رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل التاسع عشر 19 بقلم سلمى جاد


رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل التاسع عشر 19 بقلم سلمى جاد


فتحت عينيها ببطء، تشعر بثقل وهذيان شديد في جسدها، ولكن بمجرد أن لمحت ضوء الغرفة الأبيض، أغلقت عينيها سريعًا وهي تقطب جبينها بضيق. حاولت فتح عينيها مرة أخرى، لتنجح هذه المرة وتفتح عينيها العسليتين بشكل كامل.

كان أول ما سقطت عليه عيناها هو سقف الغرفة الأبيض. حركت عينيها بصعوبة لترى غرفة واسعة ذات دهان أبيض، يبدو أنها مستشفى، خصوصًا عندما رفعت عينيها لأعلى لتجد علبة المحلول معلقة، وذات سلك مغروز في يدها. تأوهت بألم.

لتجد رجلًا يقترب منها بقلق. نظرت له بتشوش، لتجده رجلًا في نهاية الستينات، لكنه بدا مألوفًا جدًا لها. ثوانٍ، نعم، تذكرت، هذا سعد الدالي. لقد رأته من قبل عندما كانت برفقة ياسين.

ثوانٍ، أين ياسين؟.. ماذا حدث؟

اقترب سعد منها وقال بقلق:
«إنتي كويسة يا بنتي؟»

هزت رأسها بتعب وهي تقول:
«أنا إيه اللي جابني هنا؟ وفين إياد؟ وفين ياسين؟»

تنهد سعد بحزن شديد:
«حمد الله على السلامة يا بنتي، إنتوا نجيتوا بالعافية.»

قطبت جبينها باستغراب، لتتأوه بوجع وهي تلمس بيدها المعلق بها المحلول رأسها بألم. ثوانٍ وبدأت تتذكر ما حدث...

كانت تعبر الطريق وتمسك بيدها إياد الصغير الذي يقفز بسعادة، أما هي فكانت تنظر لياسين بابتسامة دافئة، وهو يبادلها نفس الابتسامة. وفجأة... سمعت صوتًا عاليًا قادمًا من جانبها، وعندما رفعت عينها لمصدر الصوت، رأت سيارة ضخمة تقترب منها بسرعة، ثم بعد ذلك... لم تعد ترى شيئًا آخر.

ما تتذكره أنها اندفعت على الأرض بشدة، وآخر ما سمعته هو صوت إطلاق نار، وصوت السيارة وهي تنطلق بسرعة. ومع اقتراب الناس وتجمعهم حولهم، بدأت تفقد وعيها تدريجيًا، وأصبحت لا ترى سوى صورة سوداء.

شعرت آيات بالخوف، ودموعها تتساقط كالشلالات، وهي تسأل:
«إياد فين؟ ابني فين؟»

قال سعد:
«متقلقيش يا بنتي، الحمد لله، كان هو الوحيد اللي حظه حلو عنك إنتي وياسين. إنتي حميتيه بجسمك، وخدتي ضربة العربية كلها لوحدك. هو بس حصله حاجة كدمه بسيطة في دراعه من وقعته على الأرض، ودلوقتي هو نايم على السرير أهو.»

نظرت بسرعة بجانبها لتجد إياد ينام ببراءة، ويده الصغيرة ملفوفة بشاش أبيض. تنفست الصعداء وهي تبتسم براحة، لكن ثوانٍ وقطبت حاجبيها باستغراب.

«هو حضرتك قصدك إيه إنه الوحيد اللي حظه حلو على عكسي أنا وياسين؟»

صمت سعد بألم ولم يجب. بلعت آيات ريقها بصعوبة وهي تسأله:
«ياسين ماله يا أنكل؟ هو أصلًا مكانش معانا في الحادثة.»

أخفض سعد رأسه بحزن:
«للأسف، العربيه اللي خبطتكم خرج منها واحد مسلح وضرب نار على ياسين.»

شهقت بفزع وهي تهمس باسمه:
«لا، ياسين مستحيل!»

_____________________________________________________________

كان يقف بهيبته المعتادة، يشرف على تدريب الضباط، ويشجعهم بصوته الرجولي العميق بكلمات تحفيزية، فيتحمسوا ويؤدوا أفضل ما عندهم.

قطع انشغاله صوت رنين هاتفه. مد يده في جيب بنطاله وأخرجه، ونظر بهدوء إلى الشاشة. ثوانٍ قبل أن يتنهد بضيق، وأغلق الخط وأعاد الهاتف مكانه.

يزن بصوت عالٍ:
«يلا يا رجالة، اجمدوا كده»

تكرر الاتصال مرة أخرى، وعندما نظر إلى الشاشة، وجده نفس المتصل. نفخ بضيق ورفع رأسه قائلًا:
«كملوا يا رجالة، ثواني وراجعلكم.»

ابتعد عن مقر التدريب وقرر أن يجيب هذه المرة.ححم بخشونة، ثم فتح الخط وقال بصوته الخشن المقتضب:
«نعم، عايزة إيه؟»

جاءه صوتها الرقيق من الجهة الأخرى، وهي تهمس باسمه:
«يزن.»

أغمض عينيه بقوة وهو يتنفس بصعوبة، ثم قال بصرامة:
«فتون، أنا ورايا شغل ومش فاضي.»

فتون بحزن:
«يزن، إنت زعلان مني؟ أنا عارفة إني غلطانة وإني...»

قاطعها صوت يزن بغضب:
«غلطانة!؟ إنتي فاهمة حجم الكارثة اللي عملتيها؟ لولا ستر ربنا وإني لحقتك في الوقت المناسب، كان الو...سخ ده... ااااا»

صمت يزن وهو يجز على أسنانه بقوة ويضغط على الهاتف من شدة غضبه، وهو يتخيل لو لم يصل في الوقت المناسب.

لتسمعه تقول بصوت باكٍ:
«أنا آسفة يا يزن، والله مكنتش أعرف إن كل ده هيحصل.»

سمع صوت شهقاتها الضعيفة من الهاتف، ليغمض عينيه بألم، لكن يجب عليه ألا يستسلم لضعفها حتى تتعلم الدرس.

ليقول باقتضاب:
«بصي يا فتون، اللي حصل امبارح ده، غير تفكيري ونظرتي تجاه حاجات كتير. أنا ثقتي فيكي مبقتش زي الأول، ومش عارف هي إذا كان ممكن ترجع تاني ولا لأ.»

فتون بخوف وهي تتلعثم:
«يعني... يعني إيه؟»

شد على قبضة يده بقوة دامية، وقال بصعوبة:
«يعني أنا مبقتش متأكد لو فعلًا لسه عايزك مراتي ولا لأ.»

