رواية الدياجي بينهما الفصل الرابع 4 بقلم رولا هاني


رواية الدياجي بينهما الفصل الرابع 4 بقلم رولا هاني


هرول ناحيتهما وفي لمح البصر حمل تلك المجنونة من فوق ابنة عمه، بينما الأولى تطلق سبابها اللاذع بلكنتها الروسية، أما "غاية" فكانت تسعل بهستيرية، تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة!

هبطت "أوليان" على الأرض صائحة بهدوء ظاهري بعد نوبة الصراخ التي كانت فيها منذ قليل:

- ما الذي يوجد؟... كنت أحاول اللعب معها!

أشار "عمير" للخارج بسبابته قائلًا بقتامة:


- أخرجي من الغرفة.


لم تكترث لأوامره، واقتربت منه بخطواتها المعدودة، ثم لفت ذراعيها حول عنقه وهي تلثم ثغره بمنتهى الجرأة التي شاهدتها "غاية" من الخلف باشمئزازٍ بائنٍ على ملامحها المنكمشة بانزعاجٍ، أما الأولى فكانت تبتعد قليلًا قائلة بصوتٍ عذبٍ:

- اشتقتُ إليكَ...

نظر في عينيها مباشرةً، ثم قال بنبرة توعدية خفية جعلتها تتراجع عن مبتغاها في إثبات ملكيته لها أمام تلك الحمقاء:


-"أوليان" لن أكررها؛ حتى لا أفرغ غضبي عليكِ، أخرجي الآن.


وبالفعل ابتعدت وبداخلها نيران مستعرة تكاد تحرق المكان بمن فيه، وقبل أن تلج لخارج الغرفة ألقت نظرة جحيمية على تلك المسكينة التي كانت تتابع كل ما يحدث بقلة حيلة، فهي لن تستطيع - مهما فعلت- الهروب من وسط ذلك العبث!


وبعدما تأكد من خروجها أغلق الباب، ثم استدار ناحية تلك التي تابعته بريبة ليلاحظ وقتها آثار أصابع تلك الصهباء على عنقها، فتهكم قائلًا بعدم اكتراث أثار استفزازها:


-إيدها تقيلة بردو "أوليان".

وهنا قررت العودة - حتى لو قليلًا- لشخصيتها الماكرة؛ لذا تحدثت بدهاء، وهي تنظر داخل عينيه مباشرةً تحاول سبر أغواره وفهم ردود أفعاله تجاه ما تقوله:


-ما هي لو كانت عاملة حساب ليك مكانتش تقدر تقرب من حد يخصك.


لوى شفته السفلي للأسفل بصورة مستفزة، ثم قال بتأثرٍ مزيفٍ، وهو يرمقها ببراءة ظاهرية:


-تصدقي صح أنا فعلًا حاسس بأني فشلت في أن "أوليان" تكون عاملالي حساب.


ثم تابع بغيظٍ، وهو يرمقها بسخطٍ، بينما هي ترمقه باحتقارٍ واضحٍ:


-لو كانت بتعملي حساب صحيح، كانت موتتك عشان نخلص.


تطلعت حولها بحيرة، وفجأة تذكرت لكنة "أوليان" الغريبة عنها؛ لذا صاحت وقتها برعبٍ، وهي تدعو ألا تصبح شكوكها حقيقة:


-أنا فين!؟


اقترب من النافذة، ثم أزاح الستائر من أمامه، ليظهر وقتها عبر النافذة الزجاجية الشفافة ذلك الثليج الذي كان يغمر المكان، فكررت وقتها سؤالها بتوجسٍ:


-رد عليا أنا فين بقولك.


رد عليها ببسمته السمجة التي أثارت حفيظتها على الفور:


-في روسيا يا "غيوش".

جزت على أسنانها بقوة، ثم هبت واقفة من على الفراش مقتربة منه بخطواتٍ راكضة، ثم صرخت بشراسة وجسدها يهتز من فرط الانفعال:


-جاوبني عدل وقولي أنا فين.


اتسعت ابتسامته المتشفية قائلًا بجمودٍ:

-وأنا مبهزرش.


قالت بعدها باستنكارٍ وأنفاسها تتلاحق بلا هوادة، تحاول بمنتهى قلة الحيلة استيعاب كم المصائب التي حلت فوق رأسها:


-يعني إية!؟... يعني أنا مش في مصر.

ثم قلبت نظرها تلقائيًا بالمكان، وتفحصت الغرفة بعسليتيها المرتعبتين لتجدها غرفة أقل ما يُقال عنها فاخرة، ممتلئة بالآثاث العصري المائل للألوان القاتمة، وفجأة انتبه عقلها لذلك الشيء الآخر؛ لذا تحدثت بخجلٍ، وهي تبصر تلك الملابس - الثقيلة جدًا- التي ترتديها:


-مين غيرلي هدومي.


جلس أمامها على تلك الأريكة واضعًا ساقًا فوق الأخرى قائلًا ببروده الذي يصيب المرء بالجنون:

-أنا.

وقبل أن تهاجم فعلته وجدته يهتف بحدة، وهو يرمقها بازدراء واضحٍ أهانها وجعلها تشعر بالذل والهوان:


-وبلاش عصبية بقى ما كدة كدة جسمك دة ياما رجالة بصوا فيه لغاية ما ملوا.

تهاوت عبراتها الحارة على وجنتيها لتلهبهما، بينما هو لا يهتم، بل ينهض ليكمل ضغطه على جرحها بلا رحمة قائلًا باستخفافٍ بأكثر شيء يؤلمها:

-لا بس إية الحرق اللي على بطنك دة؟...دة زبون وطلبتي منه مبلغ زيادة فعاقبك ولا إية؟ 


انتحبت بهستيرية، وهي تضع كفها موضع تلك الندوب، ووضعت كفها الآخر على موضع قلبها الذي ألمها بصورة لا توصف، ثم قالت من بين شهقاتها وهي تحاول الدفاع عن نفسها لآخر نفس تلفظه:


-أنا أنضف وأشرف منك ١٠٠ مرة. 

قبض على رسغها بعنفٍ، وهو يسحبها تجاهه، فاصطدمت بصدره الصلب، وهي تجده يهتف باحتدادٍ ضاغطًا على رسغها بقوة أكبر جعلت ذلك التأوه يخرج من بين شفتيها بعفوية:


-دة بأمارة إية يا بت؟...الرقص على واحدة ونص ولا بدل الرقص اللي تفضح اللي كنتي بتلبسيها، ولا الرجالة اللي كنتي بتبقي معاهم كل ليلة وبت... 

قاطعه كفها الآخر الذي تهاوى على صدغه بضراوة، ثم صرخت برفضٍ قاطعٍ لاتهامه الشائن بشرفها وداخلها يحترق من فرط القهر والحزن على ما وصلت إليه في نهاية الأمر:

-أخرس، أنا آه قضيت سنة بحالها برقص بس عمر ما راجل لمسني، إنتَ فاهم؟...عمر ما راجل لمسني. 


قالت جملتها الأخيرة بنبرة جهورية وعروق نحرها تبرز بصورة مخيفة، بالإضافة إلى دموعها التي غمرت وجنتيها؛ مما جعل منظرها كلوحة فنية مرسومة بعناية توضح مدى الأسى والتعاسة في آنٍ واحدٍ. 


أما هو، فظل على حالته الجامدة، بالرغم من اهتياجه الداخلي؛ بسبب صفعتها المهينة له، ثم ترك رسغها، وهتف بوقاحة وهو يغمز بعينه اليمنى:


-طب ما تخلينا نتأكد.


وقبل أن تدفعه بعيدًا عنها كانت "أوليان" تدلف للداخل صائحة بنزقٍ:


-ألا يكفي كل ذلك الوقت!؟


ثم تابعت باحتدامٍ، وهي ترمق "غاية" باغتياظٍ:


-يكفي المكوث مع تلك الحمقاء في مكانٍ واحد.

شعرت "غاية" بالريبة، فتحدثت بغضبٍ وهي ترمق "عمير" الذي ظل يتابع الموقف بصمتٍ؛ حتى تحثه على الرد على سؤالها:


-البت اللي شبه كيلو الأوطة المفعص دي بتجيب سيرتي، صح؟


وهنا تحدثت "أوليان" بنبرة شرسة، وهي ترمقها بامتعاضٍ، لتستخدم وقتها لكنتها العربية الركيكة:


-هي تشتمني "عمير" مش كدة؟ 

سخرت "غاية" منها، ومن تلك الطريقة التي تحدثت بها؛ لتستغل وقتها معرفتها للعربية:


-أيوة أنا أشتمك يا حبيبة "عمير". 


عقدت "أوليان" حاجبيها بعبوسٍ، وكادت أن تنقض عليها كما ينقض الأسد على فريسته، ولكن صوت "عمير" أوقفهم وهو يصرخ بنبرته المفزعة لكل منهما:

-مش عايز وجع دماغ؟

ثم تابع وهو يدفع "غاية" ناحية الفراش بقوة جعلتها تسقط عليه:

-وإنتِ لسة فيكي حيل تحاربي، بس كدة كدة حسابي معاكي بعدين. 


وأكمل بصرامة، وهو يسحب "أوليان" - التي كانت تتوعد ل "غاية" بصورة خفية- خارجًا معها من الغرفة:

-أخرجي معي.

أما هي، فظلت بمكانها لتعود بعدها لذلك الاستياء الذي حاوطها من كل جهة، تشعر وكأن الهواء يتناقص من حولها، تشعر وكأن هناك قبضة حديدية تلتف حول عنقها بلا رحمة، شعور الوجل من القادم هو شعور مميت يقتل الإنسان ببطئ، فقط تجلس هكذا تتأمل تلك الغرفة القاتمة بعينين مضطربتين لا تعلم، أهل سيرحمها ويتركها وشأنها؟... أم سيقتلها كما قتلت والدته؟... ضمت ركبتيها لصدرها وهي تتمنى زوال كل ذلك، أن تعود، فقط تعود إلى حضن والدتها الذي افتقدته جدًا، تركتها مبكرًا... مبكرًا جدًا، وبلا إنذارات أو حتى وداع، فقط حادثة سيارة سخيفة سلبت منها أبويها لتقع في جحيمٍ مستعرٍ، تنهدت بهمٍ وظلت تهز جسدها بصورة منتظمة، وهي تشعر بضيق التنفس المزعج ذلك؛ لذا وبعد عدة لحظات نهضت لتفتح النافذة حتى يلفح الهواء وجهها لعلها تستطيع التنفس بصورة طبيعية.


وفجأة وضعت كفها المرتجف من فرط برودة الجو على بطنها موضع تلك الندبات اللعينة، ووقفت أمام تلك المرآة التي كانت أمام الفراش، وأخذت تنزع ملابسها الثقيلة واحدة تلو الأخرى، حتى بقت بحمالة صدرها، لتتأمل وقتها تلك الندوب وعبراتها تتذارف بهستيرية لتتذكر وقتها ما حدث منذ عدة سنوات على يد تلك الحقيرة!


(عودة للوقت السابق)


-نضفي عدل يا بت، أعملي بلقمتك.


قالتها "روحية" زوجة عمها وهي تلكزها بساقها، بينما هي تمسح الأرضية بعناية شديدة جاثية على ركبتيها، أما تلك الشنعاء، فلم تكتفي بتلك اللكزة فقط، بل كررتها بصورة أكثر قسوة صائحة بعصبية:


-بقولك نضفي عدل.


أثارت حفيظتها فالتفتت لها صارخة بنفاد صبر


-ما بتنيل بنضف، إية مش شايفة؟


شهقت "روحية" بصدمة، وهي تلطم صدرها بكفها الغليظ، ثم صاحت باستهجان، وهي تطلق سبابها اللاذع المعهود منها:


-إنتِ بتكلميني أنا كدة يا بنت ال ***.


جزت على أسنانها بانفعالٍ، ثم تركت تلك الخرقة التي كانت تنظف بها، وهبت واقفة صائحة بتأففٍ:


-عايزة إية يا مرات عمي؟...ما اللي إنتِ عايزاه بهببه وانا حاطة جزمة في بؤي، أعمل إية تاني؟


نهضت من على الأريكة التي كانت تجلس عليها بمنتهى الأريحية، ثم التقطت خصلات تلك المسكينة، وأخذت تهزها بصورة عنيفة صارخة باهتياجٍ:


-أنا يا بت بتكلميني أنا كدة.

حاولت "غاية" الابتعاد عنها، ولكن خصلاتها التي كادت أن تبتك تحت قبضتها غير الرحيمة أجبرتها على الوقوف بمكانها بقلة حيلة، وفجأة باغتتها تلك القذرة بكوب الشاي الذي سكبته على ملابسها وبخاصة منطقة البطن، فتعالت صرخاتها على الفور، وهي تحاول الابتعاد عنها بكل الطرق لعلها تستطيع التخلص من ملابسها التي التصقت بجسدها بصورة جحيمية آلمتها بلا هوادة.


وبالفعل تركتها "روحية" وانطلقت ناحية المطبخ التي ظلت بداخله عدة دقائق، بينما تلك المسكينة تبدأ في نزع ملابسها العلوية لتبصر ذلك الإحمرار الشديد الذي غمر نصف بطنها، فصرخت بفزعٍ والألم يراودها بلا توقف، وفجأة وجدت زوجة عمها تخرج من المطبخ، وهي تحمل سكينًا حادًا جعلها تجحظ بعينيها برعبٍ ملحوظٍ.

كادت "غاية" أن تركض ناحية غرفتها، ولكن تلك الحمقاء التقطت خصلاتها مجددًا، وثنت ركبتها لتضرب معدتها؛ مما تسبب في وقوعها أرضًا بعجزٍ أصابها باختناقٍ شنيعٍ، ومع ذلك تحدثت بتوسلٍ، وهي تحاول الزحف على كفيها، بالرغم من ذلك الألم الرهيب:

-لا يا مرات عمي متعمليش فيا كدة حرام عليكي.


استغلت "روحية" جسدها الممتلئ، وبقت فوقها لتحجم حركتها وبالفعل استطاعت لتضع بعدها السكين الساخن على موضع الحرق السابق؛ مما جعل "غاية" تصرخ بأعلى نبرة لديها وهي تشعر بمرارة الحسرة على ما يحدث لها، ظلت تصرخ وتصرخ حتى فقدت الوعي، بينما زوجة عمها تنهض من فوقها وهي تبصق عليها بمنتهى البرود قبل أن تتركها بمكانها هكذا لتكمل فيلمها السينمائي المفضل لديها على التلفاز!


(عودة للوقت الحالي)


-مين عمل فيكي كدة؟

قاطع حبل شرودها صوته الأجش الذي تسائل بمنتهى الهدوء هكذا وكأنه لم يحدث شيء منذ قليل..


                الفصل الخامس من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة