
رواية الدياجي بينهما الفصل الثالث 3 بقلم رولا هاني
-كان لازم أفكر قبل ما اعتمد على عيل اهطل زيك.
استمع لتوبيخ شقيقه اللاذع بثباتٍ ظاهري، ثم قال باستفسارٍ:
حصل إيه؟
تفاقم غضب شقيقه وهو يهتف بعصبية بالغة:
إنتَ مين أداك الأذن تقول ل "بهجة" وأمها إني رجعت مصر؟
حك خلف عنقه بإحراجٍ قبل أن يرد بنبرة شبه مسموعة:
المو... الموضوع بس جه صدفة و...
وقبل أن يكمل حديثه أُغلق الخط في وجهه؛ لذا زفر الهواء بانفعالٍ وهو يلقي الهاتف أمامه على المنضدة، ليعقب ذلك دخول تلك الصهباء للمكان، فتابعها هو بنظراتٍ متمعنة قبل أن يتحدث بلكنة روسية متقنة مبتسمًا بمجاملة:
"أوليان" تبدين رائعة اليوم.
جلست على الكرسي المقابل له وهي تهتف بوجومٍ- بنفس اللكنة- وضح مدى امتعاضها:
أين "عمير"؟
تنهد "أصيل" بعمقٍ وهو يجد مشكلة أخرى يواجهها، فسبها بداخله سرًا خشية من أن تستمعه بسبب معرفتها بالعربية؛ نظرًا لكون والدها المتوفي مصري الجنسية؛ لذا قلب نظره بالمكان بضيقٍ هاتفًا بحنقٍ:
أخبرتك من قبل ما قاله، هو لا يعرف متى سيعود.
وهنا تحدثت بنبرة حادة وعينيها تجحظ بصورة مرعبة تهز أعتى الرجال:
وأنا أريده أن يعود.
رد عليها بمكرٍ وعلى ثغره ترتسم ابتسامة خبيثة:
ما الذي تخشينه "أوليان"؟
لعقت شفتيها بتوترٍ، وهي تحاول الظهور في حالة ثابتة، ثم قالت بحزمٍ وهي تهب واقفة بصورة مفاجأة:
لا يوجد ما أخشاه.
ثم تابعت بلهجتها الآمرة التي لا تحتمل النقاش:
أمامه يومان ليعود فيهما.
وأكملت بلكنة عربية شبه صحيحة قبل أن تخرج من مكتبه:
وإلا هقلب الترابيزة على الكل.
_________________________
-حرام عليك البت صوت صويتها مقطع قلبنا.
قالتها إحدى النساء التي كانت تقف بين عدة من الجيران، التي وقفت أمام شقة "عمير" الذي رد عليها ببرودٍ أثار حفيظتها:
بنت عمي وكانت هربانة وبربيها، يهمكوا دة في حاجة؟
وبتلك اللحظة تعالى صراخ المسكينة من الداخل ليوضح استغاثتها بهم، فصرخ هو وقتها بصوتٍ أفزعهم:
أخرسي يا بت.
اقتربت امرأة أخرى من تلك التي تحدثت منذ قليل، ثم قالت بحذرٍ وبنبرة لم يلتقطها سواها:
ملناش دعوة يا ختي لحسن نتأذي، ما إنتِ عارفة اللي اسمه "عمير" دة سمعته عاملة أزاي...
وبالفعل بدأ الجميع في الانسحاب واحد تلو الآخر خشية من بطشه، بينما هو يتحدث بوقاحة مهددًا الجميع بصوته الجهوري:
متنسوش نفسي حد فيكوا يبلغ عشان أرقده جوة جنبها.
دلف لداخل الشقة مجددًا بعدما أغلق الباب، ثم دلف لغرفتها وهو يطلق صفيره المستفز، وأخذ يقترب منها، بينما هي تحاول الانكماش على نفسها من فرط الذعر، تشعر وكأنها مع إنسان مصاب بالجنون، لا تعلم نواياه، ولا تعلم ما الذي يريده منها، أهل سيقتلها؟... أم سيتركها هكذا تموت ببطيء بسبب خوفها!؟
أخرجها من زوبعة أفكارها صوته التي تحدث بحنوٍ زائفٍ، وهو يبدأ في حل وثاقها بعدما جثى على ركبتيه أمامها:
-شوفي عشان صعبتي عليا خالص هفكك إزاي.
تهاوت عبراتها بارتعادٍ وهي تشعر بالاختناق المفرط بسبب اقترابه منها هكذا، وكأن هناك شخص ما يلف قبضتيه على عنقها بلا رحمة، تمقته، وتمقت رائحة عطره التي تعم المكان ما إن يلج إليه لتنبهها بوجوده!
وبعدما حل وثاقها كما قال بدأت في دعك معصميها من فرط الألم، وتوقفت عندما باغتها هو بتلك الصينية التي وضعها على ساقيها قائلًا بلهجة آمرة:
-أفطري.
ثم نهض وهو ينوي الخروج ولكن صوت الصينية التي انقلبت عن عمد أوقفه بمكانه، فالتفت إليها متابعًا إياها وهي تصرخ بنزقٍ ناهضة بصعوبة من على الأرضية؛ بسبب آلالام ساقيها التي كانت مقيدة بقوة:
أنا لا عايزة أكل ولا أطفح، أنا عايزة أغور من هنا.
اقترب منها ببطيء مميتٍ قبل أن يباغتها بقبضته التي التقطت خصلاتها بعنفٍ بالغٍ، وهو يضغط على رأسها بقوة حتى يجبرها على الانحناء، وبالفعل وقعت صارخة بألمٍ وهي تحاول إبعاد كفه عن شعرها بكل الطرق، وما زاد شعورها بالذل والهوان عندما قرب رأسها من الأرض صارخًا بجموحٍ:
كُلي...
أغلقت فمها بأحكامٍ رافضة ما يأمرها به بمنتهى الاشمئزاز، ولكن صوت صراخه الذي تكرر أفزعها وأصابها بهلعٍ شديدٍ جعلها تنتحب بقهرٍ:
-بقولك كُلي.
أخذت تلتقط عدة لقيمات من على الأرض - الغير نظيفة- لتأكلها بهستيرية ودموعها تتذارف بلا توقف، أما هو وبعدما تأكد من ابتلاعها للطعام تركها لتقع على الأرض وقتها بصورة مثيرة للشفقة، منكمشة على نفسها، باكية بنبرة تفطر القلوب، فتحدث هو وقتها ليزيد الطين بلة:
-خلاص يا "غاية"، خلصت خلاص.
رفعت وجهها له لتنظر له بشكٍ تارة، وبريبة تارة لبقايا الطعام الملقاة على الأرض، فأكمل هو وقتها بانتشاء بائنٍ في نبرته الكريهة:
-طول عمرك ذكية يا "غاية"..اه الأكل فيه سم.
وضعت كلا ذراعيها على بطنها التي ألمتها تلقائيًا بسبب الفزع، ولسوء الحظ ظنت ذلك مفعول السم؛ لذا صرخت بارتعابٍ وجسدها يرتجف بقوة:
-لا لا إنتَ أكيد بتكدب.
ارتسم على ثغره تلك البسمة المتهكمة قائلًا بلومٍ زائفٍ:
-أخس عليكي يا "غيوش"، أنا بردو أكدب.
هزت رأسها رافضة بهستيرية، ثم صرخت بتوسلٍ وهي تلطم على فخذيها بصورة سريعة من فرط الوجل الذي داهمها بلا هوادة:
-لا أنا مش عايزة أموت لا، قولي إن دة مش حقيقي أبوس إيدك.
ثم صرخت بنبرة عالية وهي تضغط بذراعيها على بطنها التي تفاقم ألمها من فرط قلقها، بينما هو يتابعها بتشفٍ، فهو وبالرغم من كونه كاذبًا بالفعل إلا أنه ظل ثابتًا أمامها وهو يرى بعينيه مدى خوفها من الموت.
ظل هكذا على هذا الحال لعدة دقائق، حتى رأها في حالة انهيار تامة؛ لذا وفي تلك اللحظة اقترب منها ليقبض على كلا ذراعيها ليجعلها تنهض عنوة، ثم قال بمقتٍ ونظراته القاتمة تكاد تحرقها بمكانها:
شوفتي أمي إتعذبت قد إية بسببك!؟
ثم تابع بنبرته الثليجية التي أثارت استفزازها في الحال:
متخافيش لسة مش هقتلك دلوقت.
وهنا استطاعت استيعاب ذلك الشيء، كان كل ذلك كذبة سخيفة أراد تشتيت حالها بها، وبالفعل نجح في تحقيق مبتغاه، مريض، غير سوي، تمتع برؤيتها تعاني وترتعب بوضوحٍ؛ لذا لم تشعر بحالها وهي تضرب صدره بكلا قبضتيها صارخة في وجهه باحتقارٍ:
إنتَ إنسان قذر وزبالة و* * *.
قبض على فكها بصورة مباغتة، ثم هددها بنبرته التوعدية التي دبت القشعريرة في جسدها:
بلاش غلط عشان مدفنكيش مكانك حالًا.
سيطرت على ذعرها وتابعت بنبرتها المحتدمة ب:
إنتَ مريض يالا مش طبيعي، طبعًا ما هتشتريه منين ما لازم تطلع زي "روحية".
ترك فكها وقبض على خصلاتها بمنتهى العنف هامسًا بنبرة تشبه فحيح الأفعى، وأنفاسه الحارة تلفح بشرتها؛ مما جعلها تزكن مدى الحفيظة التي أثارتها بداخله:
-لو جبتي سيرة أمي تاني يا "غاية" هقتلك في وقتها، سامعة؟
قال كلمته الأخيرة بصوتٍ جهوري جعلها تومئ بهستيرية وهي تحاول الابتعاد عنه بكل الطرق، وبالفعل تركها بعدما دفعها بقوة لتقع وقتها على الأرضية الصلبة متأوهة بنبرة عالية، ثم خرج من الغرفة لينتبه وقتها لرنين هاتفه المتعالي، فاقترب منه ليتفحص هوية المتصل التي زفر بمللٍ ما إن عرفها، وكاد أن يتجاهلها ولكنه توقف عندما تكررت، فضغط على الهاتف مرتان، مرة للرد، ومرة على مكبر الصوت، وتحدث بلكنته الروسية بضجرٍ بائنٍ في نبرته:
ماذا يوجد "أوليان"؟
وجد ردها الجريء كالعادة وهي تتذمر بوضوحٍ عن حاله:
أستظل بجانب ابنة عمك طوال عمرك؟
تنفس بعمقٍ يحاول التحكم في أعصابه، ثم قال بهدوء ظاهري:
"أوليان" أنتِ تعلمين الأمر يتوجب وجودي هنا.
وهنا تحدثت على عجالة؛ حتى تؤثر في رأيه بكل الطرق:
"عمير" الصفقة الأخيرة في مشكلة كبيرة لن يستطيع حلها سواك.
عقد حاجبيه بذهولٍ هاتفًا بتعجبٍ:
أي مشكلة؟
-الرجل لم يقبل بالسعر وطلب المزيد.
-ولكن الاتفاق تم بيننا على مبلغ ما، ما سبب التغيير!؟
-غيره بسبب غيابك؛ لذا يتوجب عليك العودة.
وضع كفه على جبينه يحاول إيجاد أية حلول لتخرجه من ذلك المأزق ولكنه لم يجد؛ لذا قال بتأففٍ وبنبرته الممتعضة:
-حسنًا "أوليان" في الغد سأكون بروسيا.
ثم أغلق الخط بلا مقدمات، وأخذ يتقدم ناحية المطبخ وهو يخرج من جيبه غلاف بلاستيكي صغير جدًا، وشفاف، وبه مسحوق أبيض اللون، وما إن دلف للمطبخ التقط زجاجة العصير الموضوعة على المنضدة وأخذ يفرغ منها بكوب زجاجي شفاف، ثم وضع من ذلك المسحوق بالكوب بعدما فتح غلافه، وأخذ يقلبه بالملعقة الصغيرة، وكل ذلك وهو يحاول التخطيط بذهنٍ صافٍ لما هو قادم.
_____________________________
قبضت على هاتفها بكفٍ مرتعشٍ، وسيطرت على عبراتها بصعوبة بالغة وهي تجد أمام عينيها رسالة تحتوي على تهديدٍ مباشر لها، شخص مجهول الهوية يهددها بإعلام عائلتها بالصعيد بمكانها وبعملها المشبوه في أحد الملاهي الليلية إن لم تتراجع عن البحث عن صديقتها "غاية"، وإن لم تنسَ وجود فتاة كانت تعرفها بيومٍ من الأيام تُدعى "غاية"!
ارتمت "وصال" على الأريكة وهي تحاول استيعاب تلك الفكرة، بحثها عن صديقتها خشية من أي بطش سيصيبها سيحل فوق رأسها كالمصيبة؛ لذا وكالمتوقع فضلت الانسياق خلف رغبة ذاك المجهول وردت عليه بالموافقة بما يريد!
________________________________
باليوم التالي.
-تمام يا باشا موضوع "وصال" اتحل.
استمع "عمير" لكلمات "مهيب"، ثم رد عليه بقتامة وبتلك اللهجة الآمرة المعهودة منه:
-كويس، ياريت تنسى إن كان في واحدة شغالة عندك اسمها "غاية"، أظن مفهوم.
وصله رد الطرف الأخر بطاعة:
-أوامرك يا باشا.
أغلق الخط وأبصر وقتها شقيقه الذي وجده يصعد الدرج بخطواتٍ عصبية صائحًا بسبابه اللاذع:
-هي فين بنت ال***؟...جبتها هنا معاك مش كدة.
قبض "عمير" على معصمه وأوقفه بمكانه قائلًا بحزمٍ:
-"أصيل" مش معنى إني رجعت روسيا إن كل اللي اتفقنا عليه ننساه.
كشر "أصيل" عن أنيابه، ثم تحدث بانفعالٍ وعروق نحره تبرز بصورة قوية توضح مدى اهتياجه:
-إحنا اتفقنا تنتقم منها لوحدك عشان أنا هفضل هنا، لكن خلاص إنتَ رجعت يبقى سيبني أعمل فيها اللي أنا عايزه.
حاول "عمير" تهدئته بصوته الرزين قائلًا بنبرة لن تحتمل النقاش:
-"أصيل" أسمع الكلام، صدقني هاخد حق أمنا منها تالت ومتلت.
نفض "أصيل" ذراعه ثم قال بتوعدٍ وهو يشير بسبابته ناحية الغرفة التي كانت فيها غائبة عن الوعي:
-تخفى عن وشي يا "عمير" وإلا هجيب أجلها، مش عايز أشوفها في البيت نهائي.
ثم خرج من المنزل بأكمله، بينما "عمير" يتنهد بعمقٍ هامسًا بضيقٍ:
-مكانش لازم أرجع بيها.
وفجأة التقطت أذناه ذلك الصوت المألوف بذلك الصراخ المفزع، نعم هي، صوتها هي، "غاية"!
ركض ناحية غرفتها ليفتح بابها بلا مقدمات، ليجد وقتها ذلك المنظر الذي يصيب المرء بالهلع، "أوليان" تعتلي تلك المسكينة وهي تطبق على عنقها بصورة عنيفة هاتفة بجنونٍ:
-Разве ты не хочешь поиграть, милый?
(ألا تريدين اللعب يا عزيزتي؟)...