رواية الدياجي بينهما الفصل الخامس عشر 15 بقلم رولا هاني


رواية الدياجي بينهما الفصل الخامس عشر 15 بقلم رولا هاني


ترك سلاحه خشيةً من نيل بطشهم غير المتساهل كما هو واضح، ثم ردد في خشونةً:

-من أنتم؟

لم يعطه قائدهم ردًا مفيدًا، فقط لوِي عنقه ناحية الذي وقف يساره كإشارة فهمها سريعًا، فاندفع وقتها ناحية "أوليان" التي جف حلقها من هول الموقف، ودب في جسدها رجفة شبه ملحوظة، فمهما كانت قوتها فقد كانت تتعزز بوجود "عمير" و"أصيل"، ولكن الآن هي بمفردها... بمفردها تمامًا.


حاولت لكم الرجل الذي اقترب منها وبيده قماشةٌ ما عجيبة، ولكنه انحنى بجذعه باحترافيةٍ؛ ليتفادى ضربتها، ثم اعتدل في وقفته ليكمم فمها سريعًا بما حمله بيده، بينما "أصيل" يتابع ما يحدث بلسانٍ معقودٍ، ليظهر وقتها مدى ضعفه في عدم وجود شقيقه، راقب "أوليان" التي خارت قواها فاقدةً للوعي بين يدي ذلك الرجل الذي حملها على كتفه بإهمالٍ عائدًا مجددًا ليقف على يسار قائده، وكأنه لا يحمل شيئاً؛ نظرًا لقوة بنيانه، وهنا تحدث "أصيل في جمودٍ حاول التحلي به للحفاظ على هيبته التي تلاشت من الأساس في لحظات:


-أتظن الأمر سيمر مرور الكرام؟


رد عليه الرجل الذي خاطبه في البداية بصوتٍ أجوفٍ:


-أخبر شقيقك أن "شيطان السين" في ذروة غضبه.


ثم انسحبوا من المكان كما دخلوه، بينما "أصيل" تندلع شرارات الغضب بداخله من موقفه في ذلك الحدث، بالإضافة إلى عدم فهمه للكلمات الأخيرة لذلك الرجل!


*********


بالمساء.


منذ ما جاءت وهي نائمة باستكانةٍ على ذلك الفراش الذي تموضع بجانب فراش "شيرين"، حتى لو لم يغلبها النعاس لتنم، هي فقط شعرت بالراحة لفكرة وجودها بعيدًا عن ذلك المختل، لفكرة وجودها بأمان حتى لو مؤقتًا.


بغتةً ولجت للغرفة شقيقة "بسام"، والتي اندفعت ناحية فراشها بوجهها الواجم، الذي جعل "غاية" تتنحنح بوجنتين متوردتين حرجًا، فهي تشعر بمدى ثقل وجودها على قلب تلك الفتاة؛ لذا هتفت بصوتٍ حافظت عليه خفيضًا خشيةً من إزعاجها، فمن الواضح كونها شخصية انفعالية وسريعة الغضب:


-أنا متقلة عليكوا يا آنسة "شيرين" حقك عليا.


رمقتها "شيرين" بضيقٍ جليٍ، ثم راحت تنفخ الهواء بعصبية قبل أن تتساءل بحدةٍ:


-هو إنتِ حكايتك إيه؟


انعقدت أنفاسها وحاولت الهروب من ذلك السؤال المباغت:


-أنا عارفة صدقيني إني دخلت حياتكوا فجأة و...


قاطعتها "شيرين" بنزقٍ متفاقمٍ:


-بت إنتِ بلاش شغل لف ودوران، شكلك باين إنك عاملة مصيبة أساسًا وهربانة منها.


ثم تابعت بنبرةٍ تحذيريةٍ:


-ف أحسنلك هاتي من الآخر وقولي حكايتك إيه؛ عشان أنا مش عبيطة زي أخويا اللي ضحكتي عليه واتمسكنتي.


اعتصر قلبها من الألم، وضاق صدرها، وكأن الهواء أثقل من أن يُستنشق، حاولت السيطرة على دموعها، فتعرضها لتلك المعاملة القاسية والفجة أثار الشفقة بداخلها تجاه حالها، كل ما طلبته من تلك الحياة هو أن تعيش مستقرة بعيدة كل البعد عن تلك المشاكل، والآن يُحقق معها بتلك الفظاظة، والآن ترى كم الاتهامات الحقيرة في أعين تلك الفتاة التي رمقتها بشراسةٍ، ولمَ لا؟... فماذا يوجد أسوأ من أن تخبرها بكونها قاتلة!؟


ارتخت أجفانها من فرط الإرهاق، ثم هتفت بخداعٍ قررت التمسك به؛ حتى تخرج من تلك المعضلة:


-الموضوع باختصار إن ابن عمي خطفني وجابني على هنا... وعايز يتجوزني غصب.


ثم استرسلت في حزمٍ لتمنعها من استكمال تحقيقها المهين ذلك:


-ممكن أنام بقى عشان أنا تعبانة، وبكرة هقعد مع أخوكي وهشرحلكوا الموضوع من أوله لآخره.


خففت "شيرين" الإضاءة تلقائيًا، وتمددت على فراشها ونظراتها مرتكزة على "غاية" التي أطبقت جفنيها مستسلمة للنوم، بينما الأخرى ترمقها بريبةٍ وتشككٍ واضحين كضوء الشمس في يومٍ مشرقٍ.


***********


-إيه الموضوع اللي إنتَ خليتني أجي عشانه الشركة بسرعة دة؟


قالها "عمير" باهتمامٍ واضحٍ في نبرته بعدما دلف لمكتب شقيقه وجلس على الكرسي المقابل له، فهتف "أصيل" بلا مقدمات:


-"أوليان" اتخطفت.


برقت مقلتاه بصدمةٍ وصاح بذهولٍ:


-إيه!


ثم تابع في عصبيةٍ جمةٍ، فوجودها في ظل حمايته وخطفها في آنٍ واحدٍ كان يراها إهانة صريحة لكيانه ولمكانته:


-إزاي ده حصل؟


مسح "أصيل" على وجهه بقوة وخاطبه في ضيقٍ:


-رجالة بسلاح دخلوا علينا وخدوها.


رد عليه "عمير" وعقدة حاجبيه تزداد:


-وإنتَ كنت معاها؟


أومأ "أصيل" بعبوسٍ، فاستهزأ به شقيقه في لهجة مهينة:


-لا جدعة يا "سوسن".


اندلعت شرارات الاهتياج بداخله، فعلل باحتدامٍ وهو يلوح بيده في الهواء بحركاتٍ عصبيةٍ:


-قولتلك كان معاهم سلاح وكانوا كتير، كنت أعمل إيه يعني؟


تساءل "عمير" بانفعالٍ بلغ ذروته وهو يضرب المكتب بكف يده:


-والرجالة اللي برا كانت فين، هو أنا موقف في الشركة حراسة ولا خرفان؟


-قولتلك ١٠٠ مرة محتاجين نغير حراسة الشركة عشان مش قد كده، بس سعادتك مش فاضيلنا، إنتَ بس فاضي للسنيورة بتاعتك.


خرج صوته جهوريًا، محذرًا، منذرًا، يدب الرعب في القلوب بلا هوادة، فبتر "أصيل" بقية كلماته التوبيخية في الحال خشيةً من ردود فعله العنيفة:


-"أصيــل"... اتقي شر الحليم إذا غضب، متستنزفش صبري وترجع في الآخر تعيط زي العيال من اللي هعمله فيك، اتقي شري أحسنلك.


حاول الحفاظ على منظره، ونهض من مجلسه هاتفًا في غلٍ:


-أنا ماشي وسايبلك الشركة كلها، اتفضل اتصرّف وشوف هتعدل العك اللي حصل وهترجع "أوليان" إزاي.


وبالفعل خرج "أصيل" من المكان بأكمله، بينما "عمير" يتابعه بنظراتٍ ثاقبةٍ، ليتمتم بعدها في توعّدٍ:


-حسابك تقل أوي معايا يا "جون".


***********


صباح اليوم التالي.


دلفت للشرفة بامتعاضٍ، فأبصرته بجانبها بالشرفة الأخرى؛ لذا صاحت في حنقٍ وهي تغلق الستائر عدا الجزء الذي ظهر هو منه؛ حتى لا يراهما أحد:


-كان يوم أسود يوم ما عترتك في الأكونت بتاعي، بتزن تشوفني ليه؟


تجاهل "رويد" فجاجتها وهتف بنبرة حاول جعلها عادية:


-بتقفلي الستاير ليه؟... إحنا بدري أوي محدش هيطلع يبص من الشبابيك دلوقت.


جلست "بهجة" على الكرسي وهي تعدل من وضعية حجابها، ثم قالت في عبوسٍ وهي تتثاءب:


-طب كويس إنك عارف، محدش بيصحي حد الساعة ٦ يعني.


للمرة الثانية تجاهل كلماتها الوقحة، ثم قال في اهتمامٍ حقيقيٍ:


-عاملة إيه دلوقت؟


تنهدت بثقلٍ وقالت:


-الحمد لله على كل حال، أديني بحاول أتعايش.


هز رأسه موافقًا إياها، ثم قال بغموضٍ جعلها تتأمله بعدم فهم:


-هتتخطي.


ارتسمت على ثغرها بسمة جانبية متهكمة، ثم خاطبته بنبرة مختنقة بالبكاء الوشيك:


-أمي كانت كل حياتي، إني أصحى في يوم ملقاهاش، وبين يوم وليلة أبقى وحدي... معتقدش دي حاجة أقدر أتخطاها.


تنهد بعمقٍ يحاول طرد تلك الرغبة الملحة بداخله على البوح بما جال في خاطره، ولكنه فشل ليهتف وقتها بتوجعٍ بائنٍ في نبرته، وكأن قلبه يُسحب من بين أضلعه:


-فاكرة أما قولتلك أهلي ماتوا.


أومأت له لتتذكر الأمر في الحال، فصحح هو لها المعلومة وهو يبتلع غصته:


-عايشين.


تيبست بمكانها ولم تتحرك قيد أنملة، وجال بخاطرها أسئلة عدة، ما الذي جعله يقنعها بأكذوبة كتلك؟... وما الكارثة التي يخبئها لتجعله يكذب أساسًا؟... لذا تساءلت تلقائيًا:


-ليه كدبت؟


ردَّ عليها في قسوةٍ غمرت نبرته في لحظةٍ واحدةٍ، فأصابها توجسٌ قويٌ ناحيته، وكأنه يحمل بين طيات كلماته حقيقةً لن تكون مستعدة لمواجهتها:


-عشان هما بالنسبالي ماتوا.


رمقته بفضولٍ تفهمه سريعًا، فضحك بخفةٍ وهو يبدأ في سرد قصته المأساوية عليها بلا خوف، وبمنتهى الأريحية، قصته التي ظل يقصها عليها وهو يستنكر حاله تمامًا:


-كنت شاب عادي عايش مع أبوه وأمه وأخته.


ثم أكمل وهو يبتسم بمرارةٍ متذكرًا كل الأحداث القديمة دفعةً واحدةً:


-حياتي مكانتش سهلة أوي، إحنا كنا ناس أحوالها المادية كويسة، أبويا كان مهندس في شركة كبيرة، وأمي دكتورة أسنان، بس اا... ا... أبويا كان راجل بتاع ستات وشرب وقرف، وأمي مكانش وراها غير نفسها وشغلها، مكانش مربيني أنا وأختي غير جدتنا، حتى أختي نفسها خدت كتير من أبويا وأمي، صحاب ولاد بالكوم، وأخلاق زفت.


ثم تابع وعينيه تومضان ببريق العبرات:


-مكانش عندي مشكلة فيهم، أنا مش جاي الدنيا أحاسبهم، كلهم أكبر مني، وإن كان حد أثر معايا في حياتي في حاجة ف كنت بقول بينه وبين ربنا.


وفجأة اتسعت ابتسامته أكثر وأكثر وهو يتذكر حاله منذ عدة سنوات، ليتابع بعدها قائلًا بجزعٍ، بينما هي تتابعه بصدمةٍ من ذلك الكم الهائل من الأحداث التي نزلت على مسامعها كالصاعقة:


-لحد ما ظهرت هي، خطفتني من وسط كل الكركبة دي، كانت معايا في الكلية، بنت جميلة وشاطرة وشعلة نشاط، حرفيًا حياتي مبدأتش غير معاها، فضلت أحبها ٤ سنين يا "بهجة".... ٤ سنين دفعتهم من عمري اللي لو رجع بيا هعيدهم تاني حتى لو عارف إن أخرتها هتبقى وجع بردو.


ثم استرسل في غلٍ تبين في نبرته التي تعالت بلا قصد:


-"وداد" أختي اللي المفروض مليش غيرها، كانت ماسكالي في عيل صايع وعايزة تتجوزه، عيل ملوش أصل ولا فصل، وأبويا وأمي عمرهم ما كانوا هيهتموا، أنا واثق إنهم كانوا هيرموها لأي حد، عملت زي ما أي أخ كان المفروض يعمل مع أخته.


ابتلع ريقه بتعسرٍ، وراح يردد في قهرٍ وهو يتحاشى النظر صوبها هربًا من نظرة التعاطف التي سيتلقاها منها، فلا شيء يقتله ويمزقه أشلاءً قدر تلك الشفقة:


-أختي استكترت عليا الحاجة الوحيدة العدلة في حياتي، أقنعت البنت اللي محبيتش قدها في الدنيا إني خونتها، وإني بلعب بيها، وإني لا يمكن أتجوزها وهي أقل مني ماديًا، تقوم التانية من غير حتى ما تيجي تفهم مني ترتبط تاني وتتخطب في نفس الوقت... لا وترتبط بمين، بأعز صحابي.


في لمح البصر كفكف عبرته التي خانته، ثم قال بخشونةٍ بعدما تنحنح بغلظةٍ:


-بعدها محسيتش بروحي إلا وأنا مسافر وسايبلهم البلد باللي فيها، وبرا بنيت نفسي والسنين عدت وأنا مش حاسس بيها... وتخطيت يا "بهجة".


ضغط على كلماته الأخيرة التي تمم بها جملته، ونظر لها بحذرٍ من رد فعلها على كل تلك الحقائق التي ألقاها بوجهها بغتةً، بينما هي تهتف في سخريةٍ:


-لو كنت تخطيت مكانش هيبقى في صوتك كل الوجع ده.


ثم استطردت مستفهمةً:


-عملت إيه أما سافرت وحاولت تبتدي بداية جديدة؟


رد عليها كاذبًا وهو يتجنب النظر لعينيها:


-اشتغلت في مجال الترجمة زي ما قولتلك.


تلقائيًا استفسرت مجددًا:


-رجعت مصر ليه؟


أجابها بهدوءٍ وهو يحاول عدم الاكتراث لذلك الألم القاتل الذي استقر بصدره؛ بسبب ذكره لقصته الشنيعة منذ قليل:


-كنت مقرر أستقر وبكفاياني غُربة وأديني بعيد عنهم.


ثم أكمل تلك المرة في صدقٍ وهو ينظر في مقلتيها مباشرةً:


-مكنتش أعرف وقتها إني هقابل واحدة زي القمر زيك.


أطرقت رأسها ووجنتاها تتوردان خجلًا، بينما هو يتابع بكلماته المبهمة التي أثارت ريبتها:


-ياريتني كنت أعرف إن هقابلك يا "بهجة"... يمكن كانت تبقى بداية مختلفة غير اللي جريت عليها في روسيا.


تملكها التوتر والربكة؛ لذا نهضت من على كرسيها هاتفة ببسمةٍ بسيطةٍ وهي تتجه للداخل؛ لعلها تتهرب منه ولو للحظات، فقد باتت كلماته لها ذات مغازٍ تفهم بعضها والآخر لا، أو ربما لا تفهم أيًا منهم:


-هدخل طيب أعمللنا حاجة سخنة نشربها... معدتي تاعباني شوية.


هز رأسه موافقًا إياها، وتابعها حتى توارت عن أنظاره بالداخل، ثم عاد برأسه للوراء ليستند على الحائط بعدما أطبق جفنيه بشرودٍ تلبسه، ليقع المسكين في زوبعة أفكار جحيمية، وفي كمٍّ مرعب من المشاعر المختلطة والمضطربة، ربما ندم، ربما خوف، ربما حيرة، ربما قلة حيلة...!


***********


اقتحم غرفة المكتب بعدما ركل الباب بقدمه، وانطلق باندفاعٍ ناحيته هاتفًا باحتدامٍ:


-إلى أين أخذك الجنون "جون"؟


ترك "جون" كأس الخمر على مكتبه، وراح يتفحص الباب شبه المكسور؛ بسبب فعلة "عمير" الذي ركله كالثور الهائج، ثم عقد حاجبيه في دراماٍ تهكميةٍ وهمس باستخفافٍ:


-كما ظننت، اليوم ملبد بالغيوم.


رمقه "عمير" بمقتٍ بائنٍ، ولكنه تمالك حاله؛ حتى يستطيع خوض النقاش مع ذلك الحقير. بالأمس حاوطه التفكير من كل جهة لحل تلك المشكلة، ولكنه وصل في النهاية إلى حل واحد، ألا وهو ذهابه لذلك المقيت بنفسه.


تنهد "عمير" بعمقٍ، ثم جلس على الكرسي المقابل لـ"جون"، وعاد يردد بصوته القاتم:


-أين "أوليان"؟


زادت عقدة حاجبيه، ورد عليه بسخريته المعهودة:


-لم أفتتحها روضة أطفال بعد.


-توقف عن العبث معي وأخبرني أين هي؟


تحلى "جون" بالجدية ما إن تفاقم غضب المتواجد أمامه، وخاطبه في ثباتٍ:


-أنا لا أعرف ما الذي تتحدث عنه.


وقبل أن يرد عليه باهتياجه الجم أبصر رسالة شقيقه على هاتفه الذي وضعه أمامه "نسيت أقولك إمبارح إن اللي خطفوها قالولي أقولك إن (شيطان السين) متضايق جامد منك... بس أنا معرفش مين ده".لعنه في سره، وسبه بسبابٍ نابٍ يتوعده بلا رحمة؛ بسبب إغفاله عن إخباره بتلك المعلومة المهمة، والتي لولاها ما كان أتى للمكان الخاطئ، ليصبح الآن في وضعٍ لا يُحسد عليه...!


              الفصل السادس عشر من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة