رواية الدياجي بينهما الفصل السادس 6 بقلم رولا هاني


رواية الدياجي بينهما الفصل السادس 6 بقلم رولا هاني

-لو قربت مني هندمك.

صرخت بها بذعرٍ وصدرها يعلو ويهبط بهستيرية من تهدج أنفاسها، بينما هو يقترب منها هامسًا بنبرة تشبه فحيح الأفعى:


-سمعيني تاني هناك كنتي بتقولي هتعملي إيه بدل المرة ألف؟


هربت الكلمات منها وخانتها، وفجأة أجهشت بالبكاء العنيف وهي تشعر بتوجسٍ رهيب أثرًا لاقترابه الذي أزداد بشدة منها، وخلال لحظات قبض على فكها السفلى بقوة، وفي لمح البصر لف خصلاتها المتمردة على قبضته يقربها منه أكثر قائلًا بغلٍ:


-فاكرة نفسك إيه؟...دة إنتِ إنسانة قذرة عضيتي الإيد اللي اتمدتلك وقتلتي الست اللي عيشتك في بيتها وهي مش مجبرة.


تحدثت بصعوبة من وسط دموعها وقالت بشهقاتٍ عالية:


-الست دي فضلت تقتلني كل يوم منغير رحمة.


تابع تعابير وجهها من كثب بعدما تركها، وبالرغم من صدقها البائن، إلا إنه لم يقتنع؛ لذا صرخ موبخًا إياها على كونها مخاتلة بلا خجل من أفعالها المشينة:


-كفاياكي تمثيل بقى، دة إنتِ زي ما تكوني كدبتي الكدبة وصدقتيها.


كادت أن ترد عليه بمنتهى الانهيار، ولكن صوت الفئران الذي ظهر من خلفها أفزعها وأصابها بهلعٍ شديدٍ، فصرخت بهستيرية وقفزت بين أحضانه بلا وعي منها متشبثة بملابسه الكثيفة، بينما هو يحاول الثبات في وقفته بعدما ارتمت بثقل جسدها - بغتة- عليه، وبعدما نجح ولف ذراعيه حول خصرها - بحركة عفوية منه- تحدث بتهكمٍ وهو يضغط على ذراعيها بعنفٍ بالغٍ:


-لا لا أجمدي كدة، أومال لو عرفتي إنك هتقعدي هنا علطول هتعملي إية!؟


تلقائيًا ارتجف جسدها ما إن استمعت لكلماته، وأبعدت رأسها قليلًا لتنظر في عينيه برجاءٍ والصمت يخيم المكان، بينما هو يتابعها بروية وبداخله عدة مشاعر متضاربة غير مفهومة.


شعور الذل والهوان، كحبال تلتف حول عنقك بلا رحمة، والأقسى عندما يداهمك ذاك الشعور وأنتَ عاجز، تتحمل الأمر الواقع رغمًا عنك، وغير مسموح لك حتى التأوه والتعبير عن آلامك اللعينة!


دارت تلك الكلمات برأسها المسكين، مما جعل الألم يتفاقم بقلبها الذي تعالت ضرباته بعنفٍ بالغٍ، وبالرغم من ذلك حاولت الكلمات الهروب من بين شفتيها لتهمس بتوسلٍ، لتحاول بكل السبل:


-أبوس إيدك لا، أنا مش هستحمل افضل هنا ولو ساعة واحدة.


ثم تابعت بغلٍ وهي تقبض على تلابيبه بقوة صارخة بنبرة منهارة هزت شىء ما بفؤاده:


-حرام عليكم أنا بقالي ٨ سنين مدوقتش طعم الراحة، من ساعة ما أبويا وأمي ماتوا مدوقتش طعم الراحة.


أبعدها عنه قليلًا ليهتف باستهجانٍ جمٍ وهو يقبض على كلا كتفيها، ليهزها وقتها بقوة:


-والست اللي قعدتك في بيتها طول السنين دي، وصرفت عليكي وعلى تعليمك، إيه نسيتيها؟...طالعة ناكرة الجميل كده لمين؟... دة أبوكي كان راجل طيب وأمك كانت ست محترمة، طالعة **** كدة لمين أنطقي.


تلك الصورة التي أستجوبها بها لم تكن بلائقة بالمرة، فقط بثت شعور الوحشة بداخلها، لتدرك وقتها إنها مهما تحدثت لن يفهمها أحد، لذا فضلت الصمت وتحديجه بنظراتٍ نارية من بين عبراتها الحارة، بينما هو يصل صمتها إليه بطريقة خاطئة، فقال باستهزاء وهو يدفعها بخفة بعيدًا عنه:


-إيه سكتي ليه؟...شوفتي بقى إنك كدابة يا "غيوش".


وبمنتهى البرود تراجع بخطواته الخفيفة للخلف، وعلى حين غرة كان يخرج من المكان، وهو يوصد الباب بصورة مفاجأة جعلتها تخرج من شرودها بلحظة متأخرة، فاتسعت حدقتاها بفزعٍ وهي تبصر أمامها ذلك الباب المغلق، فركضت بسرعة قصوى تجاهه وهي تحاول فتحه بكل الطرق، وفجأة وصلها صوته من الخارج وهو يصيح باستفزازٍ:


-خليكي هنا بقى يا روحي أوبال ما أفكر هعمل فيكي إيه.


تلاحقت أنفاسها وهي تضع رأسها بتعبٍ على الباب، ثم استدارت وهي ترتمي على الأرضية الصلبة، لتتكور على نفسها وهي تخفي وجهها بين كفيها؛ حتى تمنع نفسها من رؤية تلك الفئران المنتشرة بالمكان، والتي دبت الرعب لقلبها وكأن ذلك ما كان ينقصها.


_________________________________________


اهتم بكل شاردة وواردة؛ حتى يحصل على مبتغاه بخططٍ سليمة، ولكنه فشل ككل مرة، ارتشف "جون" عدة رشفات من كأس الخمر الذي كان بين يديه، وهو يسب ويلعن خصمه اللعين.


في بادئ الأمر كان خصمه الحقيقي والد "أوليان" الذي سلب منه كل الصفقات المشبوهة التي وضع عينه عليها، وبعد وفاته ظن أن الكرة عادت لملعبه؛ بسبب وجود "أوليان" بمفردها في الساحة كما ظن، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ظهر "عمير" الذي تولى كل شؤون ذلك الرجل الذي كان يعمل لديه من البداية، وازداد وقتها غله وحقده تجاهه، ولمَ لا؟...فقد كان "عمير" أشرس وأقوى في العمل بكم هائل عن والد "أوليان"، وكان كل ما يخطط له في تلك الفترة حتى الآن هو قتل ذلك الحقير، ولكنه - وفي كل مرة- يعود من المعركة وهو يجر أذيال الخيبة معه.


وضع كأسه الفارغ أمامه على المنضدة، وحك مقدمة رأسه بأطراف أصابعه، ثم مر برأسه تلك الفكرة التي طرحها عليه أحد رجاله، وبالرغم من عدم سهولة تنفيذها، إلا أنه رأي أن ذلك هو الحل الأنسب في تلك الحالة.


_________________________________________


باليوم التالي.


-منذ متى وأنتِ ترفضين حضور إتمام الصفقات!؟


قالها "عمير" بدهشة وهو يوجه حديثه ل "أوليان" التي فاجأته برفضها للذهاب معه لمباشرة أعمالهم، فردت عليه بلغوبٍ ظاهري:


-متعبة جدًا، مداهمة رجال "جون" للمكان بالأمس وتصدينا لهم أنهكتني بشدة؛ لذا أفضل الراحة اليوم.


أومأ لها وهو يحترم رغبتها في البقاء في المنزل اليوم، فصمت قليلًا قبل أن يهتف بسخرية موجهًا حديثه لشقيقه:


-وإنتَ هتيجي، ولا ضرب النار على رجالة "جون" تاعبك إنتَ كمان.


برم "أصيل" شفتيه للداخل وهو يبتسم بسماجة، ففهمه "عمير" بلا مجهود؛ لذا تحرك خارجًا من المكان بأكمله مغمغمًا بعدم رضا:


-ولا فاهم آخره المرقعة والدلع دول إيه.


انتظرت "أوليان" ذهابه، ثم قالت بدهاء:


-نجحت خطتنا "أصيل".


رد عليها "أصيل" بالعربية والتوتر يداهمه بقسوة:


-متنسيش بعد ما نقتلها لازم نوهم "عمير" بأنها هربت.


ارتسم على ثغرها تلك البسمة الهادئة هاتفة بصدقٍ:


-متقلقش أنا عرفت اظبط كل شيء.


_________________________________________


زفرت الهواء بمللٍ، منذما تركها وهي تجلس في نفس المكان متكورة على نفسها، أنفاسها متلاحقة بشدة، وكأن الأكسجين يتضائل من حولها بلا هوادة، شعور الجوع يراودها بقوة، الظمأ يكاد يقتلها، حتى رغبتها في قضاء حاجتها تزداد عليها، كل تلك المشاعر الطبيعية راودتها في لحظة واحدة لتنهمر العبرات على وجنتيها بلا توقف متسائلة...أتلك النهاية!؟ ...سوف تموت في ذلك المكان القذر ولن يشعر بها أحد!


وفجأة خرجت من زوبعة الأفكار تلك عندما شعرت بالباب يُفتح؛ لذا تهللت أساريرها وهي تهب واقفة لتستدير مقابلة الباب، وبالفعل انفتح الباب لترى "أصيل" بصحبة تلك الأفعى، وعلى الرغم من ملامحهما التي لا تبشر بالخير إلا إنها توسلتهما قائلة من بين دموعها:


-خرجوني من هنا.


أفسح "أصيل" الطريق لها؛ لذا وفي لمح البصر كانت تلج للخارج بخطواتها السريعة، وهي تحاول استيعاب ما يحدث، كانت تظن أنها ستبقى في ذلك المكان طوال عمرها، ولكنها الآن بخارجه.


سارت "غاية" خلفهما حيث البيت، ودلفت معها للداخل، وبدون تفكير صاحت بارتباكٍ:


-الحمام اللي هنا فين؟


أشار لها "أصيل" لتلك الغرفة المقابلة لها، فركضت ناحيتها بلا تردد، بينما هو ينتظرها لتتوارى عن أنظاره ليهتف بعدها بقلقٍ:


-مظبطة كل حاجة ولا هتودينا فداهيا؟


ابتسمت "أوليان" بمكرٍ هاتفة بثباتٍ، وأنظارها مثبتة ناحية المرحاض الذي اختفت بداخله "غاية":


-متقلقش، النهاردة هيكون آخر يوم في عمرها.


وخلال دقائق خرجت "غاية" من المرحاض لتجد أمامها "أوليان" التي وضعت على رخامة المطبخ كل ما لذ وطاب، رمقتها بريبة ونظرت لابن عمها الذي طالعها بنظراته المرعبة؛ لذا استحوذها شعور الشك والخوف في آنٍ واحدٍ، وتحدثت في قوة بالرغم من شعور الجوع الذي كاد أن يقطعها أربًا:


-الأكل دة فيه حاجة.


توترت ملامح "أصيل"، أما "أوليان" ظلت تضحك بسخرية هاتفة باستخفافٍ؛ حتى تبعد تلك الفكرة من رأسها:


-شكل كدة الأفلام العربي مأثرة على دماغك.


حاربت رغبتها الشنيعة في الأكل، وقالت برفضٍ قاطعٍ:


-وأنا مش عايزة أكل.


وسارت بعدها بخطواتها السريعة لتصعد الدرج، ولكن صوت "أصيل" الجهوري الذي صاح باسمها جعلها تتوقف مستديرة، فأصابتها الصدمة في تلك اللحظة عندما وجدته يصوب سلاحه الناري ناحيتها، وخلال لحظات لم تستطع استيعاب أي شيء فيهم ضغط ابن عمها على الزناد بلا رحمة لتصيبها تلك الطلقة النارية المصحوبة بصرخة "أوليان" الفزعة.


تهدجت أنفاسها، وقبضت على الدرابزين وهي تحاول الثبات في وقفتها التي ترنحت بقوة، وأبصرت "غاية" بنظراتٍ مشوشة نظرات "أصيل" القاسية، ونظرات "أوليان" المصدومة من هول المفاجأة، ثم هبطت بنظراتها تجاه ملابسها لتجدها ملطخة بالدماء التي وما أن رأتها داهمها الذعر العنيف، فتهاوت تلك العبرات الحارقة على وجنتيها قبل أن تفقد وعيها على الدرج الذي وقعت من فوقه بعدما صعدت عدة درجات؛ مما تسبب في عدة جروح عنيفة على وجهها!


ولسوء حظ "أصيل" و"أوليان" هو ولوج "عمير" للمنزل في تلك اللحظة؛ بسبب نسيانه لأحدى الملفات الهامة، ليبصر وقتها ذلك المنظر المفجع!


_________________________________________


-غدًا "رويد"، لا أريد أي تأخير.


قالها "جون" وهو ينفث دخان سيجارته موجهًا كلماته لأحد رجاله الذي كان مصري الجنسية؛ ولذلك السبب أختاره لأنه سيكون الأنسب في أداء تلك المهمة التي كان موقعها هو موطنه، أما "رويد" فكان يتنهد بعمقٍ قبل أن يرد عليه في إذعانٍ:


-حسنًا لا تقلق.


ثم أضاف في احترامٍ، وهو يتراجع بخطواته للخلف:


-سأذهب لأبدأ في إعداد كل ما يخص السفر.


أومأ له "جون" عدة مرات بلا اهتمام، وهو يشير له بكفه عدة مرات، فتحرك "رويد" على الفور خارجًا من الغرفة، التي وما إن خرج منها ظهرت على وجهه علامات الامتعاض الواضحة، فقد كان خبر عودته لمصر بمنزلة شىء نغص عليه صفو حياته الوهمي، كم سعى حتى يهرب من موطنه ومع ذلك يأتي القدر ليجبره على العودة، هرب من بلده وبلدته، من عشقه، من عائلته، من أصدقائه، من كل شئ خذله ذات يوم ليأتي لدولة أخرى متناسيًا جراحه وليس ناسيًا.


_________________________________________


باليوم التالي.


ما إن رأه هب واقفًا وقبض على تلابيبه بجرأة لم يتحل بها من قبل، بينما "أوليان" تقترب منهما بلا تردد لتحاول الحد من التوتر الذي كان أوج ذروته بينهما، وقالت بنبرة مرتبكة:


-أعتقد ذلك ليس الوقت المناسب الشجار.


أما "عمير" فكان ينظر في عيني شقيقه مباشرةً، ثم وبعد حرب النظرات التي دارت هتف "أصيل" بغيظٍ كاد أن يحرقه بمكانه، وهو يهزه بعنفٍ:


-مكنتش أعرف أن الهانم غالية أوي كده عليك.


نفض "عمير" كلا يديه في قوة، ثم قال بتهديدٍ وهو يحدجه بنظراته القاتمة:


-بلاش بجاحة، أنا لسة محاسبتكش على تصرفك منغير أذني.


تعالت قهقهات "أصيل" التهكمية، ثم اختفت فجأة ليصرخ باهتياجٍ رأه "عمير" فيه ولأول مرة:


-تصرفي، تصرفي في إني أخد حق أمي.


ثم أضاف في لومٍ ضاغطًا على وتره الحساس:


-هانت عليك، وهان عليك اللي حصلها.


لم يحتمل "عمير" كلماته؛ لذا صاح بانفعالٍ جحيمي وهو يشير بسبابته تجاهه:


-إياك توجهلي إتهامات زي دي تاني، أنا لو كان هاين عليا أمك مكنتش عملت كل دة، ف ميجيش حتة عيل زيك ويقولي أعمل إيه ومعملتش إيه.


اتسعت حدقتي "أصيل" بصدمة، وتابع تعابير شقيقه القاسية بعدم تصديق، وكالمتوقع قاده الغضب ليهتف وقتها بلا تفكير والدموع متحجرة بمقلتيه:


-يبقى أنا من طريق وإنتَ من طريق.


وقبل أن يغادر المكان بِرُمَّته صاح باحتدامٍ لا يبشر بالخير:


-وحق أمي هجيبه يعني هجيبه، ومحدش هيقدر يمنعني...


                   الفصل السابع من هنا 

            لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة