
رواية الدياجي بينهما الفصل الخامس 5 بقلم رولا هاني
بحثت عن ملابسها بهستيرية؛ حتى تستر جسدها وبالفعل وجدت سترتها ملقاة على الأرضية بإهمال، فالتقطتها لترتديها بسرعة قصوى متحدثة بتهكمٍ وملامحها المتجهمة توضح تبرمها من وجوده أمامها:
-يهمك أوي.
رد عليها بفظاظة، وهو يرمقها بعنجهيته المستفزة:
-نهائي، عايز أعرف بس طلبتي كام من الزبون خلاه يعمل كدة فيكي.
سيطرت على عبراتها بصعوبة، وقالت بصوتٍ مختنقٍ أخفى تلك الابتسامة المتشفية من على ثغره، ولا يعلم السبب:
-كفاية يا "عمير"، كفاية أبوس إيدك.
ثم تابعت بتوسلٍ وعبراتها تنهمر بلا توقف؛ مما جعله يتراجع للخلف وهو لا يعلم هوية الشعور الذي يراوده:
-أعمل فيا أي حاجة، أقتلني حتى، بس بلاش الضغط النفسي دة أنا مش قادرة أستحمل.
كاد أن يرد عليها بتوبيخه المعتاد، ولكنه تراجع وهو يشعر بضيقٍ عجيبٍ، لذا خرج من الغرفة متجاهلًا الرد عليها حتى، بينما هي تقع في نوبة انتحاب أخرى نادبة حظها التعيس!
_________________________________
صباح اليوم التالي.
-أقتلها.
قالتها "أوليان" متدخلة في شؤونه الخاصة كما اعتادت، فرد وقتها "أصيل" بتلهفٍ، وهو ينظر لشقيقه بروية يحاول سبر أغواره:
-"أوليان" بتتكلم صح، أقتلها وأخلص منها.
هز "عمير" رأسه رافضًا، وقال بعصبية غير حكيمة جعلته يقع في اعترافٍ سخيفٍ جعل النيران تتأجج بالمكان:
-مش بعد ما قعدت سنة بحالها مخطط هي تقعد فين عشان متهربش أقتلها في الأخر بسهولة كدة.
جحظت عينا "أصيل" ليحدج شقيقه باستهجانٍ قبل أن تخرج نبرته المستنكرة وهو يقول:
-مخطط لإية!؟
جز على أسنانه وهو يسب حاله؛ بسبب غبائه الذي أفشى سره بمنتهى السهولة، وفجأة أخرجه من شروده صياح شقيقه الغاضب ب:
-ما ترد عليا زي ما بكلمك.
رد عليه باقتضابٍ ونبرته يشوبها التحذير الخفي:
-مش شغلك يا "أصيل".
وقبل أن يرد عليه صاح هو مكملًا بانفعالٍ جعل التوتر أوج ذروته بينهما:
-الكلام خلصان، ومش من حق حد يتدخل في اللي أنا بعمله أيًا كان مين.
ثم خرج "عمير" من الغرفة بخطواته ثابتة، بينما شقيقه يتابعه بسخطٍ والنيران تتلظى بصدره، وفي تلك اللحظة أخذت تلك الأفعى - التي كانت تتابع ما يحدث بدهاء- تقترب منه لتهمس بجانب أذنه وأنفاسها الساخنة تلفح عنقه:
-لننهي ذلك الأمر سويًا "أصيل"... لننهيه سويًا.
______________________________________
-كل اللي بيحصل دة بسببك.
قالها "عمير" باحتدامٍ من بين أسنانه، وبلا وعي دلف لغرفتها ليجدها غارقة في سباتٍ عميقٍ، ثم أخذ يقترب منها وقسمات وجهه يعتليها الاشمئزاز؛ مما أصابه بالغثيان الشديد، وكأنه يرى أكثر شيء مقزز بالعالم أمام عينيه، ظل يتابعها وتعابير وجهه تكفي لوصف حالته وفجأة لفت انتباهه تململها بلا راحة في نومتها، وحركة شفتيها بكلماتٍ خافتة أثاره فضوله تجاهها؛ مما جعله يقترب منها لتلتقطها أذناه، وبالفعل نجح ليستمعها وهي تهمس بتلعثمٍ، وبنبرة متوسلة تعجب على أثرها:
-عشان... خ...خاطر...عشان خاطري متضربينيش.. أ...أنا نضفت البيت كله..سي...سيبيني أروح أذاكر ب.. بقى.
وفجأة هبت جالسة لتقبض بلا وعي على ملابسه وأنفاسها تتلاحق بهستيرية، بينما هو تتلاقى عيناه مع عسليتيها التي رمقته بذعرٍ مغمورٍ بنظراتٍ ناعسة، أما هو فتسمر بمكانه، وهو يحاول استيعاب شيئين، الأول تلك الكلمات العجيبة التي تفوهت بها، والثاني ذلك الموقف - الذي لا يحسد عليه- الذي وقع فيه.
تركته فجأة وكأنها تستعيد وعيها ببطء بعد ذلك الكابوس المقيت الذي ظهرت فيه زوجة عمها، والآن هي ترى الأحمق ابنها أمام مقلتيها!
انكمشت "غاية" على نفسها، وهي تتراجع للخلف بصدمة لم تستطع الخروج منها بسهولة، والتزمت الصمت على عكس المتوقع وما خدم الأمر التزامه هو أيضًا به، وفجأة أخرجهم من تلك الحالة صوت تلك الطلقات النارية الذي اقتحم المكان بأكمله، فتساءلت هي وقتها بفزعٍ وأنفاسها تزداد تهدجًا:
-في إية؟
وبغتة اقتحمت "أوليان" الغرفة لتصرخ في عجالة، وهي تقبض بحرصٍ على سلاحها الناري، ثم خرجت مجددًا مسرعة لتجابه ذلك الهجوم الذي وُجه لبيتهم:
-رجال "جون" يقتحمون المكان "عمير".
وبمجرد أن اختفت هي وجهت "غاية" نظراتها له لتجد بين يديه ذلك السلاح الناري الذي لا تعلم من أين أخرجه، وقبل أن يخرج من المكان حذرها بصرامة لا تتقبل النقاش:
-إياكي تخرجي من الأوضة.
انتفض جسدها أثرًا لصوت إغلاق الباب، واتسعت حدقتاها، وهي تحاول استيعاب ما يحدث لها، منذ عدة أيام قليلة كانت تعيش في سلامٍ مبتعدة عن ذلك الأحمق، والآن هي في دولة لا تعرف فيها شيئًا مع ذلك المجنون الذي عُرف بأعماله المشبوهة في روسيا منذ ما كانت تقطن في منزل زوجة عمها.
ظل جسدها ينتفض مع كل طلقة نارية تستمعها؛ لذا انكمشت على نفسها بفراشها، وهي تضع كلا كفيها على اذنيها، وكأنها وبتلك الطريقة ستمنع وصول صوت الطلقات لأذنيها، وخارج عن إرادتها تسللت تلك الذكرى اللعينة لرأسها والتي جعلتها تبكي بهستيرية من فرط الخوف!
(عودة للوقت السابق)
فتحت جفنيها لتستعيد وعيها بعدما تناثرت تلك المياه على وجهها، فأبصرت وقتها زوجة عمها "روحية" التي كانت تقف أمامها بعنجهية مهيبة، بينما هي تحاول استيعاب وجودها في ذلك المكان.
صحراء مظلمة دبت الريبة في قلبها حول نوايا تلك المرأة!
وفجأة هبت "غاية" واقفة ما أن رأت "روحية" توجه ذلك السلاح الناري - الذي لا تعلم من أين أخرجته فجأة- أمام وجهها قائلة بنبرة تهديدية صريحة:
-إنتِ عارفة إني لو قتلتك هنا محدش هيحس بيكي؟
ازدردت ريقها بصعوبة واضحة، وتساءلت بعدها والدموع مترقرقة في مقلتيها:
-أ..أنا عملت إية يا مرات عمي.
وجهت سلاحها الناري للأعلى، وضغطت على الزناد عدة مرات، فصرخت "غاية" تلقائيًا بهلعٍ، وهي تضع كلا كفيها على أذنيها، بينما "روحية" تهتف بجنونٍ:
-لو ما عيشتيش وعلى بؤك حاضر ونعم هعمل فيكي كدة، دة تحذير صغير المرة الجاية مش هسيب فيكي حتة سليمة.
(عودة للوقت الحالي)
سحبها من بين زوبعة ذكرياتها "أوليان" التي ولجت للغرفة، وعلى وجهها تعابير لا تبشر بالخير أبدًا، تعلقت أنظارها بذلك السلاح الناري الذي تقبض عليه تلك الأفعى بأحكامٍ، فتحدثت "غاية" وقتها بنبرة مهزوزة:
-إنتِ عايزة مني إية؟
اقتربت "أوليان" منها لتجلس بجانبها على الفراش لتهتف بعدها بالعربية، وكأنها تسرد عليها مخططها الحقير بمنتهى الجراءة:
-فضولك وحش أوي "غاية"، خلاكي تجري تبصي من بلكونة الأوضة عشان تشوفي ضرب نار، بس طلقة غبية أنهت حياتك.
وخلال لحظات استطاعت استيعاب كلماتها الخطيرة عندما رأتها توجه سلاحها الناري أمام وجهها، فتلاحقت أنفاس "غاية" بتوترٍ ملحوظٍ، وهي تنهض ببطء هامسة باستهجانٍ:
-هتقتليني!
-"أوليان" توقفي.
اقتحم الغرفة "عمير" ليردعها عن تصرفها الأحمق، فتأججت نيران الغضب بصدرها؛ لذا نظرت له بتحدٍ سافرٍ، وكادت أن تضغط على الزناد غير مكترثة لعواقب فعلتها، ولكنه وفي لمح البصر كان أمامها ليرفع كفها للأعلى قليلًا، لتصيب وقتها تلك الطلقة النارية إطار زجاجي.
التقط السلاح منها بخفة قائلًا بسخطٍ، وهو ينظر لها شزرًا:
-أخرجي من الغرفة.
تفاقم انفعالها أكثر وأكثر، ومع ذلك كظمت غيظها بصعوبة شديدة، ثم خرجت من الغرفة، وهي تتوعد بالمزيد والمزيد لغريمتها التي أصبحت - في وجهة نظرها- تشكل خطورة في ملكية "عمير" لها.
استدار فجأة ليجدها تقف خلفه لتحمي نفسها من بطش "أوليان"، فتنهد بعمقٍ قبل أن يهتف بجفاء محدجًا في عينيها مباشرةً بنظراتٍ قاتمة:
-أوعي تحطي في دماغك إني بحميكي ولا حاجة.
ثم قال بنبرة تشبه فحيح الأفعى دبت القشعريرة في جسدها:
-أنا بس مش عايزك تموتي قبل ما أخليكي تتمني الموت مني من اللي هعمله فيكي.
استقبلت كلماته اللاذعة بارتياع، ليمر بمخيلتها - في تلك اللحظة- مدى البطش الذي ستناله على يد غليظ القلب ذلك، وفجأة وجدته يكمل بنبرة جافة خالية من المشاعر:
-بطلي بس تعابير وشك اللي مستنياني أتعاطف معاها دي، إنتِ أخر واحدة ممكن أديها المشاعر دي.
امتلأ قلبها بالشحناء تجاهه أكثر فأكثر، فلم تشعر بنفسها، وهي تصرخ باحتدامٍ، بينما عبراتها تتحجر بعينيها:
-كفاية بقى وفوق لنفسك، أمك دي أكتر حد كان يستاهل الموت، ولو رجع بيا الزمن هقتلها بدل المرة ألف، سامع؟...بدل المرة ألف.
قبض على خصلاتها المتناثرة بغلظة، وأخذ يجرها خلفه كالبهيمة، بينما هي تحاول اللحاق بخطواته السريعة؛ حتى تحمي خصلاتها من البتك تحت قبضته، ثم خرج بها من الغرفة وسط صرخاتها المعترضة والمتذمرة، ولكنه لم يهتم بها، فقط جرها خلفه أسفل نظرات شقيقه الفضولية، و"أوليان" المتشفية، وهبط بها الدرج، وخرج بها من البيت حيث حديقة المنزل، وما إن خرجت معه أبصرت كم مرعب من الجثث التي عمت المكان، فتعالت صرخاتها المرتاعة، وهي تتعثر في سيرها معه، وكالمتوقع لم يكترث، وظل يسحبها حتى وصل بها لذلك المكان المتواجد بالحديقة الخلفية للمنزل، وكأنه مبنى منفصل عن مبنى البيت.
توقف بها أمام الباب، فاستطاعت النهوض بمنتهى التعسر، لتراه وقتها، وهو يخرج ذلك المفتاح الذي أخذ يفتح به الباب الموصد، وكل ذلك وخصلاتها أسفل قبضته بصورة مؤلمة، ولكنها كتمت أنينها، وظلت تتابعه بروية وقلبها يرتجف من فرط الذعر.
وأخيرًا انفتح الباب وقبل أن تتفحص المكان بعينيها كان يدفعها للداخل بصورة غليظة صارخًا بنبرة مهيبة هزت أرجاء المكان، بينما هي تتابعه شاعرة وكأن النهاية تزورها:
-أنا اللي هخليكي تتمني الموت بدل المرة ألف...