
رواية الدياجي بينهما الفصل السادس عشر 16 بقلم رولا هاني
وضع الهاتف في جيبه، ثم تنحنح بخشونةٍ وهو يتحلى بثباتٍ زائفٍ، ثم راح يلفظ كلماته من بين أسنانه:
-إن كان لك يدٌ في الأمر، العواقب ستكون وخيمة.
انعقد جبين "جون" بغضبٍ مستفزٍ، وارتكزت نظراته على التلفاز قائلًا بعبوسٍ مثيرًا لحفيظة "عمير" الذي ظل يسبه هو وشقيقه سرًا:
-أضعت عليَّ برنامجي الكرتوني المفضل لأجل قطتك الصغيرة التي تلهث خلفها وخلف اختفائها.
هبَّ واقفًا وعدل من وضعية ملابسه، ثم خرج وهو يهدر بحدةٍ:
-تذكر ما أخبرتك به "جون".
ظل يسير بغيظٍ، حتى خرج من الشركة، فزفر وقتها كمن يحمل جبلًا فوق صدره هامسًا بـ:
-إن ما وريتك يا "أصيل" على الموقف المعفن اللي حطيتني فيه ده.
أخرج هاتفه من جيبه، وظل يضغط عليه عدة ضغطات وهو يسير صوب سيارته، انتظر لحظاتٍ، ثم وضع الهاتف على أذنه صائحًا بنزقٍ، وقد اجتاحه وقتها اهتياج جحيمي:
-إن هزقتك زي العيال الصغيرة وبهدلتك تزعل مش كده.
استمع لحمحمته من على الطرف الآخر، ثم أتاه الرد بعد ما يقرب من الدقيقة تقريبًا:
-هو حصل حاجة ولا إيه؟
-إنتَ تخرس خالص.
ثم أكمل بتعابير منكمشة بتجهمٍ:
-وبعدين الراجل أما قالك السين، دي ملفتتش نظرك إنها حاجة مرتبطة بفرنسا، إيه علاقة أم "جون" يا غبي؟
-مكانش ليا في الجغرافيا أوي.
وبدون مقدماتٍ أغلق الهاتف بوجهه، وراح يسبهم جميعهم بسبابٍ لاذعٍ لم يتوقف عنه منذ الصباح، ثم همس بجموحٍ وهو يتذكر أمرها هي الأخرى:
-لسة دورك جاي يا "غاية".
**********
-قهوتك جميلة يا "بهجة".
قالها "رويد" بصدقٍ وهو يتلذذ بارتشاف قهوته التي صُنعت خصيصًا بيديها، فردت هي عليه بمجاملةٍ:
-شكرًا.
قبل وفاة والدتها ابتغى أن يسحب منها عدة معلومات حول أبناء عمها، ولكن ما حدث عطله؛ لذا تحدث في دهاءٍ بعدما مرت تلك الفكرة برأسه، فمعرفته بأي معلومات خاصة بهم قد تفيده في خطته التي قرر الإسراع في تنفيذها؛ حتى يستطيع تخطي أي مشاعر مباغتة أصابته في الآونة الأخيرة:
-مش محتاجة أي حاجة يا "بهجة"؟... فلوس أو غيره؟
هزت رأسها نافية بخجلٍ، ثم قالت في هدوءٍ:
-مستورة والحمد لله.
رفع حاجبيه بتفهمٍ مصطنعٍ، ثم قال بتساؤلٍ:
-طب متأخذنيش يعني، هو إنتوا أصلًا كنتوا بتصرفوا منين؟... على حد علمي لا إنتِ ولا والدتك الله يرحمها كنتوا بتشتغلوا و...
انسكبت الكلمات من بين شفتيها، وراحت تقاطعه بفظاظةٍ ليست بمعهودة منها، ولكن دفعة الأحداث التي تلقتها بالفترة الأخيرة جعلت كثيرًا من التغيرات تطرأ عليها:
-إنتَ مش ملاحظ إنك متدخل في حياتي زيادة عن اللزوم، مالك إنتَ ومال بنصرف منين؟
بتر بقية كلامه الذي نوى إلقاءه عليها، ثم صاح في تحرجٍ حقيقيٍ:
-حقك عليا مكانش قصدي.
بقي الحديث عالقًا في حلقها ويأبى الخروج، فهي ليست في مزاجٍ جيدٍ لمراضاة أحد، وهنا شعر هو بما يدور في رأسها وكأنه يقرأه؛ لذا صاح في رزانةٍ:
-متفكريش في حاجة عشان تصلحي الموقف، دة حقك ودة مش وقته، أنا بس حاولت أخرجك من المود.
حل الصمت بينهما لعدة دقائق، وبغتةً ظهر صوتها مجددًا لتجاوبه باقتضابٍ:
-ولاد عمي بيبعتولنا فلوس كل شهر.
عض على شفتيه يحاول ردع نفسه عن تصرفاته التي ستنتج عن إجابتها تلك، يرغب في الاستفسار عن عدة أشياء، وفضوله يقوده بشكل مرعب، ولكنه تمالك حاله وهتف بهدوءٍ، وقد شقت ثغره بسمة بسيطة:
-ربنا يخليهم ليكي.
-هو إنتَ زعلت؟
-لا عادي، أنا وضحتلك الموقف كله عشان دماغك متشتغلش.
ثم استطرد بتعقلٍ وهو ينظر داخل مقلتيها:
-حقك في وقت زي ده تتعصبي وتغضبي، بالعكس أنا مبسوط عشان طلعتي ضيقك ده فيا... ده أحسن ليكي.
أطرقت رأسها؛ لتخبئ العبرات التي التمعت بمقلتيها، وانكمشت على نفسها تحتضن حالها باضطرابها الواضح، كانت أمها لا تغيب عن بالها، وما كان يوجد أثقل من هذا الشعور، أن تشتاق أحدهم وأنت على تمام المعرفة باستحالة وجوده بجانبك مرة أخرى، وإضافةً على ذلك شعورها المميت بالذنب لما فعلته الآن، هو وقف بجانبها في تلك المحنة، لم يتركها، كان في مؤازرتها بكل استطاعته، حاول التخفيف عنها وما زال، وفي النهاية تتبجح معه في الحديث بهذه الصورة.
أما هو فظل يتابعها وأنفاسه تنسحب منه، ليضيق صدره كمن حمل ثقل العالم كله على كاهله، وكل ذلك تأثرًا بمنظرها، لا يعلم لمَ أصبح حزنها ذو تأثير قوي عليه هكذا.
لا يعلم ما طرأ بداخله، ولا يفهم شيئًا، فقط تمتم بداخله بتمنٍ:
-ياريتني أقدر أخدك في حضني وأخفف عنك.
كان يعهدها بهجة، كاسمها تمامًا، بهجة وسرور، وروحًا مفعمة بكامل معاني الحيوية، والآن كسيرة، مكلومة، منطفأة، تمنى لو أن تعود ضحكتها ولو للحظات، حقًا كانت ذات فارق ملحوظ في نفسيته ومزاجية يومه.
حاول "رويد" كسر السكون الذي خيم على المكان، وصاح بمرحٍ:
-مش عيب أبقى جاركوا الوش في الوش ومتدوقنيش أكلك أمال.
رفعت رأسها التي كانت منكسة بانكسارٍ، وهمست بصوتٍ شبه مسموع:
-حد قالك إنك أفشل حد في الدنيا يفرفش اللي قدامه.
تعالت قهقهاته رغمًا عنه، وهتف في مزاحٍ:
-كتير قالولي دمك يلطش في دي عندك حق.
أرخت الهواء من رئتيها، ثم قالت في امتنانٍ:
-شكرًا يا "رويد"، أنا مكنتش أتخيل إنك تقف جمبي بالشكل ده.
-بس عبط طيب، أنا معملتش حاجة، وبعدين إيه البخل ده إنتِ بتوهيني ومش عايزة تأكليني من إيدك.
تنهدت بعمقٍ، ثم نهضت من على كرسيها هاتفةً ببسمة متسعة أخيرًا، وعلى أثرها ارتسم على ثغره تلك الابتسامة الفرحة:
-هقوم يا عم وهعمل، بس هديهولك وأدخل عشان مش عايزة حد يشوفنا أو حاجة.
أومأ لها عدة مرات بتعقلٍ، وتابعها وهي تتوارى عن أنظاره، ثم تراخت شفتاه رويدًا رويدًا وهو يهمهم باستغرابٍ:
-هو أنا مالي!... إحنا هنخيب ولا إيه؟
**********
-أدينا قعدنا إحنا التلاتة سوا، اتفضلي بقى فهمينا الموضوع من طقطق لسلامو عليكو.
قالتها "شيرين" باندفاعٍ وهي تعقد ساعديها أمام صدرها بتحفزٍ، فوبخها شقيقها بخفوتٍ:
-يا بنتي براحة عليها شوفتيها قامت جريت، ما هي قاعدة وهتحكي أهي.
ثم ارتكزت نظراتهما ناحية "غاية"، وهنا حل الصمت بالمكان ولم يَبقَ سوى وقع الأنفاس، فصدح صوت "شيرين" مجددًا بنفاد صبرٍ:
-ما تنطقي يا بنتي، إيه حكايتك؟
فرت "غاية" بعينيها بعيدًا عنهما، وتمنت لو تنشق الأرض لتبتلعها؛ حتى تهرب من ذلك الموقف السخيف، وظلت نظراتها متعلقة بنقطة ما واهية، وأطالت التحديق بها وكأنها تبحث عن إجابة ما؛ لذا في النهاية تمسكت بكذبتها التي فاهت بها بالأمس:
-ابن عمي خطفني هنا على روسيا عشان عايز يتجوزني غصب... خ... خطفني أما أمه ماتت، أنا كنت عايشة معاها عشان أبويا وأمي ميتين.
وكالمتوقع صاحت "شيرين" باستهزاءٍ:
-وإحنا مطالب مننا نصدق القصة اللي اتهرست في ١٠٠ رواية دي قبل كدة ول..
حدجها "بسام" بنظراتٍ كانت كافية لتجعلها تبتلع بقية اعتراضاتها على ما قالته تلك المسكينة، ثم هتف في هدوءٍ وهو يصوّب أنظاره ناحية "غاية" التي نكست رأسها بصمتٍ التزمته:
-طب إنتِ طلباتك إيه؟
تلقائيًا وبلا تفكير ردت عليه بتلهفٍ:
-عايزة أرجع مصر.
تنهد "بسام" بثقلٍ قبل أن يتساءل باهتمامٍ:
-طب إنتِ معاكي أي ورق خاص بيكي؟
هزت رأسها بنفيٍ وكل معاني الاستياء تتشكل على قسمات وجهها؛ لذا أردف هو وقتها بعقلانيةٍ:
-بصي منطقيًا مقدرش أخليكي ترجعي مصر وإنتِ معكيش أي ورق، كل اللي أقدر أساعدك فيه إني هوجدلك شقة صغيرة كدة تعيشي فيها، وإيجارها متشيليش همه لغاية ما تقفي على رجلك، وأقدر كمان أشوفلك شغل، أنا محتاج ويتر معايا في المطعم، ها إيه رأيك؟
وهنا ظهر صوت "شيرين" التي هبت واقفة لتندفع ناحية غرفتها مسرعةً:
-أنا مش عاجبني العك ده من أوله لآخره، أنا غايرة على أوضتي.
تجاهلتها "غاية" وعضت شفتيها بتوترٍ، وصاحت وقتها بوجلٍ لترد على ما قاله:
-أنا خايفة ابن عمي يلاقيني.
وهنا أتاها ردُّه بثقةٍ:
-محدش يقدر يقربلك طول ما أنا في ضهرك.
-إنتَ متعرفش ابن عمي.
-ليه يعني تاجر مخدرات ولا تاجر سلاح؟
غمغمت بتهكمٍ:
-الاتنين.
ثم أكملت بنبرةٍ مسموعةٍ، وقلة الحيلة تنهش قلبها:
-موافقة... أمري لله.
************
-أيختطف مني صفقة السلاح وتلومينني على اختطافي لقطته المدللة؟
قالها ذلك الرجل الخمسيني الذي جلس على كرسيه الفخم بوقارٍ، بينما "أوليان" أمامه تجلس على ذلك الكرسي المقابل له، مقيدة اليدين والقدمين، وكعادتها ردت عليه بسخريةٍ:
-بالفعل عندما يعرف بأمر اختطافي سيقطع شرايينه ببطءٍ سينمائي.
أشعل سيجارته الفاخرة، وراح يردد بصورةٍ دراميةٍ مبتذلةٍ وهو يعقد أصابعه ناظرًا للأعلى:
-أتعلمين "أوليان"؟... كان والدك أقرب أصدقائي.
وبنفس النبرة السابقة ردت عليه وهي تطالعه باغتياظٍ:
-بالطبع ذلك يتبين كثيرًا على معصميَّ اللذين يكادان ينفجران من احتباس الدم وشدة الوثاق سيد "أرثر".
أومأ لها عدة مرات وكأنه يؤكد على كلامها، ليقتنع بكونه رحيمًا معها بالفعل دونًا عن غيرها، ولكنها صرخت فجأة بغلٍ ليُفزع الرجل منتفضًا بمكانه:
-هناك بالخارج ما لا يقل عن عشرين حارسًا، وعشرة كلاب شرسة، حل وثاقي... أسأهرب عابرة الحوائط أيها الذكي؟
عقد جبينه بغضبٍ، ثم صاح بعصبيةٍ تلبسته ما إن لاحظ نبرة صوتها التي تعالت بصورةٍ أزعجته، بينما هي ترمقه بحفيظتها التي تفاقمت أثرًا لجنونه المستفز:
-فتاة وقحة، كان والدك ذو صوت خفيض، بالتأكيد تشبهين والدتك.
ثم خرج من المكان وهو يغلق زرار حلته، بينما هي تكز على أسنانها بانفعالٍ متمتمة بخفوتٍ:
-حاسة يجيلي شلل ده "عمير" أهون.
*************
بالمساء.
-بيقولوا جاي النهاردة، يا تشدي حيلك وتنجزي يا...
هتف بها "أمان" الذي ولج الغرفة المتواجدة بالملهى الليلي، والتي خُصصت لـ "وصال"، ولكنه ابتلع بقية كلماته عندما وجدها تعد النقود بأعينٍ ملتمعةٍ، فوبخها بغيظٍ:
-إنتِ بتهببي إيه يا زفتة؟
ردت عليه "وصال" ببرودٍ اكتسبته خلال أيام قليلة فقط من تواجدها بـ "روسيا"، فتواجدها هنا جعلها تطمئن لكونها بعيدة كل البعد عن عائلتها التي تلهث خلفها باحثةً عنها:
-فلوسهم هنا حلوة أوي يا "أمان"، ومعاملة فايڤ ستار، ده الواحد مكانش عايش.
رمقها باشمئزاز وهمس متأففًا:
-ما إنتِ رقاصة.
ثم تابع بجديةٍ:
-المهم أجهزي عشان هو جاي النهاردة.
-مليش مزاج.
-نعم ياختي؟
-مليش مزاج، أخرك هتعملي إيه؟... أهلي اللي بتهددني بيهم موجودين في آخر الدنيا، يعني الدنيا أمان يا "أمان"، مفيش حاجة تجبرني أسمع كلامك.
وفي لحظة لطم صدغها، وجذب خصلاتها بقسوةٍ على أثرها تأوهت بنبرةٍ عاليةٍ، فكتمت أنينها المتألم خشيةً من استماع من بالخارج لما يحدث هنا، لينتهي بها الأمر ملقاة في الشارع، ثم وجدته يهمس بجانب أذنها بنبرة تشبه فحيح الأفعى:
-ده أنا أقتلك وأشرب من دمك ولا حد يدرى بيكي.
ثم تابع في صراخٍ مرعبٍ وهو يهزها بعنفٍ:
-كلامي يتقال عليه حاضر ونعم، أي كلمة تانية همحيكي من على وش الأرض.
ردت عليه بنحيبها الخافت وجسدها يرتجف بذعرٍ:
-حاضر... ه... هسمع الكلام.
ترك شعرها وراح يمسد عليه برفقٍ زائفٍ هاتفًا بلطفٍ مستفزٍ:
-شطورة يا قلب "أمان"... يلا جهزي نفسك عشان تخرجي، عايزين انهاردة نتقدم زي المرة اللي فاتت.
ثم خرج بخطواته المتراكضة، بينما هي تضع كفها على خدها بقهرٍ هامسةً بتحيرٍ:
-أعمل إيه بس يا ربي؟... اللي اسمه "أصيل" ده شكل اللعب معاه مش سهل، واللي معايا ده فوق دماغي.
راحت تضع مستحضرات التجميل وهي تهمس بتعابير منكمشة ارتعابًا:
-حاسة إني أنا اللي هشيل الليلة وهدفع التمن في الآخر!.....