
رواية الملاكم الفصل الخامس 5 بقلم سهر احمد
🥊🔥:الزوجة اللي كسرت كبرياءه... والراجل اللي رجع يطالب بابنه
في بيوت كتير، الباب بيتقفل على أصوات الناس، وتفضل الأسرار مستخبية ورا الحيطان، لحد ما ييجي يوم وتقرر فيه الحقيقة إنها تخرج، حتى لو خروجها هيهدّ البيت على رؤوس أصحابه.
وفي بيت سيف مراد الجوهري، كان فيه سر تاني محدش يعرف عنه حاجة...
سرّ ملوش علاقة بالحلبة، ولا بالبطولات، ولا بالراجل اللي رجع من الموت علشان يفتح حساب قديم.
سرّ متعلق بامرأة كانت بتنام جنبه كل ليلة، وتصحى كل صباح وهي شايفة فيه راجل ناقص، لمجرد إن ربنا لسه ما كتبش لهم ينجبوا طفل.
الساعة كانت سبعة الصبح...
صوت المعلقة وهي بتخبط في فنجان القهوة كان أعلى من صوت التلفزيون المفتوح في الصالة، رغم إن محدش كان مركز معاه.
سيف كان واقف قدام المراية في أوضته، لابس تيشيرت أسود وبنطلون رياضي، وبيشد رباط الساعة حوالين معصمه. وشه كان مرهق، وعينيه حمرا من قلة النوم، ومن ساعة ما عرف حكاية الصورة القديمة وملف المولودين، وهو حاسس إن حياته كلها بقت عبارة عن أبواب مقفولة، وكل باب وراه مصيبة أكبر من اللي قبله.
مد إيده ناحية موبايله، لقى مكالمات فائتة من رقم مجهول.
فضل باصص للرقم شوية، وبعدها قفل الشاشة وحطه في جيبه.
كان لسه هيتحرك ناحية الباب، لما سمع صوت زوجته جاي من الصالة:
— هو إنت ناوي تخرج من غير ما تفطر تاني؟
سيف وقف مكانه، وأخد نفس طويل قبل ما يرد:
— مش جعان يا مريم.
مريم.
بنت عمته، والست اللي بقت زوجته من سبع سنين، بعد جواز بدأ بكلام العيلة وانتهى ببيت واحد جمع اتنين، كل واحد فيهم كان فاكر إنه عارف التاني كويس.
مريم كانت جميلة، مهتمة بنفسها، وبتحب إن كل حاجة تمشي على مزاجها. من النوع اللي يقدر يبتسم قدام الناس، ويختار كلماته بعناية، لكن أول ما الباب يتقفل، مابتفكرش كتير في أثر الكلام اللي بيطلع منها.
خرج سيف من الأوضة، فلقاها قاعدة على السفرة، قدامها فنجان القهوة وطبق فيه عيش وجبنة، وشعرها متسرح بعناية، ولبسها مرتب كأنها خارجة مش قاعدة في بيتها.
رفعت عينيها له وقالت:
— طيب اقعد خمس دقايق. أنا عملتلك الفطار بإيدي.
بص للساعة.
— معلش يا مريم، عندي مشوار مهم.
ابتسامتها اختفت بالتدريج.
— مشوار مهم ولا هروب جديد؟
سيف عقد حواجبه.
— هروب من إيه؟
حطت المعلقة على الطبق، ومالت بضهرها لورا.
— من البيت. منّي. من حياتك اللي إنت مش طايقها.
سيف سكت لحظة، وبعدين قال بهدوء:
— أنا عمري ما قلت إني مش طايق حياتي.
ضحكت ضحكة قصيرة مافيهاش أي فرحة.
— أمال بتعمل إيه كل يوم؟ تنزل من الفجر، وترجع آخر الليل، ولو سألتك كنت فين تقول تدريب وشغل. هو أنا اتجوزت حيطه يا سيف؟
— إنتِ عارفة طبيعة شغلي وتدريبي من قبل ما نتجوز.
— آه، بس مكنتش أعرف إنك هتفضل طول عمرك بتدور على أي حاجة تهربك من بيتك!
سيف حط إيده في جيبه، وحاول يسيطر على ضيقه.
— لو عندك كلام عايزة تقوليه، قوليه من غير لف ودوران.
مريم بصت له نظرة طويلة، وكأنها كانت مستنية الجملة دي علشان تفتح باب بقاله شهور بتحاول تفتحه كل يوم.
قالت:
— عندي كلام كتير يا سيف. بس إنت عمرك ما بتسمع.
— اتكلمي، أنا سامعك.
قامت من مكانها، وسحبت الكرسي وراها بعصبية.
— أنا تعبت.
بصلها من غير ما يتكلم.
كملت وهي بتشاور بإيدها:
— تعبت من نظرات الناس، ومن أسئلة قرايبنا، ومن كل واحدة تقابلني في فرح ولا عزومة وتبص على بطني وبعدين تسألني: «لسه مفيش جديد؟» كأني أنا اللي مخبية طفل في الدولاب ومش عايزة أطلعه!
ملامح سيف اتغيرت.
كان عارف إن موضوع الخلفة بقى وجع في حياتهم، وعارف إن مريم بتتأثر بكلام الناس، لكنه ماكانش متوقع إن الصبح يبدأ بالطريقة دي.
قال بصوت منخفض:
— وإنتِ فاكرة إني مش بتضايق من الكلام ده؟
ردت بسرعة:
— إنت بتتضايق؟!
وبعدين قربت منه خطوة.
— إنت على الأقل راجل، تقدر تنزل الشارع وتنسى. تروح تتمرن، وتلعب ملاكمة، والناس تصقفلك وتقول سيف البطل! إنما أنا؟ أنا الست اللي اتجوزت سيف مراد الجوهري، وبقالها سنتين مش عارفة تخلف منه!
سيف بص لها بوجع مكتوم.
— مريم، موضوع الخلفة ده مش بإيد حد فينا.
— أيوه، عارفة الجملة دي كويس. سمعتها منك ألف مرة.
— لأنها الحقيقة.
— الحقيقة؟!
ابتسمت بسخرية.
— طب ما تروح تقول الحقيقة دي لعيلتك! لما عمتك تسألني كل مرة، وتقول لي إنها نفسها تشيل حفيد من ابنها، أقول لها إيه؟ أقول لها ابنك مش قادر يخلّف؟ ولا أقول لها استني شوية، يمكن المعجزة تحصل؟
سيف اتجمد مكانه.
الكلمة نزلت عليه تقيلة، مش لأنها أول مرة يسمعها، لكن لأنها خرجت من بُق مريم بالطريقة دي.
قال ببطء:
— إنتِ عارفة إن الكلام ده بيوجعني.
ردت من غير ما ترمش:
— وأنا كمان بتوجع!
— طب ليه بتوجعيني أكتر؟
سكتت لحظة.
ولأول مرة، ظهر على وشها ارتباك بسيط، لكنها سرعان ما خبّته ورا عنادها.
— علشان إنت مش حاسس بيا يا سيف. إنت مش فاهم أنا عايشة إزاي. أنا مش عايزة أفضل طول عمري مستنية حاجة مش عارفة هتحصل ولا لأ.
سيف قرب من السفرة، وسند إيده على طرفها.
— وإنتِ فاكرة إني مش مستني زيك؟ فاكرة إني مش نفسي أبقى أب؟ فاكرة إني مش بتخيل طفل صغير يجري في البيت ويندهلي بابا؟ أنا بس مش كل ما أتوجع أطلع وجعي فيكي.
مريم بصت بعيد.
كلامه لمس حاجة جواها، لكنها كانت وصلت لمرحلة بقت فيها بتتعامل مع الوجع كأنه سلاح، وكل ما تحس إنها ضعيفة، تحاول تثبت إنها الأقوى حتى لو كسرت اللي قدامها.
قالت ببرود:
— الكلام الحلو مش هيجيب عيال يا سيف.
سيف رفع عينيه لها.
— ولا الإهانة هتجيبهم.
الصمت نزل بينهم.
ثواني طويلة، مافيش فيها غير صوت التلفزيون البعيد، وصوت عربية عدت في الشارع تحت البيت.
مريم رجعت قعدت، وفتحت موبايلها، وقالت وهي بتقلب فيه:
— على فكرة، أمي كلمتني امبارح.
— خير؟
— عايزاني أروح أقعد عندها يومين.
— لو حابة تروحي، روحي.
رفعت عينيها بسرعة.
— يعني مش هتفرق معاك؟
— مريم، أنا مش همنعك تروحي لأمك.
— طبعًا. ما إنت أصلًا مش فارق معاك أنا موجودة ولا مش موجودة.
سيف حط إيده على جبينه، وحس إن الكلام معاها بقى دايرة مقفولة.
— أنا مش هعرف أكمل النقاش بالطريقة دي.
لف علشان يمشي، لكنها قالت جملة خلته يقف مكانه:
— استنى يا سيف.
بصلها.
قامت، ووقفت قدامه، وعينيها مليانة غضب قديم.
— أنا عايزة أقولك حاجة، ويمكن دي أول مرة هقولها لك بصراحة.
— قولي.
— أنا ساعات ببص لك وبسأل نفسي: هو أنا ليه اتجوزت راجل كل حياته معارك؟ معارك في الحلبة، ومعارك مع الماضي، ومعارك مع نفسه... وفي الآخر حتى البيت اللي المفروض يكون راحته، مش عارف يديله طفل!
سيف حس إن أعصابه وصلت لآخرها.
لكن بدل ما يرد بعصبية، بص لها نظرة هادية بشكل خوّفها أكتر من لو كان صرخ.
— أنا مش هسمحلك تفضلي تكسري فيا كل ما تتعبي. أنا مش خصمك يا مريم. ولو إنتِ شايفاني خصمك، يبقى إحنا محتاجين نقف ونسأل نفسنا إحنا لسه متجوزين ليه.
وشه اتغير وهو بيكمل:
— وبالنسبة للخلفة، أنا مش هقبل إن الموضوع ده يتحول لإهانة بينا. لو عندك خوف، نتكلم. لو عندك وجع، نواجهه سوا. إنما كل مرة تحسسيني إني أقل من غيري علشان حاجة مش بإيدي، يبقى إنتِ مش بتطلبي طفل... إنتِ بتعاقبيني على حاجة أنا نفسي مش فاهم سببها.
مريم فتحت بُقها علشان ترد، لكنه كان سبقها ناحية الباب.
وقبل ما يخرج، سمعها بتقول بصوت عالي:
— طب لو طلع العيب مش عندك يا سيف؟ لو طلعت أنا اللي مش هخلف؟ هتفضل تحبني؟!
إيده ثبتت على مقبض الباب.
لف وشه ناحيتها ببطء.
السؤال كان غريبًا؛ لأنها من أول جوازهم ما كانتش بتسيب فرصة إلا وتلمح فيها إنه هو السبب، مع إنهم ماكملوش فحوصاتهم الطبية بشكل واضح، وكل مرة كان الموضوع بيتفتح، كانت هي اللي بتتهرب من المتابعة.
سيف قال:
— أنا عمري ما ربطت حبي ليكي بطفل.
مريم بصت له.
— حتى لو عمرك كله عدى من غير ما تبقى أب؟
رد من غير تردد:
— حتى لو.
خرج، وساب وراه جملة كان المفروض تطمنها، لكنها ما طمنتهاش.
لأن مريم كانت عارفة حاجة سيف مايعرفهاش.
وهي مش خايفة بس من إنها ما تخلفش... هي خايفة من إن سرّ قديم يتكشف، وساعتها كل حاجة هتتغير.
في الشارع، وقف سيف جنب عربيته، وطلع موبايله.
كان فيه اتصال من الكابتن فؤاد، ورسالتين من عم جلال، ومكالمة تانية من الرقم المجهول.
فتح الرسالة الأخيرة.
كانت قصيرة:
«إنت فاكر إن مشكلتك في إنك مش قادر تبقى أب؟ اسأل أبوك الأول هو رجع من المستشفى ليلة ولادتك ومعاه طفل مين.»
سيف فضل باصص للشاشة.
الدنيا حواليه كانت ماشية بشكل طبيعي؛ بائع العيش بينادي، وطفل صغير بيجري ورا أبوه، وست بتنادي على ابنها من شباك بيتها.
كل حاجة طبيعية...
إلا حياته.
إيده شدت على الموبايل لحد ما مفاصل صوابعه ابيضّت.
اتصل بمراد.
الرنة الأولى.
الثانية.
الثالثة.
أخيرًا، أبوه رد.
— أيوه يا سيف.
— إنت فين؟
— في البيت. مالك؟ صوتك مش عاجبني.
— أنا جاي لك.
— فيه إيه؟
سيف سكت لحظة، وبعدها قال:
— عايز أعرف الطفل اللي إنت خرجت بيه من المستشفى ليلة ما اتولدت... كان ابن مين؟
الصمت اللي جه من الناحية التانية ماكانش طويل، لكنه كان كفاية.
كفاية يخلي سيف يفهم إن الرسالة ماجتش من حد بيخمن.
مراد أخيرًا قال:
— إنت عرفت الكلام ده منين؟
سيف ضحك ضحكة خالية من الفرح.
— يعني الكلام حقيقي؟
— يا سيف، اسمعني...
— لأ، المرة دي إنت اللي هتسمعني. أنا من ساعة ما فتحت الملف ده وأنا كل يوم باكتشف إن فيه حد في حياتي عارف حاجة وأنا آخر واحد يعرفها. أمي كانت خايفة، وإنت ساكت، وناصر بيبص لي كأنه شايف حد تاني قدامه، ودلوقتي حد بيبعت لي إنك خرجت من المستشفى بطفل مش أنا!
صوته ارتفع رغم محاولته يسيطر على نفسه.
— أنا عايز إجابة واحدة يا بابا. الطفل ده كان مين؟
مراد أخد نفسًا تقيلًا.
— تعالى البيت يا سيف. فيه حاجات ماينفعش تتقال في التليفون.
سيف قفل عينيه لحظة.
نفس الجملة.
كلهم بيقولوا نفس الجملة.
«تعالى.»
«استنى.»
«مش وقته.»
وكأن عمره كله لازم يفضل مستني لحد ما الناس تقرر إنه يستحق يعرف الحقيقة.
قال:
— أنا جاي.
وقفل المكالمة.
لكنه قبل ما يركب العربية، وصلت له رسالة جديدة.
فتحها.
كانت صورة قديمة لسريرين صغيرين في حضّانة مستشفى، وعلى طرف الصورة جزء من ورقة مكتوب فيها بخط غير واضح:
«الطفل الذي خرج من المستشفى مع مراد ليس الطفل الذي سُجّل باسمه.»
وتحتها جملة واحدة:
«اسأل أمينة مين اللي رجّعته لك.»
سيف رفع عينيه عن الموبايل.
لأول مرة، السؤال ما بقاش عن طفل اختفى.
السؤال بقى عن نفسه.
هو مين اللي رجّعه؟
وليه؟
في نفس الوقت... بيت ناصر
كانت روح واقفة في نص الصالة، ماسكة الموبايل بإيد بتترعش، وباصّة ناحية باب الشقة.
الرجل اللي ظهر في الصورة القديمة كان واقف قدامها فعلًا.
أكبر في السن، شعره فيه شيب، وملامحه اتغيرت، لكن عينيه هما نفس العيون اللي شافتها في الصورة اللي أبوها كان مخبيها.
نفس النظرة الجامدة.
نفس الهدوء اللي يخلي الواحد يحس إن اللي قدامه مش محتاج يرفع صوته علشان يخوفه.
روح رجعت خطوة لورا.
— إنت مين؟
الرجل ما ردش فورًا.
بص حواليه في الشقة، وكأنه بيقارن المكان بصورة قديمة محفوظة في ذاكرته.
وبعدين قال:
— البيت اتغير.
روح زادت حيرتها.
— إنت تعرف البيت ده منين؟
رفع عينيه لها.
— أبوكي ماحكاش لك عني؟
روح بلعت ريقها.
— أنا سألتك سؤال. إنت مين؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، مافيهاش أي دفء.
— اسمي مش هو المهم دلوقتي.
— بالنسبة لي هو مهم جدًا. وإنت دخلت بيتي إزاي أصلًا؟
الرجل بص ناحية الباب المفتوح وراها، ثم رجع بصره إليها.
— الباب كان مفتوح.
روح رفعت صوتها:
— أنا ما فتحتش الباب لحد!
ابتسامته اختفت.
— عندك حق. إنتِ ما فتحتيهوش.
الجملة خلت قلبها يدق أسرع.
كان بيتكلم وكأنه عارف عنها أكتر مما المفروض أي غريب يعرف.
روح مدت إيدها ناحية الموبايل، تحاول تتصل بأبوها مرة تانية، لكنه قال:
— ناصر مش هيقدر ييجي لك دلوقتي.
وقفت إيدها في الهوا.
— إنت عملت فيه إيه؟
— ولا حاجة.
— كداب!
ولأول مرة، ظهر في عينيه شيء يشبه الإعجاب بجرأتها.
— شبهه.
روح عقدت حواجبها.
— شبه مين؟
— أبوكي.
— إنت تعرفه من إمتى؟
الرجل قرب خطوة، فحطت روح الموبايل قدامها وقالت بحدة:
— مكانك! متقربش مني.
وقف مكانه.
وبص لها طويلًا، قبل ما يقول:
— أنا مش جاي أؤذيكي يا روح.
اتصدمت.
— إنت تعرف اسمي كمان؟
— أنا عارف اسمك من قبل ما إنتِ نفسك تعرفيه.
روح حست إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.
لكنها تماسكت وقالت:
— لو فاكر إنك هتدخل عليّا بكلمتين غامضين وأخاف منك، تبقى غلطان. اخرج من بيتي، ولما بابا يرجع، هو اللي يتصرف معاك.
الرجل سكت لحظة، وبعدها قال:
— أبوكي اتصرف معايا قبل كده.
نظراته اتبدلت.
— وده كان أكبر غلط عمله في حياته.
روح كانت على وشك ترد، لما سمعت صوت المفتاح في الباب.
ناصر دخل بسرعة، وشه شاحب، وأنفاسه متلاحقة. أول ما عينه وقعت على الرجل، وقف مكانه.
ما قالش اسمه.
ما سألوش إنت بتعمل إيه هنا.
كل اللي عمله إنه بص لروح وقال:
— ادخلي أوضتك يا روح.
روح ردت بعناد:
— لأ. أنا عايزة أعرف مين ده، وليه إنت أول ما شوفته وشك اتغير كده؟
ناصر ما بصش لها.
كان مركز مع الرجل اللي قدامه.
— إنت رجعت ليه؟
الرجل ابتسم.
— بعد السنين دي كلها، ده أول سؤال تسألهولي؟
ناصر صوته اتكسر من الغضب:
— أنا سألتك رجعت ليه!
الرجل رد بهدوء:
— علشان آخد حقي.
— حقك انتهى من زمان!
— لأ يا ناصر. اللي انتهى هو عمرك وإنت فاكر إنك تقدر تدفن الحقيقة وتعيش.
روح بصت لأبوها، وبعدين للرجل.
— حق إيه؟ حقيقة إيه؟ هو فيه إيه بيحصل هنا؟
ناصر لف لها أخيرًا.
— روح، ادخلي أوضتك.
— مش هدخل!
صرخت، ودموع الغضب لمعت في عينيها.
— أنا مش طفلة! كل ما حد يدخل حياتي ألاقيكم بتتكلموا بالألغاز وتطلبوا مني أمشي! أنا اسمي اتكتب في ملف مستشفى من سنين، وفيه ناس بتراقبني، وراجل غريب ييجي لحد باب بيتنا ويقول إنه عارفني قبل ما أعرف نفسي، وإنت كل اللي شاغلك إني أدخل أوضتي!
ناصر اتوجع من كلامها، لكنه ما قدرش ينكر إنها عندها حق.
مد إيده ناحيتها.
— يا بنتي، أنا بحاول أحميكي.
روح سحبت إيدها.
— من مين؟ منه؟ ولا منك إنت كمان؟
السؤال أصابه في مكان حساس.
الرجل استغل اللحظة، وقال:
— سيبها تسأل يا ناصر. من حقها تعرف.
ناصر لف له بعنف.
— إنت آخر واحد يتكلم عن الحق!
الرجل ما ردش.
بدل كده، مد إيده داخل جيبه، وطلع صورة قديمة، وحطها على الترابيزة.
روح قربت ببطء.
الصورة كانت لثلاثة رجال واقفين قدام مستشفى.
ناصر.
مراد، والد سيف.
والرجل اللي واقف قدامها دلوقتي.
لكن اللي شد انتباهها مش وجود أبوها في الصورة.
كان فيه شخص رابع ظاهر في انعكاس زجاج الباب خلفهم.
امرأة شايلة طفلًا ملفوفًا في بطانية بيضاء.
روح قربت الصورة من وشها.
— مين الست دي؟
ناصر اتحرك بسرعة علشان ياخد الصورة، لكن الرجل سبقه وقال:
— أمينة.
روح رفعت عينيها.
— أم سيف؟
ناصر أغمض عينيه لحظة.
والرجل قال:
— أيوه. أم سيف.
ثم أشار إلى الطفل في حضنها.
— وده الطفل اللي كان المفروض ما يخرجش من المستشفى أصلًا.
روح حسّت ببرودة تسري في أطرافها.
— إنت بتقول إيه؟
الرجل بص لها مباشرة.
— بقول إن اللي حصل ليلة ولادتك غيّر حياة عيلتين، وإن أبوكي ومراد وأمينة كل واحد فيهم خرج من الليلة دي بحاجة، وساب وراه حاجة تانية.
ناصر اندفع ناحيته.
— اخرس!
لكن الرجل ما اتراجعش.
— ليه؟ خايف تسمعها؟ ولا خايف هي تعرف إنها طول عمرها بتدفع تمن ذنب ما عملتوش؟
روح رجعت خطوة، وعينيها انتقلت بين الاتنين.
— أنا... إيه علاقتي بولادة سيف؟
ناصر ما ردش.
والرجل قال الجملة اللي قلبت كل حاجة:
— إنتِ مش مجرد بنت ناصر يا روح. إنتِ آخر شخص شاف الطفل اللي اختفى من المستشفى، حتى لو ذاكرتك ما تقدرش تفتكر اللي حصل.
روح هزت راسها بعنف.
— مستحيل! أنا مكنتش موجودة أصلًا وقتها!
الرجل بص لها بحزن غريب.
— إنتِ متأكدة إنك فاكرة كل حاجة عن طفولتك؟
روح فتحت بُقها، لكن ما طلعش منها صوت.
لأنها افتكرت فجأة حاجة صغيرة، حاجة كانت أمها زمان بتمنعها من الكلام عنها.
غرفة بيضاء.
ضوء قوي.
وصوت ست بتقول:
«ما تخلوهاش تشوف الطفل التاني.»
روح حطت إيدها على راسها.
— لأ... لأ، أنا مش فاهمة...
ناصر جري ناحيتها.
— روح!
لكنها بعدت عنه، وهي بتبص له بخوف لأول مرة في حياتها.
— إنت كنت عارف؟
ناصر سكت.
وكان سكوته أقسى من أي إجابة.
في بيت مراد...
سيف دخل البيت من غير ما يخبط، ولقى أبوه واقف في الصالة، وأمينة قاعدة على الكنبة، ووشها باين عليه إنها كانت بتعيط.
على الترابيزة كان فيه الملف الأزرق نفسه.
سيف قفل الباب وراه.
— أنا عايز الحقيقة كاملة. ومحدش فيكم هيقولي استنى.
مراد رفع عينه له.
— يا سيف، فيه حاجات لو عرفتها...
قاطعه سيف:
— هتوجعني؟ ما أنا موجوع أصلًا يا بابا! إنتوا خايفين على إيه بعد كل اللي حصل؟
أمينة قامت، وقربت منه.
— يا حبيبي، والله إحنا ما عملناش كده علشان نأذيك.
سيف بص لها.
— طيب عملتوه ليه؟
دموعها نزلت.
— علشان كنا فاكرين إننا بننقذك.
سيف وقف ساكن.
— بتنقذوني من إيه؟
مراد اتحرك ناحية الترابيزة، وفتح الملف على صفحة فيها صورتين لطفلين حديثي الولادة.
وأشار للصورة الأولى.
— ده الطفل اللي اتسجل باسمك.
وبعدين أشار للصورة التانية.
— وده الطفل اللي اختفى.
سيف بص للصورتين، وحاول يلاقي أي فرق واضح بينهما.
— مين فيهم أنا؟
أمينة حطت إيدها على بقها.
مراد ما ردش.
سيف كرر سؤاله، المرة دي بصوت أعلى:
— أنا بسألك يا بابا... مين فيهم أنا؟
مراد أخيرًا قال:
— أنا ماكنتش متأكد وقتها.
سيف رجع خطوة.
— إيه؟
— الليلة دي حصلت فيها فوضى كبيرة في المستشفى. طفل اختفى، وطفل اتنقل من غرفة لغرفة، وأسماء اتكتبت واتشالت. ولما اكتشفنا اللي حصل، كان فيه ناس مستعدة تعمل أي حاجة علشان الموضوع ما يطلعش بره المستشفى.
سيف بص لأمه.
— وإنتِ؟
أمينة كانت بتعيط بصمت.
— أنا كنت أمك يا سيف. كل اللي كنت أعرفه إن فيه طفل بين إيديا، وإن فيه ناس عايزة تاخده مني. خفت. خفت لو سألت سؤال واحد أخسرك.
سيف صوته بقى مبحوح:
— يعني إنتِ مش متأكدة إني ابنك؟
أمينة شهقت، وقربت منه بسرعة.
— إنت ابني! أنا اللي ربيتك، وأنا اللي سهرت عليك، وأنا اللي كنت بموت كل مرة تتعب فيها! ما تخليش الورق والصور يخلّوك تشك في كل اللي بينا!
سيف ما قدرش يبص في عينيها.
لأنه لأول مرة، كان بيسأل نفسه سؤال عمره ما تخيل إنه ممكن يسأله:
هل الدم هو اللي بيحدد العيلة؟
ولا العيلة هي اللي بتثبت نفسها لما الدنيا كلها تتغير؟
لكن قبل ما يقدر يقول أي حاجة، موبايل مراد رن.
بص للشاشة، ولما شاف الاسم، وشه اتبدل.
سيف لاحظ.
— مين؟
مراد ما ردش.
الموبايل فضل يرن.
سيف مد إيده.
— اديني.
مراد حاول يمنعه، لكن سيف أخد الموبايل ورد على المكالمة وحطها على السماعة الخارجية.
جاله صوت ناصر، متوتر ومليان غضب:
— مراد، لازم تيجي حالًا. هو عندي.
مراد شد الموبايل من إيد سيف.
— إنت بتقول إيه؟ مين عندك؟
جاء صوت الرجل الغريب من الناحية التانية، واضح وهادئ:
— ما تتعبش نفسك يا مراد. أنا مش هستخبى تاني.
سيف حس إن دقات قلبه بتعلى.
مراد صرخ:
— إنت قربت من البنت ليه؟!
الرجل ضحك ضحكة قصيرة.
— أخيرًا افتكرت إن فيه بنت في الموضوع.
ثم سكت لحظة، قبل ما يكمل:
— بس أنا مش جاي علشان روح.
مراد اتجمد.
أمينة رفعت عينيها.
وسيف قرب من الموبايل.
الرجل قال بوضوح:
— أنا جاي علشان ابني.
سيف حس إن الدنيا سكتت حواليه.
مراد همس:
— إنت ماعندكش ابن.
الرجل رد:
— عندي. وإنت عارف ده كويس.
وبعدها قال اسمًا واحدًا.
اسم خلّى أمينة تصرخ، ومراد يسقط الموبايل من إيده.
«سيف.»
المكالمة اتقطعت.
سيف فضل واقف مكانه، مش قادر يستوعب اللي سمعه.
بص لأبوه.
— هو قال اسمي ليه؟
مراد ما ردش.
سيف قرب منه، وعينيه مليانة دموع وغضب.
— أنا ابن مين يا بابا؟
مراد فتح بُقه، لكن أمينة سبقته وهي بتعيط:
— يا سيف... فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تروح له.
سيف لف لها.
— إيه؟
أمينة مسكت إيده بقوة، وقالت بصوت مرتعش:
— الراجل ده مش أبوك الحقيقي.
سيف اتنفس ببطء، كأنه بيحاول يثبت نفسه في مكانه.
لكن أمينة كملت الجملة اللي أنهت كل أمل عنده في إن الحقيقة هتكون بسيطة:
— الراجل ده هو اللي اختار لك اسمك... قبل ما تتولد. 🥊🔥
يتبع......