صمت، وأنفاسه العالية تتسارع، وهو يسمع صوت بكائها الشديد الذي يقطع نياط قلبه، لكنه حاول التماسك. فيجب أن يكون حازمًا حتى لا تكرر فعلتها مرة أخرى.

ليقول بسرعة حتى لا يضعف أمام صوت بكائها:
«فتون، أنا ورايا شغل ومش فاضي. لازم أقفل.»

أغلق الخط بعد تلك الكلمات، ليتنهد بألم هامسًا:
«حقك عليا يا فوتي، بس لازم أكون قاسي وأقرصلك ودنك عشان تبطلي تهورك ده.»

وضع الهاتف في جيبه وعاد لمقر التدريب، يحاول التركيز، لكن هيهات ..فتفكيره أصبح معها. يفكر كم جرحها بتلك الكلمات القاسية. بالتأكيد هي تبكي الآن، لكنه يصبر نفسه بأنها مسألة وقت وسيعود يعتذر لها ويغدقها بكلماته الحنونة، لكن بعد أن تكون تعلمت الدرس جيدًا.

_____________________________________________________________

في الغردقة

خرج سليم من الحمام يصفر بروقان بعد أن أخذ شاورًا صباحيًا كعادته. وقف أمام الدولاب الخشبي بمنتصف الجناح ليختار طقمًا مناسبًا لحضور اجتماع.

كان يقف عاري الصدر، لا يرتدي سوى فوطة بيضاء ملفوفة حول خصره، وخصلات شعره المبتلة تتساقط منها قطرات الماء لتستقر على عاتقه وتستمر على صدره وصولًا لعضلات بطنه. أخرج بدلة باللون الكحلي، معها قميص بيج وبنطال كحلي، ووضع الملابس على السرير وشرع في خلع الفوطة، لكنه سمع دقات على باب الجناح.

رفع نظره للباب، ثم توجه ناحيته بهدوء وهو يقول:

«أكيد عمال النظافة، هقولهم يستنوا لحد ما أخلص لبس وأخرج من الجناح».

وضع يده على مقبض الباب وهو يقول:

«خمس دقايق بس ونضفوا براحتكم...»

لكن انقطعت كلماته في منتصف الجملة عندما وجد أن الطارق هي ريحانة!

شهقت بصدمة وهي تنظر لهيئته، أما هو فنظر لها بتفاجؤ:

«ريحانة! هو إنتي؟ أنا كنت بحسب حد من خدمة الغرف جاي ينضف الأوضة».

قالت بتوتر، محاولة عدم النظر له:

«أنا... أنا جيت عشان أعرفك إنهم غيروا مكان الاجتماع، بدل ما يبقى في القاعة يكون في المطعم عشان نفطر كلنا سوا».

أومأ سليم برأسه بهدوء:

«تمام».

بينما ريحانة رفعت عينيها بدون وعي منها، فوقعت عيناها على صدره الذي يلمع من قطرات الماء بشكل مثير، لكن سرعان ما خفضت عينيها سريعًا وأردفت بتوتر:

«إنت... إنت إزاي تفتح وإنت كده؟!»

ابتسم بخفة وهو يرفع حاجبه، وقال بصوت مشاغب:

«إيه... بتغيري؟»

اتسعت عيناها من الصدمة، وكادت أن تنفي كلامه باستماتة، إلا أنه لم يعطها فرصة، لتجده فجأة يشد يدها ويجذبها داخل جناحه، ثم يغلق الباب!

وقفت بتوتر رهيب، أنفاسها سريعة بشكل رهيب، تسند بظهرها على الباب، بينما سليم يحاصرها، وأنفاسه الساخنة تخبط في بشرتها، وعيناه تنظران داخل عينيها بعمق لا يترك لها فرصة للفرار.

همست بتوتر:

«سليم».

همهم بخشونة، وما زال على نفس حالته، ينظر داخل عينيها بتوهان، بينما يسند بكلتا يديه على الباب، وفي المنتصف تقف ريحانة، رأسها يصل لبداية عاتقه. من شدة قربها، تكاد جبهتها تلامس عضلات صدره.

أردفت بخجل وهي تغمض عينيها بشدة:

«من فضلك، ابعد، مينفعش كده».

ابتعد فجأة عنها، ليصبح الجو باردًا على ريحانة، فذلك القرب الرهيب كان يجعل حرارة الجو بالنسبة لكليهما تتخطى الأربعين. ابتعد سليم بضع خطوات عن ريحانة وأعطاها ظهره، وهو يتنفس بسرعة، صدره يعلو ويهبط، ويضع يده على خصلات شعره، يمسح عليها بشدة، محاولًا السيطرة على مشاعره التي وصلت لذروتها الآن.

قال سليم فجأة، وما زال معطيًا لها ظهره:

«افتحي الباب».

نظرت لظهره باستغراب، على الرغم من أنها لم تفق كليًا من حالتها، وقالت:

«نعم؟»

قال سليم بتصميم:

«قولتلك افتحي الباب حالًا».

قطبت جبينها باستغراب، لكنها نفذت كلامه وقامت بفتح الباب، ليقول سليم، وما زال على حالته:

«أنا داخل ألبس، مش هتأخر، استنيني هنا».

غادر من أمامها بسرعة، كأنه يهرب منها... لكن الحقيقة أنه يهرب من نفسه.

غاب لدقائق كانت ريحانة تقف فيهم عند باب الجناح، تسند عليه بملل، وبداخلها تراودها العديد من التساؤلات: لماذا هرب فجأة؟

خرج سليم فجأة من الداخل، وهو يرتدي ثيابه التي زادت من وسامته، وقال بهدوء وهو ينظر لها بابتسامة:

«يلا بينا».

قطبت جبينها باستغراب، فهذا ليس نفس الشخص الذي كان أمامها منذ قليل. كادت أن تتحدث، لكن دوى صوت رنين هاتف سليم، الذي أخرجه من جيبه. نظر للشاشة لثوانٍ قبل أن يفتح الخط.

«ألو، أيوة يا بابا».

كانت ريحانة تراقبه وهو يتحدث بالهاتف، لكن فجأة لاحظت تغير ملامحه.قطبت جبينها باستغراب، واقتربت منه خطوات حتى أصبحت أمامه، ونادته بخفة:

«سليم، إنت كويس؟»

نظر لها بذهول، وعيناه ثابتتان من الصدمة.

«ياسين !!!!»
_____________________________________________________________

 كانت تقف والدموع تنهمر دون توقف من عينيها أمام سريره، تراه وهو راقد على السرير، عيناه مغلقتان، وملامحه مستسلمة بشكل مؤلم، وجسده موصل بأسلاك تراقب مؤشراته الحيوية.

