
رواية الملاكم الفصل الثامن 8 بقلم سهر احمد
🥊🔥 الصندوق اللي اتقفل من عشرين سنة... والاسم اللي هينهي كل الأكاذيب
فيه لحظات في حياة الإنسان، بيبقى فيها محتاج يسمع كلمة واحدة بس علشان يفهم عمره كله كان كدبة ولا حقيقة.
وسيف مراد الجوهري، اللي طول عمره اتعلم يواجه خصومه بعينه الثابتة وإيده اللي عمرها ما اترعشت قدام حد في الحلبة، كان واقف دلوقتي عاجز حتى إنه ياخد نفس طبيعي.
الموبايل في إيد مراد.
والاسم اللي ظاهر على الشاشة كان كفيل إنه يهدّ آخر حتة أمان جواه.
«أبي الحقيقي».
سيف بص لمراد، وبعدين بص للموبايل، ورجع بصله تاني.
— إيه الاسم ده يا مراد؟
مراد بلع ريقه، وإيده اللي ماسكة التليفون بدأت ترتعش.
— سيف... اسمعني.
— لأ، المرة دي إنت اللي هتسمعني! أنا سألتك قبل كده، وقلتلي إنك أبوي، وإنك إنت اللي ربيتني، وإن مفيش حد له حق يسألني أنا ابن مين غيرك. دلوقتي موبايلك بيرن باسم أبويا الحقيقي، وإنت واقف قدامي مش عارف تنطق! عايزني أفهم إيه؟
ناصر كان واقف في آخر الصالة، وشه شاحب، وعينه معلقة بالشهادة القديمة اللي سيف لسه ماسكها.
روح قربت منه بخطوة.
— بابا... إنت تعرف مين اللي بيتصل؟
ناصر ما ردش.
— بابا، رد عليّا!
رفع عينه لبنته، لكن نظرته كانت غريبة، كأنه بيبصلها للمرة الأولى، أو كأنه شايف ورا ملامحها حكاية حاول يدفنها سنين.
قال بصوت مخنوق:
— فيه حاجات يا روح، لو اتقالت دلوقتي... مش هيفضل بعدها بيت واحد زي ما كان.
سيف ضحك ضحكة قصيرة، مافيهاش أي فرحة.
— البيت؟ إنتوا لسه بتتكلموا عن البيوت؟ أنا اللي بيتي كله وقع فوق دماغي! أنا اللي اكتشفت إن اسمي وأبويا وميلادي كلهم بقوا علامات استفهام!
وفجأة، الموبايل وقف رنين.
مراد بص للشاشة كأنه اتمنى المكالمة تنتهي قبل ما يضطر يواجه الصوت اللي وراها.
لكن بعد ثواني، وصلت رسالة.
رقم مجهول.
فتحها مراد، وقرا أول سطر، فملامحه اتبدلت تمامًا.
سيف خطف الموبايل من إيده.
الرسالة كانت قصيرة:
«لو عايز تعرف مين أبوك، افتح الصندوق اللي تحت البلاطة الأخيرة في أوضة المخزن. بس قبل ما تفتحه، اسأل ناصر ليه وقّع على تسليم طفل، وهو عارف إن الطفل ده مش ابنه.»
سيف رفع عينه ببطء ناحية ناصر.
— طفل مش ابنه؟
روح حطت إيدها على بقها.
— هو فيه طفل تاني يا بابا؟
ناصر حاول يتكلم، لكن مراد سبقه.
— محدش هيروح المخزن!
سيف لف ناحيته.
— ليه؟ خايف نلاقي إيه؟
— بقولك محدش هيروح!
— وإنت مين علشان تمنعني؟ أبويا؟ ولا الراجل اللي خدني من المستشفى وهو عارف إن فيه حد تاني كان المفروض ياخدني؟
الكلمة نزلت على مراد كأنها ضربة في صدره.
فضل باصص لسيف، وبعد لحظات قال بصوت مكسور:
— أنا أخدتك علشان أحميك.
سيف قرب منه.
— من مين؟
مراد فتح بقه، وبعدين سكت.
سيف هز راسه بألم.
— أهو ده اللي إنتوا بتعملوه طول عمري. كل ما أسألكم عن الحقيقة، تقولوا إنكم بتحموني. طب مين هيحميني منكم إنتوا؟
واستدار ناحية باب المخزن.
ناصر حاول يعترض، لكن روح وقفت قدامه.
— كفاية يا بابا. لو فيه سر مستخبي من يوم ما اتولدت، يبقى من حقي أعرفه أنا كمان.
ناصر بص لبنته طويلًا.
— إنتِ مش فاهمة اللي بتطلبيه.
— أمال أفهم إزاي؟ من ورقة؟ ولا من مكالمة بتقول إن الطفل اللي بيدوروا عليه مات؟ ولا من شهادة ميلاد مكتوب فيها اسم سيف وتحتها اسمك إنت؟
ناصر ما قدرش يرد.
وسيف فتح باب المخزن.
المخزن كان ضيق، ريحته تراب وخشب قديم، وفي آخره دولاب حديد صدئ، ورفوف عليها صناديق متكومة من سنين.
دخل مراد ورا سيف، وناصر وروح بعدهم، بينما الرجل الغريب صاحب الملف الأسود وقف عند الباب، مراقبهم في صمت.
سيف لف ناحيته.
— وإنت كمان هتفضل واقف تتفرج؟ إنت جيت بالشهادة دي منين؟
الرجل رد بهدوء:
— من مكان كان المفروض يتقفل من عشرين سنة.
— اسمك إيه؟
— الاسم مش هيفرق دلوقتي.
— بالنسبالي هيفرق! أنا مش هسمح لحد تاني يدخل حياتي ويطلع منها وهو مخبي نص الحكاية!
الرجل بصله بثبات.
— لما تفتح الصندوق، هتعرف ليه كل واحد فينا كان خايف يقول اسمه.
ثم أشار إلى أرضية المخزن.
— البلاطة الأخيرة، جنب الحيطة.
مراد غمض عينيه للحظة.
كان عارف المكان.
وكان عارف إن اليوم اللي خاف منه سنين وصل أخيرًا.
سيف نزل على ركبته، وبدأ يزيح التراب عن البلاطات. وبعد محاولات، لاحظ إن واحدة منها مختلفة عن الباقي. استعان بقطعة حديد قديمة، ورفعها بصعوبة.
ظهر تجويف صغير تحته.
وفي داخله صندوق خشبي أسود، مربوط بقفل نحاسي.
روح قربت منه وهي بتهمس:
— الصندوق ده بقاله قد إيه هنا؟
مراد رد من غير ما يبصلها:
— من ليلة ولادة سيف.
سيف رفع راسه بسرعة.
— إنت كنت عارف مكانه طول السنين دي؟
مراد ما جاوبش.
— يا مراد!
— أيوه... كنت عارف.
سيف وقف، والصندوق بين إيديه.
— يعني كل مرة كنت بتبص في عيني وتقول لي إنك ما بتخبيش عني حاجة، كنت عارف إن الصندوق ده موجود؟
مراد قال بحزن:
— كنت فاكر إن قفله هو الطريقة الوحيدة اللي هتخليك تعيش.
— وأنا مش عايز أعيش بالطريقة اللي إنت اخترتها ليا!
حط سيف الصندوق على ترابيزة قديمة، وبدأ يحاول يفتح القفل. الرجل الغريب مد إيده وأخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
مراد اتراجع خطوة.
— المفتاح ده معاك منين؟
الرجل قال:
— أمينة ادتهولي قبل ما تختفي الورقة اللي كانت بتثبت إن الطفل اتسلّم لحد غير أهله.
اسم أمينة خلّى سيف يرفع عينه.
— أمي كانت تعرفك؟
— كانت تعرف إني لو وصلت للصندوق، يبقى كل محاولات إخفاء الحقيقة فشلت.
أدخل المفتاح في القفل.
صوت طقطقة صغيرة قطع الصمت.
وانفتح الصندوق.
في البداية، ما لقوش دهب ولا فلوس ولا أي حاجة تدل على سرقة أو ميراث.
كان جواه ملف طبي قديم، وصورة باهتة لثلاثة رجال واقفين قدام مستشفى، ومجموعة أوراق متربطة بشريط أبيض، وقطعتين صغيرتين من أساور المواليد.
لكن سيف اتجمد قدام أول ورقة.
كانت ورقة تسجيل ولادة، مكتوب فيها تاريخ الليلة اللي اتولد فيها.
وتحت التاريخ، كان فيه اسمين:
الطفل الأول: سيف مراد الجوهري.
الطفل الثاني: الاسم محجوب بقرار إداري.
أما في خانة الملاحظات، فكان فيه سطر مكتوب بخط اليد:
«تم نقل أحد المولودين إلى غرفة أخرى قبل استكمال إجراءات التسليم، بناءً على طلب شخص من داخل المستشفى.»
روح حطت إيدها على الورقة.
— يعني فيه حد من المستشفى بدّل مكان طفل؟
الرجل الغريب رد:
— دي أول حاجة لازم تعرفوها. لكن مش أخطر حاجة.
سيف قلب الورقة، فظهر توقيع قديم.
ناصر فؤاد.
سيف رفع عينه لأبو روح.
— إنت كنت بتشتغل في المستشفى؟
ناصر هز راسه بالنفي.
— لأ.
— أمال إيه اللي يخليك تمضي على ورقة زي دي؟
ناصر قرب من الصندوق، ومد إيده ناحية الورقة، لكن سيف سحبها بعيد عنه.
— ما تلمسهاش! كل ما إيدك تقرب من ورقة، ألاقي فيها مصيبة جديدة!
ناصر قال بصعوبة:
— أنا ما كنتش عارف إن الطفل اللي اتكتب اسمه في الورقة هو الطفل اللي خرج فعلًا.
— يعني مضيت من غير ما تعرف؟
— مضيت علشان كنت فاكر إني بعمل الصح.
سيف بصله بصدمة.
— الصح لمين؟ ليا؟ ولا لروح؟ ولا للطفل اللي بتقولوا إنه مات؟
ناصر نزل عينه.
وللمرة الأولى، اتكلم عن الليلة دي من غير ما يحاول يغيّر الموضوع.
— ليلة الولادة، المستشفى كانت مقلوبة. حصلت مشكلة في السجلات، وأكتر من طفل اتنقل من مكانه. كمال كان بيدور على ابنه، ومراد كان خايف على الطفل اللي معاه، وأنا كنت بحاول أمنع مصيبة أكبر تحصل.
— مصيبة أكبر من إن طفل يعيش باسم غيره؟!
ناصر رد بصوت مرتعش:
— المصيبة إن واحد من الأطفال ما كانش المفروض يخرج من المستشفى حيًّا في الأوراق... لكنه خرج. وطفل تاني اتسجل إنه مات، مع إن محدش قدر يثبت إن الجثة اللي اتدفنت كانت جثته.
الصمت نزل على المكان.
روح همست:
— يعني الطفل اللي قالوا إنه مات... ممكن يكون عايش؟
ناصر بص لها، لكن ما ردش.
سيف رجع يبص في الصندوق، وطلع صورة الرجال الثلاثة.
مراد.
ناصر.
وكمال.
لكن الصورة دي كان فيها شخص رابع واقف بعيد عنهم، ملامحه مش واضحة، ووشه متشطب بالقلم الأسود.
وعلى ظهر الصورة مكتوب:
«أربعة رجال دخلوا الليلة دي... لكن واحد بس خرج منها وهو عارف الحقيقة كاملة.»
سيف رفع الصورة.
— مين الراجل الرابع؟
كمال، اللي كان واقف عند مدخل المخزن من غير ما حد ياخد باله إنه قرب، رد بصوت تقيل:
— الراجل اللي إحنا دفناه من عشرين سنة.
مراد استدار ناحيته بعنف.
— إنت جيت هنا إمتى؟
كمال ما اهتمش بالسؤال. عينه كانت على الصورة.
— كنت متأكد إن الصندوق اتفتح.
سيف قرب منه.
— إنت عارف مين الراجل ده؟
كمال سكت لحظة، وبعدين قال:
— اسمه عادل الراوي.
الرجل الغريب عند الباب شد جسمه فجأة.
كمال لاحظ حركته، فبصله بتركيز.
— إنت تعرفه؟
الرجل ما ردش.
كمال كرر السؤال بنبرة أقوى:
— إنت تعرف عادل الراوي؟
الرجل قال أخيرًا:
— كل اللي أعرفه إنه اتقال إنه مات في حادث، واتدفن من غير ما حد يشوف وشه.
كمال ضحك بمرارة.
— لأن اللي اتدفن ما كانش عادل.
مراد قرب منه بسرعة.
— إنت بتقول إيه؟
كمال رفع عينه له.
— بقول إننا دفنا واحد تاني، وصدقنا إنه هو، علشان نرتاح من السؤال اللي كان ممكن يفضحنا كلنا.
سيف حس إن الأرض بتتحرك تحته.
— طب هو فين دلوقتي؟
كمال رد:
— لو كنت أعرف، ما كنتش فضلت أدور على ابني كل السنين دي.
سيف سكت لحظة، ثم سأله السؤال اللي كان بيحرقه من أول ما شاف اسمه على الشاشة:
— وإنت متأكد إن الطفل اللي بتدور عليه ابنك فعلًا؟
كمال ما ردش بسرعة.
بص لسوار المولود اللي عليه بقايا اسم الراوي، ومد إيده ناحيته، لكن إيده وقفت في نص الطريق.
— كنت متأكد... لحد ما لقيت الورقة دي.
أخرج من جيبه قصاصة قديمة، وفتحها قدامهم.
كان مكتوب فيها:
«لا يتم اعتماد نتيجة فحص النسب قبل مراجعة العينة المحفوظة. توجد عينة ثانية تحمل الرقم نفسه، ولا يُعرف من قام بتبديل الملصقات.»
روح رجعت خطوة.
— يعني حتى التحاليل اتلعب فيها؟
كمال هز راسه.
— من الليلة دي، كل دليل ظهر قدامنا كان ممكن يكون صحيح... وممكن يكون معمول علشان يودينا في الاتجاه الغلط.
سيف مسح وشه بإيده، وحاول يسيطر على غضبه.
طول عمره في الحلبة كان عارف إن الخصم اللي قدامه له وش وصوت وحركة يقدر يراقبها.
لكن هنا، خصمه كان ماضي ناس بيحبهم، وأوراقًا متبدلة، وأسماء مكتوبة على أطفال ما كانوش يقدروا حتى يفتحوا عينيهم.
قال سيف:
— أنا مش هفضل أجري ورا ورق. عايز أسمع الحقيقة من حد كان موجود الليلة دي.
مراد رد:
— وأنا هقولك كل اللي أعرفه.
— لأ، إنت هتقول اللي كنت مخبيه. فيه فرق.
سيف قرب منه، وعينه لمعت بالدموع والغضب معًا.
— أنا مش عايز أعرف مين اداني اسمي بس. أنا عايز أعرف مين شالني أول مرة، ومين سلّمني لمين، وليه كل واحد فيكم قرر إن من حقه يختار لي حياتي.
مراد أخيرًا مد إيده، لكنه ما لمسش سيف.
— أنا ما اخترتش أكون أبوك علشان أسرقك من حد. أنا اخترت أفضل أبوك حتى لما عرفت إن فيه حاجات ممكن تخليني أخسرك.
سيف رد بهدوء موجع:
— بس إنت خسرتني من زمان يا مراد... يوم ما قررت إنك تخليني أحبك وأنا مش عارف الحقيقة.
مراد نزل راسه.
ولأول مرة، ما حاولش يدافع عن نفسه.
في اللحظة دي، موبايل سيف رن.
اسم مريم ظهر على الشاشة.
كان قد نسي تمامًا إنها موجودة في حياته، وإن جوازه منها نفسه بقى محاطًا بأسرار ما يعرفش نهايتها.
رد عليها.
— أيوه يا مريم.
صوتها كان مضطربًا.
— سيف، إنت فين؟
— في مكان لو عرفتي اللي فيه، يمكن ما تسأليش أنا فين.
— لازم تيجي البيت. فيه حد سأل عليّ، وكان معاه صورة قديمة ليا مع كمال.
سيف بص لكمال، اللي اتغيرت ملامحه فورًا.
— مين اللي سأل عليكي؟
مريم ترددت.
— ما شفتش وشه كويس. بس قبل ما يمشي، قال لي جملة غريبة.
— قال إيه؟
— قال: «قولي لسيف إن اللي اتكتب في تقريرك الطبي مش هو اللي حصل، وإن اللي اختار اسم ابنه قبل ما يتولد... ما كانش بيختار اسم وبس.»
سيف قبض على الموبايل.
— مريم، إنتِ تعرفي إيه عن التقرير؟
صمتت.
— مريم!
— أنا... أنا كنت خايفة أقولك.
— من إيه؟
صوتها انكسر.
— من إنك تعرف إن حد غيّر التقرير بإيده، وإن التغيير ده حصل قبل جوازنا، وإن أبويا ما كانش الشخص الوحيد اللي وافق على الجواز.
سيف سألها بحدة:
— مين كمان؟
لكن قبل ما تجاوب، سمع صوت ارتطام قوي من الناحية التانية، وبعده صوت مريم وهي بتنادي اسمه.
ثم انقطع الاتصال.
سيف حاول يتصل تاني، لكن الخط ما ردش.
كمال قال بسرعة:
— لازم تروح لها.
سيف بصله.
— وإنت مالك بمريم؟
كمال سكت.
وده كان كفاية يخلي الشك يرجع يشتعل في عين سيف.
— إنت تعرف مين اللي راح لها؟
كمال رد:
— مش متأكد... بس لو هو نفس الشخص اللي بعتلك الرسائل، يبقى الموضوع أكبر من مجرد تبديل طفلين.
مراد اتجه ناحية الباب.
— محدش هيتحرك لوحده. اللي بدأ الحكاية دي رجع، ومش هيسيبنا نعرف الباقي بسهولة.
لكن سيف كان بالفعل خارج المخزن.
مش لأنه صدّق مراد.
ولا لأنه سامح كمال.
لكن لأن مريم، مهما كانت مخبية عنه، كانت جزءًا من حياته، ومش هيسمح إن حد يستخدمها علشان يوصله للحقيقة.
بعد وقت قصير، وصل سيف إلى البيت.
الباب كان مواربًا.
دخل بحذر، ونادى:
— مريم؟
مافيش رد.
الصالة كانت هادية، لكن على الترابيزة ورقة مطوية، وبجانبها صورة قديمة لسيف وهو طفل صغير في حضن أمينة.
قرب منها.
قلب الصورة، فلقى جملة مكتوبة بخط مختلف:
«إنت مش الطفل اللي اتبدّل... إنت الطفل اللي اتاخد علشان التبديل ينجح.»
سيف حس إن نفسه اتسحب منه.
وتحت الجملة كان فيه عنوان قديم، وموعد مكتوب بخط واضح:
الساعة اتنين بعد نص الليل — مخزن الميناء القديم.
وفي آخر الورقة، سطر واحد:
«لو عايز تعرف مين أبوك، تعالى لوحدك. المرة دي، هتشوف الشخص اللي شال اسمك قبل ما تتولد.»
سيف رفع رأسه، وبص ناحية باب الشقة.
كان فيه صوت خطوات على السلم.
خطوة...
ثم خطوة تانية.
لف بسرعة، لكنه ما شافش حد.
رجع يبص للصورة، فلاحظ حاجة ماخدش باله منها قبل كده.
أمينة كانت حاضنة الطفل، ومراد واقف جنبها، وناصر في الخلفية.
أما الشخص الرابع، اللي كان وشه متشطب في الصورة القديمة، فكان واقف عند باب الغرفة، وفي إيده سوار مولود.
نفس السوار اللي لقوه في الصندوق.
وفجأة، موبايله اهتز برسالة جديدة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت صورة حديثة لمريم، قاعدة في مكان مظلم، ووشها باين عليه الخوف.
وتحت الصورة مكتوب:
«ما تجيش لوحدك يا سيف... لأن أبوك الحقيقي سبقك للمكان.»
سيف رفع عينه للشاشة، وفي نفس اللحظة وصلته مكالمة.
نفس الاسم.
«أبي الحقيقي».
رد فورًا.
— إنت مين؟!
جاله صوت رجل هادي، كأنه كان مستنيه من سنين:
— أنا الشخص اللي كان المفروض تسمع صوته أول مرة تقول فيها كلمة «بابا».
سيف اتجمد.
— إنت فين؟
— في المكان اللي اتاخد منه اسمك... واللي اتساب فيه اسم غيرك.
— قول لي اسمك!
صمت الرجل لحظات، ثم قال:
— اسمي مش هو اللي هيصدمك يا سيف... اللي هيصدمك إن مراد عارفني، وناصر شافني، وكمال دفنني بإيده.
سيف حس إن قلبه هيقف.
— إنت عادل الراوي؟
جاءه الرد، باردًا وواضحًا:
— عادل مات من عشرين سنة.
ثم انخفض صوت الرجل، وأضاف:
— وأنا مش عادل. أنا أبوك... والطفل اللي اتقال لكم إنه مات، كان أخوك.
وانقطع الاتصال.
سيف فضل واقف مكانه، والموبايل في إيده، مش قادر يستوعب الكلمتين.
أخوه.
يعني فيه طفل تاني.
طفل ممكن يكون عاش باسم غير اسمه، واتربى في بيت غير بيته، بينما سيف نفسه اتسحب من حياة ما كانش يعرف إنها حياته.
لكن قبل ما يتحرك، وصلت رسالة أخيرة.
«اسأل أمينة عن الليلة اللي رجعت فيها من المستشفى من غير الطفل اللي ولدته.»
سيف رفع عينه بصدمة.
لأن أمينة طول عمرها قالت إنها أمه.
ولأنه، مهما كانت الأسرار اللي اكتشفها، ما كانش مستعد يسمع إن حتى حضن أمه ممكن يكون بداية الحكاية... مش نهايتها.
وفي مكان بعيد عن البيت، كان مراد واقف قدام باب غرفة مقفولة، بيحاول يفتحها بمفتاح قديم.
من جوه، جه صوت خبطات متتالية.
ثم صوت طفل، رغم إن السنين عدّت، بيناديه:
— يا عمو مراد... هو سيف عرف؟
مراد سقط المفتاح من إيده.
لأن الصوت اللي سمعه...
كان صوت الطفل اللي أقسموا كلهم إنه مات.
يتبع...