رواية الملاكم الفصل السابع 7 بقلم سهر احمد


رواية الملاكم الفصل السابع 7 بقلم سهر احمد



 🥊🔥: الطفل اللي عاش باسم غيره... والسر اللي هيحوّل أقرب الناس لأعداء

سيف كان لسه واقف في نص الصالة، ماسك شهادة الميلاد بإيد، وبالإيد التانية بيحاول يستوعب إن الاسم اللي عاش بيه عمره كله ممكن يكون مجرد جزء من حكاية حد تاني كتبها له.

الشهادة قديمة، أطرافها مصفرة، والختم اللي عليها باهت من الزمن، لكن اسم الأب كان واضحًا بما يكفي إنه يقلب حياة كل الموجودين في لحظة واحدة.

ناصر فؤاد.

سيف رفع عينيه عن الورقة وبص لناصر، اللي كان واقف قدام بنته، عاجز حتى إنه يرفع عينه في عينيها.

— اتكلم يا ناصر.

صوته كان هادي، لكن الهدوء المرة دي ماكانش هدوء واحد بيحاول يفهم، ده كان هدوء واحد وصل لآخر حدود صبره.

ناصر بلع ريقه، وبص ناحية روح، كأنه بيدور على أي كلمة تنقذه من النظرة اللي في عينيها.

— يا سيف، الورقة دي مش دليل على اللي إنت فاهمه.

سيف ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي فرحة.

— أمال دليل على إيه؟ شهادة ميلادي مكتوب فيها اسمك، ومراد طول عمره بيقول إنه أبويا، وكمال داخل يقول إنه بيدور على ابنه، ودلوقتي فيه واحد بيقول إن الطفل اللي عايش وسطنا مش هو الطفل اللي اتولد في الليلة دي!

رفع الشهادة قدام ناصر.

— أنا عايز إجابة واحدة من غير لف ودوران. إنت أبويا؟

ناصر فتح بقه، لكن صوته ماطلعش.

روح قربت منه، وعينيها بتلمع بالدموع.

— بابا... رد عليه.

ناصر بص لها، وكأن طلبها وجعه أكتر من اتهام سيف.

— روح، الموضوع أكبر من اللي إنتِ متخيلاه.

هزت راسها وهي بترجع خطوة.

— كل ما أسألك عن حاجة تخص حياتي تقولي الموضوع أكبر مني! طب إمتى هييجي الوقت اللي أبقى فيه كبيرة كفاية علشان أعرف أنا مين؟ إنتوا مخبيين عني أمي، ومخبيين عني ليلة ولادتي، ودلوقتي بتقولوا إن فيه طفل تالت! هو أنا عايشة في بيت أبويا، ولا في بيت مليان ناس كل واحد فيهم حافظ سر ومستني اللحظة المناسبة علشان يدفنه تاني؟

ناصر حاول يقرب منها، لكنها رفعت إيدها تمنعه.

الحركة الصغيرة دي خلته يقف مكانه.

أما كمال، فكان مركز عينيه على شهادة الميلاد، وملامحه اتبدلت تمامًا من وقت ما شاف اسم ناصر.

— مين اللي جاب الورقة دي؟!

الرجل الغريب اللي واقف عند الباب ابتسم ابتسامة باردة، وقفل الملف الأسود.

— مش مهم مين جابها. المهم إنكم أخيرًا بقيتوا واقفين قدام الحقيقة.

كمال اتحرك ناحيته.

— أنا سألتك سؤال!

الرجل ما رجعش خطوة، ولا حتى بان عليه الخوف.

— وأنا مش مضطر أجاوبك. إنت بالذات آخر واحد من حقه يسأل عن الحقيقة، بعد كل السنين اللي فضلت فيها مستخبي ورا خبر موتك.

سيف رفع عينيه بسرعة.

— إنت تعرفه؟

الرجل بص لسيف.

— أعرفه من قبل ما أبوك يعرفك.

الجملة نزلت على سيف كأن حد ضربه في مكان كان لسه بيلم جروحه منه.

— أبويا مين فيهم؟!

المرة دي صرخ.

الصوت ارتد في الصالة، وروح غمضت عينيها من شدته، بينما ناصر حط إيده على وشه.

لكن الرجل الغريب ما اهتمش بانفعال سيف، وفضل باصص له بثبات.

— إنت عايز تعرف أبوك مين، وأنا مش همنعك من حقك. بس لازم تفهم إن الورقة اللي في إيدك مش هتقول لك مين اللي ربّاك، ولا مين اللي اختارك، ولا مين اللي كان مستعد يضحي بكل حاجة علشان تفضل عايش.

سيف قرب منه.

— إنت بتتكلم كأنك كنت موجود في كل حاجة!

— كنت موجود.

— يبقى قول اسمك الأول!

سكت الرجل لحظة، وبعدين مد إيده ناحية جيب جاكيته، وطلع صورة صغيرة.

كانت صورة قديمة لثلاثة رجال قدام مبنى المستشفى نفسه.

مراد، وناصر، وكمال.

لكن الرجل اللي واقف جنبهم في الصورة ماكانش كمال، ولا مراد، ولا ناصر.

كان هو.

سيف خطف الصورة من إيده، وبص فيها.

— إنت كنت معاهم ليلة ولادتي؟

الرجل رد بهدوء:

— أنا كنت معاهم قبل ليلة ولادتك بسنين.

كمال اتقدم خطوة، والغضب بدأ يظهر على وشه.

— إنت مالكش حق تظهر دلوقتي، بعد كل اللي عملته!

الرجل لف له.

— وأنا ماكنتش هظهر لو كنتوا خلصتوا اللي اتفقتوا عليه.

— إحنا ما اتفقناش على اللي إنت بتقوله!

— لأ يا كمال، إنتوا اتفقتوا على حاجة واحدة بس... إن الطفل يفضل بعيد عني. وكل واحد فيكم اختار الطريقة اللي تناسبه علشان ينفذ الاتفاق.

روح كانت بتبص لهم واحدًا واحدًا، وحست إنها مش بس بتسمع حكاية قديمة، دي بتشوف بعينيها ناس كانت بتقرر مصيرها ومصير سيف وهما لسه مايعرفوش حتى معنى الخوف.

قالت بصوت مرتعش:

— هو مين الطفل اللي كنتوا عايزين تبعدوه عنه؟

الرجل بص لها، ونظراته لانت للحظة.

— مش كل طفل اتولد في الليلة دي كان مطلوب منه يعيش بالحياة اللي اتكتبت له.

روح هزت راسها بعصبية.

— أنا مش عايزة كلام مبهم! أنا عايزة أعرف أمي كانت مين، وإيه علاقتها بكل ده، وليه اسمي موجود في ملف المستشفى!

ناصر رفع رأسه بسرعة.

— اسمك موجود في الملف علشان كنتِ هناك.

روح بصت له بصدمة.

— أنا كنت طفلة!

— عارف.

— كنت طفلة يا بابا! يعني إيه كنت هناك؟ مين أخدني؟ ومين رجعني؟ وإنت كنت بتعمل إيه في المستشفى أصلًا؟

ناصر حاول يتكلم، لكن الرجل الغريب سبقه:

— أبوكي كان بيحاول يمنع إن طفل يختفي للأبد، لكنه في نفس الوقت كان بيحمي سر تاني.

ناصر صرخ فيه:

— اخرس!

الرجل ما سكتش.

— سر يخص بنتك نفسها.

روح رجعت لورا، وعيونها انتقلت بين الرجل وأبوها.

— يخصني أنا إزاي؟

ناصر قرب منها بسرعة.

— روح، بصي لي. مهما سمعتي، مهما قالوا، إنتِ بنتي، وأنا اللي ربيتك، وأنا اللي كنت معاكي في كل خطوة من حياتك.

دموعها نزلت.

— أنا عارفة إنك ربيتني. أنا عمري ما أنكرت ده. بس أنا مش بسأل مين كان بيجيب لي أكل وأنا صغيرة، ولا مين كان بياخدني المدرسة. أنا بسأل ليه كل ما أفتح باب من حياتي ألاقيك واقف قدامه ومعاك مفتاحه، ورافض تفتحهولي!

ناصر ما عرفش يرد.

وسيف، اللي كان متابع المشهد كله، بص للشهادة مرة تانية.

اسم ناصر كان واضحًا في خانة الأب، لكن الشهادة ماكانتش مختومة بالختم الرسمي اللي يعرفه. فيه توقيع إضافي أسفل الورقة، وتاريخ مكتوب بقلم مختلف عن باقي البيانات.

رفعها ناحية الرجل.

— الورقة دي أصلية؟

الرجل بص لها.

— أصلها من ملف قديم، لكن اللي قدامك مش النسخة الوحيدة.

— يعني إيه؟

— يعني فيه شهادة تانية، بنفس اسم الطفل، لكن باسم أب مختلف.

سيف حس إن الأرض بتتحرك من تحته.

— ومين معاه الشهادة التانية؟

الرجل بص ناحية كمال.

كمال شد فكه، لكنه ما ردش.

الرجل كمل:

— الشخص اللي معاه الشهادة التانية هو الوحيد اللي يقدر يثبت مين الطفل اللي خرج من المستشفى، ومين الطفل اللي اتسجل إنه اختفى.

سيف بص لكمال.

— إنت معاك الشهادة دي؟

كمال فضل ساكت.

سيف قرب منه، وصوته بقى أخفض.

— أنا تعبت من السكوت. لو إنت فعلًا رجعت علشان تعرف ابنك، يبقى قول لي. إنت بتدور عليّ أنا، ولا بتدور على طفل تاني عايز ترجعه من الموت؟

كمال بص له نظرة طويلة.

— أنا بدور على ابني اللي اتاخد مني.

— وده أنا؟

كمال فتح بقه، لكنه ماقدرش ينطق بالإجابة.

ولأول مرة، سيف شاف الخوف الحقيقي في عينيه.

مش خوف من انكشاف سر.

خوف من إن الحقيقة اللي عاش عمره كله بيجري وراها تكون مختلفة عن كل اللي صدقه.

في اللحظة دي، صوت باب العمارة اتسمع من بره، وبعده خطوات سريعة على السلم.

ناصر لف ناحية الباب.

— مين كمان جاي دلوقتي؟

ماحدش رد.

الخطوات قربت، لحد ما ظهر مراد عند مدخل الشقة، ووشه متغير من القلق، وأمينة وراه بتنهج من طلوع السلم.

مراد أول ما شاف الرجل الغريب، وقف مكانه.

الرجل ابتسم.

— اتأخرت يا مراد.

مراد بص له بحدة.

— كنت أتمنى ما أشوفكش تاني.

— وأنا كنت أتمنى إنك تكون حافظ وعدك.

مراد قرب من سيف، وبص للشهادة اللي في إيده، وبعدها رفع عينيه لناصر.

— إنت عملت إيه؟

ناصر رد بتعب:

— أنا ماعملتش حاجة النهارده. اللي حصل كان من سنين، وإحنا كلنا كنا فاكرين إننا بنحمي الأطفال.

مراد ضرب كفه في كف التانية.

— حماية إيه؟! إنت شايف اللي حصل في الولد؟ شايف إنه واقف مش عارف ينادي مين أبوه؟!

أمينة دخلت بينهم، وعينيها على سيف.

— كفاية بقى. كل واحد فيكم بيقول إنه كان بيحميه، لكن محدش فيكم سأله إذا كان عايز الحماية دي أصلًا!

سيف بص لأمه، وحس إن كلامها لمس أكتر نقطة موجعاه.

هو فعلًا ما اختارش أي حاجة من اللي حصلت له.

لا اسمه، ولا الأسرار اللي حواليه، ولا حتى الناس اللي قررت إنه لازم يفضل بعيد عن الحقيقة.

مراد مد إيده ناحية الشهادة.

— اديني الورقة يا سيف.

سيف رجع إيده لورا.

— لأ.

— يا ابني، لازم أفهمك...

— إنت كان عندك سنين علشان تفهمني، يا بابا. دلوقتي أنا اللي هسأل، وإنتوا اللي هتجاوبوا.

مراد اتوجع من كلمة «يا بابا» أكتر مما اتوجع لو سيف رفض يناديه بيها.

لكن سيف كمل:

— أنا مش هحكم عليك من ورقة، ولا هنسى إنك اللي ربيتني ووقفت جنبي. بس مش هسمح لحد يستخدم حبي ليه علشان يخليني أسكت عن حقي.

أمينة مسكت إيده.

— حقك تعرف يا حبيبي.

سيف بص لها.

— يبقى ساعديني أعرف.

أمينة كانت هتتكلم، لكن مراد سبقها.

— فيه حاجة لازم تشوفها.

كل الموجودين بصوا له.

مراد مد إيده لجيب قميصه، وطلع صورة صغيرة كان محتفظ بيها.

صورة لطفلين حديثي الولادة، جنب بعض في سرير المستشفى.

واحد منهم كان لابس سوارًا مكتوبًا عليه «سيف مراد الجوهري»، والتاني كان سوارُه مقلوبًا ناحية التصوير، لكن في طرفه ظهر حرفان واضحان.

«ن. ف.»

سيف بص للصورة، وبعدها بص لناصر.

ناصر رجع خطوة لورا.

روح همست:

— بابا... الحروف دي اسمك؟

ناصر ما ردش.

مراد قال بصوت متعب:

— الصورة دي اتصورت قبل ما الطفلين يخرجوا من المستشفى بساعات. وكنت فاكر إن الطفل اللي معاه السوار ده هو اللي رجع معايا البيت.

سيف رفع عينيه.

— وكنت فاكر إيه عن الطفل التاني؟

مراد سكت لحظة.

— إن كمال أخده.

كمال صرخ:

— أنا ماخدتش أي طفل!

الصوت كان قوي لدرجة إن أمينة شهقت.

كمال بص لمراد، والغضب في عينيه اتبدل بوجع قديم.

— أنا دخلت المستشفى علشان أشوف ابني، وخرجت من غيره. ولما رجعت أسأل، قالوا لي إنه مات. وبعدها اكتشفت إن الأوراق اتغيرت، وإن كل واحد فيكم عنده رواية مختلفة!

سيف قرب منه.

— طيب ليه ما دورتش عليّ من الأول؟

كمال بص له، وصوته انكسر لأول مرة.

— دورت. سنين وأنا بدور. لكن كل باب كنت بخبط عليه كان بيتقفل في وشي، وكل شخص كان يقول لي إن ابني مات أو إن مفيش طفل باسمي. ولما بدأت أوصل لخيط، ظهر خبر موتي أنا قبل ما أوصل للحقيقة.

سيف سكت.

كان جزء منه عايز يصدق الرجل، وجزء تاني خايف يصدق أي حد بعد كل اللي سمعه.

لكن قبل ما يسأله سؤالًا جديدًا، الرجل الغريب اتكلم:

— كفاية. إنتوا بتعيدوا نفس الكلام من سنين، وكل واحد مستني التاني يعترف. الحقيقة مش هتطلع من ذكرياتكم، الحقيقة هتطلع من الورقة اللي اتخبّت في ملف روح.

روح اتجمدت.

— ملفي أنا؟

الرجل أومأ.

— أمك سابت نسخة من شهادة الميلاد التانية، ومعاها رسالة. وكانت متأكدة إنك هتوصلي لها يومًا ما.

ناصر بص له بحدة.

— إنت قلت إن الورق ده اتحرق!

الرجل ابتسم ابتسامة حزينة.

— قلت لك إن النسخة اللي عندك اتحرقت. ما قلتش إن كل النسخ اتحرقت.

روح بصت لأبوها.

— إنت كنت عارف إن أمي سابت لي ورق؟

ناصر غمض عينيه.

— أيوه.

— وخبيته عني؟

— كنت خايف...

روح قاطعته، وصوتها اتكسر:

— أنا مش عايزة أسمع الكلمة دي تاني!

سكتت الصالة كلها.

روح أخدت نفسًا عميقًا، ومسحت دموعها، وبعدها بصت لسيف.

كان واقفًا على بعد خطوات منها، لكنه بدا أبعد من أي وقت فات.

قالت له بصوت هادي:

— سيف، أنا مش عارفة إيه اللي حصل بين أهلك وأبويا، ولا إيه علاقتي بالطفل اللي اختفى. بس لو اكتشفت إن فيه حاجة تخصني وبتأذيك، أنا مش ههرب منها.

سيف بص لها، ولأول مرة من بداية الليلة حس إنه مش لوحده تمامًا.

— وأنا مش هسمح لحد يحمّلك ذنب حاجة إنتِ ما اخترتيهاش.

كمال تابعهم بصمت، بينما الرجل الغريب رجع ناحية الباب.

مراد ناداه:

— استنى! إنت لسه ما قلتش اسمك.

الرجل وقف، لكنه ما لفش.

— اسمي مش هو اللي هيهمكم دلوقتي.

— أمال إيه اللي هيهمنا؟

الرجل لف ببطء، وبص لسيف مباشرة.

— اللي هيهمك إن الشخص اللي إنت بتسميه أبوك من النهارده... مش هو الشخص اللي كان المفروض يخرج بيك من المستشفى.

وبعدها حط إيده في جيبه، وطلع مفتاحًا صغيرًا، عليه نفس الحرف الموجود على الميدالية القديمة.

حرف «س».

رماه ناحية سيف.

سيف لحقه قبل ما يقع على الأرض.

الرجل قال:

— المفتاح ده هيفتح صندوقًا موجودًا في مركز النصر القديم. أبوك الحقيقي خبّى فيه آخر دليل، قبل ما يختفي.

مراد صرخ:

— كداب!

الرجل بص له نظرة طويلة.

— لو كنت كداب، ماكنتش خفت من المفتاح بالشكل ده.

وبعدها خرج، وساب الباب مفتوحًا وراه.

ماحدش اتحرك.

حتى سيف، اللي كان طول الوقت بيطالب بإجابات، فضل باصص للمفتاح اللي في كفه.

مركز النصر.

المكان اللي كبر فيه، واتعلم فيه يقف بعد كل ضربة، واتعلم فيه إن الخصم الحقيقي مش دايمًا اللي واقف قدامك.

رفع عينيه لمراد.

— إنت عارف الصندوق ده؟

مراد ما ردش.

لكن وشه كان كفاية.

سيف قرب منه، وقال ببطء:

— إنت عارفه... وعارف اللي جواه.

مراد أخيرًا رفع عينيه، وقال بصوت خافت:

— كنت فاكر إن المفتاح ده ضاع.

سيف شد قبضته عليه.

— يبقى بكرة الصبح هنروح مركز النصر.

مراد هز رأسه بسرعة.

— لأ يا سيف. مش لوحدك.

سيف رد من غير تردد:

— المرة دي، محدش هيروح بدالي، ومحدش هيقرر عني.

وبص ناحية روح، اللي كانت واقفة جنب أبوها، ملامحها مليانة خوف وأسئلة.

— ولو الحقيقة تخصنا إحنا الاتنين، يبقى لازم نعرفها سوا.

روح أومأت، لكن قبل ما ترد، موبايلها اهتز في إيدها.

رسالة من رقم غير مسجل.

فتحتها، فظهر قدامها تسجيل صوتي قصير.

ضغطت عليه.

خرج صوت امرأة، ضعيف ومتقطع، لكنه كان مألوفًا بشكل خلّى روح تتراجع خطوة.

— يا روح... لو إنتِ بتسمعي صوتي، يبقى أنا ما قدرتش أرجع لك. سامحيني يا بنتي، أنا ماكنتش أعرف إنهم هيخلّوا سيف يعيش باسم طفل تاني...

روح شهقت، وحطت إيدها على بُقها.

سيف بص لها.

— مين دي؟

روح رفعت عينيها إليه، والدموع نازلة على خدودها.

— دي... دي أمي.

التسجيل كمل، وصوت الأم بقى أكثر وضوحًا:

— يا روح، اسمعيني كويس. الطفل اللي خرج من المستشفى مع مراد مش هو الطفل اللي كنت فاكرة إني سلّمته له. والطفل اللي كمال بيدور عليه مش هو الشخص اللي لازم تخافي عليه...

سكت التسجيل لحظة، وظهر صوت حركة بعيدة، كأن المرأة كانت بتتكلم وهي خايفة حد يسمعها.

ثم قالت جملة أخيرة:

— اللي لازم تخافي عليه يا روح... هو سيف نفسه، لأن أبوه الحقيقي لسه عايش، وهو أقرب واحد ليه دلوقتي.

انتهى التسجيل.

روح رفعت رأسها ببطء، وبصت لمراد، ثم لناصر، ثم لكمال.

لكن عينيها وقفت أخيرًا عند سيف.

سيف كان واقفًا قدامها، والمفتاح القديم في إيده، ووشه خالي من أي تعبير.

لأنه فهم إن الرحلة اللي بدأها علشان يعرف أبوه، ممكن تنتهي باكتشاف إن الشخص اللي ربّاه، والشخص اللي بيدور عليه، والشخص اللي بيحاول يحميه...

مش بالضرورة يكونوا ثلاثة أشخاص مختلفين.

وفي اللحظة دي، وصل لسيف اتصال من رقم والده مراد.

لكن مراد كان واقفًا قدامه، وموبايله في إيده، والشاشة بتقول إن المتصل هو:

«أبي الحقيقي».

سيف رفع عينيه ناحية مراد.

ومراد، لأول مرة في حياته، ما قدرش ينطق بكلمة واحدة.

يتبع...

 الصندوق اللي اتقفل من عشرين سنة... والاسم اللي هينهي كل الأكاذيب.


                     الفصل الثامن من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة