رواية الملاكم الفصل الرابع 4 بقلم سهر احمد


رواية الملاكم الفصل الرابع 4 بقلم سهر احمد



 ليلة ميلاده... والسر اللي أمه خافت تدفنه تاني

فيه أسئلة لما الإنسان بيسألها، بيكون مستعد يسمع أي إجابة، مهما كانت صعبة.

وفيه أسئلة تانية، أول ما بتخرج من بُقه، بتغيّر شكل الدنيا حواليه، وبتخليه يشك في حاجات كان فاكرها ثابتة، وفي ناس كان عمره ما تخيل إنهم ممكن يخبّوا عنه الحقيقة.

وسيف مراد الجوهري، اللي قضى عشرين سنة من عمره فاكر إن أصعب حاجة ممكن يواجهها هي الفقر، وإن الطريق لحلمه محتاج صبر وتعب وعرق، اكتشف في اللحظة دي إن فيه معركة تانية بدأت من قبل ما يتولد.

معركة كان هو نفسه جزءًا منها، من غير ما يعرف.

وقف قدام أمه، والموبايل في إيده، والصورة القديمة لسه منورة على الشاشة.

أمينة كانت واقفة عند باب المطبخ، إيديها بترتعش، وعينيها معلقة بالصورة كأنها مش شايفة غيرها.

أما مراد، فكان قاعد على الكرسي، ووشه شاحب، وعينه بتتنقل بين مراته وابنه، وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين، لكنه رغم كده ما كانش مستعد لها.

سيف بص لأمه، وبعدها لأبوه.

— ماما... إنتِ قلتي إيه دلوقتي؟

أمينة ما ردتش.

— إنتِ قلتي: هو رجع فعلًا؟ يعني إنتِ تعرفيه؟!

حاولت أمينة تفتح بُقها، لكن صوتها ما طلعش.

سيف قرب منها خطوة.

— ماما، أنا بكلمك!

انتفضت من نبرة صوته، ورفعت عينيها له. كان فيها خوف عمره ما شافه قبل كده، خوف مش من الصورة نفسها، لكن من اللي الصورة ممكن تعمله في حياتهم.

قالت بصوت متقطع:

— حط الموبايل يا سيف.

بص لها بعدم تصديق.

— أحط الموبايل؟ ده أنا بسألك مين الراجل ده!

— مش وقته يا ابني.

ضحك ضحكة قصيرة، لكن مفيهاش أي فرحة.

— مش وقته؟ طب إمتى وقته؟ لما الراجل ييجي يقعد معانا على السفرة؟ ولا لما حد تاني يتصل بيا ويقولي إن أبويا مخبي عني حاجة من يوم ما اتولدت؟!

مراد قام من مكانه بسرعة.

— سيف، وطّي صوتك على أمك.

سيف لف له، والغضب بدأ يظهر في عينيه.

— أنا عليت صوتي عليها؟! أنا اللي كل واحد فيكم بيقولي اسكت واهدأ وابعد؟ أنا اللي من الصبح بحاول أفهم ليه واحد غريب عارف اسمي، وليه أستاذ ناصر اتغير أول ما عرف اسم أبويا، وليه حضرتك مخبي صورة مكتوب على ضهرها كلام عن واحد المفروض إنه مات، ودلوقتي أمي أول ما شافت وشه قالت إنه رجع فعلًا!

أخد نفسًا متقطعًا، وبص لهم واحد واحد.

— أنا عايز أفهم بس... هو أنا عملت إيه علشان أعيش وسط كل الأسرار دي؟

الكلمة الأخيرة خرجت منه موجوعة أكتر ما كانت غاضبة.

أمينة حطت إيدها على بُقها، ودموعها نزلت من غير ما تحاول تمنعها.

مراد قرب من ابنه.

— إنت مالكش ذنب في أي حاجة يا سيف.

سيف رد عليه فورًا:

— طب فهمني! لو أنا ماليش ذنب، ليه كل واحد فيكم بيتعامل معايا كأني لو عرفت الحقيقة هتحصل مصيبة؟!

ماحدش رد.

والصمت المرة دي كان أقسى من كل الإجابات اللي سيف كان ممكن يسمعها.

بص لأمه من جديد.

— ماما، الرسالة بتقول أسألك عن اللي حصل ليلة ولادتي. إيه اللي حصل الليلة دي؟

أمينة هزت راسها، وفضلت ترجع لورا لحد ما سندت ضهرها على الحيطة.

— يا رب... يا رب استرها معانا.

سيف مد إيده ناحيتها.

— تعالي اقعدي يا أمي.

لكنها ما اتحركتش.

كانت بتبص له بطريقة غريبة، كأنها شايفة فيه طفلًا صغيرًا كانت بتحمله بين إيديها، وفي نفس الوقت شايفة الشاب اللي واقف قدامها وبيطالب بحقه في معرفة الحقيقة.

قالت بصوت ضعيف:

— أنا كنت فاكرة إن الموضوع انتهى... والله كنت فاكرة إننا نجينا.

مراد رد بحدة:

— أمينة، كفاية.

لفت له بسرعة.

— كفاية إيه يا مراد؟! مش إنت اللي طول السنين دي كنت بتقولي إن الماضي مات؟ مش إنت اللي طمنتني إن محدش هيعرف يوصل له؟ أهو وصل! وبعت لابننا صورته، وبقى بيسألني عن ليلة ولادته!

مراد قرب منها وخفض صوته:

— مش كل حاجة تتقال مرة واحدة.

أمينة بصت له بمرارة.

— وأهي دي الجملة اللي ضيعتنا! كل حاجة تتأجل، وكل سؤال يتقفل، وكل ما حد يخاف يقول الحقيقة، نقول مش وقتها... لحد ما الحقيقة نفسها بقت واقفة على باب بيتنا!

سيف كان واقف بينهم، بيسمع كلامهم، وكل كلمة بتأكد له إن الحكاية أقدم وأخطر مما تخيل.

رفع الموبايل تاني.

— طب الراجل ده اسمه إيه؟

أمينة بصت للصورة، وشفايفها اتحركت كأنها هتنطق الاسم.

لكن مراد سبقها:

— مش هتستفيد بحاجة لو عرفت اسمه دلوقتي.

سيف لف له ببطء.

— وأنا اللي أحدد هستفيد ولا لأ.

مراد اتفاجئ من رده.

سيف كمل، وصوته بقى أهدى، لكنه كان أثقل من الصريخ:

— أنا مش طفل يا بابا. أنا عندي عشرين سنة، وبشتغل من وأنا صغير، وبتمرن وبحاول أبني مستقبلي. عمري ما طلبت منكم تحكوا لي كل حاجة حصلت قبل ما أتولد. بس لما الماضي ده يدخل بيتي، ويتصل بيا ناس تهددني، ويبقى فيه حد بيبعت لي صور ويطلب مني أسأل أمي عن ليلة ولادتي، يبقى من حقي أعرف أنا داخل على إيه.

مراد نزل عينه.

سيف قرب منه.

— إنت قلت لي من شوية إنك مش عايزني أواجه حاجة وإنت عارف عنها أكتر مني. طب ليه بتعمل فيا نفس الحاجة دلوقتي؟

السؤال وقف مراد مكانه.

لأنه ما كانش عنده رد يقدر يدافع بيه عن نفسه.

أمينة مسحت دموعها بطرف طرحتها، وبصت لسيف.

— اقعد يا حبيبي.

سيف فضل واقف لحظة، وبعدها سحب كرسي وقعد قدامها.

مراد قعد على الكرسي المقابل، لكن أمينة فضلت واقفة شوية، وكأنها بتجمع شجاعتها من مكان بعيد جدًا.

أخيرًا، راحت للأوضة.

سيف بص لأبوه.

— هي راحت فين؟

مراد رد بصوت مرهق:

— يمكن تكون قررت تحكي لك.

— وإنت؟

مراد رفع عينه له.

— أنا كمان هحكي لك اللي أعرفه.

سيف هز راسه.

— مش اللي تعرفه بس يا بابا... اللي حصل فعلًا.

مراد ما ردش.

وبعد لحظات، رجعت أمينة وهي شايلة علبة خشب صغيرة، قديمة، لونها اتغير من السنين.

حطتها على الترابيزة، وفضلت تمرر إيدها على الغطا.

سيف بص للعلبة.

— إيه دي؟

أمينة قالت:

— حاجات من يوم ما اتولدت.

مراد اعتدل في قعدته فجأة.

— أمينة!

بصت له بعينين مليانين وجع.

— لأ يا مراد. المرة دي مش هسكت.

فتحت العلبة ببطء.

كان جواها ورق قديم، وسوار صغير خاص بالمولود، وصورة باهتة ليها وهي شابة، وورقة مطوية بعناية.

أمينة طلعت الورقة، لكن إيديها كانت بترتعش لدرجة إنها ما قدرتش تفتحها.

سيف مد إيده.

— أفتحها أنا؟

ترددت لحظة، وبعدها سلمته الورقة.

فتحها.

كانت شهادة قديمة من المستشفى، مكتوب فيها تاريخ ميلاده، واسم أمه، واسم أبوه.

لكن في آخر الورقة، كان فيه ملحوظة مكتوبة بخط مختلف، وحروفها باهتة من الزمن.

سيف قرب الورقة من عينه، وحاول يقرأ.

— إيه الكلام ده؟

مراد قام من مكانه، وخد الورقة منه بسرعة.

— دي ورقة قديمة ومش واضحة.

سيف وقف.

— رجّعها يا بابا.

مراد بص له.

— سيف...

— رجّعها.

ولأول مرة، مد مراد إيده بالورقة لابنه من غير ما يجادله.

سيف أخدها، وقرأ السطر تاني.

كان مكتوب:

«تم تسليم الطفل إلى والدته بعد حضور السيد...»

وبعدها، الاسم كان ممسوحًا بقلم أسود، كأن حد تعمد يخفيه.

سيف رفع عينه لأمه.

— مين اللي حضر المستشفى يوم ما اتولدت؟

أمينة قعدت ببطء، وحطت إيديها فوق بعض.

— مش شخص واحد يا ابني.

سيف حس بقلبه بيدق أسرع.

— يعني إيه؟

أمينة بصت لمراد، وبعدها رجعت تبص لسيف.

— الليلة دي... أبوك ماكانش موجود من أولها.

سيف لف ناحية مراد.

مراد ما أنكرش.

لكن سكوته كان كفاية يخلي سيف يحس إن أول حجر في الحكاية بدأ يتحرك.

---

الليلة اللي محدش حب يفتكرها

أمينة كانت بتتكلم بصعوبة، كأن كل كلمة بتسحب معاها ذكرى كانت حابساها جواها سنين.

— يوم ما اتولدت، كنت في المستشفى من العصر. الولادة كانت صعبة، والدكتور كان طالب من أهلك يفضلوا قريبين. أبوك كان بره بيحاول يخلص حاجة ضرورية، وقال لي إنه هيرجع بسرعة.

سيف سألها:

— حاجة ضرورية إيه؟

مراد تدخل:

— شغل قديم.

سيف بص له.

— الشغل القديم اللي كنتوا إنت وناصر شغالين فيه؟

مراد ما ردش.

أمينة كملت:

— أنا وقتها ماكنتش أعرف ناصر كويس، ولا كنت أعرف الراجل اللي في الصورة. كل اللي كنت أعرفه إن فيه مشاكل بين أبوك وناس من شغله، وإنه بقاله أيام مش بينام كويس.

سيف قرب من أمه.

— طب إيه اللي حصل بعد كده؟

أمينة أخدت نفسًا طويلًا.

— بعد ما اتولدت بساعات، دخل عليّا راجل في أوضة المستشفى.

سيف حس إن الجو حواليه بقى أتقل.

— مين؟

— هو نفسه.

عينها راحت ناحية الموبايل اللي عليه الصورة.

— الراجل اللي إنت وريتهالي.

سيف بص للصورة مرة تانية.

— كان عايز إيه؟

أمينة غمضت عينيها.

— ما قالش لي هو عايز إيه في الأول. دخل وسألني عنك، وفضل واقف عند سريرك وقت طويل. كان بيبص لك بطريقة خوفتني، ولما سألته إنت مين، قال لي إنه يعرف أبوك من زمان، وإنه جاي يطمن عليك.

مراد ضغط على إيده.

أمينة كملت:

— أنا ما ارتحتلوش. كان بيتكلم بهدوء، لكن عينيه كانت بتقول حاجة تانية. وبعد شوية، سألني سؤال غريب.

سيف سألها بسرعة:

— سألِك عن إيه؟

— سألني إذا كنت أعرف ليه أبوك اختار يسميك سيف.

سيف اتعجب.

— وإيه الغريب في الاسم؟

أمينة بصت له بحزن.

— الغريب إنه ماكانش بيسأل عن اسمك لمجرد الفضول. كان عارف اسمك قبل ما أسأله حتى هو عرف منين.

مراد غمض عينيه.

سيف لاحظ، فلف له.

— إنت كنت تعرف إنه هييجي المستشفى؟

مراد فتح عينيه، لكنه ما جاوبش.

أمينة بصت لزوجها، وكأنها بتطلب منه ما يهربش المرة دي.

— جاوب ابنك يا مراد.

مراد اتنهد، وقال:

— كنت عارف إنه ممكن يحاول يوصل لنا.

سيف رجع خطوة.

— يعني كنت عارف إنه ممكن ييجي لحد المستشفى يوم ولادتي، وسايبني كل السنين دي من غير ما أعرف؟!

— ماكنتش أعرف إنه هييجي في الليلة دي تحديدًا!

— بس كنت عارف إنه موجود!

مراد سكت.

سيف مرر إيده على شعره، وحاول يسيطر على غضبه.

كان نفسه يضرب الحيطة من شدة العجز، لكنه افتكر كلام الكابتن فؤاد: مش كل ضربة بتحل المشكلة، ومش كل غضب بيقربك من الحقيقة.

أخد نفسًا، ورجع قعد.

— كملي يا أمي. الراجل عمل إيه بعد كده؟

أمينة مسحت دموعها.

— سألني عن أبوك، وقال لي إنه لازم يقابله قبل الصبح. ولما قلت له إني مش عارفة أبوك فين، ابتسم وقال لي إن مراد عمره ما بيكون بعيد عن المكان اللي فيه خطر.

سيف بص لأبوه.

مراد كان باصص للأرض.

— وبعدها؟

أمينة كملت:

— قبل ما يمشي، حط ظرف على الترابيزة اللي جنب سريرك. وقال لي ما أفتحهش إلا لما أبوك يرجع. وبعد ما خرج، ناديت الممرضة وسألتها عنه، لكنها قالت لي إن محدش دخل الأوضة غيرها وغير الدكتور.

سيف استغرب.

— إزاي؟ إنتِ شوفتيه بعينيك!

— أيوه. لكن الممرضة أقسمت إنها ما شافتش حد. ولما رجعت أدور على الظرف، لقيته اختفى.

سيف سكت لحظات.

— اختفى إزاي؟

أمينة هزت راسها.

— ما أعرفش. فضلت أدور عليه، وبعدها أبوك رجع قبل الفجر. كان تعبان وهدومه متبهدلة، وأول ما شافني سألني إذا كان حد جه لي.

مراد رفع عينه لها.

— أمينة، أنا قلت لك وقتها ما تحكيش الحكاية دي.

ردت عليه بمرارة:

— وأنا كنت خايفة عليك وعلى ابننا. كنت فاكرة إن السكوت هيحمينا.

سيف سأل:

— وإنتِ قلتي له إن الراجل جه؟

— أيوه. أول ما حكيت له، وشه اتغير، وخرج من الأوضة من غير ما يقول كلمة. رجع بعد ساعة تقريبًا، وكان معاه ناصر.

سيف اتجمد.

— ناصر كان في المستشفى يوم ما اتولدت؟

أمينة أومأت.

— أيوه. دخل عليّا، وفضل يسألني إذا كان الراجل قال لي حاجة، أو سلّمني أي ورق. وأنا قلت له اللي حصل بالضبط.

سيف بص لمراد.

— يعني ناصر كمان يعرف اللي حصل ليلة ولادتي.

مراد رد بصوت منخفض:

— ناصر يعرف جزءًا من اللي حصل.

— وإنتوا الاتنين قررتوا تخلوني آخر واحد يعرف!

مراد رفع رأسه.

— كنا بنحاول نحميك.

سيف ضحك بمرارة.

— من إيه؟ من الحقيقة؟!

ماحدش رد.

وفجأة، سيف افتكر جملة الرجل اللي اتصل بيه: الحلبة أضمن لك من الشوارع اللي مش عارف أصحابها.

وفهم إن التهديد ماكانش متعلقًا بروح وحدها، ولا حتى بالموقف اللي حصل في الشارع.

كان فيه حد بيتابع كل خطوة، وبيختار بعناية إيه اللي يوصله لسيف، وإمتى يوصله.

والأسوأ إنه كان عارف منين يبدأ.

من أمه.

ومن ليلة ولادته.

---

ناصر... والاسم اللي حاول ينساه

في الوقت نفسه، كان ناصر قاعد في مكتبه، قدامه الظرف القديم اللي أخرجه من الدرج الصبح.

ما فتحش الورقة اللي جواه من جديد.

كان حافظ كل كلمة مكتوبة فيها، حتى إنه كان يقدر يقولها من غير ما يبص.

موبايله رن.

بص للشاشة، ولما لقى نفس الرقم المجهول، سابه يرن مرتين قبل ما يرد.

— أيوه.

جاله الصوت نفسه:

— سمعت إنك زرت مراد النهارده.

ناصر رد بحدة:

— إنت بتراقبني؟

— السؤال مش مهم. المهم إنك أخيرًا رجعت تقابله بعد كل السنين دي.

— أنا رحت أحذره.

— تحذره؟ من مين؟ مني؟ ولا من الحقيقة اللي هو مش قادر يقولها لابنه؟

ناصر وقف من مكانه.

— إنت مالكش حق تدخل ابني في الموضوع!

الراجل ضحك بخفة.

— ابنك؟ غريبة الكلمة دي لما تطلع منك يا ناصر.

ناصر شد على الموبايل.

— ما تجيبش سيرة بنتي.

— وأنا جبت سيرتها؟ أنا بتكلم عن سيف.

ناصر سكت.

الراجل كمل:

— أهو الولد بدأ يسأل. وأمه بدأت تفتكر. ومراد فتح الصندوق اللي كان قافله بإيده. تفتكر هتقدروا تسكتوه لحد إمتى؟

ناصر رد:

— سيف ما يعرفش حاجة.

— لحد دلوقتي.

ناصر بص من شباك مكتبه، والشارع تحت منه كان ماشي بطبيعته، ناس رايحة وناس جاية، وعربيات بتتحرك، ولا حد فيهم يعرف إن حياة شاب في العشرين ممكن تتغير بسبب صورة قديمة.

قال ناصر:

— إنت عايز إيه بالضبط؟

الصوت سكت لحظات.

وبعدين قال:

— عايز كل واحد فيكم يقول الجزء اللي خبّاه. مراد يقول اللي عمله، وإنت تقول اللي سكتّ عنه، وأمينة تحكي اللي شافته.

ناصر حس ببرودة في أطرافه.

— وإنت؟

الراجل رد بهدوء:

— أنا هقول اللي محدش فيكم قدر يقوله.

— إنت كنت المفروض تكون...

ناصر وقف قبل ما يكمل.

الراجل أكمل عنه:

— ميت؟ عارف. دي الحكاية اللي اتفقتوا عليها. بس محدش فيكم سأل نفسه إذا كان اللي اتدفن فعلًا هو أنا، ولا كان حد تاني.

ناصر غمض عينيه.

— بلاش الكلام ده.

— ليه؟ خايف تفتكر؟

— أنا مش خايف منك.

— يبقى ليه صوتك بيرتعش؟

ناصر سكت، والراجل أنهى المكالمة من غير ما يودعه.

فضل ناصر واقف مكانه، والموبايل في إيده.

وبعد لحظات، فتح درج مكتبه، وطلع صورة صغيرة كان محتفظ بيها لوحدها، بعيدة عن الصورة اللي عند مراد.

الصورة كانت لثلاثة رجال، لكن المرة دي، ماكانوش واقفين قدام الورشة.

كانوا واقفين قدام مبنى قديم، وعلى طرف الصورة ظهر باب حديدي عليه رقم واضح:

17

ناصر قلب الصورة، فلقى جملة مكتوبة بخط إيده:

«لو خرج واحد من الباب ده، الاتنين الباقيين هيفضلوا يدفعوا التمن.»

فضل باصص للجملة طويلًا.

ثم فتح درجًا تاني، وطلع منه ورقة قديمة مختومة، عليها اسم المستشفى اللي اتولد فيها سيف.

وتحت الاسم، كان فيه تاريخ مطابق ليوم ميلاده.

ناصر حط الورقة جنب الصورة، وهمس:

— يا رب ما يكونش وصل للورقة دي كمان.

لكن قبل ما يرجعهم مكانهم، سمع خبطتين على باب المكتب.

دخلت السكرتيرة وقالت:

— أستاذ ناصر، فيه شاب بره عايز يقابل حضرتك. بيقول إن الموضوع يخص بنتك.

ناصر رفع عينه بسرعة.

— اسمه إيه؟

السكرتيرة ترددت.

— ما قالش اسمه، بس سلّمنا ظرف وطلب إن حضرتك تفتحه بنفسك.

ناصر مد إيده وأخد الظرف.

كان مكتوب عليه بخط أسود:

«إلى ناصر... آخر واحد لسه فاكر إنه يقدر يصلّح اللي اتكسر.»

فتح الظرف.

لقى جواه صورة لروح وهي خارجة من الجامعة، وصورة تانية لسيف واقف قدام مركز النصر.

وفي آخر الظرف، كانت فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها:

«المرة الجاية، مش هنبعت صور.»

ناصر رفع رأسه ناحية السكرتيرة.

— الشاب ده مشي؟

— أيوه يا فندم، خرج من شوية.

ناصر خرج من المكتب بسرعة، لكنه ما شافش حد في الممر.

رجع لمكتبه، وقفل الباب بالمفتاح.

ولأول مرة، أدرك إن الخطر ما بقاش واقف عند باب الماضي.

الخطر بقى يعرف طريقه لبيته، وبنته، وابن الرجل اللي حاول طول عمره يبعده عن الحكاية.

---

الحلبة مش ملجأ من الحقيقة

في صباح اليوم التالي، وصل سيف مركز النصر بدري عن ميعاده.

كان شايل شنطته على كتفه، وعينيه فيها آثار ليلة ما نامش فيها غير ساعات قليلة.

طول الليل، وهو بيفكر في كلام أمه.

في الرجل اللي دخل أوضتها ليلة ولادته.

في ناصر اللي ظهر في المستشفى قبل الفجر.

وفي أبوه اللي رجع من مكان ما حبش يتكلم عنه، وقرر بعدها إن السكوت هو الطريقة الوحيدة لحمايته.

لكن أكتر حاجة كانت بتوجعه، إنه بدأ يحس إن كل الناس اللي بيحبهم عارفين جزءًا من حياته أكتر منه.

دخل غرفة تبديل الملابس، وحط شنطته في الخزانة.

كان لسه بيلف إيده برباط الملاكمة لما سمع صوت الكابتن فؤاد وراه.

— إنت جيت بدري ليه؟

سيف ما رفعش عينه.

— ما عرفتش أنام.

فؤاد وقف قدامه.

— وده معناه إنك محتاج تتمرن أكتر، ولا محتاج تتكلم؟

سيف ابتسم ابتسامة باهتة.

— هو حضرتك بقيت بتعرف اللي في دماغي من غير ما أتكلم؟

— لأ، بس أنا عارف شكل الواد اللي داخل الحلبة وهو شايل همّ مش بتاع التدريب.

سيف شد الرباط حوالين إيده.

— يا كابتن، لو عرفت إن فيه حد بيهدد أهلك، هتقدر تركز في التمرين عادي؟

فؤاد ما ردش بسرعة.

قعد على المقعد المقابل له، وأشار لسيف يقعد.

— فيه حد هددك؟

سيف فكر لحظة.

كان ممكن يحكي له كل حاجة، لكنه ما كانش عارف إذا كان الكلام عن ماضي أبوه هيساعده، ولا هيزود مخاوفه.

في الآخر قال:

— فيه حد اتصل بيا، وعارف اسمي، وعارف إني ساعدت بنت في الشارع. وبعدها اكتشفت إن أبو البنت دي يعرف أبويا من زمان، وإن بينهم حاجة قديمة مش عايزين يحكوا عنها.

فؤاد عقد حاجبيه.

— والشرطة؟

سيف نزل عينه.

— لسه ما بلغتش عن المكالمة.

فؤاد رد بحزم:

— يبقى أول ما تخرج من هنا، تحكي لأهلك كل التفاصيل اللي عندك، وتبلغوا الشرطة بالتهديدات والرسائل. مش مطلوب منك تستنى لما حد يقرب منك أكتر علشان تصدق إن الموضوع يستاهل.

سيف هز راسه.

— حاضر.

فؤاد كمل:

— وبالنسبة للتمرين، أنا مش هقول لك انسَ اللي حصل. محدش بيقدر يمسح حاجة من دماغه بأمر. لكن تقدر تتعلم تحطها في مكانها، بدل ما تسيبها تتحكم في كل حركة بتعملها.

سيف بص للحلبة.

— ولو الحقيقة اللي هعرفها تغيّر كل حاجة؟

فؤاد رد بهدوء:

— الحقيقة ممكن تغيّر نظرتك للناس، وممكن توجعك، وممكن تخليك تعيد حساباتك. لكن مهما كانت، مش هتقدر تواجهها صح وإنت سايب غضبك يسوقك.

سيف سكت.

فؤاد وقف، وربت على كتفه.

— قدامك اختبار مهم الأسبوع الجاي يا سيف. أنا مش طالب منك تبقى آلة، ولا طالب منك تنسى أهلك. أنا طالب منك ما تضيّعش نفسك وإنت بتحاول تعرف مين اللي كذب عليك.

سيف رفع عينه له.

— أنا مش هسيب الملاكمة يا كابتن.

فؤاد ابتسم.

— كويس. يبقى وريني إنك فاكر كل كلمة اتعلمتها هنا.

طلعوا ناحية الحلبة.

لكن قبل ما سيف يطلع، موبايله اهتز في جيبه.

رسالة جديدة من رقم مجهول.

فتحها.

كانت صورة لوالده مراد وهو شاب، واقف قدام باب حديدي قديم.

وعلى الباب، كان فيه الرقم نفسه اللي شافه سيف في الصورة اللي أرسلها له المجهول الليلة الماضية:

17

وتحت الصورة، جملة واحدة:

«اسأل أبوك عن الباب رقم 17... واسأله مين اللي خرج منه ليلة ما اتولدت.»

سيف فضل باصص للشاشة.

الكابتن فؤاد لاحظ إنه اتجمد مكانه.

— سيف؟ فيه إيه؟

سيف رفع عينه ببطء.

— يا كابتن... أنا لازم أمشي.

فؤاد قرب منه.

— حصل إيه؟

سيف ورّاه الرسالة.

فؤاد قرأها، وملامحه اتغيرت.

— اسمعني كويس. مش هتروح لأي مكان لوحدك، ومش هتجري ورا عنوان أو رقم من غير ما تفهم. ورّي الرسالة لأبوك، واحتفظ بيها، وخلّوا الشرطة تتعامل مع التهديد ده.

سيف هز راسه، لكن عينه كانت لسه معلقة بالرقم.

سبعتاشر.

رقم ما كانش يعرف عنه حاجة، لكنه بدأ يظهر في كل حتة.

وقبل ما يخرج من المركز، وصلته رسالة تانية.

المرة دي ماكانش فيها صورة.

كان فيها تسجيل صوتي قصير.

سيف بص للكابتن فؤاد، وبعدها شغّل التسجيل على صوت منخفض.

في البداية، ما سمعش غير صوت تشويش.

ثم ظهر صوت رجل متعب، بيتكلم بصعوبة:

— يا مراد... لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا ما قدرتش أوصل لك بنفسي. اسمعني كويس... اللي حصل ليلة ولادة سيف ماكانش زي ما إنت فاكر. الطفل اللي خرج من المستشفى...

التسجيل اتقطع فجأة.

سيف فضّل ثابتًا مكانه.

رجّع التسجيل من أوله، وشغّله تاني.

نفس الكلمات.

«الطفل اللي خرج من المستشفى...»

وبعدها صمت.

حس إن قلبه بيدق بعنف، لكنه حاول يسيطر على نفسه.

بص لفؤاد وقال:

— أنا لازم أسمع باقي التسجيل.

فؤاد رد فورًا:

— ومش هتسمعه لوحدك. هنروح لأبوك، ونوريه الرسالة، وبعدها تبلغوا الشرطة بكل اللي وصلك.

سيف وافق، وخرج من مركز النصر وهو حاسس إن الأرض اللي كان واقف عليها طول عمره بدأت تتحرك من تحته.

---

روح... والسؤال اللي أبوها ما عرفش يهرب منه

في نفس الوقت، كانت روح قاعدة في الصالة، قدامها فنجان قهوة برد من غير ما تشرب منه.

ناصر كان راجع من مكتبه متأخر، ومن وقت ما دخل البيت وهو بيتكلم في التليفون بصوت منخفض، وبعدها قفل على نفسه في المكتب.

روح كانت عارفة إن فيه حاجة جديدة حصلت.

استنته لحد ما خرج، وبعدها وقفت قدامه.

— بابا، أنا عايزة أتكلم معاك.

ناصر حاول يعدي من جنبها.

— مش دلوقتي يا روح.

وقفت قدامه تاني.

— كل مرة مش دلوقتي. طب إمتى؟

ناصر اتنهد.

— أنا تعبان.

— وأنا كمان تعبت من إني أفضل آخر واحدة تعرف أي حاجة تخص حياتي.

بصلها.

كان نفسه يطلب منها تهدى، أو يأجل الكلام لبكرة، أو يقول لها إن كل شيء هيتحل.

لكنه افتكر الظرف اللي وصله في المكتب، والصورتين اللي كانوا جواه.

قال أخيرًا:

— حصلت حاجة في الشغل النهارده.

روح عقدت حاجبيها.

— لها علاقة بالراجلين اللي وقفوني؟

ناصر سكت لحظة.

— لها علاقة بالموضوع كله.

— يعني فيه حد بيهددك؟

ناصر ما ردش.

روح قربت منه.

— طب أنا في خطر؟

ناصر بص لها، وكان واضح إنه بيحاول يختار إجابة ما تخوفهاش، لكنه ما لاقاش إجابة يقدر يضمنها.

— أنا مش عايزك تمشي لوحدك الفترة دي، ولا تتجاهلي أي حاجة غريبة تحصل حواليك.

روح ردت بضيق:

— يعني أعيش إزاي؟ أفضل محبوسة في البيت لحد ما حضرتك تقرر إن الماضي انتهى؟

ناصر قال بحزم:

— أنا بحاول أحميك.

— وأنا مش ضد إنك تحميني. أنا ضد إنك تخليني أجهل اللي بيحصل، لحد ما ألاقي نفسي في نصه من غير ما أفهم حاجة.

سكتت لحظة، وبعدها سألت السؤال اللي كانت بتخاف تسمع إجابته:

— سيف له علاقة بالموضوع ده، صح؟

ناصر رفع عينه بسرعة.

روح لاحظت.

— أهو! أول ما أجيب سيرته، وشك بيتغير. إنت تعرف أبوه من زمان، ولما عرفت اسمه اتوترت. ودلوقتي أنا حاسة إن فيه حاجة حصلت بعد ما قابلته.

ناصر رد:

— سيف ما عملش حاجة.

— أنا ما قلتش إنه عمل حاجة. أنا بس بسألك: ليه اسمه بقى جزءًا من المشكلة؟

ناصر سكت طويلًا.

وبعدين قال:

— لأن أبوه كان واحد من الناس اللي عرفتهم قبل ما إنتِ تتولدي.

روح بصت له بدهشة.

— وإيه اللي حصل بينكم؟

ناصر قعد على الكرسي، وحط إيده على جبينه.

— حصلت حاجة كان المفروض تنتهي من زمان.

روح قعدت قدامه.

— وإيه علاقتها بيا؟

ناصر رفع عينه لها.

— لأنك بنتي، وأنا غلطت لما افتكرت إن إخفاء الماضي عنك معناه إني بحميك منه.

روح ما كانتش متوقعة الاعتراف ده.

لأول مرة، أبوها ما حاولش يقفل الباب في وش أسئلتها.

لكن قبل ما تسأله أكتر، موبايله رن.

رقم مجهول.

ناصر بص للشاشة، وملامحه اتغيرت.

روح شافت التغيير، فقالت:

— رد يا بابا.

ناصر ما تحركش.

— رد، وخليّني أسمع.

بصلها، وبعدها رد ووضع الهاتف على مكبر الصوت.

جاله الصوت الهادي نفسه:

— مساء الخير يا ناصر.

ناصر قال ببرود متعمد:

— لو عندك حاجة تقولها، قولها.

الراجل ضحك.

— واضح إنك بقيت شجاع لما بنتك جنبك.

روح قربت من الهاتف.

— إنت مين؟ وإنت عايز من بابا إيه؟

ساد الصمت على الطرف التاني.

ثم جاء الرد:

— روح... كبرتي يا بنت ناصر.

روح اتجمدت.

ناصر انتفض من مكانه.

— إنت مالكش دعوة بيها!

لكن الرجل تجاهله، وكمل:

— أبوكي حكى لك عن مراد؟ ولا لسه بيحاول يقنعك إن كل حاجة كانت مجرد شغل قديم؟

روح بصت لأبوها، ووشها اتغير.

— مراد مين؟

ناصر حاول ياخد الموبايل، لكنها أبعدته عنه.

— لأ يا بابا. المرة دي أنا هسمع.

الرجل على الطرف التاني قال:

— اسألي أبوكي عن الليلة اللي اتولد فيها سيف مراد. واسأليه ليه كان موجود في المستشفى قبل الفجر، مع إن مراد نفسه ما كانش هناك.

ناصر صرخ:

— اقفل الخط!

لكن روح سبقته بالسؤال:

— إنت تعرف سيف؟

الرجل رد:

— أنا أعرف الحكاية اللي جمعت آباءكم قبل ما تعرفوا إنتوا الاتنين معنى كلمة عيلة.

وبعدها قال جملة أخيرة:

— ولو عايزة تعرفي ليه أبوكي بيخاف على حياتك بالشكل ده، اسأليه عن البنت اللي كان المفروض تتولد في نفس الليلة.

المكالمة اتقفلت.

روح فضلت باصة للموبايل، مش قادرة تستوعب آخر جملة.

لفت ناحية أبوها.

— بنت إيه يا بابا؟

ناصر كان واقف مكانه، وشه فقد لونه.

— روح، اسمعيني...

— لأ! مش هسمع أي كلام غير الحقيقة. مين البنت اللي كان المفروض تتولد في نفس ليلة ولادة سيف؟!

ناصر حاول يتكلم، لكن صوته خانه.

روح قامت من مكانها، ودموع الغضب لمعت في عينيها.

— هو أنا كمان ليّا علاقة بليلة ولادته؟!

ناصر مد إيده ناحيتها.

— يا بنتي...

رجعت خطوة.

— جاوبني!

لكن ناصر ما جاوبش.

لأنه في اللحظة دي فهم إن السر اللي كان بيحاول يحميها منه، وصل لها من طريق تاني.

وإن اسم سيف ما بقاش مجرد اسم لشاب ساعدها في الشارع.

بقى مفتاحًا لباب قديم، لو اتفتح بالكامل، ممكن يغيّر حياة الاتنين.

---

البيت اللي رجع له الماضي قبل صاحبه

وصل سيف البيت ومعاه الكابتن فؤاد، بعد ما اتفقوا إن الرسائل والتهديدات لازم تتعرض على الشرطة، وإنه مش هيتحرك ورا أي معلومة من غير ما يبلغ أهله.

أمينة فتحت الباب، وأول ما شافت وش ابنها عرفت إن فيه حاجة جديدة حصلت.

— مالك يا سيف؟ إنت كويس؟

سيف دخل، ومراد ظهر من الصالة.

— فيه إيه؟

سيف ما ردش على طول.

طلع موبايله، وفتح التسجيل.

— اسمع يا بابا.

شغّل الصوت.

مراد كان واقف، وكل ما الكلمات بتتقال، ملامحه بتتغير.

ولما وصل التسجيل لجملة:

«الطفل اللي خرج من المستشفى...»

وانقطع، مراد مسك طرف الترابيزة بإيده.

أمينة غطت بُقها.

الكابتن فؤاد بص لهم باستغراب، لكنه ما تدخلش.

سيف وقف قدام أبوه.

— أنا عايز أعرف معنى الكلام ده.

مراد ما ردش.

— مين صاحب الصوت يا بابا؟

مراد فضل ساكت.

سيف كمل:

— وليه بيقول إن اللي حصل ليلة ولادتي ماكانش زي ما إنت فاكر؟

أمينة بدأت تبكي من جديد.

مراد لف ناحيتها.

— أمينة، إنتِ تعرفي مين بعت التسجيل ده؟

هزت راسها.

— لأ.

— طيب تعرفي إيه اللي كان يقصده؟

أمينة بصت لسيف، وبعدها لمراد.

— أنا حكيت اللي حصل في المستشفى. لكن فيه حاجة ما قلتهاش.

سيف حس إن صدره ضاق.

— إيه هي؟

أمينة دخلت أوضتها بسرعة، ورجعت بعد لحظات وهي ماسكة ورقة صغيرة ملفوفة داخل منديل قديم.

حطتها على الترابيزة.

مراد أول ما شافها، اتراجع خطوة.

— إنتِ لسه محتفظة بيها؟

أمينة ردت والدموع في عينيها:

— أيوه. ما قدرتش أرميها.

سيف مد إيده للورقة.

مراد قال بصوت متوتر:

— استني يا سيف.

لكن أمينة سبقته:

— لأ. خليه يعرف.

سيف فتح المنديل، وطلع ورقة صغيرة، لونها أصفر من الزمن.

كان مكتوب فيها بخط يدوي:

«لو حصل لي أي حاجة، ما تسلّموش الطفل لحد غير أمه. والاسم اللي اتفقنا عليه يفضل زي ما هو... سيف.»

وتحت الكلام، كان فيه توقيع باهت.

سيف قرب الورقة من النور، وحاول يقرأ الاسم.

ما قدرش يميّز غير حرفين.

م. ر.

رفع عينه لأبوه.

— مين اللي كتب الورقة دي؟

مراد فتح بُقه، لكن ما طلعش منه صوت.

سيف رجع بص للورقة.

— وإيه معنى «ما تسلّموش الطفل لحد غير أمه»؟ هو كان فيه حد عايز ياخدني منكم؟!

أمينة ردت بسرعة:

— لأ يا حبيبي، أنا ما سبتكش لحظة...

لكنها سكتت فجأة.

سيف بص لها.

— إنتِ ما سبتنيش لحظة إيه يا أمي؟

أمينة حطت إيدها على صدرها، وبدأ نفسها يضيق من شدة التوتر.

مراد قرب منها.

— أمينة، اقعدي.

لكنها مسكت إيده وقالت بصوت مخنوق:

— أنا شفتك يا مراد.

مراد اتجمد.

— شفت إيه؟

أمينة بصت له، والدموع بتجري على خدودها.

— شفتك خارج من أوضة المستشفى قبل الفجر، وإنت شايل طفلًا غير سيف.

الصمت نزل على المكان دفعة واحدة.

سيف ما اتحركش.

الكابتن فؤاد رفع عينه ناحية مراد.

أما مراد، فكان واقفًا كأن حد سحب منه القدرة على الكلام.

سيف حاول يستوعب الجملة.

— طفل... غيري؟

أمينة حطت إيدها على بُقها، وكأنها ندمت إنها قالتها.

مراد قرب منها بسرعة.

— أمينة، إنتِ كنتِ تعبانة وقتها، واللي شوفتيه...

صرخت فيه:

— أنا ما كنتش بهلوس يا مراد! أنا شفتك بعيني! دخلت عليّا بعد ما رجعت، وقلت لي إن كل حاجة انتهت، وإن محدش هيقدر يوصل لابننا. لكنك ما قلتليش كنت فين، ولا الطفل اللي شيلته ده كان مين!

سيف حس إن رجليه مش شايلينه.

سند إيده على ظهر الكرسي، وبص لأبوه.

— بابا... هو فيه طفل تاني اتولد في نفس الليلة؟

مراد حاول يقرب منه.

— سيف، اسمعني...

سيف رجع خطوة.

— جاوبني بس. فيه طفل تاني؟

مراد نزل عينه.

وما قالش أيوه.

وما قالش لأ.

لكن سكوته كان كافيًا يخلي كل شيء سيف كان فاكره عن يوم ميلاده يتحول لأسئلة.

في اللحظة دي، جرس الباب رن.

الكل بص ناحية الباب.

الكابتن فؤاد اتحرك بحذر، لكن مراد سبقه وراح يفتح.

كان ناصر واقفًا بره.

وشه مرهق، وعينيه فيها خوف واضح.

أول ما دخل، بص لمراد وقال:

— لازم نتكلم دلوقتي.

مراد رد بعصبية:

— مش وقته يا ناصر!

ناصر بص ناحية سيف، وبعدها لأمينة.

— للأسف، وقته جه.

سيف قرب منه.

— حضرتك عرفت إيه؟

ناصر بلع ريقه، وقال:

— عرفت إن الراجل اللي رجع مش بيدور على انتقامه بس.

سيف سأله:

— أمال بيدور على إيه؟

ناصر بص لمراد.

مراد هز راسه، وكأنه بيترجاه ما يكملش.

لكن ناصر قال:

— بيدور على طفل اتولد في نفس ليلة ولادتك يا سيف... طفل اختفى من المستشفى قبل الفجر.

سيف حس إن الدنيا سكتت حواليه.

بص لأمه، وبعدها لأبوه.

— هو ده الطفل اللي ماما شافت بابا شايله؟

ناصر ما ردش مباشرة.

لكن عينيه راحت ناحية الورقة اللي على الترابيزة.

وبمجرد ما شافها، اتغيرت ملامحه.

— إنتوا لقيتوا الورقة دي؟!

مراد قرب منه.

— إنت تعرفها؟

ناصر مد إيده ناحية الورقة، لكن سيف سحبها قبله.

— محدش هياخد حاجة من غير ما أفهم هي إيه!

ناصر وقف مكانه، وبص لسيف طويلًا.

وبعدين قال بصوت واطي:

— الورقة دي كانت المفروض تتحرق من عشرين سنة.

سيف رد:

— ليه؟

ناصر فتح بُقه، لكنه قبل ما ينطق، موبايله رن.

بص للشاشة.

رقم مجهول.

رد من غير ما يتكلم.

جاله صوت الرجل نفسه، لكن المرة دي ما كانش هادي زي كل مرة.

كان بيتكلم بسرعة، وأنفاسه متقطعة.

— ناصر... اسمعني كويس. ما تخلّيش مراد يفتح الملف الأزرق. لو فتحه، كل اللي خبّيتوه هيظهر.

ناصر اتجمد.

مراد رفع رأسه فجأة.

— الملف الأزرق؟!

الصوت كمل:

— أنا ما عنديش وقت. فيه حد وصل للمكان قبلي، ولو الورق خرج من هناك، محدش فيكم هيقدر يوقف اللي جاي.

ناصر صرخ في الهاتف:

— إنت فين؟!

جاءه الرد، مصحوبًا بصوت ارتطام عنيف.

— اسمعني... الطفل التاني مش هو اللي اختفى...

ثم سمعوا صوت نفس حاد، وبعده جملة أخيرة:

— الطفل التاني هو اللي رجع...

وانقطع الاتصال.

ناصر فضل ماسك الموبايل، ووشه فقد لونه.

سيف قرب منه.

— يعني إيه الطفل التاني هو اللي رجع؟! مين الطفل ده؟!

مراد اتحرك ناحية العلبة المعدنية القديمة، وبدأ يفتش بين الأوراق بسرعة، كأنه بيدور على شيء نسيه من سنين.

أمينة كانت بتبكي، وبتردد:

— يا رب استر... يا رب استر...

وفجأة، مراد طلع ورقة مطوية من قاع العلبة.

كانت ورقة زرقاء باهتة، عليها ختم قديم، وفي أعلاها مكتوب:

«ملف رقم 17 — واقعة اختفاء مولودين.»

سيف مد إيده ياخدها.

لكن مراد ما سابهاش.

فضل ماسك طرفها، وبص لابنه نظرة عمره ما شافها في عينيه قبل كده.

وقال بصوت مبحوح:

— سيف... مهما قريت في الملف ده، لازم تعرف إنك ابني.

سيف رد، وصوته بيترعش رغم محاولته الثبات:

— أنا مش بسأل إذا كنت ابنك يا بابا... أنا بسأل مين الطفل التاني!

مراد غمض عينيه لحظة.

وبعدين سلّمه الملف.

سيف فتحه.

أول ورقة كانت فيها صورة قديمة لطفلين حديثي الولادة، ملفوفين ببطانيتين متشابهتين.

وتحت الصورة، كان فيه اسم واضح على البطانية الأولى:

سيف مراد الجوهري.

أما البطانية التانية، فكان الاسم مكتوبًا عليها، لكن حد شطبه بعنف.

سيف قلب الورقة، فلقى في ظهرها سطرًا واحدًا:

«تم العثور على أحد الطفلين، بينما ظل الطفل الآخر مجهول المصير.»

وتحت السطر، كان فيه توقيع الطبيب المسؤول.

سيف قرب الورقة من عينه.

ثم رفع رأسه ببطء ناحية أبوه وأمه وناصر.

— يعني إيه مجهول المصير؟!

ماحدش رد.

قلب الورقة اللي بعدها.

كانت فيها قائمة بأسماء الأشخاص اللي دخلوا المستشفى ليلة ولادته.

قرأ الاسم الأول.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

وفجأة، اتسعت عيناه.

لأن آخر اسم في القائمة ماكانش اسم رجل غريب، ولا طبيب، ولا ممرض.

كان اسم شخص يعرفه جيدًا.

روح ناصر.

سيف رفع عينه ناحية ناصر، والورقة بترتعش في إيده.

— إيه علاقة روح باللي حصل ليلة ولادتي؟!

ناصر فتح بُقه، لكن ما خرجش منه صوت.

وفي اللحظة نفسها، وصل لسيف إشعار جديد.

رسالة من الرقم المجهول.

فتحها.

كانت صورة حديثة لروح، قاعدة في عربيتها جنب أبوها.

وتحت الصورة، جملة واحدة:

«دلوقتي عرفت ليه أبوها كان بيحاول يبعدها عنك؟ لأن الحقيقة مش إن روح قريبة من ماضيك يا سيف... الحقيقة إن ماضيك بدأ منها.»

سيف فضل باصص للشاشة.

وبعدين رفع عينه ناحية ناصر.

— حضرتك قلت لي قبل كده أبعد عن بنتك... كنت عارف إيه عني وعنها؟

ناصر ما ردش.

مراد مد إيده ياخد الملف، لكن سيف رجع خطوة، وضم الورق لصدره.

— لأ يا بابا. المرة دي محدش هيقفل الملف، ومحدش هيقولي مش وقته.

بص لهم كلهم، واحدًا واحدًا.

— أنا هعرف مين الطفل التاني، وليه اسمه اتمسح، وليه اسم روح موجود في الملف، ومين الراجل اللي بتقولوا إنه مات ورجع.

صوته هدي فجأة، لكن عينيه بقت أكثر ثباتًا.

— بس قبل كل ده، عايز إجابة على سؤال واحد...

سكت لحظة.

ثم رفع الورقة اللي عليها اسم روح.

— روح اتولدت في نفس المستشفى ليلة ما اتولدت أنا... ولا كانت موجودة هناك علشان حاجة تانية خالص؟

ماحدش رد.

لكن موبايل ناصر رن مرة تانية.

المرة دي، ماكانش رقم مجهول.

كانت مكالمة من روح.

ناصر رد بسرعة.

— أيوه يا روح؟!

جاله صوتها متوترًا، وكأنها بتحاول تمنع نفسها من البكاء.

— بابا، أنا في البيت... وفيه حد خبط على الباب.

ناصر وقف مكانه.

— ما تفتحيش لحد! إنتِ لوحدك؟!

— أيوه، بس الشخص ده قال إنه يعرفك، وإنه جاي يسلّمك حاجة.

ناصر صرخ:

— روح، ابعدي عن الباب فورًا!

لكن قبل ما تكمل كلامها، سمعوا صوتها من الطرف التاني، متقطعًا ومليان صدمة:

— بابا... هو بيقول إن اسمه...

ثم سكتت.

ناصر ناداها:

— روح؟! روح، ردي عليّا!

جاله صوت رجل من بعيد، هادي وواضح:

— مساء الخير يا بنت ناصر.

ثم سمعوا روح بتقول بصوت مرتعش:

— بابا... ده هو... الراجل اللي في الصورة!

وانقطع الخط.

يتبع... 🥊🔥..



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة