
رواية الدياجي بينهما الفصل الثامن 8 بقلم رولا هاني
يومان مرا وغريب الأطوار ذاك يستمر في أفعاله الغريبة، يعكر صفوها كل ليلة بالجلبة التي يفتعلها متعمدًا، يظهر من العدم كلما تدلف للشرفة حتى امتنعت عن الولوج إليها، حتى وإن خرجت للتبضع تراه أمامها كصدفة سخيفة لم تكن تحبذها!
خرجت "بهجة" من شارع بيتها، وأخذت تسير بخطواتها الوئيدة -نظرًا لخروجها مبكرًا عن ميعاد محاضراتها- قاصدة موقف سيارات الأجرة، وفجأة خرج أمامها وغد ظل يسير خلفها وهو يلقي على مسامعها غزله المثير للاشمئزاز، وكما اعتادت مع هؤلاء الحمقى الذين تراهم كثيرًا بمنطقتها الشعبية تجاهلته ولم تكترث لما يقوله، وفجأة التقطت أذناها ذلك الصوت المألوف وهو يصيح ب:
-صباح الفل حبيبي، نهار اللي جابتك مش فايت.
التفتت بجسدها دفعة واحدة، ويا ليتها لم تلتفت؛ حتى لا ترى ذاك الذي يتراكض ورائها في كل مكان تتواجد فيه وهو يقبض على تلابيب ذلك الرجل، وبلا مقدمات وجدت "رويد" يلكمه لكمة كادت أن تحطم فكه السفلي، وفجأة وجدت المارة يلتفون حولهم، ومنهم مَن حاول التدخل؛ حتى يفض الاشتباك؛ لذا -وحتى لا تتورط في الأمر- ركضت مسرعة بعيدًا عنهم مكملة طريقها، كحركة في منتهى الشهامة منها.
_________________________________________
-بقاله قد كده مختفي ولا على باله وسايبنا هنا.
قالها "أصيل" بضجرٍ، وهو يقلب بعدة أوراق خاصة بعدة صفقات زافرًا للهواء بملله الواضح على قسمات وجهه، فردت وقتها "أوليان" باستهزاء وهي ترتشف عدة رشفات من فنجان قهوتها:
-طلعت محتاج ل "عمير" مش كنت تقول أنا من طريق وإنتَ من طريق.
ثم استطردت بالروسية وهي تضع كفها على جبينها بصورة مستاءة:
-درامي بصورة مبتذلة.
ألقي بالأوراق على الأرضية من فرط يأسه، فهو بذل مجهود خرافي؛ حتى يحل مشكلات تلك الصفقة المشبوهة ولكنه فشل، شقيقه "عمير" كان الأمثل لفعل كل ذلك، حتى "أوليان" لم تكن مؤهلة بصورة كافية حتى تقوم بتلك الأعمال، كانت مدللة تلقي أعباء العمل على عاتق شقيقه، فقط كان مكانتها محفوظة كرامةً لوالدها المُتوفّى، فهو من سهل سبيل العمل للشقيقين بلا مقابل، وهتف بعبوسٍ:
-مش وقته يا "أوليان"، صفقة السلاح دي محدش هيقدر يتصرف معاها غيره، هو الوحيد اللي كان بيعرف يتعامل مع الناس دي.
ثم أكمل وقسماته متجهمة بصورة قاتمة مرعبة:
-بيعاقبني، أنا فاهم كويس سبب إختفاءه.
ردت عليه بنبرة قلقة وهي تعبث بخصلاتها الكثيفة بصورة متوترة واضحة على حركات أصابعها:
-كل ذلك لا يهمني، ما يهمني هو عدم ملاحظة "جون" لغيابه عنا.
ثم تابعت بنبرة تحذيرية مما هو قادم، وقد خرج صوتها ف حالة تدب الوجل في قلب المرء:
-إن لاحظ "جون" ذلك سنكون فريسة واهنة أمامه؛ لذا يجب أن يعود "عمير" مهما كان الثمن، وإلا لن تكون العواقب محمودة.
_________________________________________
بالمساء.
هبطت من سيارة الأجرة، وأخذت تعدل من وضعية ملابسها وحجابها، ثم كادت أن تسير وتكمل طريقتها، ولكنها توقفت شاهقة بفزعٍ ما إن رأته أمامها يهتف بنبرته المستفزة وعلى وجهه كدمة واضحة بجانب عينه اليمنى:
-هو الجري نص الجدعنة وكل حاجة، بس مش عيب تسيبي إبن حتتك وتجري كده بردو؟
ألقت عليه وابل من الجمل الانفعالية ولم تشعر بنفسها وهي تصيح بوجهه، ومع ذلك حافظت على نبرة صوتها الخفيضة؛ حتى لا ينتبه أحد من المارة لهما:
-هو إنتَ إيه؟ ...طلعتلي منين؟ ...افتح باب شقتي الاقيك، اطلع البلكونة الاقيك، اروح اشتري حاجة من السوق الاقيك، ابقى في طريقي لجامعتي الاقيك، ناقص افتح دولابي الاقيك.
رد عليها بلا مقدمات وهو يبتسم ببرودٍ:
-قريب إن شاء الله.
عقدت حاجبيها بعصبية هاتفة:
-نعم.
وقبل أن يتركها لتغلي بمكانها من فرط الغضب، هتف وقال بلهجة آمرة ليس من حقه إلقاءه بها عليها:
-تاني مرة انزلي بلبس أوسع من ده، ودخلي شعرك اللي طالع بيتفسح برا طرحتك ده جوا.
راودتها أعراض ذبحة صدرية عنيفة من فرط استفزازه لها، وكل ما كان يداهمها من أفكار هو كيفية التخلص من ذلك المتطفل الذي اقتحم حياتها بلا أي تمهيد!
_________________________________________
ليلتان وتلك الثالثة ساهدة يلازمها الأرق الجحيمي، وتمتنع رأسها المسكين عن التوقف عن التفكير، أمضت "غاية" ذلك الوقت بذلك البيت اللعين لتتأرجح مشاعرها بين خيبة الأمل التي تجرجرها خلف ظهرها وبين نبذها لكل ما يحدث، زوبعة أفكارها التي تشبه النيران تبتلعها كما تبتلع كل شيء بلا رحمة ولا هوادة، أتى بها ابن عمها الأحمق لذلك المكان وأخبرها بأنه سيكون بداية أخرى وجديدة لها...أو لهما...لم تكن تتذكر دِقَّة كلماته من فرط تشتتها، ثم وبعد كل ذلك تركها بمفردها وغادر، تركها بمفردها تجلس على تلك الأريكة التي بغضتها من فرط وجودها أعلاها طوال الوقت تنظر للباب بهستيرية، تنتظر قدومه الحتمي لها، وتنتظر إيذاءه النفسي والبدني لها الذي تكرر وسيتكرر بلا هروب من ذلك الأمر الواقع، تتلفت حولها كالمجنون خشية من ظهوره المفاجئ دون سابق إنذار وكأنه سيظهر من العدم، انتظار المرء للبطش شيء مؤذي ومؤلم للغاية، وقتها يعلم المرء حتمية تعرضه للأذى، ورغمًا عنه يترقب الأمر بلا توقف، تعرضت أعصابها لضغطٍ لم تتعرض له من قبل، لم تتعرض له حتى عندما كانت تعيش مع زوجة عمها، هي تنتظر الانتقام، البطش، الموت ولا تعلم متى سيأتوا، تملكها الارتياع الأيام التي مرت وما عمق من ذلك الشعور بقائها بمفردها لتقع في فخ رأسها التي حاصرتها بالأفكار المرهقة لعقلها المسكين.
سكبت من زجاجة الخمر - التي لا تتذكر أين وجدتها حتى - بالكوب الزجاجي الشفاف الموضوع أمامها على المنضدة، ثم شربته دفعة واحدة، وهي تحاول الثبات في جلستها بصعوبة شديدة من فرط ثمالتها، وكأن ما تفعله الآن هو ما سيجعلها تهرب بصورة صحيحة مما هي فيه.
كان على وجهها ابتسامة خرقاء ولسان حالها يردد بلا توقف، أتلك نهايتها؟ ...بعد كل تلك الحروب التي عاشتها بمفردها ولا يعلم أحد عنها ستكون تلك النهاية، أذلك ما كان تستحقه!؟ ...وبالرغم من ذلك يجب عليها أن تكمل، ولكن كيف؟ ...كيف يكمل المرء معركة هو واثق من عدم ظفره بها!؟ ...ولم تكن معركة "غاية" كأي معركة، بل كانت بمثابة حياتها، وللأسف لم تكن المعركة ل "غاية" ولا "غاية" للمعركة.
شرعت في سكب الكوب الجديد، ولكنها توقفت فجأة، وانتبهت كامل حواسها لباب البيت الذي انفتح فجأة وبلا مقدمات، حاولت بصعوبة قصوى صب كامل تركيزها على هوية الشخص الذي دلف، ولكنها لم تستطع، وما ساعدها في تلك اللحظة صوته المألوف لأذنيها وهو يقول بنبرة غريبة:
-لسة صاحية.
معنت النظر في ابن عمها "عمير" الذي كان يتقدم منها بخطواته المتعثرة، فاستطاعت استيعاب ثمالته هو الأخر مثله مثلها؛ لذا وبلا وعي صدر منها ضحكة رنانة وهي تضرب كفًا بكفٍ، ثم راحت تسكب كوبها الجديد، ولم تشعر به عندما ارتمى بجانبها على الأريكة عندما شعر بعدم قدرة ساقيه على حمله، أما هي فشربت كأسها دفعة واحدة مجددًا، وبلا شعور منها صاحت بنبرة متلعثمة:
-عار...عارف يا "عمير".
وفي غاية التعسر نظر في عسليتيها مباشرةً، وهو يحاول استيعاب ما يحدث ولكن كان للخمر تأثير قوي عليه مثلها، فقد شرب "عمير" كمًا كبيرًا منه عندما كان في ذلك الملهى الليلي اللعين، لتقوده بعدها قدماه لذلك البيت الذي بقت فيه تلك الحمقاء، أما "غاية" فردت عليه في صوتٍ متهكمٍ يشوبه السخرية المريرة:
-أمك دي ست متربتش.
من حُسن حظها لم يستمع لكلماتها، ولم يعِ حتى بها، التي لو استطاع استيعابها لكان لقنها تهذيبًا لن تنساه طوال عمرها؛ لذا لم يعقب على ما قالته. كان شاردًا بصورة شديدة، صورة سلبت عقله وخبلته، تأثير ما شربه قاده لأفكار جنونية، أفكار ستجعله يندفع اندفاع غير مدروس، وبلا إدراك مَدّ كفه ناحية وجهها ليوجهه ناحيته، فحدجته وقتها بنظراتٍ ضائعة لا صوب لها، بينما هو يفغر شفتيه بتعابيرٍ مشدوهة ليست مفهومة، أما هي فكانت مستسلمة، ووجهها مسترخي في التعابير لا تشعر بأي شيء.
سحبها ناحيته في لحظات معدودة، وأجلسها على ساقيه، وهو يمرر كفه على شعرها قائلًا بنبرة هائمة لم تستمعها منه من قبل:
-إحلويتي أوي يا "دليلة".
اقترب منها واختطف عدة قبلات متفرقة من على وجهها، بينما هي تشعر بإعياء شديدٍ وكأنها على وشك فقدان وعيها، كانت شبه فاقدة للإحساس بكل ما حولها، غافلة عما يحدث، ولكن الشيء الوحيد الذي شعرت به في تلك اللحظة هو دمائها التي فرت من عروقها عندما لثم ثغرها برقة نقيض شخصيته المتعجرفة والقاسية، وبغتة تشبث بها وحملها بين ذراعيه، ثم نهض من على الأريكة وهو يبتعد بوجهه عنها قليلًا هامسًا بذلك الاسم الغير المألوف لديها بصورة هستيرية، وبأنفاسٍ متهدجة:
-"دلــيلة".
لم تهتم، فقط استندت برأسها على صدره ولم تشعر به وهو يدلف بها تجاه أحدى الغرف المتواجدة بالمكان، لتكون تلك بداية أخرى بالفعل، بداية أكثر قسوة من تلك التي مرت، بداية ربما تعزز تلك الدياجي التي كانت بينهما، وربما تبددها.
_________________________________________
أبلج صباح جديد ولم تنعم تلك المسكينة بقسط من الراحة طوال الليل، وبعدما كانت تعود من جامعتها لترتمي على سريرها بلا مقدمات؛ حتى تغوص في سبات يدوم لليوم التالي، أتى ذلك الوغد بالأمس ليؤرق ليلها بأفعاله العجيبة، شعرت "بهجة" بثقل رأسها بسبب عدم نومها، وراودها صداع عنيف جعلها تستغيث بفنجان قهوتها كعادتها، ثم أخبرت والدتها باقتضابٍ بأنها لن تذهب للجامعة اليوم بلا توضيح لأسباب محددة.
دلفت للشرفة بعدما وضعت طرحتها على رأسها بفوضوية، ثم أخذت ترتشف عدة رشفات من فنجانها وهي تجوب بعينيها أنحاء المكان، وفجأة داهمها ذلك الفضول الذي جعلها تتحرك صوب شرفته، فاصطنعت وقتها إزاحة جميع الستائر في وقتٍ واحدٍ؛ حتى لا يشك في أمرها، أو يدرك مدى فضولها تجاه شخصه، وبالرغم من خطتها المحكمة إلا إنها عندما رأته دب التوتر والتلبك مشاعرها. تابعته "بهجة" بحرصٍ عندما تأكدت من عدم رؤيته لها، فقد كان "رويد" موليًا ظهره لها، بينما كان يحادث شخص ما على الهاتف بصوتٍ شبه مسموع، فالتقطت أذناها عدة كلمات ولكنها لم تفهمها، ولم تفهم ماهية اللغة التي كان يتحدث بها من الأساس، كل ما تأكدت منه هو أن تلك اللغة ليست بالإنجليزية.
وفجأة استدار بكامل جسده بلا سابق إنذار، فاصطنعت وقتها ارتشاف القهوة وهي تتابع الشارع وما يدور به، بينما هو يغلق الهاتف في تعجلٍ قائلًا في قتامة جعلت الارتباك يغمرها في الحال:
-إنتِ واقفة هنا من امتى؟
سيطرت على حالها وخاطبته في عنجهية، وهي تلوي شفتيها بامتعاضٍ:
-وإنتَ مالك؟
بادلها اللهجة وحادثها بغطرسة مسددًا لها نظرة نارية أرعبتها؛ لأنها ولأول مرة تراها منه، عهدته بارد، مرح، ومستفز، لا مخيف هكذا
-لما ألاقيكي واقفة بتتصنتي عليا، يبقى من حقي أسألك، ومش من حقك تردي بقلة أدبك دي في وقتها، بل تفهم...
تفاقمت حفيظتها من تلك الخيلاء التي كان يستطرد بها حديثه، فلوحت بيدها في الهواء وهي تقاطعه بفظاظة:
-حيلك حيلك، هو إيه خدوهم بالصوت، دي بلكونتي أقف فيها وقت ما أحب.
انفعاله الغير مدروس كاد أن يقوده لخساره هدفه الذي أتى بسببه إلى هنا؛ لذا تمالك أعصابه في لحظات عديدة ليفصل بين مشاكل عمله في روسيا، وما أتى لأجله هنا، ثم بدل تعابير وجهه المحتقنة لأخرى لعوبة وهو يقول بنبرة وديعة زائفة:
-أخس عليكي، بقى أنا بعد اللي عملته عشانك امبارح تعامليني كده.
لوت شفتها العلوية وهي تستمع لذلك الهراء، ولتلك النبرة اللطيفة التي خرجت منه، ثم قالت بغيظٍ وجسدها يهتز من فرط الغضب:
-محدش قالك تعمل اللي إنت عملته.
تراخت تعابير وجهه، ثم قال ببساطة أحرجتها، وكأن ذلك إحدى أساليب (قلب الترابيزة) التي يستخدمها البعض:
-واضح إن أنا عكيت، طب يا ستي إسمحيلي أصالحك، بس قبلها تعمليلنا كوبايتين شاي من عندكوا، وسيبك من القهوة اللي على الصبح دي عشان مضرة.
بحلقت فيه بتعجبٍ، منذ قليل كان يصيح في وجهها بصورة فجة، والآن يتحدث برقة متناهية، وبالرغم من ذهولها من كل ما يحدث، إلا إنها انساقت لأوامره وأومأت له عدة مرات قبل أن تلج للداخل، بينما هو يهمهم بصوتٍ خفيضٍ وهو يحك مؤخرة عنقه:
-منك لله يا "جون" على الصبح إنتَ وأخبارك خليتني أعك الدنيا أكتر ما هي معكوكة.
ثم تابع بنفس مستوى نبرته السابقة وهو يمرر كلا كفيه على وجهه:
-أما نشوف أخرتها معاكي يا "بهجة"...