تذكرت حديث الطبيب منذ قليل:

«للأسف، الرصاصة جت في مكان حيوي جدًا جنب الكبد. إحنا استأصلناها بصعوبة شديدة، وحاليًا هو حالته مش مستقرة. لازم نستنى 24 ساعة، وبعدها نشوف هيحصل إيه.»

شهقت ببكاء وبداخلها غصة، وهي تراه بتلك الحالة، فهي اعتادت رؤية ياسين المرح، ذي الشخصية الرجولية المغلقة بالحنان.

اقتربت ببطء وجلست في المسافة الصغيرة المتبقية على سريره. مدت يدها التي ترتعش ووضعتها على وجهه، تمشي بأصابعها على ذقنه المنبتة، تلمسها بلهفة وتهمس بضعف:

«ياسين، قوم بقى عشان خاطري. أنا مقدرش أشوفك في الحالة دي.
أنا زعلانة منك، ينفع تنام كده وتسيبني أنا وإياد لوحدنا؟ إنت متعرفش إننا ملناش في الدنيا غيرك.»

ابتسمت بدموع وأكملت:

«إنت متعرفش إني مليش حد في الدنيا دي غيرك يا ياسين.»

شهقت ببكاء وهي تراقب سكونه التام، وأكملت:

«قوم بقى يا ياسين، أنا مقدرش أعيش في الدنيا وإنت مش فيها. ثم أنا مكنتش أعرف إني بحبك كده.»

ابتسمت والدموع تتساقط من عينيها، وهي تمسك يده وتضعها بين يديها بحب.

«أيوة، أنا بحبك يا ياسين، بحبك أوي. قوم بقى، مش إنت كان نفسك تسمعها؟»

«يعني أنا كان لازم أضرب بالنار وأبقى بين الحياة والموت عشان أسمعها منك؟»

شهقت بصدمة ونظرت له بعدم تصديق، لكنها وجدته ما زال على حالته، عيناه مغمضتان وأنفاسه منتظمة. تنهدت بخيبة أمل، فهي اعتقدت أنها من شوقها لسماع صوته ظنت أنه تكلم، لكن ثوانٍ وعادت الابتسامة مرة أخرى ترتسم على شفتيها، وهذه المرة كانت مصحوبة بدموع، وهي ترى ياسين يفتح عينيه ببطء ويبتسم لها بتعب.

آيات بهمس وعدم تصديق:
«ياسين!»

شدد ياسين على يدها الموضوعة بين يديه، وقال بصوت هامس من التعب:

«يا قلبه، وحشتيني في الحبة اللي نمت فيهم دول.»

ضحكت برقة والدموع ما زالت تسقط من عينيها.

«ياسين، إنت بجد كويس؟»

أومأ برأسه ببطء وقال:
«بجد كويس، سيبك مني، إنتي عاملة إيه؟»

ثم اتسعت عيناه بقلق واضح.

«وفين إياد؟»

ابتسمت بدفء من اهتمامه الذي يغدق قلبها.

«متخافش، كلنا كويسين، وإياد الحمد لله مجرالهوش حاجة.»

لفت نظره يدها الملفوفة بالجبس، وقال بخوف:
«إنتي كويسة؟ إيدك مالها؟»

«اتكسرت في الحادثة.»

قطب جبينه بغضب، وقال بضيق ووجه عابس:
«بتوجعك؟»

ابتسمت بخفة:
«بتوجعني أوي.»

ضم شفتيه بألم. لو كان بإمكانه أخذ كل ذلك الوجع منها لفعل ذلك على الفور، لكنه رفع حاجبه باستغراب عندما وجدها تكمل:

«بس عارف إيه اللي وجعني أكتر؟»

سألها بحيرة:
«إيه؟ فيه حاجة تانية بتوجعك في جسمك؟ ما تنادي الدكتور يكشف عليكي، يمكن فيه كسور تانية من الحادثة...»

قاطعت حديثه وهي تضحك بمرح، ليرمقها باستغراب.

«بتضحكي على إيه؟»

توقفت عن الضحك بصعوبة، وقالت:
«أصلك بتصدق بسرعة.»

ثم أشارت بيدها السليمة إلى قلبها، وقالت بهمس وابتسامة خجولة على شفتيها:

«قلبي اللي واجعني.»

نظر لها ياسين بذهول، لتكمل بابتسامة وعينيها تلمعان من فرط الحب:

«أصله عمال يدق بجنون عشان اللي بيحبه قاعد قصاده.»

نظر لها ياسين ببلاهة، ثم ابتلع ريقه بصعوبة وهو يؤشر على نفسه.

«اللي بيحبه ده أنا؟»

«امممم.»
قالتها آيات وعلى وجهها ابتسامة رقيقة.

رفع ياسين رأسه للسقف وهمس ببهوت:

«يا لهوي، شكل الرصاصة بدأت تعملي تهيؤات، أصل أنا بردو من شوية سمعتك بتقولي حاجة زي كده، بس قلت أكيد بخرف من أثر البنج.»

ضحكت آيات برقة، ليقول ياسين وهو يتأمل ملامحها التي يعشقها، وقال بهيام:

«طيب، أنا عايز أسمعها تاني، عشان في المرتين اللي فاتوا إنتي خدتيني على غفلة ومكنتش مستعد.»

ابتسمت بجانب شفتيها وهي تميل برأسها بخجل، ثم همست بخفوت وهي تنظر له، وعيناها تلمعان:

«بحبك يا ... ياسين برهام.»

وضع الآخر يده على رأسه بتعب، وهو يشعر بدوار لا يعلم أهو بسبب العملية الجراحية الصعبة أم بسبب تأثير كلماتها التي تذيب روحه وكيانه.

ياسين بشجن:
«وأنا بعشقك يا آيات.»

قاطع حديثهما دقات على الباب، تبعها دخول سعد وبرفقته الطبيب المسؤول عن حالة ياسين.

وبمجرد أن رآه سعد مستيقظًا، قال بفرحة وهو يقترب منه بلهفة:

«ياسين، حمد الله على سلامتك، الحمد لله يا رب، ألف حمد وشكر ليك.»

أومأ ياسين بتعب:
«الله يسلمك يا عم الحاج، معلش قلقناك.»

سعد بغضب:
«إيه اللي إنت بتقوله ده يا واد؟ أنا لو مقلقتش عليك، هقلق على مين؟ شوية كده وسليم كمان هييجي هنا، أنا كلمته.»

قال ياسين بضيق:
«ليه بس عرفته؟ زمانه قلق على الفاضي، ويا عالم سايق إزاي وهو جاي من سفر.»

قاطع حديثهم دخول إياد من باب الغرفة، وهو يركض ناحية سرير ياسين بفرحة، ليحتضنه رغم إصابته.

ياسين بحنان:
«إياد حبيبي، الحمد لله إنك بخير.»

قال الصغير وهو يضم شفتيه، وكان على وشك البكاء:

«أنا كنت خايف أوي لما العربية خبطتنا، وبعدها لقيتك إنت وماما نمتوا، وأنا اللي فضلت صاحي، وعمو الدكتور اداني حقنة في دراعي.»

ربت ياسين على شعره بحنية:
«عشان إنت بطل. إحنا كنا تعبانين ونمنا، لكن إنت عشان شاطر، فضلت صاحي عشان تاخد بالك مني أنا وماما، صح؟»

أومأ إياد برأسه بطفولة، وهو يبتسم تلقائيًا.

«أيوة، أنا فعلًا بطل.»

ابتسم ياسين بتعب، ليقاطعهم الطبيب:

«حمد الله على سلامتك يا دكتور ياسين.»

«الله يسلمك يا دكتور.»

تحدث الدكتور بجدية:

«طبعًا، الحادثة اللي حصلت دي، سواء إطلاق النار عليك أو حادثة العربية بتاعت مدام آيات والطفل، كانت مش صدفة، وبفعل فاعل. فأنا بلغت البوليس، وشوية وهيجوا يحققوا معاك إنت ومدام آيات عشان تعملوا محضر.»

أومأ ياسين برأسه:
«أكيد يا دكتور، حاضر.»

«تمام، عن إذنكم.»

غادر الطبيب الغرفة، ليبقى في المكان ياسين وآيات ومعهما سعد، الذي ينظر إلى آيات نظرات غريبة، وهي لاحظتها وبدأت تفرك يدها بتوتر.

ليقول سعد:
«طبعًا اللي حصل ده بسبب طليق مدام آيات، مش كده؟»

ضمت آيات نفسها بخزي، وهي تضم إياد لحضنها، ليقول ياسين مدافعًا عنها:

«حتى لو هو اللي ورا اللي حصل، آيات مش مسؤولة عن حاجة، بالعكس، دي ضحية واتأذت 
 و...»

قاطع سعد حديثه:
«أنا مطلبتش منك تدافع عنها، ولا إنت سبت الطب وبقيت شغال محامي؟»

صمت ياسين بضيق، لكن فجأة اقترب سعد من آيات وربت على كتفها بحنان.

«وإنتي كمان ساكتة كده ليه؟»

قالت آيات وهي تنظر لأسفل وعلى وشك البكاء:
«حضرتك عايزني أقول إيه؟»

ابتسم سعد بحنو:
«اوعي يا بنتي تفتكري إنك لوحدك. أنا وياسين عمرنا ما هنتخلى عنك إنتي وابنك.»

ابتسمت آيات بفرحة والدموع تنهمر من عينيها، بينما ابتسم ياسين، فهو يعلم مقدار حنان سعد.

ليكمل سعد وهو يداعب شعر إياد:
«ومن النهارده، الشقي ده هيبقى حفيدي.»

ابتسم إياد بفرحة وركض يحتضن قدم سعد، ليقوم سعد بحمله في حضنه وهو يضحك بمرح، وقد بدأت مشاعره تتحرك وأصبح لهذا الصغير مكان في قلبه.

بينما نظر كل من ياسين وآيات لبعضهما بفرحة، ليقوم ياسين بضم شفتيه وإرسال قبلة لها في الهواء، فتبتسم آيات بخجل وتنظر لأسفل.
____________________________________________________________

كان يقود سيارته بسرعة جنونية، وبجانبه ريحانة تمسك بكرسيها بخوف، لكنها تحاول إخفاء ذلك الخوف وهي تراقب توتر سليم بعدما علم بخبر وجود ياسين في المستشفى. فقد قرر النزول إلى القاهرة مباشرة، وهي أصرت على مرافقته رغم اعتراضه في البداية، إلا أنها لم تستمع لكلامه.

لم يمر أقل من نصف ساعة حتى كان كلاهما في السيارة وفي طريقهما للوصول إلى القاهرة، تاركين جميع أغراضهما بالمنتجع.

نظر سليم لجانبه على غفلة، ليلاحظ خوف ريحانة من سرعة السيارة، فهو كان يقود بسرعة رهيبة، وعجلات السيارة تطير على الأسفلت من شدة السرعة. لاحظ أنها كانت تقبض بأظافرها على جلد الكرسي وتغمض عينيها بشدة.

بدأ بتهدئة السرعة، لتفتح ريحانة عينيها وتنظر له بدهشة.

سليم بأسف: «أنا آسف يا ريحانة، نسيت إنك بتخافي من السواقة السريعة».

أومأت برأسها بهدوء، ليعم الصمت بينهما طوال الطريق، وكلٌّ منهما شارد في أفكاره.

بعد ساعات، وصلا المستشفى أخيرًا.

استخدما المصعد للصعود إلى الطابق،كان سليم يقف وجسده مشدود بوضوح، يقبض على كف يده بقوة كعادته كلما غضب أو توتر، بملامح مقتضبة، ويجز على أسنانه بتوتر. لكنه انتفض جسده بخفة عندما شعر بيدها تلامس قبضة يده برقة، جعلته يخفف ضغط يده ويفتحها لا إراديًا.

رفع عينيه ببطء نحوها، ليجدها تبتسم محاولة طمأنته:

«متخافش، إن شاء الله ياسين صاحبك هيكون كويس».

لم يستطع تمالك نفسه، ليجذبها فجأة ناحيته، فتصطدم رأسها بصدره. كانت يده ملفوفة حول خصرها بقوة، ويدفن رأسه داخل خصلات شعرها، يتنفس بجنون.

«ريحانة، خليكي جنبي. أنا بحس إنني مطمن لمجرد إنك بتشاركيني نفس الهوا».

شعرت بارتفاع نبضات قلبها، وأنفاسها تتسارع، وفراشات تتسابق في معدتها من فرط تأثرها بكلماته، بينما سليم يشدد أكثر على حضنها، وهو يتنفس في شعرها بعمق وراحة، يشعر أنه يملك العالم بين يديه. أدرك الآن أنه مستعد للبقاء هكذا للأبد.

وصل المصعد للطابق المطلوب، لتفيق ريحانة من تلك الحالة بصعوبة عندما شعرت بباب الأسانسير يُفتح. ابتعدت سريعًا عن سليم، وهي ترمش بعينيها عدة مرات وتنفخ بتوتر.

أما سليم فابتعد بهدوء، وهو ينظر لها بابتسامة دافئة. بعد ثوانٍ، خرجا من الأسانسير وتوجها لغرفة ياسين.

دق سليم الباب، ثم دخل، وفي نفس الوقت كان الظابط قد أنهى التحقق مع كلٍّ من آيات وياسين وغادر. وبمجرد أن وقعت عينه على ياسين الراقد على السرير، جز على أسنانه بقوة من الغضب. اقترب بهدوء حتى وقف أمامه مباشرة، ليحل الصمت في الغرفة، قبل أن يقطعه ياسين بابتسامة مشاكسة، رغم تعبه:

«عرفت إنك قلقت عليا يا بطة».

هز سليم رأسه باستسلام:

«يا ابني حتى وإنت بين الحياة والموت ليك نفس تهزر؟»

ضحك كل من في الغرفة، وسعد الذي نهض واحتضن سليم، وآيات التي تذكرت سليم على الفور، فهي حضرت فرحه على ريحانة.

على باب الغرفة، كانت تقف ريحانة تتأمل سليم وهو يشاكس ياسين، والابتسامة على وجهها. تعشق ذلك الجانب المرح منه عندما يكون برفقة أحبته، ليلاحظ سعد وجودها ويقول:

«ريحانة، ادخلي يا بنتي، واقفة كده ليه؟»

اقتربت ريحانة باستحياء ووقفت بجانب سليم.

«حمد لله على السلامة يا دكتور».

ابتسم ياسين:

«الله يسلمك يا ريحانة، مكانش له لزوم تعبك ومجيك المستشفى».

ابتسمت ريحانة برقة:

«أنا معملتش حاجة».

قال سعد بود:

«ريحانة طول عمرها بنت جدعة ومتربية على الأصول».

وقفت آيات بابتسامة:

«أنا فاكراكي ، مش إنتي ريحانة مرات أستاذ سليم؟»

ساد صمت رهيب في المكان بعد حديث آيات، التي نظرت لهم باستغراب من تغير ملامحهم، ليحاول ياسين تغيير الموضوع:

«اقعدوا يا جماعة، إنتوا واقفين كده ليه؟»

جلست ريحانة على أريكة بجانب سعد، بينما سحب سليم كرسيًا بجانب سرير ياسين مباشرة، واقترب منه. قال بصوت منخفض:

«الظابط قالكم إيه؟»

قال ياسين:

«حكيناله كل حاجة من البداية، وهم حاليًا كثفوا البحث عنه،والظابط عرفنا إن لما مازن كان في السجن، اتعرف على عصابه ساعدوه في اللي عمله.وحاليا كلهم مطلوبين للقبض عليهم.»

أومأ سليم برأسه، لكنه عاد يقول بصوت منخفض مليء بالغيظ:

«عجبك اللي الحلوة بتاعتك قالته ده؟ ده أنا بلصم في ريحانة بالعافية».

ابتسم ياسين بتوتر، وهو يتحدث بصوت منخفض:

«هي ذنبها إيه؟ ما هي متعرفش اللي حصل. إنت ناسي إنها مشيت بسرعة من الفرح قبل الهباب اللي إنت عملته في اليوم ده ؟»

سحب سليم نفسًا بغيظ وابتعد عنه، ليرفع عينه تجاه ريحانة ويجدها تتسامر مع آيات والابتسامة على وجهها. وجد نفسه يبتسم تلقائيًا وهو يتأمل تفاصيلها، وهي تبعد خصلة شاردة خلف أذنها.

تنهد بحالمية وهمس لياسين، الذي كان نظره موجهًا لنفس المكان، لكن عينه كانت على آيات، يتأملها بحب وهي تضحك برقة مع ريحانة.

قال سليم بهيام:

«إيه بقى، إنت مش ناوي ولا إيه؟»

ياسين بحالمية:

«والله نفسي. طب إنت مش ناوي؟»

تنهد سليم بتعب:

«أنا شكلي هخلل جنبها لحد ما ترضى عني».

أخرج ياسين لسانه له بغيظ:

«أحسن، دي ريحانة هتربيك وتمشيك على العجين ما تلخبطوش».

عض سليم على شفتيه بحقد وقال:

«والبيه بقى ناوي يكتب الكتاب إمتى؟ اديني نزلت من الغردقه بسببك على ملا وشي».

رفع ياسين شفتيه بحسرة:

«إزاي بس وأنا وهي في الحالة دي؟ إحنا كأننا عواجيز في دار مسنين، عايزين نركب كيسين جلوكوز يقوتونا».

ضحك سليم بصوت عالٍ، لترفع ريحانة رأسها وتنظر له بدهشة، وشردت في تأمل ملامحه الجذابة وهو يضحك، لتفيق على صوت آيات وتكمل حديثها معها.

سليم:

«وإنت عايز الصحة في إيه دلوقتي؟»

ابتسم ياسين بمكر:

«يعني إنت مش عارف؟ ولا صحيح، أنا نسيت، يا حرام، إنت لسه متجوزتش. مش عايز أفتح عينك على الحاجات دي».

رفع سليم حاجبه بسخرية:

«مش هرد عليك عشان معانا بنات في الأوضة. المهم يا حمار، أنا قصدي اكتبوا الكتاب دلوقتي، وبعدين الحاجات دي تيجي بعدين».

ياسين بتفكير:

«تصدق عندك حق».

قاطع حديثهم سعد، وبيده العديد من الأكياس:

«يلا يا ولاد، أنا طلبت لينا غدا عشان ناكل كلنا سوا. زمانكم على لحم بطنكم».

سليم بجوع:

«الله عليك يا بابا، هو ده الكلام»

جهز سليم المكان، فسحب الطاولة الكبيرة ووضعها أمام السرير الموجود عليه ياسين، ووضع الأريكة في الجهة الأخرى. جلست آيات بجانب ياسين على السرير، بينما جلس سليم وريحانة على الأريكة، وجلس سعد على كرسي منفرد، يضع إياد على حجره ويطعمه بحب.

بدأوا في الأكل في جو أسري جميل، وضحكاتهم تتعالى في الغرفة.

_____________________________________________________________

**بعد مرور تلات أيام**

لم يحدث فيهم الكثير...

بالنسبة لسليم وريحانة، فلم يعودا إلى الغردقة مره أخرى، واستقرا في شركتهما في القاهرة. في البداية، استغربت ريحانة عندما أدركت أن وجودها في الغردقة من البداية لم يكن مهمًا، لكنها علمت بالصدفه أن سليم هو من دبّر ذلك، لكنها لم تخبره أنها علمت، واحتفظت بذلك لنفسها.

أما ياسين وآيات، فاليوم سيعقدان قرانهما، فقد خرج ياسين من المستشفى وتحسنت حالته، وتم العثور على جث..ة مازن في إحدى الطرق الصحراوية بعد عراكه مع عصابة المجرمين، فكانت النتيجة مقت.له بطلق ناري.

يزن ما زال لم يسامح فتون، على الرغم من محاولاتها، إلا أنه يريد أن يعلمها الدرس.

**ليلًا في بيت ياسين**

كان يقف أمام المرآة بعدما ارتدى بدلة سوداء أنيقة زادت من وسامته أضعافًا، وصفف خصلات شعره البنية الناعمة، فاليوم أخيرًا، وبعد طول انتظار، عقد قرانه على معذبة فؤاده. كان سليم واقفًا أمامه يربط له الجرافته، وبجانبه إياد الصغير الذي ارتدى بدلة من نفس تصميم بدلة ياسين، وخلفهم سعد ينظر لهم بفرحة والدموع تترقرق بعينيه.

اقترب سعد منهما وقال بفرحة:

«النهارده أسعد يوم في حياتي، مش مصدق إنك بتتجوز يا ياسين».

ابتسم ياسين واقترب ليحتضنه بحب:

«ربنا يخليك ليا يا أعظم أب في الدنيا. إنت اللي ربيتني بعد أبويا، الله يرحمه، وليك الفضل في كل حاجة أنا وصلتلها».

ابتعد قليلًا بمرح:

«بس إنت قولت إن النهارده أسعد يوم في حياتك، معنى كده إن سليم لما يتجوز هيكون تاني أسعد يوم في حياتك، عشان أنا أول واحد».

قال سليم بخفة:

«لا يخفيف، متنساش إن الفرحة الأولى كانت ليا أنا، اتجوزت قبلك».

مد سعد يده وأمسك بأذن سليم، ليصرخ الآخر بألم:

«أيوة طبعًا، إنت كنت فرحتي الأولى بعد ندى أختكم، بس بغبائك بوظت الدنيا».

تنهد سليم:

«ادعيلي إنت بس، وهرجع الفرحة تاني».

قال سعد بتمنٍّ:

«يااااا رب، يهديكي يا ريحانة وترضي عن سليم».

قال ياسين بمشاكسة:

«والله إحنا ملناش بركة غير سوسو».

لم يستطع سليم كتم ضحكته، لتتعالى ضحكاتهم، بينما شهق سعد:

«سوسو؟ يا قليل الأدب بقى! أنا سعد الدالي يتقالي سوسو؟»

كاد ياسين أن يتحدث، ليقاطعه سليم وهو ينظر لهاتفه:

«استنى، شكل المأذون وصل. يلا بينا».

سحب ياسين نفسًا عميقًا ثم توجه للخروج، لكن قبل ذلك أوقفه سليم وهو يفتح ذراعيه، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة. ليضحك ياسين ويقترب ليحتضنه بقوة، بينما يربت سليم على ظهره قائلًا بحب:

«مبروك يا صاحبي».

**في شقة آيات**

كانت تقف أمام المرآة تضع اللمسات الأخيرة، ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا من قماشة الحرير، ينسدل برقة على جسدها، وفي نفس الوقت محتشم يناسب حجابها، ذو حزام معدني باللون الذهبي على شكل ورود رقيقة أحاط بخصرها، مع حجاب أبيض أحاط بوجهها الفاتن، واكتفت بميكب خفيف أبرز جمالها الطبيعي.

ليأتي من خلفها صوت ريحانة الجالسة على السرير:

«ما شاء الله، شكلك زي القمر».

التفتت لها آيات، فمنذ يوم المستشفى وهما أصبحتا صديقتين مقربتين.

آيات بخجل:

«بجد يا ريحانة، شكلي حلو؟»

ريحانة بتأكيد:

«بجد، شكلك زي الملائكة. ده ياسين هيتجنن بيكي لما يشوفك».

ابتسمت آيات:

«زي ما أستاذ سليم مجنون بيكي كده؟»

ابتسمت ريحانة بخجل:

«إنتي شايفة كده؟»

«دي حاجة واضحة جدًا. أنا طبعًا كنت في الأول فاكراكم لسه متجوزين، ومحستش بعكس كده ولا للحظة، لكن اتفاجئت لما ياسين قالي إنكم سيبتوا بعض، بس طبعًا أستاذ سليم مش معترف بكده».

تنهدت ريحانة:

«في دي عندك حق، ده بجد مش مقتنع إننا خلاص اتطلقنا».

قالت آيات بدون تفكير:

« يابنتي هيقتنع إزاي وإنتي لسه على ذمـ...»

صمتت آيات فجأة، وفتحت عينيها لإدراكها ما كانت ستتفوه به.

لتقطب ريحانة وجهها باستغراب:

«كملي، بتقولي مش مقتنع ليه؟»

ضحكت آيات بتوتر وهي تبتلع ريقها بصعوبة:

«لا، أقصد يعني إنه مش مقتنع عشان لسه بيحبك».

تنهدت ريحانة بعمق ولم تعلق، لتسألها آيات:

«طيب وإنتي؟ لسه بتحبيه، صح؟ باين عليكي أوي».

نظرت لها ريحانة بصدمة:

«هو بجد باين أوي كده؟»

ضحكت آيات بقوة:

«ده إنتِ فضيحتك بقت بجلاجل»

ضمت ريحانة شفتيها بخجل، وحمحت بإحراج وقالت:

«احم، طيب غيري الموضوع بقى، وخلينا فيكي».

ابتسمت آيات بصمت، لكن اختفت ابتسامتها على الفور وحل مكانها التوتر، لتلاحظ ريحانة ذلك التغير وتسألها:

«مالك يا آيات؟»

نفت برأسها:

«مفيش».

قالت ريحانة:

«بصي، أنا عارفة إننا لسه منعرفش بعض كويس، ومش صحاب من زمان، بس لو عايزة تفضفضي ممكن تتكلمي معايا، أنا بحفظ الأسرار».

تنهدت آيات وبدأت في السرد:

«بصي، زي ما إنتي عارفة، أنا كنت متجوزة قبل كده، كان جواز مش عن حب، بس عشان أربي إياد ابن أختي الله يرحمها، واتطلقت، أو بمعنى أصح خلعته».

أومأت ريحانة برأسها، لتكمل آيات وهي تنظر لأسفل بخجل:

«بس يعني أنا مكنتش متجوزة بالمعنى الحرفي».

قطبت ريحانة جبينها باستغراب:

«يعني إيه؟»

عضت آيات شفتها بخجل:

«يعني أنا لسه زي ما أنا».

أدركت ريحانة مقصدها وقالت:

«طيب ودكتور ياسين يعرف كده؟»

هزت آيات رأسها بخجل:

«لا، ياسين ميعرفش حاجة. أنا خايفة يزعل مني عشان مصارحتوش بالحقيقة».

قالت ريحانة بتفكير:

«بصي يا آيات، أنا من رأيي إنك مش غلطانة في حاجة، أصلك هتقولي حاجة زي دي إزاي؟ دي مش حاجة سهلة. أنا شايفة إنك تبقي تصارحيه بالحقيقة لما تكتبوا الكتاب، لأن ساعتها هيكون من حقه يعرف».

صمتت آيات وهي تنظر أمامها بتفكير، ليقاطع حديثهما دقات على الباب. انتفضت آيات، لتنهض ريحانة:

«أنا هروح أفتح، تلاقي المأذون جه ومعاه العريس».

أومأت آيات برأسها بتوتر، وخرجت مع ريحانة.

جلس الجميع وبدأ المأذون في فتح الدفتر وتسجيل البيانات، ثم قال:

«مين وكيلك يا عروسة، ولا هتوكلي نفسك؟»

صمتت آيات لثوانٍ، ثم قالت فجأة وبدون مقدمات:

«أنا هوكّل أستاذ سليم».

صمت الجميع بصدمة، بما فيهم ريحانة، بينما فتح سليم عينيه بصدمة وأشار إلى نفسه:

«أناااااااا؟»

ابتسم ياسين بحب وهو ينظر لآيات، ثم قال:

«إيه، مش آيات تبقى زي أختك برضه؟»

نظر سليم لآيات بصمت، ولكن فجأة ارتسمت ابتسامة دافئة على وجهه وهو يقول:

«أكيد طبعًا، ماشي، أنا موافق».

جلس سليم بجانب المأذون، ووضع يده في يد ياسين، ثم وضع المأذون المنديل الأبيض فوق أيديهما المتشابكة. بدأ يعقد القران في جو مليء بالفرحة، وبعد دقائق سحب المنديل الأبيض وهو يقول جملته الشهيرة:

«بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير».

نهض ياسين واحتضن سليم الذي بارك له بفرحة، ثم سعد، وبعد ذلك حمل إياد الذي كان يجهل ما يحدث لكنه سعيد، بينما آيات احتضنت ريحانة بفرحة.

اقترب ياسين من آيات بابتسامة وهو يحمل إياد، ووقف أمامها بينما هي كانت تنظر لأسفل بخجل. قال إياد ببراءة:

«كده عمو ياسين بقى بابا الجديد، صح يا ماما؟»

نظرت آيات لياسين بابتسامة دافئة وقالت:

«أيوة يا حبيبي».

ليقبله ياسين من خده الممتلئ، ثم قال مبتسمًا:

«يعني هتقولي يا بابا؟»

أومأ الصغير بحماس:

«هقولك يا بابا ياسين».

ثم لف يده حول رقبته واحتضنه بسعادة، ليبادله ياسين العناق، وعيناه على آيات التي تنظر لهما بفرحة والدموع تترقرق بعينيها.

اقترب سعد وحمل منه إياد وقال:

«تعالى يا دودة عشان أنا جايبلك هدية».

صفق إياد بمرح:

«هييييه، جدو جابلي هدية!»

ابتعد سعد بالطفل بعيدًا، لتبقى عينا آيات عليهما، لكنها شهقت فجأة عندما اقترب منها ياسين على غفله ووضع يده على خصرها، ثم اقترب بوجهه وقبّلها من وجنتها بخفة.

آيات بخجل شديد، وتكاد تذوب:

«يااااااسين!»

ابتسم ياسين بمكر:

«يا قلبه».

نظرت حولها بتوتر:

«إحنا مش لوحدنا».

تنهد الآخر بنفاد صبر:

«خلاص، هقولهم يمشوا. مش خلاص كتبنا الكتاب، لسه قاعدين ليه؟»

ليأتي صوت من خلفه:

«هنمشي يا ياسين يا حبيبي، متخافش».

خبأت آيات وجهها الذي احمر من الخجل، بينما اقترب سليم برفقة ريحانة التي تبتسم.

قال ياسين:

«والله يا سليم، طول عمري بقول عليك أبو المفهومية».

ضحك سليم بسخرية مقصودة:

«ولا أقولك، أنا بفكر أبات معاك النهارده. إنت واحشني أوي وبقالي كتير مبتش في البيت ده».

شهق ياسين باستنكار:

«نعم يا أخويا؟»

ضحك الجميع على غضب ياسين، وبعد دقائق استأذن كل من سليم وريحانة وسعد ليتركوا العروسين.

كان إياد الصغير جالسًا على الأرض منشغلًا باللعبة التي أهداها له سعد، بينما آيات ابتعدت عن المكان وجلست على أريكة في الصالة. ضمت شفتيها بتوتر عندما وجدت ياسين عائدًا بعدما أغلق باب الشقة عقب مغادرة الجميع.

أخفضت عينيها إلى الأرض بتوتر عندما وجدته يقترب منها، ثم جلس بجانبها. ظلت على حالتها، عيناها مسلطتان على الأرض، لكنها شعرت بنظراته المسلطة نحوها بتركيز غريب، لترفع عينيها بارتباك وتجده ينظر لها نظرات ماكرة.

همست بصوت خائف:

«إنت بتبصلي كده ليه؟»

رفع حاجبه بمشاكسة قائلًا بصوت ماكر:

«إيه رأيك نعمل حاجة دلوقتي؟»

اتسعت عيناها العسليتان برعب، وقالت بصوت مرتعش:

«حاجة إيه!!!!!!!؟»
______________________________________________________

كان يقود سيارته في شوارع القاهرة البهية بأضوائها المبهجة وأجوائها الليلية الساحرة، خصوصًا مع نسمات الهواء الباردة التي تتسرب من الشباك، فتضيف مزيدًا من الأنس والراحة.

نظر بجانبه ليجدها تنظر من الشباك كعادتها كلما ركبت سيارته، تتأمل الشوارع وابتسامة جميلة تزين ملامحها. ابتسم دون وعي على منظرها اللطيف، لكنه لاحظ تركيزها مع مركب معينة على ضفة النيل، ذات تصميم ملفت ومزينة بأنوار مبهجة، يصدر منها موسيقى هادئة لإحدى الأغاني القديمة. كانت مهتمة لدرجة أنها أخرجت رأسها من الشباك لتنظر خلفها، حتى بعد تخطي السيارة لذلك المكان.

لتفيق على صوت سليم وهو يقول :

«عجباكي؟»

هزت رأسها بحماس.

«آه، حلوة أوووي ،أنا أصلًا بحب الفلوكة اللي بتمشي في النيل، خصوصًا لو بليل.»

ثم تنهدت بتمنٍّ:

«يا سلام، لو أركبها دلوقتي»

شهقت بتفاجؤ عندما وجدت السيارة تغير مسارها فجأة، وسليم يحرك عجلة القيادة ويعود من الطريق المعاكس، وهو يقول بابتسامة خفيفة:

«خلاص، يبقى نركبها دلوقتي.»

نظرت له بصدمة.

«بجد؟»

ابتسم بخفة وهو يركن سيارته بجانب الكورنيش، ثم نظر لها بحب.

«دي حاجة إنتي نفسك فيها، يبقى لازم أحققهالك.»

ضحكت بفرحة وعدم تصديق، ليقول سليم بابتسامة هادئة:

«يلا بينا.»

لينزلا من السيارة، وريحانة تسير بحماس وفرحة طفولية بجانب سليم، الذي ينظر لها بحب ويتأمل فرحتها.

اقترب سليم من سائق المركب وقال بهدوء:

«يا ريس، عايزين نلف شوية في النيل.»

«حاضر يا بيه، اتفضلوا.»

نزل سليم أولًا للمركب التي تبعد مسافة عن اليابسة، فكانت مستقرة في المياه. نظرت ريحانة بتوتر للمسافة بين المركب واليابسة، وتراجعت خطوة للخلف بخوف، لكنها تفاجأت بسليم يمد يده لها وينظر لها بعمق.

نظرت له ثواني قبل أن تبتسم برقة، وتضع كفها بين كفيه، ثم تضع قدمها على أرضية المركب.

بدأت المركبة تبحر في مياه النيل، والجو شاعري، الليل ساحر، والسماء مزينة بنجوم لامعة وقمر مكتمل باللون الأبيض الناصع، وفي الخلفية، كان صوت أم كلثوم يصدح بأغنيتها الرومانسية، مضفيًا على الأجواء مزيدًا من السحر.

<< الليل وسماه
 ونجومه وقمر 
قمره وسهره 
وانت وأنا
 يا حبيبي أنا
 كلنا كلنا 
في الحب سوا 

كانت ريحانة تتنفس براحة وهي تتأمل الأجواء من حولها بابتسامة، لتنظر لسليم وتقول بفرحة:

«شكرًا يا سليم، أنا بجد كان نفسي أوي في حاجة زي دي من زمان.»

نظر لها سليم بابتسامة دافئة ولم يعلق، بل اكتفى بالنظر لها وتأمل سعادتها. نعم، تلك هي غايته؛ أن يجعل الابتسامة لا تفارق شفتيها ويحقق كل ما يخطر ببالها.

سحبت ريحانة نفسًا عميقًا، لكن فجأة خطرت ببالها فكرة، لتنظر بجانب عينيها لسليم وتقول بمكر:

«بس غريبة يعني، عدم وجودنا في الغردقة مأثرش أوي. ده أنا كنت فاكرة إن الشغل هيقف بسبب إننا سيبنا الغردقة فجأة ورجعنا القاهرة.»

حمحم سليم بإحراج، وهو يمسح على خصلات شعره بارتباك ويقول:

«سبحان الله، كأن ربنا عايزنا نروح الغردقة لسبب معين.»

أومأت ريحانة برأسها بسخرية.

«والله!»

هز سليم رأسه وهو يتحاشى النظر داخل عينيها.

نظرت له ريحانة بتركيز، ليلاحظ نظرتها ويرفع عينيه تجاهها. مرت ثوانٍ من الصمت، كلاهما ينظر للآخر، وفجأة... تعالت أصوات ضحكاتهما العالية، لدرجة أن المركبي الذي يقود الفلوكة نظر لهما باستغراب.

هزت ريحانة رأسها بعدم تصديق، وما زالت تضحك، وقالت:

«أنا بجد مش فاهمة إنت إزاي كده! يعني توقف شغلنا في الشركة وتدبر إننا نسافر الغردقة سوا، وطلع في الآخر وجودنا مكانش له لازمة أصلًا!»

ابتلع سليم ريقه بصدمة.

«إنتي عرفتي كل ده إزاي؟»

رفعت حاجبها بسخرية.

«المندوب. عرفني كل حاجة، وقالي إن حضرتك اتفقت معاه إنه يفهمني إن لو مسافرناش الغردقة، الصفقة هتتعطل.»

سب سليم ذلك المندوب في سره، وهو يتوعد له، لكن فجأة قالت ريحانة بدهشة واستغراب:

«إنت بجد عملت كل ده ليه؟ يعني استفدت إيه من ده كله؟ إنت متخيل كمية الملفات والشغل اللي اتعطل في الشركة بسبب سفرنا؟»

نظر سليم لها بصمت قبل أن يقول بابتسامة دافئة:

«استفدت إني اتأكدت إنك لسه بتحبيني.»

اتسعت عينا ريحانة بصدمة، وشعرت كأن لكمة قوية أصابتها من كلماته، لتنهض فجأة وتردف بتوتر:

«إحم، يلا نرجع بقى، الوقت اتأخر والدنيا ابتدت تبرد.»

وقف سليم أمامها، يمنعها من أن تخطو خطوة أخرى. لم تجد ريحانة حلًا أمامها سوى أن تنظر لأسفل وتتهرب من عينيه اللتين تلاحقانها بتصميم.

مد سليم يده ورفع ذقنها ببطء، يجبرها على النظر داخل عينيه، وقال بإرهاق عاشق:

«ريحانة ...إنتي ليه بتهربي من مشاعرك ناحيتي؟ أنا متأكد إنك عمرك ما بطلتي تحبيني.»

نظرت له ريحانة والدموع تترقرق في عينيها.

«سليم، لو سمحت، أنا قولتلك ميت مره حكايتنا خلصت، إحنا خلاص اتطلقنا. ياريت تسيبني في حالي، وإنت كمان روح شوف حياتك.»

صرخ سليم بصوت عالٍ، فقد أرهقه الكتمان، ليقول بنفاد صبر:

«لا، إحنا متطلقناش... متفكريش إن حكايتنا هتخلص بالسهولة دي يا ريحانة. إنتي هتفضلي طول عمرك مراتي، وأنا هفضل سجانك.»

قطبت ريحانة جبينها باستغراب من كلماته، لكنها فكرت أنه يقول ذلك ليختبر غضبها، لتقول بضيق:

«سليم، لو سمحت، سيبني. أنا عايزة أروح.»

لم يستمع سليم لكلماتها، رفع يده وأحاط وجهها، وهو يقول بابتسامة تصميم وعند عاشق ليس له حدود:

«قولتلك إنتي عمرك ما هتخلصي مني ولا هتتحرري من حبي. إنتي اتكتبتي ليا من أول يوم ليكي في الدنيا.»

ليصمت ثواني قبل أن يقول دون مقدمات:

«ريحانة... أنا رجعتك لعصمتي بعد أسبوعين بس من طلاقنا.»

شهقت بصدمة، وشعرت وكأن دلو ماء بارد سقط عليها في عز البرد، لتهمس بعدم تصديق:

«إنت بتقول إيه !!!!!!!!؟»



دمتم سالمين أحبابي وأشوفكم على خير الفصل القادم 😚❤️...



                 الفصل العشرون ج1 من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة