
رواية الملاكم الفصل السادس 6 بقلم سهر احمد
🥊🔥الاسم اللي اتكتب قبل الولادة... والأب اللي رجع يطالب بحقه
— الراجل ده هو اللي اختار لك اسمك... قبل ما تتولد.
الجملة فضلت معلقة في الهوا، كأنها مش مجرد كلمات خرجت من أمينة، لكن حكم اتكتب على حياة سيف من غير ما حد يستأذنه.
سيف كان واقف قدام أمه، عينيه ثابتة عليها، وملامحه اتجمدت بطريقة خوّفتها أكتر من غضبه.
ما صرخش.
ما سألش للمرة العاشرة: أنا ابن مين؟
وما اتحركش حتى لما مراد قرب منه ومد إيده علشان يمسك كتفه.
كل اللي عمله إنه رجع خطوة لورا، وبص لأبوه وأمه كأنه بيشوفهم لأول مرة.
— يعني إيه؟
صوته خرج هادي، لكنه كان الهدوء اللي بيسبق انفجار حاجة كبيرة.
أمينة مسحت دموعها بسرعة.
— يا حبيبي، اسمعني...
— أنا بسمعك من ساعة ما فتحتوا الملف ده. مرة تقولي إنكم كنتوا بتحموني، ومرة تقولي إن فيه طفل اختفى، ومرة ألاقي راجل غريب بيقول إنه ابني، ودلوقتي أعرف إن هو اللي اختار لي اسمي قبل ما أتولد!
رفع إيده ناحية صدره، وكأنه بيحاول يفهم إزاي كل الكلام ده يخصه هو.
— إنتوا فاهمين معنى اللي بتقولوه؟ أنا اسمي سيف مراد الجوهري من يوم ما وعيت على الدنيا. اسمي مكتوب في شهادتي، وفي بطاقتي، وعلى كل ورقة تخصني. إزاي واحد غريب يبقى هو اللي اختار الاسم ده؟ وليه اختاره أصلًا؟ وإنت يا بابا، كنت فين من كل ده؟
مراد حاول يتكلم:
— يا سيف، الموضوع مش بالبساطة اللي إنت متخيلها.
سيف ضحك بمرارة.
— أمال إيه؟ أعقد من إني أعرف أبويا الحقيقي مين؟ ولا أعقد من إني أعرف إذا كنت أنا الطفل اللي اتولد لأمي ولا الطفل اللي حد جابه من مكان تاني؟
أمينة شهقت.
— ما تقولش كده يا ابني!
لف لها سيف بسرعة.
— أقول إيه يا أمي؟ قوليلي أقول إيه! إنتِ عايزاني أفضل أناديكي أمي وأنا مش فاهم إيه اللي حصل ليلة ولادتي؟ أنا مش بلومك على اللي عملتيه قبل ما أعرفه، بس أنا مش هقدر أعيش وسط أسئلة وكل واحد فيكم مخبي عني نص الحكاية.
دموع أمينة نزلت من غير ما تحاول تخبيها المرة دي.
— أنا ماخبيتش عنك علشان كنت عايزة أضحك عليك. أنا خبيت علشان كنت خايفة أخسرك.
— تخسريني إزاي؟ أنا كنت طفل!
— بالضبط يا سيف... كنت طفل. طفل ماكانش يعرف مين بيحبه ومين عايز ياخده، ولا مين مستعد يعمل إيه علشان يوصل له.
مراد اتحرك بعيد عن الترابيزة، وقعد على طرف الكنبة، وحط إيده على وشه.
لأول مرة من سنين طويلة، سيف شاف أبوه بالشكل ده.
الراجل اللي كان دايمًا واقف قدامه ثابت، حتى في أصعب الظروف، واللي علّمه إن الراجل ما يهربش من مشاكله، كان قاعد دلوقتي كأنه شايل عمر كامل من الندم على كتافه.
سيف بص له.
— احكي يا بابا.
مراد رفع عينيه ببطء.
— يا سيف...
— لأ، مش عايز أسمع اسمي بالطريقة دي تاني. أنا عايز أسمع الحكاية من أولها. من ليلة ما اتولدت. مين كان موجود؟ مين أخد الطفل؟ ومين الراجل اللي بيقول إنه أبوي؟
مراد سكت.
سيف قرب منه.
— ولو هتقول لي مش وقته، أو فيه حاجات مش لازم تعرفها، يبقى أنا همشي من هنا ومش هسألكم تاني. مش علشان مش فارق معايا أعرف، لكن علشان تعبت من إني أفضل واقف قدامكم مستني إذن علشان أفهم حياتي.
الكلام خلّى أمينة تقوم بسرعة وتمسك إيده.
— استنى يا سيف.
بصلها.
كانت بتحاول تلاقي الكلمات المناسبة، لكن واضح إن الذكريات نفسها كانت بتخنقها.
أخيرًا قالت:
— الراجل اللي رجع ده اسمه كمال الراوي.
مراد رفع رأسه فجأة.
— أمينة!
بصت له بعينين مليانين دموع.
— خلاص يا مراد. كفاية. الولد من حقه يعرف اسم الراجل اللي قلب حياته قبل ما يبدأ يعيشها.
سيف كرر الاسم بصوت منخفض:
— كمال الراوي...
الاسم ماكانش مألوف له، لكن مجرد ما نطقته أمه، حس إن الاسم ده مش غريب على البيت. كأنه اتقال قبل كده في مكان بعيد من ذاكرته، مكان ما قدرش يوصل له.
أمينة كملت:
— كمال كان صاحب مراد من سنين طويلة. مش صاحب عادي، ده كان أقرب له من أخوه. كانوا شغالين سوا، وبيخططوا لمشروع كبير، وكل واحد فيهم كان واثق في التاني ثقة عمياء.
سيف بص لأبوه.
— وبعدين؟
مراد رد أخيرًا، وصوته كان تقيل:
— وبعدين حصلت مشكلة. مشكلة أكبر من إننا نقدر نحلها بالكلام. فلوس اختفت، وأوراق اتبدلت، وشخص اتهم شخص، وكل واحد بقى شايف إن التاني خانه.
— وإيه علاقة ده بولادتي؟
مراد ما ردش.
أمينة هي اللي كملت:
— علاقتها إن الخلاف ماوقفش عند الشغل. في الليلة اللي إنت اتولدت فيها، كمال ظهر في المستشفى، وكان عايز يشوف طفل اتولد في نفس الليلة.
سيف حس ببرودة في إيده.
— طفل مين؟
أمينة بصت لمراد، لكنه فضل ساكت.
فقالت:
— ماعرفش أقول لك الطفل ده كان ابن مين بالضبط، لأنهم ماكانوش بيقولوا الحقيقة كاملة لبعض. لكن اللي أعرفه إن كمال كان مقتنع إن فيه طفل اتاخد منه، وإن مراد هو الشخص الوحيد اللي يقدر يوصله له.
سيف لف لأبوه.
— وإنت عملت إيه؟
مراد ضغط على إيديه، وقال:
— حاولت أمنع كارثة.
— كارثة إيه؟
— إن طفل يكبر وهو مش عارف اسمه الحقيقي، ولا أهله، ولا ليه ناس بتدور عليه.
سيف بص له باستنكار.
— بس ده اللي حصل فعلًا!
مراد أغمض عينيه.
— عارف.
الكلمة طلعت منه مكسورة، من غير أي محاولة للدفاع عن نفسه.
وده كان أغرب من كل الاعترافات اللي سيف سمعها لحد دلوقتي.
أبوه مش بينكر.
ولا بيحاول يهرب.
لكنه برضه مش بيقول كل حاجة.
وسيف كان عارف إن فيه جزء من الحكاية لسه متدفن.
### في بيت ناصر...
روح كانت قاعدة على طرف الكنبة، لكن عقلها كان في مكان تاني تمامًا.
الصورة القديمة لسه قدامها.
ثلاثة رجال أمام المستشفى، وامرأة شايلة طفلًا، وذكريات صغيرة بتظهر في دماغها وتختفي قبل ما تقدر تمسك فيها.
ناصر كان واقف عند الشباك، ضهره ليها، بينما كمال الراوي قاعد في الناحية التانية من الصالة، بيتصرف كأنه صاحب البيت، مش راجل اقتحم حياتهم بعد سنين من الغياب.
روح رفعت عينيها لأبوها.
— بابا.
ناصر ما التفتش.
— نعم يا روح؟
— بص لي وأنا بكلمك.
لف لها ببطء.
كانت عينيها مليانة أسئلة، لكن السؤال اللي خرج من بُقها كان أبسط من كل اللي جواها:
— إنت بتحبني؟
ناصر اتصدم.
— إيه السؤال ده؟
— جاوبني.
قرب منها وقعد على الكرسي اللي قدامها.
— إنتِ بنتي، يا روح. إنتِ أغلى حاجة عندي في الدنيا.
هزت راسها وهي بتحاول تمنع دموعها.
— أنا مصدقاك إنك بتحبني. بس مش عارفة إذا كنت طول عمرك صادق معايا.
ناصر فتح بُقه، لكنها كملت:
— من وأنا صغيرة، كل ما أسألك عن أمي، تقول لي إنها ماتت وأنا لسه طفلة. وكل ما أقول لك إني فاكرة حاجات مش مفهومة من المستشفى، تغير الموضوع. وكل ما أطلب أشوف الصور القديمة، تقول لي إنها ضاعت.
بصت للصورة اللي على الترابيزة.
— ودلوقتي أكتشف إن عندك صورة ليك مع بابا سيف، ومع الراجل ده، قدام مستشفى، في الليلة اللي أنا مش فاكرة منها غير شوية أصوات!
ناصر نزل عينيه للأرض.
روح صوتها ارتفع:
— أنا عايزة أعرف أمي كانت مين، وإيه اللي حصل لها، وليه كل حاجة تخص طفولتي بقت سر!
كمال اتكلم لأول مرة من وقت ما سكتوا:
— أمك كانت ست شجاعة.
روح لفت له بسرعة.
— إنت تعرف أمي؟
بصلها نظرة طويلة.
— أكتر مما تتخيلي.
قامت من مكانها.
— يبقى اتفضل احكي!
ناصر وقف بسرعة.
— روح، بلاش تسمعي منه.
بصت له بصدمة.
— ليه؟ خايف يقول لي حاجة إنت مخبيها؟
كمال رفع إيده إشارة إنه يسيبها تتكلم.
— سيبها يا ناصر. مش كل مرة هتقدر تمنع الحقيقة إنها توصل لها.
ناصر قرب منه، وقال من بين أسنانه:
— إنت ماجتش علشان الحقيقة. إنت جاي علشان تنتقم.
كمال ما أنكرش.
— يمكن.
ثم بص لروح.
— لكن الانتقام مش هو اللي هيخليكي تعرفي أمك. اللي هيخليكي تعرفيها هو إنك تفهمي ليه اختفت من حياتك، وليه أبوكي فضل طول السنين دي خايف من يوم رجوعي.
روح رجعت قعدت ببطء.
— أمي اختفت إزاي؟
كمال فتح فمه، لكن ناصر قاطعه:
— كفاية لحد هنا.
روح قامت تاني، والغضب اللي كانت بتحاول تسيطر عليه انفجر أخيرًا.
— لأ، مش كفاية! إنت مش هتقرر عني أنا أعرف إيه وماعرفش إيه! دي حياتي، ودي أمي، وده ماضي أنا اللي عايشة بنتايجه، مش إنت!
ناصر سكت.
كانت أول مرة ترفع صوتها عليه بالشكل ده.
وأول مرة يشوف في عينيها خوفًا منه هو، مش من العالم اللي طول عمره بيحاول يحميها منه.
قال بصوت متعب:
— أنا ماكنتش عايزك تعيشي نفس اللي أمك عاشته.
روح همست:
— وأمي عاشت إيه يا بابا؟
ناصر غطى وشه بإيده.
وللحظة، روح افتكرت إنها أخيرًا هتسمع الإجابة.
لكن كمال قام من مكانه، وطلع من جيبه ظرفًا قديمًا، وحطه على الترابيزة.
— دي آخر رسالة أمك كتبتها قبل ما تختفي.
روح بصت للظرف كأنها خايفة تمد إيدها ناحيته.
كان مكتوب عليه اسمها بخط واضح:
«إلى روح... لما تكبر وتبقى قادرة تعرف الحقيقة.»
إيدها اتحركت ناحية الظرف، لكن ناصر قال بسرعة:
— ما تفتحيهوش.
روح بصت له.
— ليه؟
ناصر رفع عينيه، والدموع بدأت تظهر فيها.
— علشان أمك طلبت مني ما أديكيش الرسالة إلا لما أتأكد إن اللي رجع مش هيقدر يوصل لك.
كمال ابتسم بمرارة.
— وأنا وصلت لها يا ناصر.
ثم بص لروح.
— افتحيها. الرسالة دي فيها الإجابة عن السؤال اللي أبوكي بيهرب منه من سنين.
روح فتحت الظرف بإيدين مرتعشتين، وطلعت ورقة مطوية بعناية.
أول سطر كان كفاية يخلي نفسها يتوقف:
«يا روح، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى كمال رجع... ويبقى أبوكي لسه ما قالكيش مين الطفل اللي خرج من المستشفى باسم سيف.»
روح رفعت رأسها ببطء.
— سيف؟
كمال قال:
— أيوه. سيف.
ناصر قرب منها.
— يا روح، اسمعيني...
لكنها كانت بتقرأ السطر اللي بعده.
«لو قابلتي سيف، ما تخافيش منه. هو ما يعرفش إن حياته اتبنت على قرار أنا ومراد اضطرينا ناخده. وما يعرفش إن الشخص اللي كمال بيدور عليه مش هو الطفل اللي في الصورة.»
روح رفعت عينيها لكمال.
— إنت بتدور على مين؟
كمال سكت.
ثم قال:
— على الطفل اللي اتاخد مني.
— وإنت متأكد إن سيف هو ابنك؟
كمال بص لها، ولأول مرة اختفى الهدوء من ملامحه.
— أنا متأكد إن مراد أخد طفلًا من المستشفى ليلة ولادته، ومتأكد إن أمينة خرجت من المستشفى وهي شايلة طفلًا ماكانش المفروض يبقى معاها.
روح همست:
— بس إنت مش متأكد إن الطفل ده ابنك.
كمال رد بعد لحظة:
— علشان كده رجعت.
ناصر اتحرك ناحية الباب.
— خلاص. كفاية. إنت هتمشي من هنا دلوقتي.
كمال ما تحركش.
— هتمشي من غير ما تقول لها باقي الرسالة؟
ناصر وقف مكانه.
روح بصت للورقة، واكتشفت إن فيه جزء تاني مكتوب بخط مختلف، كأن شخصًا آخر أضافه بعد ما الرسالة خلصت.
قربت الورقة من الضوء.
وكانت الجملة الأخيرة مكتوبة بوضوح:
«يا روح، لو كمال رجع، يبقى لازم تعرفي إن الشخص اللي أنقذ حياتك وإنتِ صغيرة... هو نفسه الشخص اللي ممكن يدمّر حياة سيف.»
روح رفعت عينيها لكمال.
— إنت عملت إيه؟
كمال بص لها، وما ردش.
لكن ناصر قال بصوت مخنوق:
— أنا اللي عملت اللي كان لازم يتعمل علشان أحميكي.
روح لفت له ببطء.
— إنت؟
ناصر ما قدرش يبص في عينيها.
— أنا اللي أخفيت الطفل عنهم.
### في بيت سيف...
كان سيف واقف قدام أبوه، مستني منه أي كلمة تنهي حالة الضياع اللي بقت جزءًا من يومه.
مراد أخيرًا قام، وراح ناحية دولاب قديم في آخر الصالة.
فتح الدرج السفلي، وطلع صندوقًا خشبيًا صغيرًا، أطرافه متآكلة من الزمن.
حطه على الترابيزة.
أمينة بصت للصندوق، واتغير لون وشها.
— إنت لسه محتفظ بيه؟
مراد رد من غير ما يبص لها:
— كنت مستني اليوم اللي لازم أفتحه فيه.
سيف قرب من الصندوق.
— فيه إيه جواه؟
مراد طلع مفتاحًا صغيرًا من سلسلة كان لابسها تحت هدومه، وفتح القفل.
جواه كانت فيه صور قديمة، وورقة مستشفى، وسواران صغيران خاصان بالمولودين، وميدالية معدنية عليها حرف واحد.
حرف «س».
سيف مسك الميدالية.
— دي بتاعة مين؟
مراد قال:
— كانت مع الطفل اللي خرج من المستشفى في حضني.
سيف رفع عينيه بسرعة.
— الطفل اللي إنت خدته؟
مراد هز رأسه ببطء.
— أيوه.
— مين الطفل ده؟
مراد سحب الورقة من الصندوق، وبص لها كأنه بيشوفها لأول مرة.
— أنا كنت فاكر إني عارف.
سيف ضرب كفه على الترابيزة.
— كفاية! إنت كل مرة بتديني نص إجابة وتسيبني أتخيل أسوأ حاجة!
أمينة قربت منه.
— سيف، أبوك ماكانش بيكدب عليك علشان يوجعك. هو نفسه ماكانش عارف الحقيقة كاملة.
سيف لف لها.
— وإنتِ كنتِ عارفة إيه؟
أمينة بصت للسوارين.
— كنت عارفة إن فيه طفلين اتولدوا في الليلة دي، وإن واحدًا منهم اختفى، وإن كمال كان بيدور على ابنه. لكني ماكنتش أعرف أي واحد فيهم كان ابن كمال.
سيف مسك السوار الأول.
كان مكتوب عليه اسمه.
سيف مراد الجوهري.
وبعدين مسك السوار التاني.
الاسم كان ممسوحًا، لكن تحت أثر الحبر القديم ظهرت حروف قليلة.
«... الراوي».
سيف رفع السوار قدام أبوه.
— اسم مين ده؟
مراد سكت.
سيف قرب السوار من عينيه، وحاول يقرأ الحروف الباقية.
— الراوي... يعني كمال الراوي؟
مراد أغمض عينيه.
وكان ده كفاية.
سيف رجع خطوة، وفضل باصص للسوار.
— الطفل التاني كان ابن كمال؟
مراد رد أخيرًا:
— ده اللي كنا فاكرينه.
— وكنتوا فاكرين إيه كمان؟
مراد بص له مباشرة.
— كنا فاكرين إن كمال مات.
سيف رفع رأسه.
— مات؟
— بعد اللي حصل في المستشفى، كمال اختفى. وصلنا خبر إنه مات في حادث، وبعدها بسنين اتأكدنا إن فيه ناس شافت جثمانه، وإن الموضوع انتهى.
سيف ضحك بذهول.
— واتأكدتوا إزاي؟ حد شافه بعينه؟ حد دفنه بإيده؟
مراد ما ردش.
سيف حط السوار على الترابيزة.
— يعني إنتوا بنيتوا كل حياتكم على خبر، ومن غير ما تتأكدوا، وبعدها لما الراجل رجع، اكتشفتوا إن كل حاجة كنتوا مصدقينها ممكن تكون كدب!
مراد قرب منه.
— أنا غلطت يا سيف.
الكلمة خرجت من أبوه واضحة، من غير مبررات.
— غلطت لما سكت، وغلطت لما صدقت إن اختفاء كمال معناه إن الخطر انتهى. وغلطت أكتر لما خليتك تكبر من غير ما تعرف إن فيه ناس ممكن ترجع في أي لحظة وتطالبك بحاجات إنت ما تعرفش عنها حاجة.
سيف بص له طويلًا.
— طيب قولي الحقيقة اللي لسه مخبيها.
مراد هز رأسه.
— دي كل الحقيقة اللي أعرفها.
سيف ما صدقوش.
لكن قبل ما يقدر يواجهه، أمينة مدت إيدها للصندوق وطلعت ورقة مطوية، كانت مخبية تحت بطانة القاع.
— لأ يا مراد. مش دي كل الحقيقة.
مراد لف لها بسرعة.
— أمينة، ما تفتحيش الموضوع ده.
أمينة كانت بتعيط، لكن صوتها المرة دي كان ثابتًا.
— أنا سكت سنين علشان كنت فاكرة إن السكوت هيحمي ابني. لكن السكوت هو اللي رجّع كل حاجة من الأول.
فتحت الورقة.
كانت ورقة صغيرة، مكتوب فيها بخط يد مختلف:
«تم تسليم الطفل إلى السيدة أمينة بعد التأكد من عدم وجود اعتراض من الأب.»
سيف قرب منها.
— الأب مين؟
أمينة بصت لمراد.
— أنا عمري ما شفت اسم الأب في الورقة الأصلية. لكن في النسخة اللي كانت معايا، كان فيه توقيع تحت الجملة دي.
مدت الورقة لسيف.
كان التوقيع واضحًا رغم مرور السنين.
ناصر فؤاد.
سيف رفع عينيه ببطء.
— ناصر؟
مراد اتحرك بسرعة، وخطف الورقة من إيده.
— مستحيل!
أمينة صرخت:
— أنا شفت التوقيع بعيني يا مراد!
— ناصر ماكانش من حقه يسلّم طفل لأي حد!
— يبقى اسأل نفسك ليه كان موجود في المستشفى أصلًا!
سيف فضل باصص لهم، وكأن اسمه بقى مجرد تفصيلة صغيرة في حكاية أكبر منه بكتير.
ناصر كان موجودًا في ليلة ولادته.
ناصر كان عارف كمال.
وروح، بنت ناصر، اسمها موجود في الملف.
والرسائل كلها بتربط الماضي بحياته هو.
سيف سحب مفاتيحه من على الترابيزة.
مراد وقف قدامه.
— رايح فين؟
— لناصر.
— استنى.
سيف بص له نظرة حادة.
— لأ. المرة دي مش هستنى.
— يا سيف، ناصر ممكن يكون مخبي حاجة أخطر من اللي إحنا عارفينه.
سيف فتح الباب.
— يبقى أعرفها منه.
وقبل ما يخرج، موبايله رن.
الرقم المجهول.
رد من غير ما يتكلم.
جاءه صوت كمال الراوي:
— ما تروحش لناصر.
سيف شد على الموبايل.
— إنت مين علشان تقولي أروح فين وما أروحش فين؟
كمال قال بهدوء:
— أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يقول لك إنت مين.
سيف رد بحدة:
— لو إنت فاكر إنك هتدخل حياتي وتقول لي إنك أبويا، تبقى غلطان. أنا مش هصدق كلمة منك غير لما أعرف الحقيقة كاملة.
كمال سكت لحظة، ثم قال:
— حقك. بس قبل ما تروح لناصر، اسأل مراتك عن اللي حصل قبل جوازكم.
سيف اتجمد.
— مريم؟ إنت مالك بمراتي؟
كمال ما جاوبش مباشرة.
قال فقط:
— افتح الدرج اللي في أوضتك، تحت أوراق الجواز. هتلاقي حاجة كان المفروض تعرفها من زمان.
المكالمة اتقطعت.
سيف فضل واقف عند الباب.
مراد بص له بخوف.
— قال لك إيه؟
سيف رفع عينيه لأبوه.
— قال لي أسأل مريم.
أمينة حطت إيدها على صدرها.
لأنها فهمت قبل مراد إن كمال ماكانش بيهدد سيف بماضيه بس.
كان بيهدده بالبيت اللي بيرجع له كل يوم، وبالست اللي نايمة جنبه، وبسر ممكن يكون أقرب له من كل الأسرار اللي اكتشفها.
### الرجوع إلى بيت سيف... حيث لا أحد يقول الحقيقة كاملة
لما رجع سيف البيت، كانت الساعة قربت من الظهر.
فتح الباب بهدوء، فسمع صوت مريم بتتكلم في التليفون من جوه الأوضة.
ماكانش ناوي يتنصت، لكنه وقف لما سمع اسمه.
— أيوه يا ماما، سيف لسه ما رجعش... وأنا مش عارفة أعمل إيه معاه.
سكتت تسمع الطرف التاني، وبعدين قالت بصوت متوتر:
— ما أنا قلت لك، الموضوع بقى أكبر من الأول. هو بدأ يسأل عن ليلة ولادته، وفيه واحد رجع من زمان وبيهددهم كلهم.
سيف حس إن قلبه وقف لحظة.
قرب خطوة من باب الأوضة.
مريم كملت:
— لأ، هو لحد دلوقتي ماعرفش حاجة عن الورق. بس لو عرف، مش عارفة هيعمل إيه.
صمت.
ثم قالت جملة خلّت سيف يحس إن كل اللي حصل الصبح كان مجرد بداية:
— أنا مش هقدر أعيش طول عمري مع راجل مش عارفة إذا كان ابني هيكون ابنه فعلًا ولا لأ!
سيف دفع الباب وفتحه.
مريم شهقت، والموبايل وقع من إيدها على السرير.
— سيف!
بصلها من غير ما يتكلم.
مريم قامت بسرعة.
— إنت رجعت إمتى؟
سيف سألها بهدوء مخيف:
— كنتِ بتتكلمي عن إيه؟
مريم حاولت تبتسم.
— مفيش، كنت بكلم ماما.
— سمعت.
ملامحها اتبدلت.
— سمعت إيه؟
سيف دخل الأوضة، وقفل الباب وراه.
— سمعت إن فيه واحد رجع من زمان، وإنك عارفة إن فيه ورق ممكن يغيّر حياتي، وإنك بتتكلمي عن ابني كأنه سر لازم تخبيه عني.
مريم رجعت خطوة.
— إنت فهمت الكلام غلط.
سيف ضحك بمرارة.
— الجملة دي سمعتها النهارده أكتر من أي جملة تانية. كل واحد فيكم عنده حقيقة، وكل واحد بيقول لي إني فهمت غلط.
قرب منها.
— هسألك سؤال واحد يا مريم. إنتِ تعرفي كمال الراوي؟
وشها فقد لونه.
ما ردتش.
سيف فهم من سكوتها إنها تعرف الاسم.
— من إمتى؟
مريم بلعت ريقها.
— أنا... أنا معرفهوش شخصيًا.
— بس سمعتي عنه.
— أيوه.
— من مين؟
مريم بصت ناحية الدولاب.
سيف لاحظ الحركة.
افتكر كلام كمال عن الدرج اللي تحت أوراق الجواز.
راح ناحية التسريحة، وفتح الدرج السفلي.
مريم جريت ناحيته.
— سيف، استنى!
لكنه كان سبقها.
وسط أوراق الجواز وشهادات الميلاد والأوراق القديمة، لقى ظرفًا بنيًا صغيرًا، مكتوبًا عليه اسمه.
فتح الظرف.
كان جواه صورة قديمة له وهو طفل، وصورة تانية لمريم في سن أصغر، واقفة جنب رجل مايعرفوش.
قلب الصورة.
وعلى ظهرها جملة مكتوبة بخط واضح:
«لو سيف عرف إن جوازه من مريم كان جزءًا من الاتفاق، كل حاجة هتنهار.»
سيف رفع عينيه لمراته.
مريم كانت بتعيط.
— كنتِ عارفة؟
مريم هزت رأسها بسرعة.
— مش كل حاجة يا سيف، والله مش كل حاجة!
— إيه الاتفاق؟
— أنا ماكنتش فاهمة وقتها!
— إيه الاتفاق يا مريم؟!
صوته دوّى في الأوضة.
مريم غطت وشها بإيديها، وبعدين قالت:
— أبويا هو اللي كان بيتكلم مع عمك. أنا كنت فاكرة إنهم عايزين يجوزونا علشان إحنا قرايب، وإنهم شايفين إننا مناسبين لبعض. ماكنتش أعرف إن فيه حاجة تانية.
سيف مسك الصورة.
— والراجل اللي معاكي ده مين؟
مريم بصت للصورة، وبعدها همست:
— كمال الراوي.
سيف حس إن كل شيء حواليه بقى ضبابيًا.
— إنتِ قابلتيه؟
— مرة واحدة، قبل جوازنا بشهور. جه بيتنا، واتكلم مع أبويا. وبعد ما مشي، أبويا قال لي إن فيه أمور قديمة تخص عيلة سيف، وإن جوازنا ممكن يقفل باب مشاكل كتير.
سيف بص لها بذهول.
— يعني جوازنا كان علشان يقفل باب مشاكل؟
مريم انهارت في البكاء.
— أنا ماكنتش عارفة إن الموضوع هيوصل لكده!
سيف فضل ساكت.
كل مرة كان يفتكر إن فيه حد بيحبه بعيد عن أسرار الماضي، كان يكتشف إن الماضي وصل له قبله.
حتى جوازه.
حتى بيته.
حتى الست اللي كان فاكر إنها بتعاتبه لأنها موجوعة من تأخر الخلفة.
سيف حط الصورة على التسريحة.
— وإيه علاقة الخلفة بالاتفاق؟
مريم ما ردتش.
سيف قرب منها، لكنه ما رفعش صوته.
— مريم، أنا مش هسألك تاني.
مريم رفعت عينيها له، ودموعها على خدودها.
— كمال قال لأبويا إن لو اتجوزنا وخلفنا طفل، المشاكل القديمة هتنتهي. كان فاكر إن الطفل هيبقى ضمان إن العيلتين يفضلوا مرتبطين ببعض، وإن محدش يقدر يفتح الماضي من جديد.
سيف اتراجع خطوة.
— ضمان؟ أنا ومراتي وطفلنا ضمان لاتفاق بين ناس؟
مريم هزت رأسها وهي بتعيط.
— أنا ماكنتش موافقة على الكلام ده، والله. أنا كنت عايزاك إنت. حتى لو ماكانش فيه اتفاق، كنت هتجوزك.
سيف بص لها طويلًا.
— طب ليه كل مرة تعايريني بالخلفة؟
مريم نزلت عينيها.
— علشان كنت خايفة.
— من إيه؟
صوتها خرج مكسورًا:
— من إن كمال يكون مستني طفلنا علشان ياخده... ومن إنك لما تعرف الحقيقة تكرهني، وتكتشف إن جوازنا ماكانش زي ما إنت فاكر.
سيف حس بالغضب بيطلع جواه، لكنه المرة دي ما كانش غضب من مريم وحدها.
كان غضب من كل الناس اللي قررت عنه، ورتبت حياته، وخبت عنه، وبعدين استنت منه يعيش طبيعي.
قال لها:
— أنا مش عارف إذا كنت هقدر أسامحك على سكوتك، لكن فيه حاجة واحدة عايزك تفهميها. أنا مش هجيب طفل علشان أرضي كمال، ولا علشان أقفل باب قديم، ولا علشان أثبت لحد إني راجل.
مريم رفعت عينيها له.
— سيف...
— ولو ربنا كتب لنا طفل يومًا ما، هييجي لبيت فيه ناس بتحبه، مش لبيت معمول علشان ينفذ اتفاق.
سكت لحظة، ثم أضاف:
— ومن النهارده، مش عايز أسمع كلمة واحدة عن إن العيب فيّ أو فيكي. لو عندنا مشكلة، نواجهها سوا. إنما لو إنتِ هتفضلي تستخدمي وجعي علشان تخبي أسرارك، يبقى إحنا مشكلتنا أكبر من الخلفة.
مريم غطت وشها وبكت.
وسيف خرج من الأوضة.
لكنه ماخدش باله من حاجة واحدة.
بعد ما الباب اتقفل، مريم مسحت دموعها، وراحت ناحية الدولاب، وفتحت علبة صغيرة كانت مخبياها تحت هدومها.
جواها كان فيه تقرير طبي قديم، مطوي بعناية.
فتحته.
بصت للتاريخ المكتوب فوق، وبعدين للجملة اللي تحت.
كانت عينيها بتتحرك على الكلمات، وإيديها بترتعش.
همست لنفسها:
— يا رب... ما يكونش عرف.
وفي اللحظة دي، رن موبايلها.
نفس الرقم اللي كانت بتكلمه الصبح.
ردت بسرعة.
— أيوه؟
جاءها صوت رجل:
— هو شاف الصورة؟
مريم بصت ناحية الباب.
— أيوه.
— وقال لك إيه؟
— عرف إن فيه اتفاق، بس لسه ماعرفش كل حاجة.
صمت الرجل لحظة، ثم قال:
— والتقرير؟
مريم مسكت الورقة بقوة.
— لسه معايا.
صوته بقى أكثر حدة:
— خليه معاكي. ومهما حصل، ما توريهوش التقرير ده قبل ما نعرف الطفل اللي رجع من المستشفى كان مين.
مريم همست:
— بس أنا تعبت. سيف مش هيستحمل كل ده.
الرجل رد ببرود:
— سيف لازم يعرف الحقيقة، لكن مش دلوقتي.
وقبل ما يقفل، قال جملة واحدة:
— لأن لو عرف إن التقرير ده اتكتب قبل جوازكم، وإن نتيجته اتغيرت بعد كده، مش هيبقى عنده سبب يثق في أي حد فيكم.
المكالمة انتهت.
ومريم فضلت واقفة في مكانها، ماسكة التقرير، بينما سيف كان في الصالة، بيبص للصورة القديمة اللي مكتوب على ظهرها إن جوازه كان جزءًا من اتفاق.
وفي نفس اللحظة، وصلته رسالة جديدة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت صورة لورقة طبية قديمة، وفي أعلاها اسم مريم.
وتحت الاسم، مكتوب:
«النتيجة الأصلية: لا توجد مشكلة تمنع الإنجاب.»
سيف اتجمد.
لأن مريم قضت شهورًا تعايره إنه لا يستطيع الإنجاب، بينما الورقة اللي قدامه بتقول إن الكلام ده ماكانش صحيحًا من البداية.
لكن الرسالة ما انتهتش هنا.
تحت الورقة، كانت فيه جملة مكتوبة بخط أسود:
«اسأل مراتك مين اللي طلب تغيير التقرير... واسألها ليه كانت عايزة تقنعك إنك إنت السبب.»
سيف رفع رأسه ناحية أوضة النوم.
ولأول مرة، ما حسش إنه راجل بيواجه سرًا من الماضي.
حس إنه عايش وسط ناس بتخبي عنه حقيقة حاضرة، كل يوم، في بيته.
### قبل ما الليل يقفل أبوابه...
في بيت ناصر، كانت روح لسه ماسكة رسالة أمها، وناصر قاعد قدامها عاجز عن الكلام.
كمال وقف عند الباب، وكأنه قرر إنه قال ما يكفي لليوم.
روح نادته قبل ما يخرج:
— استنى.
لف لها.
— إنت قلت إنك رجعت علشان ابنك. لو سيف مش ابنك، يبقى ابنك مين؟
كمال بص لها طويلًا.
— ده السؤال اللي لازم تسأليه لأبوكي.
روح لفت ناحية ناصر.
— بابا؟
ناصر رفع عينيه، لكن ملامحه كانت بتقول إنه وصل لنقطة ما بقاش قادر يرجع منها.
قال بصوت منخفض:
— الطفل اللي اختفى من المستشفى... ماكانش طفل كمال وحده.
روح عقدت حواجبها.
— يعني إيه؟
ناصر مسح وشه بإيده.
— ليلة ولادتك، كان فيه طفلين اتولدوا، وطفل ثالث اتسجل في أوراق المستشفى من غير ما يكون موجود في المكان اللي قالوا عليه.
كمال رجع خطوتين لجوه.
— ناصر، إنت وعدتني إنك مش هتتكلم عن الطفل الثالث.
ناصر ضحك بمرارة.
— وأنا وعدت ناس كتير بحاجات ماكانش من حقي أوعد بيها.
روح حست إن قلبها بيدق بعنف.
— طفل ثالث؟!
ناصر بص لها، وقال:
— أيوه يا روح. طفل ثالث.
وبعدين أشار للرسالة اللي في إيدها.
— والسبب الحقيقي اللي خلاني أخبي عنك طفولتك... إن الطفل ده كان مرتبط بيكي من قبل ما تعرفي معنى كلمة حياة.
روح ماقدرتش ترد.
كمال قرب من ناصر، وقال بلهجة حادة:
— لو قلت اسم الطفل، إنت عارف إيه اللي هيحصل.
ناصر رفع عينيه له.
— أنا عارف اللي هيحصل لو فضلت ساكت أكتر من كده.
ثم التفت إلى روح.
فتح بُقه علشان ينطق الاسم.
لكن قبل ما يقدر يقول حرفًا واحدًا، انطفأت أنوار الشقة فجأة.
روح صرخت من المفاجأة.
وسمعت صوت ارتطام قوي عند الباب.
بعدها، صوت خطوات سريعة، ثم صوت رجل بيقول من آخر الممر:
— محدش يتحرك!
ناصر اندفع ناحية روح، وكمال تحرك في الاتجاه المعاكس.
لكن صوتًا ثالثًا سبقهم جميعًا.
صوت مألوف لروح، وصوت كانت بتسمعه في كل مرة تتعرض فيها لمشكلة.
صوت سيف.
— روح! إنتِ فين؟!
روح ردت من وسط الظلام:
— سيف! أنا هنا!
وفي اللحظة اللي ظهر فيها ضوء الموبايل عند مدخل الصالة، شافت سيف واقف قدام الباب، وورا كتفه رجل غريب ماسك ملفًا أسود.
سيف بص لروح، ثم لناصر، ثم لكمال.
لكن عينيه وقفت عند الملف.
لأنه كان نفس الملف اللي شافه قبل كده، وعليه نفس الختم القديم.
كمال مد إيده ناحية الملف، وقال بصوت متوتر لأول مرة:
— إنت جبت ده منين؟
الرجل الغريب ابتسم.
— من المكان اللي كنت فاكر إن محدش هيقدر يوصله.
وبعدين فتح الملف، وطلع منه شهادة ميلاد قديمة.
حطها قدام سيف.
سيف قرب منها ببطء.
الاسم المكتوب في خانة الطفل كان واضحًا.
سيف مراد الجوهري.
لكن في خانة اسم الأب، ماكانش مكتوب اسم مراد.
ولا اسم كمال.
كان مكتوب اسم شخص تالت.
شخص سيف يعرفه.
شخص كان واقف قدامه في نفس اللحظة.
رفع سيف عينيه عن الشهادة، وبص إلى ناصر.
ناصر رجع خطوة لورا، وملامحه انهارت.
وروح همست:
— بابا... إنت عملت إيه؟
ناصر ما ردش.
لأن سيف كان قد رفع الشهادة قدام الجميع، وقال بصوت هزّ الصمت:
— أنا ابني مين فيكم؟!
وفي اللحظة نفسها، موبايل كمال رن.
بص للشاشة، واتبدل لون وشه.
الاسم اللي ظهر على الشاشة كان اسم شخص المفروض إنه مات من سنين.
كمال رد، لكن الصوت اللي جه من الطرف التاني كان مسموعًا للجميع:
— كفاية لعب يا كمال. الولد عرف اسمه الحقيقي... وفاضل له يعرف مين اللي بدّل الطفلين ليلة الولادة.
ثم سكت الصوت لحظة، قبل ما يضيف:
— وقبل ما تعرفوا الحقيقة، لازم تعرفوا إن الطفل اللي بتدوروا عليه طول السنين دي... مات من زمان. واللي عايش وسطكم مش هو.
انقطع الاتصال.
سيف بص للشهادة مرة أخيرة.
ثم رفع عينيه إلى ناصر، الذي لم يعد قادرًا على الوقوف بثبات.
أما روح، فكانت تنظر إلى سيف وكأنها تخشى أن تكون الحقيقة القادمة أكبر من قدرتهما على تحمّلها.
يتبع...
الطفل اللي عاش باسم غيره... اللي هيحوّل أقرب الناس لأعداء.