها خصرها عن الرقص، بينما الجميع يصفق بحرارةٍ، أما هو فكان يناظرها باستلطافٍ، ويتابعها بمقلتيه وهي تبتعد عن الساحة والغالبية تراقبها بشهوةٍ ونهمٍ.


رآها تبتعد يمينًا حيث طاولة أخرى لتجلس وقتها مع ذلك الأشقر الغريب عنه، والذي لم يكن مألوف الوجه له نظرًا لتردده كثيرًا على هذا المكان. ارتشف من كأسه مجددًا ونظراته متعلقة بها، وفجأة أشار لأحد النوادل بالمكان، وطلب مشروبًا آخر وهو يهتف بتساؤل مشيرًا بعينيه تجاه طاولتهما:


-أخبرني "لوكا" بشأن الزبائن الجدد.


رد عليه النادل في ألفةٍ اعتادها معه:


-مصريان وجاءا للعمل بالمكان هنا، وعرضا الأمر على المدير، فترك الفتاة تجرب إن حالفها الحظ... ويبدو أن كافة الحظوظ حالفتها.


علق "أصيل" في وقاحةٍ وهو يقهقه بسخريةٍ:


-وهو بقى اللي مسرحها.


استغرب الفتى ما قاله؛ إذ نطق بلغةٍ لا يفهمها، فتساءل:


-عفوًا سيدي، ماذا قلتَ؟


هز رأسه نافيًا، وأعطاه إشارة من يده قائلًا:


-لا شيء، اذهب أنت.


أومأ له الفتى بخنوعٍ، وتركه بالفعل ليباشر عمله، بينما هو يتابعها بنظراته الجريئة وهو يردد بلسان حاله:


-الواحد وحشه الحاجات البلدي دي بدل السحالي اللي هنا.


التمعت مقلتاه ببريقٍ مقلقٍ وهو يرى ذلك الرجل الجالس معها ينهض من جانبها، فاستغل الفرصة ونهض هو الآخر ليسير ناحيتها بخطواته الواثقة، وبدون مقدمات جلس أمامها وهو يهتف بجهلٍ مصطنعٍ:


-عربية؟


ردت عليه بابتسامةٍ واسعةٍ وهي تجيبه:


-مصرية.


ثم تابعت باستفسارٍ:


-مصري إنتَ كمان؟


أومأ لها عدة مرات، ثم أبدى استحسانه لها بلا خجل:


-بترقصي حلو إنتِ.


أعطته بسمة ظاهرية مجددًا، ولكنها اختفت ما إن وجدته يستفهم بسؤالٍ لم تكن على دراية بإجابته المناسبة:


-بس سوقك ميمشيش هنا، جيتي هنا ليه؟


ازدردت ريقها بصعوبةٍ، وحكت عنقها بحيرةٍ حاولت إخفاءها، ثم خاطبته بهدوءٍ زائفٍ، بينما داخلها يرتاع من هول الموقف:


-بالعكس الناس بتحب الحاجة المختلفة بطبعها، وهنا مفيش رقاصات شرقيين خالص.


نظر لها بتفهمٍ، ثم مد يده لها صائحًا بصوتٍ لم يكن بخفيضٍ؛ بسبب صوت الموسيقى الذي تعالى مجددًا منذ قليل:


-"أصيل".


صافحته بتوترٍ وهمست بصوتٍ يكاد يكون مسموعًا:


-"وصال".


-مش سامعك من الأغاني، علي صوتك.


سيطرت على القشعريرة التي سرت في جسدها إثرَ التماسها كفه الغليظ، فسحبت يدها بارتباكٍ، ثم صاحت بصوتٍ جهوري تزامنًا - من سوء حظها - مع نهاية الأغنية؛ مما جعل الكل يلتفت إليها:


-اسمي "وصال".


كتم ضحكته بتعسرٍ، ثم تنحنح ينقي حلقه، وتابعها وهي تلتفت حولها بحرجٍ، فقال وقتها بفضولٍ مصطنعٍ؛ ليشتتها عما حدث:


-واللي كان معاكي ده جوزك؟


-لا ده زي كده تقدر تقول عليه مدير أعمالي.


-إنتِ ناوية تشتغلي هنا يعني؟


-المفروض دي حاجة هيحددها المدير.


-هيوافق متقلقيش، الناس عجبها رقصك.


نطق كلمته الأخيرة بسخريةٍ خفيةٍ، فهو يعرف جيدًا سبب تهافت الناس عليها؛ ملامحها المصرية الجذابة التي كانت تختلف بوضوحٍ عن ملامحهم، جسدها البض الممتلئ القوام إلى حد مقبول، حركاته المغوية والمثيرة للغرائز، كل ذلك كان كافيًا لنيل إعجاب كل من تواجد في مكان مثل ذلك.


ازدردت ريقها، ولعقت شفتيها قبل أن تهتف بـ:


-طب كويس ده "أمان" هينبسط أوي.


-هو اسمه "أمان"؟


-أيوة.


تنهد بعمقٍ بعدما هز رأسه عدة مرات، ثم نهض من على كرسيه قائلًا:


-محتاج أروح لأني تعبان، أتمنى أشوفك تاني يا... "وصال".


أعطته بسمة مرتجفة مرة ثانية، ثم صافحته في ترددٍ بعدما مد كفه لها، فشخص مثله يثير الرهبة في القلوب بلا سبب، خاطبته بثباتٍ:


-أكيد.


تابعته بمقلتيها حتى رحل من المكان بأكمله، لتبصر بعدها "أمان" وكأنه ظهر من العدم، يسير ناحيتها وعلى وجهه ابتسامة سخيفة، وكأنه كان يتابع كل ما دار في حديثهما، وبالفعل أدركت صحة ظنونها عندما وجدته يقبض على هاتفها الموضوع على الطاولة؛ ليغلق الخط الذي كان مفتوحًا معه قائلًا بامتداحٍ:


-جدعة يا "وصال" كده إحنا قطعنا أول مرحلة وبدون أي مجهود يُذكر.


تهدل كتفاها بقلة حيلة، وأومأت له بصمتٍ، بينما داخلها يستنجد بكل من تواجد بالمكان، وخاصةً بعدما تحدثت مع ذلك الرجل الذي لا يبدو عليه التساهل إطلاقًا... تُرى ما هو مقدار البطش الذي ستناله بعدما يعرف نواياها الخادعة تجاهه؟


               الفصل الرابع عشر من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة