
رواية الدياجي بينهما الفصل الثاني 2 بقلم رولا هاني
لم تشعر بنفسها وهي تدفع الباب بكل قوتها حتى تغلقه، ولكنه وضع قدمه لتكن عائقًا لها في إنهاء ذلك الكابوس، وفجأة انتفض جسدها بذعرٍ ما إن استمعت لصوته الجهوري الذي دب الرعب في قلبها:
- مش بسهولة كدة يا "غاية".
تركت الباب وفي لمح البصر اتجهت ناحية غرفتها لتوصد بابها بالمفتاح ودقات قلبها تكاد تكون مسموعة من فرط الهلع. حاولت "غاية" السيطرة على أنفاسها المتهدجة وهي تلاحظ ذلك الصمت المريب بالمكان، ولكنه لم يدم كثيرًا؛ لأنه وفي خلال ثوان كان يندفع الباب بسرعة قصوى مصدرًا صوتًا مدويًا جعلها تصرخ بفزعٍ، ثم تراجعت بخطواتها للخلف وهي تجده أمامها بملامحه القاتمة التي لا تبشر بالخير، معنت النظر في عينيه لتجد تلك النظرة التهكمية، وكأنه يتلذذ بارتعادها هكذا أمامه، ولمَ لا!؟... فهو لم يتجرع العبرات والحزن سوى على أيديها!
اقترب "عمير" من ابنة عمه أكثر فأكثر، حتى وصل بها للحائط بعدما ظلت هي تتراجع للخلف بلا فائدة، ثم ابتسم بتشفٍ وهو يرى الذعر يتراقص بمقلتيها، ظل يتابعها بصمتٍ لعدة لحظات ازدادت بسعادة عندما رأى الدموع تلتمع في عينيها؛ لذا طال تحديقه بها، لتخرج الكلمات وأخيرًا من بين شفتيها بصورة مرتجفة توضح مدى ارتعابها:
- "عمير" أنا معملتش حاجة.
اختفت ابتسامته الواسعة، وازدادت قتامة وجهه، رأت "غاية" وقتها النيران المتأججة في حدقتيه، وحاولت التفكير بصورة سريعة لعلها تجد حلول للهروب من ذلك المأزق؛ لذا وتلقائيًا ظلت تجوب الغرفة بعسليتيها، فتحدث هو وقتها بسخرية وكأنه يقرأ أفكارها العاجزة:
- إية مكفاكيش هروب سنة بحالها بتدوري على طريقة تكملي بيها أكتر؟
شعرت بتسارع ضربات قلبها وحاولت السيطرة على حالة الرعب التي كانت مصابة بها، ولكن ولسوء الحظ الأمر ظهر بصورة هستيرية في جسدها المرتجف؛ لذا رفعت رأسها قليلًا بعدها أطرقتها لتحرك شفتيها قائلة بإعياء:
-"عمير" أنا...
ولم تستطع إكمال جملتها بسبب فقدانها للوعي في تلك اللحظة، بينما هو يتابعها ببرودٍ تامٍ وهي ملقاة على الأرضية الصلبة وهي فاقدة الوعي، العبرات لم تجف من على وجنتيها، شعور الانتشاء بداخله يزداد وكل ذلك خلال دقائق؛ لذا ظل يفكر فيما سيفعله في المستقبل وهو يستفحل شرًا ضدها، ضد تلك القاتلة!
____________________________
ليلًا.
- كان يوم طويل بشكل، ورجعت متأخر وحاج...
ابتلعت "وصال" بقية كلماتها عندما وجدت أمامها أثار الكسور بباب غرفة "غاية" التي رأتها ما إن دلفت للشقة؛ لذا انقبض قلبها بصورة قوية وشعور الوجل يغمرها، فصاحت وقتها بشكٍ وعينيها تجحظ بقوة حتى كادت أن تخرج من مقلتيهما:
- "غاية".
وكما توقعت لم تجد ردًا؛ لذا اندفعت راكضة ناحية غرفة صديقتها لتجدها فارغة، وأكثر ما جعل القلق يتفاقم بداخلها هو أثار الكسور الموجودة بباب الغرفة!
أخرجت هاتفها من جيب معطفها لتضغط عليه عدة ضغطات بأصابعٍ مرتعشة، ثم وضعته على أذنها لتباغتها الصدمة الأكبر!... هاتف "غاية" هنا ويتعالى بالرنين؛ لذا أطلقت سبابًا لاذعًا بعدما استطاعت استيعاب فكرة عدم قدرتها على الوصول إليها.
أغلقت زر معطفها الكبير، ثم تراجعت بخطواتها خارجة من الغرفة ومن الشقة بأكملها هامسة بروية:
- لازم أعرف "مهيب" باشا...
______________________________
حاولت تحريك جسدها بصورة عصبية عشوائية، تحاول حل قيدها بكل الطرق ولكنها تفشل كالمتوقع، كانت الحبال محكمة جيدًا على كل أنحاء جسدها، كلا كفيها، ساقيها، حتى تلك القطعة القماشية الموضوعة على فمها كتمت صرخاتها المستغيثة، تنفست بصعوبة بالغة ثم جابت الغرفة بكلا عينيها وليتها لم تفعل، تلك هي غرفتها القديمة في بيت عمها الذي عاشت فيه بعدما توفى كلا والديها وهي في سن السابعة عشرة، تهدجت أنفاسها عندما مرت تلك الذكريات المأساوية على مخيلتها، وفرت العبرات من كلا مقلتيها تندب حظها العسير الذي أوقعها في ذلك المأزق، فهي وبعقلها الصغير ظنت نفسها هاربة متوارية عن أنظار الجميع، لم تكن تعلم بوجود ذئب متربص لها طوال ذلك العام الذي هربت فيه!
انتفض جسدها فزعًا ما إن انفتح الباب بلا مقدمات لتجده يدلف لها بطلته المهيبة حامل بين يديه صينية طعام متوسطة الحجم!
تابعت صمته المريب وهو يضع الصينية أرضًا أمامها، ثم وجدته ينحني بجذعه عليها فانكمش جسدها تلقائيًا وهي تطبق جفنيها بخوفٍ، استمعت وقتها لصوت ضحكته الساخرة وهو يزيل تلك القطعة القماشية من على فمها التي وما إن أزالها تعالت صرخاتها التي ابتلعتها في الحال بعدما كمم فمها وهو يتحدث بتحذيرٍ جعلها تمتثل أوامره بلا تفكير:
- لو صوتك طلع هخليكي تتمني الموت ومتلاقيهوش.
ثم أردف بصوتٍ جهوري جعل جسدها ينتفض بهلعٍ:
- فاهمة؟
أومأت له عدة مرات بلا مقدمات، وأخذت تتابعه وهو يلتقط عدة لقيمات من الصينية وهو يضعها أمام فمها، فخشت أن تنساق خلفه كالبهيمة هذه المرة؛ لذا أغلقت فمها بإحكامٍ وهي ترمقه بروية
بينما هو وخلال ثوانٍ كان يقبض على فكها بمنتهى العنف؛ ليجعله ينفتح قسرًا، ثم وضع الطعام بفمها قائلًا بحدة:
- متقلقيش مش ناوي أسمك دلوقت زي ما عملتي في أمي.
عقدت حاجبيها بعدم فهم تحاول استيعاب كلماته وقبل أن تتفوه بأي شيء بعدما ابتلعت الطعام عنوة كان هو يحدجها بنظراتٍ توعدية قائلًا:
- صوتك مش عايز أسمعه قولت.
ظل يضع اللقيمات في فمها واحدة تلو الأخرى، حتى شعرت بالامتلاء، ثم جعلها ترتشف رشفات عديدة من الماء قبل أن يأخذ تلك الصينية بكل ما فيها ليخرج، وقبل أن يلج لخارج الغرفة وجدته يهتف بقتامة:
- متفهميش بس أني بطفحك خوف عليكي ، أنا بس عايزك تبقي متغذية كويس للي جاي...
_____________________________________
-لحد هنا يا "وصال" وأنا مليش دعوة
قالها "مهيب" بجدية وهو يضع ساقًا فوق الأخرى، فتوسلته وقتها مجددًا قائلة بتوجسٍ:
- يا "مهيب" باشا أنا خايفة يكونوا قرايبها دول وصلولها ولا حاجة.
رفض مجددًا بحزمٍ وهو يهز رأسه عدة مرات؛ حتى يوضح لها حتمية الأمر:
- مش هدخل نفسي في مشاكل تاني بسببها يا "وصال"، ولو مش عاجبك الباب يفوت جمل إنتِ كمان.
سيطرت على انفعالاتها بصعوبة ملحوظة، ثم قالت من بين أسنانها التي جزت عليهم بقوة:
- طب أنا محتاجة أجازة عشان أعرف صاحبتي فين.
زفر "مهيب" بمللٍ قبل أن يهتف بنفاد صبرٍ وهو ينهض من على كرسيه بصورة مفاجأة:
- اعملي اللي يريحك، وياريت يلا تتكلي على الله عشان محتاج أنام...
ابتلعت إهانة طرده لها بصمتٍ معهودٍ منها عندما تتلقى منه التوبيخ، ثم نهضت هي الأخرى من على كرسيها وخرجت من بيته بأكمله، بينما هو يتجه ناحية هاتفه الذي ضغط عليه عدة ضغطات قبل أن يضعه على أذنه قائلًا بتوترٍ:
- إية يا باشا... البت اللي اسمها "وصال" دي مش سهلة ومش هتسكت غير أما تلاقي صاحبتها، وأنا مش عارف أتصرف إزاي .
استمع "مهيب" لكلمات الطرف الأخر، ثم قال بطاعة وهو يومئ برأسه عدة مرات بلا تردد:
- أوامرك يا باشا هنفذ اللي إنتَ تؤمر بيه...
_________________________
صباح اليوم التالي.
طرقات عالية على الباب أيقظتها من سباتها العميق الذي لا تعلم متى غاصت فيه؛ لذا استغلت الأمر وظلت تصيح باستنجادٍ واضحٍ في نبرتها المرتجفة:
- الحقوني.
لمحت طيفه وهو يغلق باب الغرفة عليها بصورة قوية أصدرت صوتًا مدويًا جعلها تبتلع استغاثتها من فرط الذعر، وفجأة التقطت أذناها ذلك الصوت المألوف إليها، فابتسمت بأملٍ هامسة من بين أنفاسها المتهدجة:
- "بهجة".
وخلال لحظات وجدت ابنة عمها تدلف للداخل قائلة بتوبيخٍ راكضة ناحيتها:
- دة اسمه كلام يا "عمير"، حد يعمل كدة بردو.
اقتربت "بهجة" من "غاية" لتحل وثاقها بكل تلقائية، وفجأة تسمرت بمكانها ما إن وجدته يقف أمامها وهو يوجه سلاحه الناري أمام وجهها، لذا ازدردت ريقها بصعوبة بالغة هاتفة بصدمة:
- "عمير" إنتَ بتعمل إية ؟
رد عليها بنبرة ثليجية جعلتها تتراجع عن كل شيء من فرط الخوف:
- إن مقومتيش ومشيتي حالًا يا "بهجة" هأذيكي ومش هيهمني حد.
ثم تابع بنبرته التحذيرية التي دبت القشعريرة في جسدها:
- بهدوء يا "بهجة" خدي بعضك وامشي.
نظرت لابنة عمها التي ظلت تتوسلها بعبراتها المترقرقة، فشعرت وقتها بقلة الحيلة وهي ترى أمام عينيها جنون "عمير"، وارتعاب الثانية، وهنا استطاعت استيعاب ذلك الشيء، لن يستطيع أحد ردع ذلك الثور الهائج عما يريد، ولن يستطيع أحد نجد تلك المسكينة التي وقعت بين براثنه!
وكالمتوقع استقامت "بهجة" في وقفتها لتخرج من المكان بأكمله وهي تحاول تجاهل صراخ "غاية" المثير للشفقة ب:
- لا يا "بهجة" متسيبينيش عشان خاطري لا.
بينما هي تهرب من المكان بأكمله وهي تحاول إيجاد أية حلول في أسرع وقت ممكن؛ لإنقاذ تلك الحمقاء التي وقعت في شر أعمالها في النهاية!
__________________________
ارتشف عدة رشفات من كوب قهوته الذي حاول من خلاله الاستفاقة بصورة جيدة؛ حتى يستطيع مباشرة أعماله مرة أخرى، وفجأة وجد رنين هاتفه يتعالى بتلك الصورة المزعجة، كاد أن يتجاهله ولكنه انتفض في جلسته ما أن التقط اسم شقيقه الأكبر؛ لذا ضغط "أصيل" على الهاتف بلا وعي وهو يضغط مرة أخرى على مكبر الصوت:
- إية يا "عمير" ط...
ابتلع بقية كلماته عندما استمع لصياح شقيقه المرعب ب:
- تصدق يالا إنك عيل * * *.....