رواية الدياجي بينهما الفصل السابع 7 بقلم رولا هاني


رواية الدياجي بينهما الفصل السابع 7 بقلم رولا هاني


تابعت بكلا عينيها خروجه هو الأخر من المكان، فتنهدت بعمقٍ قبل أن ترتمي على الأريكة وهي تلف خصلة متوسطة الحجم من خصلاتها الصهباء على سبابتها، وشردت وقتها في نقطة غير مهمة، ولكن ما يدور في ذهنها كان شديد الأهمية. 


تذكرت "أوليان" ما حدث بالأمس عندما اقتحم "عمير" المكان دون سابق إنذار لتهب تلك الرياح العنيفة بالمكان لتجعل التوتر يعمه بلا هوادة! 


(عودة للوقت السابق) 


انتابها الخوف ما أن رأته يرمق "غاية" الغارقة وسط دماءها بنظراته الغير مفهومة، وفجأة ارتاعت أكثر عندما وجدت نظراته المتوعدة تجوب كل منها ومن شقيقه الذي ارتبك هو الأخر، حتى وقع السلاح الناري من بين قبضته. 


رأته "أوليان" يقترب منها بخطواته الأقرب للركض، فاقتربت هي الأخرى؛ حتى تراقب ما يحدث بتمعنٍ، وكأنها تريد إثبات شيء ما لنفسها. 


وجدته يحيط وجهها بكفيه ليهتف بحدة وهو يهزها بخفة:


-"غاية". 


رأت في عينيه الوجل الذي تمنت ألّا تراه أبدًا، أيخشى إصابتها بمكروهٍ؟ ...هل استطاعت تلك الراقصة اللعينة سلب منها ما ظلت لسنواتٍ تمتلكه؟ ...وفجأة وجدته يحملها بين ذراعيه بحرصٍ شديدٍ، وصرخ وقتها بقساوة مخيفة دبت الرعب في قلبها وهو يخرج من المكان، بينما "أصيل" يخرج من حالة الذعر تلك ليتعجب من فعلة شقيقه المفاجأة:


-حسابكوا معايا لما أرجع، هعرفكوا إزاي تعملوا حاجة بدون علمي. 


(عودة للوقت الحالي) 


"غاية"...تلك الحمقاء التي اقتحمت صفو حياتها لتعكره أصبحت حقًا تهدد ملكية "عمير" لها، هي تعرف إن تحدثت معه سينكر الأمر، ولكنها تعلم جيدًا كيف سيتفاقم الأمر في الأيام القادمة؛ لذا يجب عليها أخذ قرارات حكيمة في المستقبل لتتخلص من تلك اللعينة قبل أن تسلب منها كل شيء. 


_________________________________________


وضعت حجابها على رأسها بصورة سريعة قبل أن تفتح باب الشقة؛ لتضع القمامة في السلة الموضوعة أمامه، وفجأة أبصرت أمامها ذلك الرجل الذي كان يقف بجانب حقيبة سفره أمام الشقة المقابلة لها. 


عدلت "بهجة" من وضعية حجابها في صورة متعجلة قبل أن تهتف ببشاشة وبصورة اجتماعية معهودة منها:


-صباح الخير. 


التفت لها الرجل يبتسم بخفة قائلًا بصوته الأجش:


-صباح النور. 


هتفت بودٍ وهي تخطو خطوة للأمام لخارج الشقة:


-إنتَ شكلك مأجر الشقة جديد. 


رد عليها بسخرية لم يستطع السيطرة عليها وهو يخرج مفتاح الشقة من جيبه الخلفي، ثم استدار ليفتح الباب وهو يهمشها بصورة محرجة لها:


-لا واقف قدامها بشنطة سفري بتأمل في جمال الباب اللي ملزوق بتفافة ده.


أصابها الذهول من تهكمه الغير محترم، سواء منها أو من باب الشقة المتهالك؛ لذا قالت باغتياظٍ وهي تتخصر باستهزاء:


-طب يا خويا لو مش عاجبك أوي كده باب الشقة غيرها أحسن. 


ولج لداخل شقته، ثم قال بجمودٍ قبل أن يغلق الباب بوجهها:


-بطلي رغي يا شاطرة وخشي جوا. 


انصدمت للمرة الثانية من وقاحته، وتسمرت بمكانها تحاول استيعاب تلك الإهانة التي تعرضت لها منذ قليل، وفجأة خرجت من شرودها على صوت "درغام" صاحب البيت المستأجر الذي حدثها بابتسامته الواسعة:


-صباح الفل على ست البنات. 


لم تستطع الخروج من حالة الغضب التي كست ملامحها، وصاحت بتبرمٍ وهي تعدل من وضعية حجابها للمرة الثانية كحركة تلقائية منها:


-جرى إيه يا عم "درغام"؟ ...إيه اللي إنتَ جايبه يسكن قدامنا ده!؟ 


ألقى نظرة عفوية تجاه الشقة المقابلة لشقتها، ثم قال بحيرة وهو يحك مؤخرة عنقه:


-ده واحد حبيبي كلمني امبارح عشانه وكان قايلي انه راجع من السفر ومحتاج شقة ضروري...حتى كان بيقول اسمه...اسمه "رويد" باين.


همهمت بتعجبٍ وهي تعقد حاجبيها باستغرابٍ:


-"رويد"! 

_______________________________________


-كان بودي اسيبك سايحة في دمك عشان نخلص منك، بس حسيت إنها هتبقى نهاية بايخة أوي. 


ألقي عليها عبارته بمنتهى الجمود، فهبطت كلماته عليها كالسوط اللاذع؛ مما جعل تعابير وجهها تنكمش بانزعاج واضحٍ، وهي تهتف في صوتٍ واهنٍ:


-ياريتك كنت سيبتني. 


جلس "عمير" -على الفراش- أمام أبنة عمه، والشماتة تعلو على قسمات وجهه قائلًا بنبرة جعلت دواخلها تتمزق من فرط قسوتها:


-ياما اتمنيت يجي اليوم اللي هتتمني فيه الموت...وأهو جه.


ثم تابع بلامبالاة لعبراتها التي التعمت في مقلتيها:

-خدي بالك هنمشي من المستشفى بليل...الدكتور قال عادي تخرجي، والجرح كده كده كان في كتفك ومش عميق. 


امتنعت عن الرد؛ حتى تتجنب كلماته المزعجة، وذلك أثار أستفزازه؛ مما جعله يحادثها في فظاظة، وكأنه يبحث عما يثير حفيظتها:




-مش واحشك الشغل.




عضت على شفتيها بألمٍ تجسدت علاماته على وجهها بوضوحٍ، وفضلت الصمت للمرة الثانية على التوالي، فتفاقم غضبه؛ مما جعله يهب واقفًا، ثم ينحني بجذعه للأمام وهو يقبض على كتفها السليم ليهزها عدة مرات بقسوة صائحًا ب:




-إنتِ مبترديش عليا ليه يا بت. 




خرجت منها صرخات موجعة مكتومة؛ أثرًا لتأثر جرحها لفعلته العنيفة، وبلا شعور منها تهاوت عبراتها الغزيرة على وجنتيها، وراحت تتوسله بهستيرية لعله يستمع لها ويكف عن ضغطه الفظيع على أعصابها المهزوزة:




-أرحــمني وكفاية بقى، عشان خـاطري كفاية.




انتفض مبتعدًا عنها ليتسمر جسده كرد فعل غير مفهوم منه، وراح يطالعها بنظراتٍ شاملة وفاحصة يتابع انهيارها التام وسط دموعها التي غمرت وجهها لتخفى معالمه، وبالكاد أستطاع رؤية عسليتيها التي كانت غارقة في عدة مشاعر كان محواها الحزن، والقهر، والاستياء، والقنوط...!




حارب شعور الشفقة الذي راوده تجاهها بمنتهى الصعوبة، وعادت إليه تلك النظرة القديمة، هي...هي قاتلة والدته، قاتلة من مد يد العون لها، لا تصون الجميل، ولا تحفظه؛ لذا لا تستحق ولو ذرة شفقة؛ لذا عاد يحدجها بنفورٍ وهو يخاطبها متهكمًا:




-بلاش الشغل ده عليا؛ عشان مش هياكل معايا. 




ثم استطرد بقساوة، والوجوم يحتل قسماته، والقتامة تغمر مقلتيه، والغل يظهر بين طيات كلماته المسمومة:




-فوقي يا "غيوش" ده إنتِ قتلتي الست اللي ربتك في بيتها وكبرتك وعلمتك، هانت عليكي تموتيها وتحطيلها سم في الأكل، وفوق ده كله تضربيها عشان تهربي بعدها بكل برود.




للمرة الثانية يكرر كلماته المبهمة تلك، فاعتدلت في جلستها بصعوبة شديدة متكأة على ذراعها الخالي من الإصابة، ثم جاء ردها عليه وهي تظهر احتجاجها الشديد عما يتفوه به:




-محصلش، أنا محطتلهاش سم في الأكل، صدقني معملتش كده. 




عبست ملامحه أكثر وأكثر، وفجأة وجدته يقترب منها مجددًا ليقبض على فكها بعنفٍ جحيمي، وراح يهتف باهتياجٍ دب الذعر لقلبها المرتجف:




-كفاية كدب، إيه بيجري في دمك؟ ...لو كدبتي مرة تانية يا "غاية" مش هخلي فيكي حتة سليمة. 




تحدثت بصعوبة مجددًا ليظهر وقتها مدى إصرارها على توضيح الأمر:




-أنا محطتش ليها سم، صدقني.




رفع حاجبيه بغيظٍ وقال بصوتٍ خفيضٍ دب الهلع لقلبها من نبرته:




-واضح إنك بتستغلي وجودك في المستشفي، بس عامةً كلها كام ساعة ونروح. 


_________________________________________


بالمساء.




كما اعتادت في كل ليلة -خاصةً تلك التي يليها يوم أجازتها من الجامعة- أن تقضيها في الشرفة الخاصة بشقتهم برفقة قهوتها الدافئة الممزوجة بأنغام كوكب الشرق "أم كلثوم"، وما جعلها تتمتع بخصوصية ممتازة في منطقتها الشعبية هو إسدال ستائر الشرفة بأكملها وكأنها تغلف المكان، عدا فتحة صغيرة من الأعلى تظهر القمر وضوئه المريح للعين. 




كانت "بهجة" تدندن بإندماجٍ شديدٍ مع كلمات الأغنية التي مست قلبها بالرغم من عدم معاصرتها لأحداث تواكبها:




-اللي شفته قبل ما تشوفك عينيا...عمر ضايع يحسبوه إزاي عليّا!




ارتشفت عدة رشفات من فنجان قهوتها، وأخذت تطبق جفنيها وهي تستمتع بنبرة "سيدة الغناء العربي" التي تجعل قلبها يرتجف من فرط قوته ورفقه في آنٍ واحدٍ، وفجأة أخرجها من تلك الحالة تلك الجلبة المزعجة والتي كان مصدرها الشرفة المجاورة لها، فتأففت بضجرٍ، ووضعت فنجان قهوتها على المنضدة الصغيرة، وأخفضت صوت الأغنية من هاتفها لعل ذلك الأحمق يتوقف عما يفعله ليعكر صفوها، ولكنه لم يتوقف، وما كان يثير الذهول بالأكثر تحول مشاعرها من الغضب والعصبية إلي الفضول وحب الاستطلاع؛ لذا نهضت واقتربت من الجهة اليمني من الشرفة وأخذت تزيح الستائر ببطء؛ حتى لا ينتبه لها، لتباغتها كومة هائلة من التراب الذي اصطدم بوجهها؛ مما جعلها تسعل بقوة وهي تتشبث بالستائر أكثر وأكثر، فأكملت إزاحتها بسرعة شديدة، بينما هو يكمل بتلك الخرقة ضرب الأريكة المتهالكة المغمورة بالغبار بلا اكتراث لها! 




توقفت عن السعال بصعوبة شديدة، ثم صاحت في صوتٍ متحشرجٍ موبخة إياه:




-في حد عاقل يعمل القرف اللي بتعمله ده. 




ألقى "رويد" عليها نظرة خاطفة قبل أن يهتف بسخافة وهو يكمل ما يفعله:




-خشي جوا يا شاطرة بدل ما التراب يبهدلك.




عدلت من وضعية حجابها الفوضوي، وصاحت بعصبية وهي تلوح بكفها في الهواء، فتوقف بالفعل حتى يتابع ردود أفعالها بمنتهى التركيز الذي لم تلاحظه:




-مسميش شاطرة، ليا اسم على فكرة.




رد عليها بمنتهى البرود الذي كاد أن يجعلها تُصاب بجلطة من فرط استفزازه:




-طب ياللي ليكي اسم ادخلي جوا عشان التراب ميبهدلكيش.




وقبل أن ترد عليه اقتحمت المكان وقتها "إنعام" والدتها التي تحدثت بحدة دبت التوتر لقلبها، فراقبتها بارتباك:




-إيه اللي بيحصل هنا؟




وبعد عدة لحظات معدودة كان هو يدرس فيها كامل تعابير وجهها لمَ يحدث رد هو وقتها بلباقة فائقة جعلت "بهجة" تتابعه كالبلهاء وفمها منفرج:




-أبدًا حضرتك، أنا بس كنت بنضف البلكونة ف لقيت بنت حضرتك نازلة فيا شتيمة وبهدلة، ومع ذلك استأذنتها تخش عشان متتبهدلش من التراب، وبردو كملت فيا بهدلة. 




ثم تابع ببراءة زائفة وهو يطرق رأسه وكأنه طفل مسكين يشكو لوالدته:




-وأنا متربي وإبن ناس مبردش على الشتيمة...يرضيكي كده؟




شعرت "إنعام" بالحرج بعدما اقتنعت بما قاله ذلك الرجل، فتأسفت في الحال وهي تلكز ابنتها بعنفٍ في ظهرها خفية، بينما الأخيرة تكتم ذلك التأوه العال الذي كاد أن يتسلل من بين شفتيها:




-حقك عليا يا بني، دي "بهجة" بس ساعات بتكون دبش كده، بس هي حد كويس في العموم.




رد عليها بنفسٍ نبرتها السابقة وقال:




-ولا يهم حضرتك دي زي أختي. 




ابتسمت له "إنعام" بمجاملة، ثم استحثت ابنتها على السير وأخذتها معها لداخل شقتهم، بينما هو يهمهم باسمها عدة مرات، وكأنه يرسم بين طيات نفسه خطط عدّة لتلك المسكينة للإيقاع بها في شباكه.


_______________________________________


بيت أخر غير ذاك الذي بقت فيه من قبل، على الرغم من حجمه الصغير إلا أن مظاهر الترف والراحة كانت بادية عليه بشكلٍ ملحوظٍ، وحتى لو لم تبدُ عليه لم تكن ستهتم، كل ما كانت ستهتم به هو الابتعاد عن تلك الأفعى المدعوة ب "أوليان" وذلك الأحمق الذي حاول قتلها بدمٍ باردٍ، جابت "غاية" المكان بعينٍ شاملة فاحصة، وفجأة أخرجها من شرودها صوته البغيض الذي أتى من خلفها ليدب القشعريرة بجسدها:


-ومن هنا هنبتدي بداية جديدة يا "غاية"....


                  الفصل الثامن من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة