رواية الدياجي بينهما الفصل السابع عشر 17 بقلم رولا هاني


رواية الدياجي بينهما الفصل السابع عشر 17 بقلم رولا هاني 


-بمفردي، بلا رجال، بلا سلاح، بلا وسيلة واحدة لبدء الحرب سيد "أرثر".
قالها "عمير" بشموخٍ وهو يلج لبيت "أرثر" رافعًا كلا كفيه بصورةٍ دراميةٍ، بينما هو يستقبله بحفاوةٍ تفهمها الآخر جيدًا، فلطالما تشكك في صحة عقل ذلك الرجل:
-"عمير" المشاكس الصغير، لديّ شطيرتان من مربى التوت التي أعشقها، أتبتغي التقاسم؟
تنهد "عمير" بعمقٍ ومرر يده في شعره يحاول بث الصبر لنفسه، ثم قال بمهاودةٍ:
-لا سيد "أرثر"، تناولت واحدة للتو قبل مجيئي.
ظل "أرثر" يتناول الشطائر الموضوعة أمامه بنهمٍ، وتحدث وهو يلوك الطعام بفمه؛ مما جعل المنظر مقززًا بصورةٍ لا توصف:
-ما الذي أتى بك أيها الفتى المشاكس؟
كز على أسنانه بغيظٍ، وسبه سرًا، وصاح بلا وعي:
-صبرني يا رب على البهايم.
تحدث الرجل بنزقٍ وجسده يهتز غضبًا:
-توقف عن الصياح بالعربية.
-حسنًا سيد "أرثر"، قبل البدء في أي شيء، أريد رؤية "أوليان".
عقد الرجل حاجبيه، وفغر فاهه ببلاهةٍ، فمال عليه حارسه الذي وقف بجانبه ليهمس بجانب أذنه بعدة كلمات؛ لذا صاح هو وقتها:
-نعم نعم تذكرت.
ثم عاد يستطرد في احتدادٍ وهو يسعل بين حينٍ وآخر:
-كيف تجرؤ على اختطاف الصفقة مني، كانت لي وأنت تعرف ذلك.
-لم تكن تلك مشكلتي، الأمر كان متروكًا بين يدي "جون" بصورة غير مباشرة، وفي النهاية وقعت الصفقة بين يديَّ لأكتشف في النهاية كونها خاسرةً؛ وكان ذلك السبب الرئيسي الذي جعل "جون" يختارني عن طريق رجل آخر كان يحركه كالدمية.
-حتى إن كانت الصفقة خاسرة كيف لك باختطافها.
مجنون، مختل، غير سوي وهو على علم بذلك، بالإضافة إلى ذلك هو ليس بمزاجٍ جيد لخوض تلك النقاشات الغبية وإعطاء المبررات المفرطة، ولكن كبرياءه رفض الخنوع والقبول بمساومة الرجل له، فقال بامتعاضٍ وهو يجلس على الأريكة التي تواجدت خلفه:
-في النهاية ما الذي تريده؟
-تنازلك عن الصفقة القادمة.
-للتو أخبرتك بخسارة السابقة، الآن تطلب مني التنازل عن الجديدة!
ظل الرجل يكمل شطيرته بصمتٍ التزمه عن عمدٍ، بينما "عمير" يجد نفسه بين المطرقة والسندان، بين تمسكه بصفقاته المشبوهة والتضحية بـ "أوليان"، وبين تضحيته بالصفقات وعودة "أوليان"، واحدة تحفظ مظهره والأخرى تهدمه، ولكنه في النهاية توصل للحل الأمثل، وفي المستقبل القريب سيلقن "أرثر" عقابًا من نوع خاص على تماديه معه بتلك الصورة الغير متوقعة:
-حسنًا سيد "أرثر"، سأتنازل عن الصفقة القادمة.
رفع الرجل سبابته والوسطى وعقب بتصحيحٍ:
-صفقتان.
-قُلت واحدة للتو!
عقد الرجل جبينه يحاول تذكر ما قاله، فمال عليه حارسه مجددًا يتهامس بجانب أذنه، بينما "عمير" يرفع بصره للأعلى متمتمًا بنفاد صبر:
-اللهم طولك يا روح.
-حسنًا صفقة واحدة لا مانع لدي.
ثم وجه حديثه لحارسه ليتابع بنبرة آمرة:
-أحضر لي قطته المدللة.
خرج الحارس من البيت متجهًا لحديقته الخلفية، بينما "أرثر" يستطرد في جديةٍ:
-"جون" يتوعدك تلك الفترة بالكثير والكثير.
رد عليه "عمير" بتهكمٍ:
-منذ متى ولم يتوعد ويهدد كالببغاء الذي يردد بلا توقف؟
-تلك المرة أعين لي أخبرتني بخطورة خططه القادمة لك.
رمقه "عمير" بحيرةٍ يحاول سبر أغواره، فتساءل بعدم فهم:
-ما الذي تقصده؟
وهنا قاطعهم دخول الحارس وهو ممسك بمعصم "أوليان" التي ظلت تسبه بالروسية بلا توقف، فردد "أرثر" بنزقٍ وهو يترك شطيرته:
-فتاة وقحة ذات لسان سليط، ليتك تعيد تأديبها وتربيتها.
هب "عمير" واقفًا قبل أن يجن جنونه، وسحب "أوليان" من ذراعها وسط تذمراتها؛ بسبب رغبتها في الانقضاض على ذلك العجوز الأحمق، ثم خرج بها من البيت بأكمله بمقلتين حالكتين!
***********
بعد مرور ستة أشهر.
-ڤانيليا ولا شيكولاتة؟
-مانجا.
قالتها "بهجة" بحماسٍ وهي تنتظر المثلجات كالأطفال، بينما "رويد" يخبر الرجل بطلبه بصوته الأجش، ثم عاد يطالعها بنظراته الحالمة وهي تتأمل الملاهي من حولها بحيويتها التي بات يعشقها كما وقع في عشقها، ظلت نظراته متعلقة بها وهو يتذكر كيف مرت كل تلك الأشهر بلا شعور منه، كيف مر كل ذلك الوقت ليتسلل حبها لعروقه بلا إرادة منه، سمح لمشاعره بالتحرك وهو يدرك النهاية المحتومة لذلك الحلم الجميل!
ولوهلة تذكر أمر "جون"، الذي ظل يطلب منه التعجل بالأمر مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة كان يتهرب منه بأي شكل من الأشكال، وكأنه يحاول إطالة نعيم قربها إلى أقصى حد ممكن، تناسى ما ستناله على يد ذلك الرجل الحقير، وتناسى البطش الذي ستختبره لا محالة؛ فقط لأجل بقائه معها، فقط لأجل عودته للحياة ولو لفترة مؤقتة.
-اتفضل حضرتك.
انتبه وخرج من وسط شروده على صوت الرجل الذي مد يده له بكوبين من المثلجات اللذيذة، فالتقطهما منه بعدما أعطاه عدة ورقات مالية، ثم عاد يصوب نظره ناحيتها، بينما هي تسحب منه ما في يده لتبدأ في التهامه بنهمٍ، ووسط كل ذلك كان هو يراقبها بشغفٍ لا ينتهي، فشعرت هي بالأمر؛ لذا رفعت نظرها ناحيته متسائلة بعفويةٍ:
-تدوق المانجا بدل الڤانيليا اللي إنتَ جايبها دي؟
سار معها بخطاه المتهادية ناحية أحد المقاعد، وذلك بعدما هز رأسه نافيًا.
جلست بعده وهي تكمل ما كانت تفعله، بينما هو يمازحها:
-خلصتيه كله يا طفسة براحة.
عبست ملامحها وصاحت بغيظٍ:
-ما أنا قولتلك تاكل مرضيتش يا تنح.
سحب منها الكوب ووضعه بينهما بعدما وضع كوبه أولًا، ثم ثنى ساقه أسفله وهو يلتفت لها، ليهمس لها بهيامٍ:
-سيبك إنتِ، وحشتيني.
ابتلعت آخر قطعة من المثلجات كانت بداخل فمها، ثم أطرقت رأسها بخجلٍ بعدما توردت وجنتاها بوضوحٍ، فقهقه هو بصوتٍ عالٍ قبل أن يسترسل بصعوبةٍ من وسطهم:
-طب أجبري خاطري بكلمة ياللي علموكي الذوق في الزريبة.
وفي لحظاتٍ تحولت ملامحها للشراسة، فراحت تصيح في حدةٍ:
-بقى أنا علموني الذوق في الزريبة!
اختفت ضحكاته بغتةً، وعقب بجديةٍ:
-"بهجة" صوتك.
صمتت لوهلةٍ، ثم همست بصوتٍ خافتٍ يكاد يكون مسموعًا عن عمدٍ لإغاظته:
-بقى أنا علموني الذوق في الزريبة!
وعلى عكس ما توقعت لانت ملامحه، وهمس لها في المقابل:
-بحبك يا لمضة.
وعلى أثر الكلمة ردت هي عليه بوجهٍ مشرقٍ مخلوطٍ بتعابير الحرج التلقائي:
-وأنا كمان بحبك يا "رويد".
ساد الصمت بينهما، فتحدثت النظرات بدلًا عنهما، أضناه حبه الذي اقتحم حياته بلا ميعاد، أضناه الخوف الذي تجاهله بفشلٍ، خوفه عليها؛ إن أصابها شيء لن يستطيع البقاء على قيد الحياة، لن يستطيع مواجهة حاله من شعور الذنب، بينما هي، كانت تطالعه بولهٍ غير طبيعيٍ، تمسكت به وسط غرقها ولم يخذلها كما ظنت، ليتها علمت بأن ما تمسكت به ما كان سوى قشة!
قشة ستقصم ظهر البعير!
-مين يصدق كنا هنحب بعض!
قالتها بصدقٍ وبسمتها المبتهجة تزداد، بينما هو يرد عليها بسماجةٍ:
-أنا مصدق عادي، إنتِ عارفة جمالي ميتقاومش.
-بطل رخامة أنا بتكلم جد، مكنتش أتخيل علاقتنا تتطور وتوقعني في حبك، يعني علاقتنا اتطورت بطريقة عمري ما كنت أتخيلها، ظهرت في حياتي، كنت إنسان قمة في قلة الذوق، وواحدة واحدة بقيت بميل لرخامتك دي، وفجأة جه موت ماما، وإنتَ وقفت جمبي وقتها بطريقة عمري ما أنساها، فضلت معايا لغاية ما تخطيت وبقيت كويسة، فضلت معايا في دراستي وشجعتني، حببتني في الدنيا أكتر، حسيت بجد معاك إنك عوض ربنا ليا عن وحدتي ووجعي، أنا بحبك أوي يا "رويد".
تابع سردها المستفيض بعدة تعابير، تارة هائمة، تارة مغتاظة، تارة آسية، تارة متيمة، ولكن كل ذلك كان يشوبه شعور واحد فقط، ألا وهو الحزن الدفين، وكأنه يرى مصير علاقتهما في كل مرة تحدثت فيها بتلك الطريقة، ليتلبسه وقتها شعور مميت، شعور لا يحتمله أي إنسان، الندم!....الندم على ما سيتسبب فيه لها، وما أدراك وما الندم!
شعور يشبه السم، يسري بين ضلوعك ليدمي قلبك بلا رحمة، شعور لا يتمناه المرء لألد أعدائه.
لطالما تمنى لو ليتخلل حبهما شعور بديل لذلك الحزن الأحمق، ذلك الحزن الذي نغص عليه نعيمه معها.
هي تظنه منقذًا لها، بينما في الحقيقة الأمر كان العكس تمامًا، فما كانت هي سوى منقذٍ له، انتشله من وسط غياهب حياته التي لا معنى لها، لتعيد له في النهاية نظرته للدنيا، لتعيد له حيويته وإشراقته!
-وأنا كمان بحبك يا عيون "رويد".
خرجت كلماته بتعسرٍ بعدما ازدرد ريقه بألمٍ وهو يحاول رسم الابتسامة على ثغره، وفجأة هدر بها بخشونةٍ:
-داري أم شعرك.
سحبت حجابها للأمام تخفي خصلاتها التي ظهرت مقدمتها، وكزت على أسنانها هاتفة بـ:
-حـاضـر.
************
تململ بين أحضانها يستفيق من غفوته التي طالت بلا إرادةٍ منه؛ لذا في المقابل استيقظت هي الأخرى هامسةً بنعومةٍ:
-إنتَ صحيت يا "أصيل".
هتف بصوته المتحشرج من أثر النوم:
-هي الساعة كام؟
ردت عليه تلقائيًا بعدما نظرت لساعة الحائط وهي تداعب خصلات شعره التي ازدادت طولًا بالآونة الأخيرة:
-عشرة ونص يا حبيبي.
عانقها أكثر وتحدث بكسلٍ:
-مليش مزاج أروح الشركة.
أجابته بمزاحٍ وهي تبرق بعينيها لتخيفه:
-"عمير" هيبلعك.
-عاوز أنام.
-بلاش كسل بقى، قوم يلا عشان تتابع كمان الصفقات الأخيرة اللي حكيتلي عليها امبارح.
نهض من بين ذراعيها، وهتف بصوته الأجش وهو يلتقط قميصه الأبيض ليرتديه؛ بينما هي تلتقط فستانها من على الأرض لترتديه بعدما بقيت بملابسها الداخلية فقط:
-على رأيك صحيح.
ثم استطرد تلقائيًا بعدما فتش في جيوبه:
-معلش يا "وصال" شوفيلي كده مفاتيحي عندك؟
وجدتهم على الكومود، فرمتهم ناحيته ليتلقفهم وهو يجدها تتساءل بفضولها الذي اعتاده منذ قراره بأن يأتي بها لشقته الخاصة تلك، وذلك بعدما دفع ثمن بقائها معه طوال الوقت لمدير أعمالها كما أسمته:
-هي صفقة المخدرات دي المفروض تتمموها إمتى؟
وفي ثقةٍ عهدها معها باح بكل ما يعرفه:
-المفروض كمان أسبوع بالظبط.
ثم تابع بوجومٍ حل على قسماته:
-بس ادعي إنتِ بس تعدي على خير؛ عشان بقالنا مدة طويلة غالبية الصفقات بتبوظ مننا وبيحصل دروبات تبوظ الليلة كلها.
شق ثغرها بسمة مرتجفة، وهمست بهدوءٍ تحلت به بصعوبةٍ:
-بتحصل عادي ولا يهمك.
-طيب أنا همشي أنا بقى عشان مستعجل، أنا سيبتلك فلوس في البيت عشان لو احتاجتي حاجة، بس الغالب مش هتحتاجي يعني، أنا مليت تلاجة البيت وجبتلك كل مستلزماتك اللي كنتي طالباها.
-متحرمش منك يا حبيبي.
أومأ لها بابتسامته اللطيفة، ثم انسحب من المكان مسرعًا، بينما هي تتابع رحيله باهتمامٍ جمٍ قبل أن تركض بتلهفٍ ناحية هاتفها الذي ضغطت عليه عدة ضغطات قبل أن تضعه على أذنها هاتفة بجمودٍ، وكأنها معتادة على ما تفعله:
-أيوة يا "أمان"، قالي إن الصفقات الجاية كلها مخدرات، وأولهم هتم كمان أسبوع، واللي المفروض إنها كمان هتخسر اللي اسمه "جون" ده أوي، بس مفهمتش منه في إيه.
أتاها ردُّه من الجانب الآخر، فاستمعت له بمقتٍ وهي تتقزز من نبرة صوته التي باتت لا تكره سواها:
-عفارم عليكي يا بت يا "وصال"، الباشا مبسوط منك أوي، طلعتي سم، أموت وأعرف وقعتي الواد ده بالسرعة دي إزاي.
-طب أنا هقفل معاك عشان مبحبش أرغي كتير أخاف يرجع ولا حاجة.
أغلقت الخط سريعًا بلا انتظار رد، وحل على قسماتها قهر لا مثيل له، ما أقذر أن تؤذي روحًا لطالما كانت حنونة معك!
لم يكن هناك أحنُّ منه عليها، بالرغم من شكل علاقتهما المشبوهة، إلا أنه لم يُؤذِ شعرةً منها، بينما هي تغرس خناجرها المسمومة بصدره بلا هوادة!
*********
-حسنًا سيدتي، أتريدين أي شيء سوى البورش؟
-شاي.
-حسنًا سيدتي.
دوّنت طلباتها بالمفكرة الصغيرة التي كانت بين يديها، ثم استدارت لتتجه سائرة ناحية المطبخ، ولكن أوقفها صوت "بسام" المشاكس بـ:
-أيوة يا عم بقينا بنتكلم روسي لبلب أهو.
صوّبت "غاية" أنظارها عليه، وهتفت ضاحكة:
-مش للدرجادي، لسة شوية على ما أبقى بتكلم لبلب زي ما بتقول.
-متشغليش بالك هو الموضوع أول عن آخر ممارسة مش أكتر.
-أهو بحاول أتأقلم وأتعلم بما إن حياتي هعيشها هنا علطول.
-إنتِ إيه مش مريحك؟... الشقة وبقيتي بتدفعي إيجارها من مرتبك، مصاريفك كلها بقيتي بتتحمليها بنفسك، إيه تاني مش مريحك؟
تهربت منه بعينيها، ولحسن حظها وجدت "شيرين" تتقدم ناحيتهما كالثور الهائج؛ لذا صاحت بعجالةٍ:
-طب هسيبك أنا بقى عشان أختك جاية وراك، ولو شافتني هتفضل ترازي فيا زي ما بتعمل.
تركته راكضة ناحية المطبخ، بينما هو يستدير ليجد "شيرين" تسير ناحيته بوجهٍ مكفهر وهي تهتف بنزقٍ:
-كنت واقف معاها ليه؟
نفخ الهواء بنفاد صبر، ثم صفع صدغها بخفةٍ يتذمر:
-يا بنتي هو إنتِ مرات أبويا؟... إنتِ مالك يا غلسة؟
-إنتَ عارف إني مبطيقهاش ولا بطيق أشوفها.
وراحت تتابع بتأففٍ ووجهها يزداد عبوسًا:
-بت مش سالكة ومش صريحة وأراهن إن ما كان وراها مصيبة.
قلّب أنظاره بالمكان بمللٍ بادٍ على قسماته، ثم خاطبها في تعقلٍ:
-دي بنت غلبانة، وبعدين ما هي معانا بقالها شهور، إن كانت كده مش كان بان.
ثم استطرد في ضيقٍ وهو يتركها ليخرج من المطعم بأكمله:
-أنا هخرج أتمشى شوية عشان زهقت واتخنقت من نكشك معاها ده، معرفش هنخلص إمتى؟
تابعته وهو يخرج بحنقٍ، ثم همست بتوعدٍ وهي تكز على أسنانها بشدةٍ:
-هفضل وراكي لغاية ما أعرف البلاوي اللي مخبياها يا "غاية"، وفي الآخر هثبتله إني كنت صح.
**********
صباح اليوم التالي.
دلف لمكتب شقيقه بخطى متهادية، ثم جلس على الكرسي المقابل لمكتبه قائلاً بمكرٍ:
-عمو بتاع السين طار يا عم.
ثم أكمل مقهقهًا:
-مكنتش أتوقع تفضل ترقدله كل ده.
أتاه رد "عمير" في زهوٍ:
-ومن امتى وأنا بسيب حقي؟... فكرك كنت هعدي خطفه لـ "أوليان" واللي حصل ده كده.
ثم استرسل ببسمته الشيطانية المتسعة:
-كده مفيش كلب هيتعامل معاه بعد اللي حصل، والصفقات كلها هتبقى معانا إحنا.
أومأ له "أصيل" عدة مرات، ثم غامت ملامحه بعدما تذكر أمر ما وتساءل بلا تفكير وقتها:
-عملت إيه في موضوع "غاية"؟
طالعه بأعينٍ زجاجية وقال بلا تعابير:
-لسة مش لاقيها.
-طب ما تسيبلي أنا الموضوع ده أنشغل بيه، إنتَ بردو مسحول في الشغل و...
قاطعه بنبرة لا تحتمل النقاش وهو يبرق بعينيه بصورة دبت الرعب في أوصاله، ففضل عدم التدخل ثانيةً:
-"أصيــل"، متتدخلش... مسيري هلاقيها ووقتها هقتلها وأخلص منها ونخلص من الليلة دي.
-خلاص زي ما تحب، المهم كان في موضوع كده عايزك فيه.
عقد حاجبيه بتعجبٍ واستفهم:
-موضوع إيه؟
-فاكر "فوقية"؟
حك مؤخرة عنقه يحاول تذكرها، فردد بتخمينٍ:
-مش دي الست اللي كانت مصاحبة أمك الله يرحمها أوي؟
-هي...ماتت، بس مش ده الموضوع.
-أخلص متنقطنيش بالكلام.
-بنتها اتواصلت معايا وطالبة تشوف حد مننا ضروري، قولتلها طب لو في حاجة قوليهالي من خلال التليفون عادي رفضت، وقالت ضروري حد مننا ينزل مصر عشان عندها حاجات مهمة لازم تقولهالنا.
تلبسته الحيرة وتركزت نظراته بنقطةٍ واهيةٍ، فهمس بعدها بقلقٍ تسلل لقلبه لسبب لا يعلمه:
-هتكون عايزة إيه دي!؟
*************
وضعت الهاتف على أذنها بعدما ضغطت على مكبر الصوت لتُغلقه، وأخذت تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا بعصبيةٍ وهي تهدر باحتدادٍ:
-اللي إنتَ بتقوله ده يا "رويد" مش منطقي، أهلك لازم علاقتك بيهم ترجع، على الأقل عشان نقدر نخلي علاقتنا رسمية وبعدها أعمل اللي تحبه، أنا وضحتلك إن الوضع اللي إحنا فيه ده مش أحسن حاجة ولازم علاقتنا يكون شكلها رسمي.
وجدته يرد عليها بضيقٍ والانزعاج بائن في صوته بوضوحٍ:
-أول حاجة أنا قبل كده قولتلك صوتك ميعلاش، تاني حاجة يا "بهجة" قولتلك موضوع أهلي ده مش هقدر أعمله دلوقت، عشان كده بردو قولتلك تصبري شوية على موضوع إننا نخلي علاقتنا رسمي ده.
لم تخفض من صوتها كما أمرها، بل زادت من الأمر سوءًا وهي تصرخ في اهتياجٍ:
-يعني إنتَ قابل أفضل كل المدة دي في علاقة ملهاش مسمى، وقابل إني أفضل مع واحد شايفاه مبياخدش أي خطوات ليا بأنه..
بترت جملتها ما إن استمعت لهمهماته الغريبة، والتي بدت شبه متألمة، فهمست هي وقتها بارتعابٍ، وقد خانها صوتها ليتخلله بوادر البكاء:
-"رويد" في إيه!؟
وفجأة شعرت بذراعٍ تحيط بجسدها من الخلف بقوةٍ ضاريةٍ، فوقع الهاتف تلقائيًا من بين قبضتها، وقبل أن يخرج صوتها صارخًا باستنجادٍ، كمم الرجل فمها بتلك القماشة الغريبة؛ مما جعل بدنها يُصاب بالقشعريرة العنيفة، فهمهمت بصراخها المكتوم، وخلال لحظات غابت عن الوعي لتقع بين يديه وجسدها خائر بلا أي إرادة...


 
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة