رواية الدياجي بينهما الفصل التاسع 9 بقلم رولا هاني


رواية الدياجي بينهما الفصل التاسع 9 بقلم رولا هاني


ألمٌ عنيفٌ اجتاح رأسها، فأرّق نومها، وحاولت الاستفاقة وهي تشعر بتوجعٍ عجيبٍ في سائر أنحاء جسدها. حاولت "غاية" الاعتدال في جلستها بتعسرٍ شنيعٍ، وبعد قليلٍ نجحت؛ لتجحظ عيناها بصدمةٍ ما إن أبصرت ما شهدته عيناها؛ جسدها عارٍ لا يستره شيءٌ سوى غطاءٍ كثيفٍ موضوعٍ عليها بفوضويةٍ، وما جعل الذعر يتفاقم بداخلها أكثر وأكثر تلك الدماء التي رأتها عليه وأسفلها. تلاحقت أنفاسها، وتلفتت بجانبها لتشهق بعدم تصديق..!


"عمير" نائمٌ بجانبها في ذلك الوضع المحرج مثله مثلها! تجمدت العبرات بمقلتيها، وفجأةً أطبقتهما بقوةٍ لعلها تتذكر ما حدث بالأمس، فتهاوت الدموع على وجنتيها، وفي نفس اللحظة داهمتها ذكريات الأمس الشنعاء. اعتراها أسى لم ينتابها من قبل، وأجهشت بالبكاء المرير، وهي تلطم على صدغها بهستيرية، صارخة بحسرةٍ وعجزٍ ندمًا على إغفالها بالأمس؛ مما أدى لحدوث ذلك الأمر الفادح؛ وبسبب افتعالها لتلك الجلبة بدأ هو الآخر في الاستفاقة من سباته العميق، ليعقد حاجبيه باستغرابٍ ما إن شاهد حاله في ذلك الوضع، وفجأة انتبهت مسامعه لذلك النحيب الذي وقع عليه، فانتفض جالسًا وهو ينظر بجانبه؛ ليتسمر جسده في حينها، وليُلجم لسانه عن الحديث، وكأنه يظن حاله في كابوسٍ غير حقيقيٍ سيستيقظ منه خلال عدة لحظاتٍ، بينما هي ما إن رأته أمامها من وسط دموعها التي غمرت وجهها التقطت الغطاء سريعًا؛ لمواراة جسدها العاري عن مرأى عينيه، ومن وسط ارتجافتها العنيفة من فرط الهلع والخوف صرخت بصوتٍ ثائرٍ وهي تلقي عليه كامل الاتهامات: 


-إنتَ عملت فيا إية؟ 


لوهلةٍ ظل على حالته الصامتة تلك، فتذكر ما حدث بالأمس هو الآخر. كان ثملًا...نعم لم يكن بوعيه، وربما هي الأخرى. نهض "عمير" من على الفراش وارتدي ملابسه الملقاة على الأرض واحدةً تلو الأخرى، فقط ترك قميصه مفتوحًا، ولم يزرر أزراره، ثم جلس قبالتها على الأريكة، وهو يضع رأسه بين كفيه بعدما استند بمرفقيه على ركبتيه، بينما هي يتفاقم احتدامها، فاستفحلت شرًا ضده وهي تنهض من على الفراش بعدما تشبثت بالغطاء، ولكن داهمها وقتها دوارٌ شديدٌ جعلها تنكفئ على وجهها بثقلٍ جسدها على الأرضية الصلبة؛ مما جعل نبرة انتحابها تتعالى في اغتمامٍ وهي تصرخ باكترابٍ من وسط آلام جسدها:


-وصلت بيك تستغل إني مش في وعيي وتعمل فيا كدة، حرام عليك، دمرتني منك لله. 


غامت تعابير وجهه ورفعه من بين يديه، ثم هب واقفًا مقتربًا منها بخطواتٍ راكضةٍ، وقبض على ذراعها بصورة عنيفة وهو يرفعها للأعلى؛ حتى تنظر له، بينما هو يرد على اتهامها المجحف في هياجٍ: 


-أستغل إية بالظبط!؟...أنا كنت سكران زيي زيك. 


ثم استرسل بغلظةٍ، وبنبرته القاسية التي جعلت قلبها ينفطر أكثر وأكثر: 


-إنتِ لو آخر بنت في الدنيا عمري ما أفكر ألمسك. 


ناطحته بغلظة وهي تنفض ذراعها من بين قبضته الحديدية ناهضة من على الأرض في صورة مترنحة:


-إنتَ كداب، كل دة بتخطيطك، إنتَ كل هدفك في الحياة هو إنك تدمرني وبس، بس لية تكسرني أوي كده؟...لية!؟ 




هدر فيها بخشونةٍ وهو يقبض على فكها السفلي بقوةٍ متناهيةٍ، وداخله يغلي من فرط العصبية، وكأن أعصابه تتلف بالبطء من انصدامه بتلك الكارثة: 




-بقولك بكرهك، مبطيقكيش، مبطيقش أبص في وشك، هعمل دة معاكي إزاي؟...إية مبتفهميش!؟




ثم تابع بوقاحةٍ وباندفاعٍ غير محمود العواقب قابضًا على خصلاتها، موجِّهًا إياها نحو الفراش بقوةٍ مفرطةٍ كادت أن تقتلع خصلاتها أسفل قبضته، بالإضافة لإفلاتها -عنوة بعدما تعثرت- للغطاء الذي كانت تستر به جسدها: 




-ثم لو في حد عنده أسئلة ف هو أنا، يا ترى الدم ده إيه!؟...خدعة جديدة منك ولا خطة حقيرة من خططك. 




وكأن تلك كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، القشة التي جعلتها تطلق تلك الصرخات المفزعة وهي تدفعه بعيدًا عنها بكل ما أوتيت من قوة، وبالفعل تراجع مبتعدًا رغمًا عنه وهو يتابع انهيارها المباغت. تابعها وهي تتهاوى على الأرض لاطمة على صدغها بيدٍ، وبالأخرى تستر جسدها بالغطاء. تابعها وهي تتوسله أن يرحمها بنبرة متحشرجة من فرط الصراخ:




-كفاية، عشان خاطري كفاية، أنا عمر ما حد لمسني طول السنة اللي اشتغلت فيها في القرف دة، وعمري ما كنت أتمنى أشتغل كدة، وعمري ما كان في نيتي أأذي حد أو أقتل حد، أنا عيشت حياة عمرك ما هتتخيلها، أنا إتذليت في حياتي كتير أوي، ومن حقي أعيش مرتاحة...حرام اللي بيحصل فيا دة، لية تعمل فيا كدة؟




ثم استطردت بنبرة جنونية من وسط ضحكاتٍ رنانة خرجت منها، وهي تقبض على شعرها بكلا كفيها بقوة عتيدة؛ مما جعله يتوتر في وقفته، وشعور بداخله يحثه على احتواء تلك الروح الكسيرة التي كانت أمامه بسبب فعلة لعينة دمرت كل شيء، وكأن الأمور كانت جيدة من قبل:




-مبسوط وإنتَ شايفني مكسورة ومذلولة قدامك صح؟...خدت حق "روحية" يا "عمير"... 




قاطعها باهتياجٍ بعدما حارب مشاعره المشفقة عليها بصعوبةٍ بالغةٍ: 




-إنتِ إزاي قادرة تبرري القتل بسهولة كدة؟




اندلعت شرارات الغضب بداخلها أكثر وأكثر، ما زال يلقي عليها اتهاماته اللانهائية، وهي مطالب منها تحمل كل ذلك، والصمت، وعدم التذمر، أو الاحتجاج حتى، ولكن وفي تلك اللحظة أبت الصمت حتى لو كان سيتسبب في موتها؛ لذا هتفت بنبرةٍ مبحوحةٍ ناهضة من على الأرض بصعوبةٍ، متشبثة بالغطاء الذي ستر جسدها، محدقة إياه بعينين مكسوتين بحمرة ملتهبة أثرًا لعبراتها التي لم تجف:




-مكانش قصدي أقتلها أنا كنت بدافع عن نفسي. 




رمقها بوجه واجمٍ، ثم تحدث بضيقٍ من بين أسنانه: 




-مش وقته كدبك.




أكملت حديثها بثباتٍ، وكأنها لم تستمع لتوبيخه منذ عدة لحظات: 




-كنت بدافع عن نفسي منها، ياما كان نفسي أحمي نفسي منها ومن أذاها.




ثم تابعت بوجه ذابلٍ، وبصوتٍ واهنٍ من وسط دموعها التي عادت تتساقط من جديد: 




-سبع سنين بتعذب وبتذل فيا، سبع سنين عشت فيهم مكسورة ومقهورة، سبع سنين مليش حق حتى أصرخ وأستنجد بأي حد.




واسترسلت في تأنيبٍ، وهي تشير بسبابتها ناحيته، فازدادت وقتها وتيرة تنفسها من فرط انفعالها:




-إنتَ السبب، لو كنت فضلت وسطينا...لو كنت مسافرتش مكانش كل دة حصل، على الأقل كنت تحميني منها.




خاطبها بلا وعي، وهو يتجاهل ذلك الارتباك الذي حل عليه أثرًا لكلماتها التي تتبين صادقة: 




-كدب، كل اللي بتقوليه كدب. 




ثم استطرد بلا مقدمات؛ حتى يقاطعها عن أي رد قد يطرأ على بالها، وسار ناحية باب الغرفة ينتوي مغادرة المكان ليتركها هكذا كالمجاذيب تحادث حالها بلا توقف من فرط القهر والجزع:




-أنا همشي عشان ورايا شغل واعتبري اللي حصل دة أكنه محصلش.




_________________________________________




-إلا هو إنتَ صحيح بتدرس إية؟




قالتها "بهجة" بعفويةٍ قبل أن تقضم قطعة كبيرة من شطيرة الجبن التي كانت تفضلها مع كوب الشاي الذي صنعته أيضًا لنفسها وله هو الآخر، بينما هو يجيبها بابتسامةٍ متصنعةٍ؛ بسبب ملله الشنيع من تلك المحادثة الطويلة التي دارت بينه وبينها، وقد كان محتواها محاولاته العديدة في إرضائها بعد أسلوبه الفظ معها، والبقية كلمات لا فائدة منها، حتى أُصيب رأسه بألمٍ فظيعٍ:




-لا أنا كبير شوية عن كدة، أنا متخرج من بدري. 




نظرت له بشغفٍ عجيبٍ، وبفضولٍ أكبر تساءلت بعدما أخذت رشفة من كوب الشاي الخاص بها: 




-خريج إيه؟ 




ردد بهمهمةٍ وهو يمسح بكفه على سائر وجهه بقوةٍ: 




-بيت أم رغيك يا شيخة.




استفسرت في الحال وهي تهز رأسها: 




-بتقول إيه؟




رد عليها بنبرة حاول -بصعوبة- جعلها عادية: 




-آداب روسي. 




كان جوابه ليس بكذبٍ، فهو بالفعل خريج تلك الكلية ومن خلالها استطاع إتقان الروسية التي ساعدته على السفر من الأساس، بالإضافة إلى دهائه الذي جاء بنواتج محمودة، فتلك الإجابة ستكون مبررًا واضحًا أمام عينيها بعدما رأته يتحدث بتلك اللغة الغريبة عنها في الهاتف، وجرت الأمور كما خُطط لها وهتفت بنبرتها الوديعة: 


-عشان كدة كنت بتتكلم روسي في التليفون، إنتَ مترجم يعني وكدة؟


رد عليها بتهكمه الذي لا يستطيع السيطرة عليه في غالب الوقت: 


-لا دكتور نسا وتوليد. 


عقدت حاجبيها بصورة مشدوهة، لم تفهم وقتها أيسخر منها أم يمزح، ولكنها اطمأنت ما إن رأته يتضاحك قائلًا:


-بهزر معاكي مش كل حاجة تقفشي.


أومأت له عدة مرات قبل أن تتساءل بعدها بذهولٍ: 


-مشربتش شايك لغاية دلوقت يعني!


رد عليها تلقائيًا وهو يهز كتفيه:


-بشربه بارد.


هزت رأسها له ببشاشةٍ، ثم نهضت من على كرسيها قائلة بنبرتها الرقيقة:


-طب أنا هستأذنك بس أدخل أذاكر.


تنفس الصعداء وتابعها وهي تغادر بفؤادٍ راقصٍ قبل أن تمر تلك الفكرة اللعينة على رأسه؛ لذا تساءل بنبرة شبه عالية؛ لتلفت انتباهها قبل أن تلج للداخل: 


-صحيح مقولتليش إنتِ في كلية إيه؟


لاحت ابتسامة واسعة على وجهها قبل أن تهتف:


-إعلام...في كلية إعلام. 


ثم دلفت للداخل، بينما هو يعتلي ثغره تلك الابتسامة الجانبية الشيطانية، فقد كان سؤاله الأخير ذو تأثير ليس بسيئ، هو يريد إيهامها باهتمامه بكامل تفاصيلها، حتى لو ذلك الأمر ينفلت منه في بعض الأحيان بسبب عدم تفضيله للمحادثات الطويلة أو للانشغال بها من الأساس، وفي ظل كل ذلك كان لسان حاله يردد بتهللٍ:


-هانت يا "رويد".


-افتكرت أن ليك أخ تسأل عليه أخيرًا. 


قالها "أصيل" بتهكمٍ وهو يهب واقفًا مع "أوليان" التي راقبت الموقف بصمتٍ تامٍ، بينما "عمير" يتقدم ناحية المكتب للملمة بعض الأوراق، فتقدم منه شقيقه ليهتف بحدةٍ طفيفةٍ:


-أنا مش بكلمك يا عم إنتَ.


رمقه "عمير" بنظرةٍ باهتةٍ دبت القلق في قلبه، فاستطرد حديثه بوجلٍ:


-مالك يا "عمير"؟


أكمل لملمة بقية الأوراق ولم ينبس بحرفٍ واحدٍ، فأكمل "أصيل" حديثه بإصرارٍ:

-ما تفهمني في إيه بقولك.

رد "عمير" -وأخيراً- بنبرة لا حياة فيها، فتيقن وقتها "أصيل" من وجود مصيبة ما حلت على رأسه، وبالتأكيد بسبب تلك اللعينة:


-أنا مش عايز أتكلم.


تساءلت وقتها "أوليان" وهي تدرك مدى غباء سؤالها، ولكنها فقط أرادت إثارة استفزازه؛ حتى تستطيع سبر أغواره:

-هي "غاية" هربت ولا إيه؟

تلاحقت أنفاسه بصورةٍ ملحوظةٍ لكليهما، وسدد وقتها لتلك الأفعى نظرة نارية لن تنساها طوال حياتها، ثم خاطبها في هياجٍ:


-قولت مش عايز أتكلم.


صرخ وقتها "أصيل" باندفاعٍ غير مدروس:


-مش من حقك، الموضوع ده مش بتاعك لوحدك ف لما نسألك تجاوب.


ألقى نظرة أخيرة على الأوراق التي بقيت بحوزته، ثم وبسرعة متناهية شرع في الركض لخارج المكان بأكمله تحت نظرات كلٍ من "أوليان" و"أصيل".


استقل سيارته وهو يسيطر على حاله بصعوبة، راوده انهيار لا مثيل له جراء ما حدث اليوم، كما راوده أيضًا التفكير المرهق حول كيفية التصرف برزانةٍ في ذلك الأمر، أيرى الأمر وكأنه لم يحدث مثلما أخبرها؟... أم يتخذ أيَّ قراراتٍ أخرى!؟


تحرك بسيارته وهو لا يشعر بنفسه، لا يدرك حتى أين يذهب، وفي وسط سيره بسيارته نبس بعدة أحرف جحيمية، والإصرار على ذلك الشيء تبين في نبرته، كما تبين عدم استطاعة أي شخص عن ردعه عما يريد:

-هقتلها....


                    الفصل العاشر من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة