رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل العشرون 20 ج1 بقلم سلمى جاد


رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل العشرون 20 ج1 بقلم سلمى جاد



سليم، لو سمحت سيبني. أنا عايزة أروح.»

لم يستمع سليم لكلماتها، بل رفع يده وأحاط وجهها، وهو يقول بابتسامة تصميم وعند عاشق ليس له حدود:

«قولتلك، إنتي عمرك ما هتخلصي مني ولا هتتحرري من حبي. هتفضلي مسجونة في سجن عشقي لآخر يوم في عمرك. ريحانة، إنتي اتكتبتي ليا من أول يوم ليكي في الدنيا.»

ليصمت ثواني قبل أن يقول دون مقدمات:

«ريحانة... أنا رجعتك لعصمتي بعد أسبوعين بس من طلاقنا.»

شهقت بصدمة، وشعرت وكأن دلو ماء بارد سقط عليها في عز البرد، لتهمس بعدم تصديق:

«إنت بتقول إيه؟!»

تجمعت الدموع في عينيها الفيروزيتين، لتنظر له بعدم تصديق، منتظرة أن يخبرها أنه فقط يمزح معها.

«سليم، إنت بتهزر، صح؟ قولي إنك بتقول كده عشان تعصبني.»

ظل سليم صامتًا، ينظر لها وأنفاسه عالية، وصدره يرتفع ويهبط من سرعة أنفاسه، لتهز ريحانة رأسها برعب من صمته.

«سليم، إنت بجد رجعتني لعصمتك؟!»

نظر لها سليم لثوانٍ، وهو يفكر، إذا كذب عليها هذه المرة، ستفقد ثقتها فيه للأبد؛ لذلك قرر أن يكون صادقًا هذه المرة.

سحب نفسًا عميقًا، وقال بهدوء:

«أنا فعلًا كنت بحسب إني أقدر أردك لعصمتي، لكن عرفت بعد كده إنه لا يجوز؛ لأني لسه مملكش عدة عليكي.»

صمت لثوانٍ، ثم أكمل بابتسامة:

«بس أنا بجد عايز نتجوز من جديد يا ريحانة، ووقت ما كنت عايز أردك، كنت عشان فعلًا ندمان.»

ظلت ريحانة ترمقه بصدمة، ليتفاجأ سليم بها تدفعه فجأة بيديها على صدره، وهي تصرخ:

«إنت فاكر نفسك مين؟ إنت شايفني لعبة في إيدك يا سليم يا دالي؟ تطلقني وقت ما إنت عايز، وعايز ترجعني وقت ما بتحب!»

قال سليم محاولًا امتصاص غضبها:

«ريحانة، اهدي.»

صرخت ريحانة بصوت عالٍ:

«مش ههدي يا سليم .. فاهم يعني إيه مش ههدي؟ إلا لما تعترف إن حكايتنا انتهت. افهم بقى يا بني آدم إحنا اتطلقنا خلاص، وأنا مش موافقة أرجعلك»

لم يستطع سليم تمالك أعصابه، فأمسكها من كتفيها بشدة وهزها بعنف.

«قولتلك اهدي»

كانت تتنفس بصوت عالٍ، وتنظر داخل عينيه والدموع تملأ مقلتيها، وتهز رأسها بعدم تصديق. وفجأة، ضحكت بسخرية، وهي تبعد يده عن كتفها.

«وطبعًا إنت لما كنت عايز تردني لعصمتك، كان بعد ما عرفت الحقيقة، وإن أبويا مقتلش أهلك.»

أكملت بوجع:

«فقلت بقى أردها تاني، ما أنا خلاص طلعت غبي وكنت ظالمها.»

جز سليم على أسنانه بغضب من كلماتها المسيئة له، لكنه قدّر حالتها، ليقول بهدوء:

«أولًا، أنا فكرت في ردك لعصمتي بعد أسبوعين بس من فرحنا، يعني مكنتش لسه عرفت الحقيقة. عشان لو زي ما بتقولي، عملت كده بعد ما عرفت الحقيقة، على الأقل كنت هرجع مصر على طول وأعرفك كل حاجة. لكن أنا مرضتش أظهر في حياتك إلا لما تهدي وتاخدي وقتك في الزعل، خصوصًا لما لقيتك رجعتي لدراستك وقربتي تتخرجي.»

ضحكت بوجع.

«والمفروض أصدق بقى الكلام ده؟»

مسحت دموعها بعنف وقالت:

«وليه مقولتليش؟»

قال سليم بابتسامة:

«عشان عارف إنك عنيدة. لو كنت عرفتك أول يوم شوفتيني فيه بعد اللي حصل، مكنتش هبقى ضامن رد فعلك. كان لازم أثبتلك إني فعلًا اتغيرت وندمان. وعفكرة، أنا عرفت أبوكي من أول يوم إني كنت عايز أردك لعصمتي.»

اتسعت عينا ريحانة من الصدمة.

«إيه؟! بابا كان عارف؟»

قال سليم، وهو يتذكر حواره مع أدهم. في اليوم الذي سافر فيه الغردقة مع ريحانة :
«أيوه، هو في الأول كان فاكر زيي إني كده رديتك، وإن ده يجوز، لكن اكتشفنا بعدين إن مينفعش، وإن لازم نتجوز من أول وجديد.»

**فلاش باك**

«ألو.»

«ألو يا حمايا.»

قال أدهم بغضب:

«اتوكّس يا غبي،قال حمايا قال»

قال سليم باستغراب:

«فيه إيه؟ هو مش أبو الزوجة بيتقال عليه حما؟ هما غيروها ولا إيه؟»

قال أدهم بغضب:

«إنت يا بني آدم سألت كويس قبل ما ترد ريحانة لعصمتك؟ يعني سألت دار الإفتاء وأكدولك إنه يجوز؟»

قال سليم باستغراب:

«لا، أنا سألت شات جي بي تي ، وعرفت إني عادي أردها حتى لو من غير علمها.»

قال أدهم بنفاد صبر:

«شات جي بي تي يا تافه؟ إنت بتاخد منه معلومات زي دي؟ المهم، أنا كنت حاسس إن الموضوع مش راكب على بعضه، وعشان كده سألت كذا شيخ، وكلهم قالولي إن ردك لها لا يجوز .لإن الطلاق قبل الدخول يُعد طلاقا بائنا، لا تصح فيه الرجعة بمجرد إعلان الزوج أنه أعاد زوجته، وإنما يحتاجان إلى عقد زواج جديد برضاها. 

صمت سليم ببهوت،يستوعب الصدمة، ثم نطق بعد صمت دام لثوان «يعني مش هتساعدني إني أقرب من ريحانة عشان توافق إننا نرجع ونتجوز من جديد؟»

أدهم بنفاذ صبر «للأسف، مضطر أساعدك؛ لأني عارف إنها بتتنيل لسه وبتحبك. ولو مش متأكد إنك ندمت وبتحبها فعلا مستحيل أساعدك، بس قسمًا عظيمًا يا سليم، لو زعلتها، مش هيكفيني فيك مو.تك.»

**عودة إلى الحاضر**

نظرت ريحانة بصدمة.

«يعنى إيه؟! بابا كان بيساعدك ؟إزاي ده هو أكتر واحد شاف حالتي كانت عامله إزاي بعد ما إنت سبتني»

ضحكت بسخرية وأكملت:

«يعني أنا طلعت المغفلة الوحيدة في الليلة دي، وإنت الباشا كنت عايز ترجعني من غير حتى ما تكلف نفسك وتعرفني، أو حتى تسيبلي حرية الاختيار. بس من إمتى سليم بيه الدالي بيعمل حساب للي قدامه؟ أهم حاجة يعمل اللي في دماغه.»

قال سليم بصدق:

«ريحانة، صدقيني، والله العظيم بحبك. ولما فكرت في رجوعنا، كان عشان بحبك. ومعرفتكش إني كنت فاكر إني رديتك عشان عارفك عنيدة وهتصممي منرجعش ولا نتجوز من جديد.»

رفعت حاجبها باستنكار.

«ومين قالك إني دلوقتي مش مصممة؟»

رفع سليم حاجبه ببرود.

«يعني إيه؟»

عقدت ريحانة يديها أمام صدرها وقالت بعند:

«يعني أنا مش موافقة أتجوزك يا سليم، ورجلك فوق رقبتك، أنا مش هسمحلك تقرر عني حياتي، أنا ليا شخصية ومش هسمحلك تلغيها.«

نظر لها سليم بصمت لثواني، ثم فجأة .. تعالت أصوات ضحكاته بقوة، لدرجة استفزت ريحانة، وبدأت تدب بقدمها بغضب.

«بتضحك على إيه؟ أنا قولت إيه يضحك؟»

اقترب منها، ثم وضع كف يده على وجنتها وقرصها بمشاكسة.

«شئتي أم أبيتي يا قلبي، أنا مش هسيبك إلا لما ترجعي على ذمة سليم الدالي، إنتي فاكرة إن الجواز من راجل زيي بالساهل؟ دي حاجة نص بنات مصر بيحلموا بيها»

قالت ريحانة بابتسامة قاصدة استفزازه، مثلما يفعل:

«بس إحنا متطلقين شرعًا. إيه هتعاند في دي كمان يا سليم يا دالي؟»

همس سليم أمام وجهها بابتسامة ماكرة، وعيناه مسلطتان على شفتيها:

«لا مش هعاند ياقلب سليم الدالي، بس بردو مش هسيبك، وبعد ما نتجوز من أول وجديد، حالتك الاجتماعية مش هتتغير أبدًا إلا في حالة واحدة.»

سألته ريحانة بحيرة:

«حالة إيه؟»

قالها بإصرار غريب وتملك واضح  :«موتي... الحالة الوحيدة اللي حالتك الاجتماعية ممكن تتغير فيها هتكون من متزوجة لأرملة، وساعتها هكتب وصية إنك متتجوزيش من بعدي عشان أضمن إنك تفضلي وفية ليا لحد ما تلحقيني.»

عضت ريحانة على شفتيها بغيظ، لتصرخ في وجهه:

«مستفزززززز وبارررررد!»

ثم تركته وسارت نحو مقدمة المركب، وقالت:

«لو سمحت يا عمو، رجعنا يلا.»

أومأ المراكبي برأسه، وهو ينظر لكليهما باستغراب ويهمس:

«إيه جوز المجانين دول؟»

مر الوقت، وبدأت المركبة تغير اتجاهها للعودة إلى اليابسة. ظلت ريحانة واقفة، معطية ظهرها لسليم وتنظر للنيل، بينما خلفها يقف سليم ينظر لها بابتسامة عاشقة، ويهمس بسخرية:

«قال حكايتنا خلصت قال! ده بعدك يا ريحانة.»

_____________________________________________________________

اتسعت عيناها العسليتان برعب، وقالت بصوت مرتعش:

«حاجة إيه؟!!!!!!!»

ابتسم ياسين بحماس، وقال:

«بما إنك هتتنقلي النهارده من شقتك لشقتي، فإيه رأيك لو نعملها بطريقة حلوة؟»

هدأت آيات نوعًا ما، لكنها سألته بعدم فهم:

«مش فاهمة.»

أمسك ياسين يدها وقال لها:

«تعالي أفهمك قصدي.»

بعد دقائق...

كانت آيات تقف في الطرقة الفاصلة بين شقتها وشقة ياسين. اقتربت من الباب ودقت عليه كما طلب منها ياسين. مرت ثوانٍ، ففتح لها ياسين الباب، ومعه إياد، الذي كان ينظر لها بحماس؛ فياسين كان قد فهمه أنهما سيلعبان جميعًا.

اقترب ياسين من آيات، وابتسامة دافئة على وجهه، حتى وقف أمامها مباشرة، وهمس:

«النهارده أسعد يوم في حياتي.»

ابتسمت آيات بخجل، وهي تنظر إلى الأسفل، ثم شهقت عندما حملها ياسين بين يديه على غفلة.

قالت آيات وهي تمسك بعنقه بشدة:

«ياسين، نزلني!»

هز رأسه نافيًا، ثم قال:

«لأ، مش هتدخلي البيت ده غير وإنتي متشالة.»

ثم نظر إلى إياد الواقف عند الباب، وقال:

«صح يا إياد؟ مش دي قواعد اللعبة؟»

هز إياد رأسه بتأكيد، وقال:

«أيوه يا ماما، لازم عشان تدخلي بيتنا يكون بابا شايلك.»

ابتسم ياسين ونظر لها بحب، لتبادله النظر وهي تبتسم بخجل.

سار ياسين بها في الطرقة ذهابًا وإيابًا من شقتها لشقته، وأخيرًا وصل أمام باب شقته، وهو ينهج بتعب.

«أنا بقول كفاية كده.»

رفعت آيات حاجبها باستنكار، وقالت:

«قصدك إيه يا دكتور ياسين؟ هو أنا تقيلة؟»

ضحك ياسين بخفة.

«لأ يا قلبي، ده إنتي زي الفراشة.»

ثم اقترب من أذنها وهمس ببعض الكلمات التي جعلتها تحمر من الخجل.

دخل من باب الشقة وهو يحملها بين يديه ويضمها إلى حضنه، وسار بها في اتجاه غرفته، وإياد يسير خلفهما، ثم أنزلها أخيرًا أمام الباب.

كان ياسين لا يزال قريبًا منها، فقال:

«نورتي بيتك يا عروسة.»

ابتسمت آيات بخجل ولم ترد، ليحمحم ياسين بخشونة، ثم قال:

«طيب، ادخلي يلا غيري هدومك. أكيد الفستان خنقك، وأنا وإياد هنقعد في الصالة ونلعب.»

أومأت آيات برأسها بهدوء، ودخلت الغرفة، ثم أغلقت الباب، بينما حمل ياسين إياد وخرج للصالة، وهو يستمع إلى صوت إياد المتحمس عن اللعبة التي أهداها له الجد.

بعد نصف ساعة، كانت آيات واقفة في الغرفة تفرك أصابعها بتوتر، وتتأمل نفسها في المرآة. كانت ترتدي قميصًا نسائي باللون السكري طويلًا يتعدى ركبتيها ببعض السنتيمترات، من قماش الدانتيل، يعلوه روب ستان قد أغلقته بإحكام على خصرها.

أمسكت المشط بهدوء، وبدأت تسرح خصلات شعرها البنية الناعمة ببطء. انتهت ووضعت الفرشاة، ثم التقطت علبة المكياج الخاصة بها، وأخرجت منها روج شفاه باللون الأحمر القاني، وبدأت في وضعه على شفتيها برقة.

وما إن انتهت، حتى ابتعدت لترى نفسها، فابتسمت بخفة؛ فاللون كان ملائمًا جدًا للون بشرتها الحليبية ...لكنها شهقت بصدمة عندما فُتح باب الغرفة فجأة، ليسقط أحمر الشفاه من يدها على الأرض.

رفعت رأسها لتجد ياسين يقف عند باب الغرفة.

قال ياسين بإحراج:

«أنا آسف والله، إني دخلت من غير ما أخبط، بس لسه مش متعو...»

توقفت الكلمات على لسانه فجأة، وبلع ريقه بصعوبة عندما أدرك أنها تقف أمامه بتلك الهيئة، وبدون حجاب.

نظر إلى خصلات شعرها الحريرية ذات التموجات البسيطة، بلونها البني الفاتح، التي تصل إلى منتصف كتفها، ثم انزلق بنظره أكثر ليرى ملابسها الرقيقة.

اقترب بدون وعي حتى دخل الغرفة، ثم دفع الباب بقدمه لينغلق على الفور.أمسكت آيات طرف روبها بتوتر بالغ، وهي تجده يقترب منها. بدأت هي ،تتراجع للخلف، بينما هو يقترب أكثر.

شهقت آيات بخفوت عندما اصطدم ظهرها فجأة بالحائط، بينما كان ياسين قد وصل أمامها مباشرة. تنفست بتوتر، وتعالت نبضات قلبها عندما رفع ياسين يده بدون وعي، يلمس خصلة من شعرها ويلفها حول أصابعه.

ضمت آيات شفتيها بخجل عندما رأته يلف خصلة شعرها حول إصبعه ، ثم يقربها من أنفه ويستنشق رائحتها بعشق، قبل أن يهمس بهيام:

«ريحتها تجنن، زي الورد البلدي.»

رفع ياسين عينيه لها، ليجد جسدها متجمدًا من التوتر، وعينيها مغمضتين بشدة. قطب جبينه بدهشة من حالتها تلك، ورفع كف يده يلمس خدها.

«آيات، مالك؟ إنتي خايفة مني؟»

فتحت آيات عينيها ببطء، لتتقابل مع عينيه اللتين ترمقانها بحيرة. سحبت نفسًا عميقًا، وقالت بابتسامة دافئة:

«أنا مقدرش أخاف منك يا ياسين.»

ابتسم ياسين وجذبها تجاهه، لتتفاجأ آيات به يضمها إلى صدره بحنان، ويربت على خصلات شعرها بهدوء.

أغمضت آيات عينيها براحة وسكينة من ذلك الشعور، وهي تسمع دقات قلبه بوضوح؛ فقد كانت تضع أذنها عند موضع قلبه مباشرة.

همس ياسين بشجن:

«بحبك يا آيات.»

أغمضت آيات عينيها بشدة بعد تلك الكلمات، لتبتعد عنه فجأة، وهي تبعد خصلة شاردة خلف أذنها بتوتر.

قال ياسين باستغراب:

«فيه إيه يا آيات؟»

غضت آيات شفتيها بتوتر.

«أنا... أنا...»

«إنتي إيه؟»

«أنا كنت عايزة أعترفلك بحاجة مهمة، ولو سمحت اسمعني للآخر.»

عقد ياسين ذراعيه أمام صدره، قائلًا بهدوء:

«تمام، سمعك.»

كادت آيات أن تفتح فمها، لكن قاطعها صوت دقات على الباب، تبعها صوت إياد:

«ممكن أدخل يا مامي؟»

نظر ياسين ناحية الباب، ثم نظر لآيات وقال:

«نبقى نتكلم بعدين. شوفي إياد عايز إيه.»

أومأت آيات برأسها بتوتر، واتجهت للباب وفتحته لإياد.

قال إياد بنعاس، وهو يفرك عينه:

«ماما، أنا عايز أنام. تعالي نيميني.»

داعبت آيات خصلات شعره.

«حاضر يا حبيبي، هنيمك.»

نظرت خلفها لياسين الواقف مكانه يراقبها بصمت، وقالت بتوتر:

«ياسين، لو سمحت، أنيم إياد في أنهي أوضة؟»

تنهد ياسين وقال:

«نيميه الأوضة اللي قدامنا، أنا وضبتهاله.»

أومأت آيات برأسها، لكن فجأة قال إياد بدموع وحزن:

«هو إنتي هتسيبيني أنام لوحدي يا ماما؟»

رفعت آيات عينيها لياسين ونظرت له بتوتر، لا تعلم ماذا تقول، لكنها صُدمت عندما اقترب ياسين منهما وجلس على ركبتيه أمام إياد، وقال بحنان:

«لأ يا حبيبي، إنت هتنام النهارده معانا، بس اوعدني إن الأيام الجاية هتبدأ تتعود تنام لوحدك، عشان إنت كبرت.»

أومأ إياد برأسه بفرحة.

«أوعدك.»

بينما كانت آيات تنظر لياسين بامتنان من حنيته.

وقف ياسين ونظر لها بهدوء.

«أنا هخرج لحد ما تنيميه.»

ابتسمت آيات.

«تمام.»

غادر ياسين الغرفة، لتتنهد آيات بعمق، ثم تحمل إياد وتتوجه ناحية السرير.

بعد ربع ساعة، خرجت آيات من الغرفة وسارت في الطرقة، وهي تنظر حولها بخوف؛ فالبيت ما زال غريبًا عنها. لكن خوفها اختفى على الفور واطمأنت حين وجدت ياسين جالسًا على الأريكة في الصالة، يتصفح هاتفه.

اقتربت ببطء حتى وقفت أمامه، ثم حمحمت بخفوت ليشعر ياسين بوجودها.

«أنا نيمت إياد خلاص.»

اعتدل ياسين في جلسته، ثم قال بنبرة هادئة:

«اقعدي يا آيات، عايز أتكلم معاكي.»

أومأت برأسها بتوتر وجلست برفق، وهي تضم الروب الخاص بها.

مد ياسين يده وأمسك بيدها بحنان، ثم قال بابتسامة دافئة، وهو ينظر إلى خصلات شعرها:

«شعرك ما شاء الله جميل أوي.»

ابتسمت بخجل، وهي تعيد خصلة شاردة خلف أذنها، وهمست:

«عجبك؟»

قال بابتسامة:

«شبه خيوط الحرير البني.»

ضمت شفتيها بخجل، ليقوم ياسين بجذب رأسها ووضعها على صدره، ثم يحاوط خصرها برفق، ويقترب ليقبل رأسها، قائلًا بهيام:

«إنتي كل حاجة فيكي جميلة يا آيات.»

تنهدت آيات بفرحة، وهي تشعر بارتفاع نبضات قلبها بجنون من قربه.ظل الصمت مسيطرًا عليهما لدقائق، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسهما المنتظمة، ليكسر ياسين الصمت فجأة:

«آيات؟»

همهمت بخفوت:

«امممم.»

«كنتي عايزة تقوليلي إيه وإحنا في الأوضة؟»

ضمت آيات شفتيها بتوتر، ثم ابتعدت عنه ونظرت له بارتباك قبل أن تسحب نفسًا عميقًا، فقد حان وقت المواجهة.

«ياسين، أنا عايزة أعترفلك بحاجة. هي حاجة كان لازم أقولها من بدري، لكن مقدرتش.»

أومأ ياسين برأسه بهدوء، وهو يحثها على التكملة:

«ماشي، قولي.»

عضت شفتيها بتوتر بالغ، لدرجة أن شفتيها احمرتا بشدة من كثرة الضغط.

«أنا... أنا...»

«إنتي إيه؟»

أغمضت عينيها بشدة، وقالت بصوت مرتعش:

«إنت عارف إيه السبب الأساسي اللي مازن الله يرحمه كان بيشك فيا بسببه وبيضربني دايمًا؟»

ضم ياسين شفتيه بغضب من تلك السيرة، لكنه هز رأسه نافيًا.

«لأ.»

«عشان أنا كنت برفض إنه يقرب مني.»

صمتت لثوانٍ تستجمع شجاعتها، ثم قالت بسرعة:

«أنا متممتش جوازي من مازن.»

صمت ياسين بصدمة، كأنه يستوعب معنى كلماتها، ليقول ببطء شديد، وخوف من أن يكون ما ظنه خطأ:

«يعني إنتي لسه...؟»

أومأت آيات برأسها سريعًا بخجل، وهي تغمض عينيها بشدة.

تعالت أنفاس ياسين بشدة، ونظر لها بصدمة، يشعر بأحاسيس غريبة تهجم عليه؛ صدمة، وذهول، وفرحة، وعدم تصديق.

فهو قد ظن أنهما تقابلا متأخرًا. كم مرة تمنى أن يظهر في حياتها قبل ذلك المدعو مازن .... بالتأكيد كان سيتزوجها أولًا، لكن يا سبحان الله! فبالرغم من أنها تزوجت قبله، لكن ظلت محفوظة له.

اقترب ياسين ووضع كف يده على وجنتها، وقال بصوت مرتعش من أثر الفرحة:

«بجد يا آيات؟ إنتي بتتكلمي بجد؟ بصي، لو بتقولي كده عشان مزعلش، أنا والله مش هزعل. أنا مش هنكر إني كنت بتمنى أقابلك قبل مازن، وأتجوزك وأكون أول بختك، زي ما إنتي أول بختي. آيات، بجد مازن مقربش منك؟»

نفت آيات برأسها، والدموع متجمعة في مقلتيها.

«لأ والله، أنا كنت محافظة على نفسي. مكنتش لسه قابلتك، بس كنت دايمًا بحس إني مقدرش أدي حاجة غالية زي دي لواحد زي مازن.

كنت على طول بقفل الباب على نفسي بالليل، خايفة مازن ياخدني غصب. كنت بفضل أعيط وأنا سامعاه بيخبط على الباب بجنون، وأنا قاعدة على الأرض مرعوبة، و...»

لم يجعلها ياسين تكمل حديثها، بل ضمها بقوة، مشددًا على جسدها داخل أحضانه، يود لو يخفيها بين أضلاعه حتى يضمن أنها ستظل جزءًا منه للأبد.

ظلا هكذا لدقائق، قبل أن يبتعد ياسين عنها، وينظر لها، وعينيه البنيه اغمق لونهما بمكر، ثم قال:

«يعني ده معناه إن...»

قاطعته آيات بخجل:

«ياسيين!»

قال بهيام :

« يقلبه. »

ثم غمز بعينه بمشاكسة.

«شكل كده الأوضة اللي كنت مجهزها لإياد هتكون من نصيبنا النهارده.»

كادت آيات أن تعترض بخجل، لكنه لم يعطها فرصة للاعتراض، فقد حملها فجأة واتجه للداخل.

_____________________________________________________________

**في صباح يوم جديد**

وقفت ريحانة بسيارتها أمام مبنى ضخم، ثم ترجلت من السيارة لتقف أمام المبنى. كانت خصلات شعرها تتطاير من نسمات الهواء، فرفعت يدها ببطء وخلعت نظارتها الشمسية، وهي تتأمل المبنى بشرود، والعديد من الذكريات تداهمها.

رفعت رأسها للافتة الكبيرة الموضوعة على المبنى، والمدون عليها بخط عريض: **شركة الدالي جروب**.

سحبت نفسًا عميقًا، ثم توجهت للداخل.

بعد دقائق، خرجت من المصعد وسارت في الطرقة، وهي تبتسم دون وعي، تتذكر جميع الذكريات التي عاشتها في هذا المكان عندما كانت تعمل هنا.

وصلت لنهاية الطرقة، ليجذب انتباهها مكتبان يفصل بينهما مسافة قصيرة؛ أحدهما كان مكتب سليم، والآخر كان مكتبها.

أفاقت من شرودها على صوت السكرتيرة:

«حضرتك محتاجة حاجة؟»

انتبهت ريحانة وقالت:

«أنا ريحانة السويسي، كنت جاية عشان آخد ملفات المشروع.»

ابتسمت السكرتيرة.

«أهلًا بحضرتك يا ريحانة هانم، نورتي الشركة. أيوه يا فندم، سليم بيه كان مبلغ إن حد من شركة السويسي هييجي ياخد الملفات، بس لسه حضرتك تعبتي وجيتي بنفسك؟ كنتي ممكن تبعتي أي حد ياخدهم.»

ابتسمت ريحانة.

«مفيش مشكلة، أنا جيت وخلاص.»

«تمام يا ريحانة هانم، هدخل أجيبهم من المخزن. ثواني، مش هتأخر على حضرتك.»

أومأت ريحانة برأسها بهدوء، لتغادر السكرتيرة من أمامها وتدخل إحدى الغرف، تاركةً إياها وحدها.

رفعت ريحانة رأسها، فوقعت عيناها على غرفة المكتب الموجودة أمامها. نظرت حولها بتوتر، وقررت دخول المكتب. وضعت يدها على المقبض، ثم فتحت الباب بهدوء.

ابتسمت بخفة عندما وقع نظرها على الغرفة من الداخل، لتسير بهدوء وهي تتأمل المكان؛ فهذا هو المكتب الخاص بسليم.

اتجهت نحو مكتبه، ولمست الكرسي الذي اعتاد أن يجلس عليه، ثم تحركت نحو الكرسي المقابل.كم مرة جلست في هذا المكان تتناقش معه في الصفقات والمشاريع، في هذا المكان وُلدت أول شرارة حب بينهما، في أول مقابلة عندما جاءت لإجراء الإنترفيو.تذكرت الحوار الذي دار بينهما في ذلك اليوم، وتذكرت ارتعاشة يدها عندما سلمت عليه ولمست كف يده الصلب.

كانت ريحانة لا تزال واقفة شاردة في ذكرياتها، لكنها توقفت فجأة وفتحت عينيها بإدراك ...إذاً كان يكذب عليها بخصوص تجديد الشركة، وأن مكتبه غير قابل للعمل فيه، فقد فهمت أنه فعل كل ذلك حتى يكون معها في نفس المكتب.

هزت رأسها بدهشة، وهي تهمس:

«بجد، هو أنا كنت متوقعة إيه منه؟ أكيد كانت لعبة من ألاعيبه، وأنا بغبائي صدقته.»

لكنها فجأة ابتسمت بدفء حين لمحت الشباك الشيش الخاص بغرفة المكتب.

اقتربت منه بخطوات بطيئة حتى وقفت أمامه مباشرة، وتركت حقيبتها على الأريكة، اقتربت من الشباك ومدت يدها ورفعت الستارة، ليظهر من الجهة الأخرى مكتبها الخاص.

تذكرت كم مرة نظرت إليه باختلاس عن طريق ذلك الشباك الواصل بين المكتبين. نظرت بتركيز داخل الغرفة، وهي تستعيد أحداث ذلك اليوم عندما أُغلق الباب عليهما.

ضحكت بخفة وهي تتذكر ذلك الوقت الذي قضياه سويًا، لتفيق فجأة على صوت خطوات قادمة ناحية المكتب.

انتفضت بخوف، ونظرت حولها بتوتر، تبحث عن مكان تختبئ فيه. لم تجد أمامها سوى طاولة المكتب، فركضت بسرعة وجلست على الأرض واختبأت أسفل الطاولة، وفي نفس اللحظة، فُتح باب المكتب.

تنفست بتوتر وهي تسمع صوت خطوات هادئة بالغرفة، تبعها صوت آخر شخص  تمنت أن يكون موجودًا في هذه اللحظة، حيث سمعت صوته المميز ذي البحة الرجولية وهو يتحدث في الهاتف:

«المناقصة دي لازم ترسى عليَّا بأي تمن، فاهم؟ ارفع السعر زي ما إنت عايز، المهم إن المصنع ده لازم آخده بأي طريقة. ماشي، يلا هكلمك بعدين.»

ضمت شفتيها بتوتر عندما حل الصمت في المكان. رمشت بعينيها أكثر من مرة، وهي تهمس:

«شكله خرج ولا إيه؟»

عندما استمر الصمت، تنفست براحة، وكادت أن تخرج، لكنها فجأة شهقت بصدمة وهي تضع يدها على فمها، عندما رأته يجلس على الكرسي المقابل للطاولة التي تختبئ أسفلها.

كانت ترى قدميه بوضوح، فلو أنزل رأسه بضعة سنتيمترات، فسيراها بلا شك.
كتمت أنفاسها بخوف، وضربات قلبها تزداد، ولا تعلم كيف ستخرج من ذلك المأزق الذي وضعت نفسها فيه.

مرت دقائق وهي على حالتها نفسها، تختبئ أسفل طاولة المكتب الذي يجلس عليه سليم، حيث ترى نصف جسده السفلي وتسمع صوت كتابته على اللابتوب.

نفخت بملل، وبدأت تحرك قدمها بألم، فهي تجلس في وضعية غير مريحة أبدًا.
لكن فجأة دخلت السكرتيرة، وهي تقول:

«صباح الخير يا سليم بيه.»

أجاب، وما زالت عيناه على اللابتوب:

«صباح الخير. فيه حد سأل عليا؟»

«لأ يا فندم، مفيش.»

لكنها توقفت بتذكر، ثم قالت:

«صحيح، فيه حد جه، بس مش عارفة هي اختفت فين.»

قال سليم بعدم اهتمام، وما زال تركيزه على اللابتوب:

«هي مين دي؟»

«ريحانة هانم جت بنفسها عشان تاخد الملفات، ولما دخلت أجيبهملها، رجعت ملقتهاش.»

رفع سليم عينيه بصدمة.

«إيه؟ ريحانة كانت هنا؟»

«أيوه يا فندم.»

قالت ريحانة التي تجلس أسفل الطاولة بهمس ساخر:

«طبعًا مصدوم إني جيت وكشفت كدبك.»

قال سليم باستغراب:

«طيب، هي راحت فين؟ إنتي مش بتقولي مخدتش الملفات؟»

قالت السكرتيرة بحيرة:

«مش عارفة يا فندم، أنا رجعت لقيتها اختفت.»

نظر سليم أمامه بحيرة، يفكر أين يمكن أن تكون قد ذهبت، لكن فجأة لمح شيئًا جعله يقطب جبينه باستغراب؛ فقد رأى حقيبة نسائية موضوعة على الأريكة الموجودة في ركن المكتب.

فقال:

« هي الشنطة دي بتاعتك؟»

نظرت السكرتيرة إلى المكان الذي يشير إليه، وقالت باستغراب:

«لأ، مش بتاعتي. هي جت هنا إزاي أصلًا؟ أنا قافلة المكتب امبارح، ومحدش دخله إلا حضرتك لما جيت النهارده.»

صمت سليم بتفكير، وكاد أن ينهض، لكنه فجأة ضيق عينيه السوداوين بتركيز عندما لمح قدمًا أسفل مكتبه تهتز بتوتر.

هز رأسه بعدم تصديق، وبعد ثوانٍ، ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه، وهو ينظر أسفل المكتب بمكر.

حمحم بخشونة وقال بابتسامة:

«طيب يا نور، خلاص، اخرجي إنتي.»

«تمام، عن إذن حضرتك.»

انتظر سليم حتى أغلقت السكرتيرة الباب، ثم أرجع رأسه قليلًا لينظر إلى الأسفل، حيث رأى بوضوح رجل ريحانة أسفل مكتبه، وكانت ترتدي حذاءً رياضيًا باللون البني.

حرك لسانه في باطن خده بخبث، ثم نهض ببطء واتجه نحو الباب، وعينه على المكتب، ثم قال بمكر وبصوت عالٍ مقصود:

«أنا همشي بقى على شركة السويسي.»

ثم أغلق الباب بهدوء.

مرت ثوانٍ، شعرت خلالها ريحانة بخلو المكتب، وتأكدت من خروج سليم، فنهضت ببطء، وهي تستند إلى الكرسي بتعب.

«يللهوي ...أنا مش حاسة برجلي!»

لكنها شهقت بصدمة عندما رأت سليم أمامها، يقف بهدوء، يعقد ذراعيه أمام صدره، مستندًا إلى الطاولة وينظر لها بنظرات ماكرة، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة.

تراجعت للخلف من شدة الصدمة، لتشهق فجأة عندما التوت قدماها وكانت على وشك السقوط، لكن سليم اقترب منها بسرعة البرق وأمسكها من خصرها، مانعًا إياها من السقوط....




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة