
رواية ذكراه الفصل الخامس عشر 15 بقلم رولا هاني
واحسرتاه
"يا فرحة كانت مالية عينيا
واستكترتها الدنيا عليا"
-في يوم في شهر في سنة.
*********
سارت كفوفه القذرة على سائر أنحاء جسدها دونما اكتراث لارتجافتها المثيرة للشفقة ولا عبراتها التي ألهبت وجنتيها بلا رحمة، ظل يجول بيديه على كتفيها ضاغطًا بشهوةٍ مقززةٍ جعلت معدتها تنقلب بعنفٍ، حتى كادت تتقيأ أمعاءها بأكملها. أطبقت المسكينة جفنيها بقوةٍ وكأنها توهم حالها بأن ما تمر به ما هو إلا مجرد كابوس، كابوس مجبرة على تحمله حتى ينتهي، وإلا لن تنال في النهاية سوى بطشٍ أليمٍ، تمنت لو يبتلعها ظلام الليل الحالك الذي حل على قلبها وليس على اليوم، لو ينقذها أي شيء مما تعانيه في صمتٍ لطالما اعتادت التمسك به، تقطعت أنفاسها ولكنها كتمت شهقات بكائها المباغت، والتزمت بإبقاء جفنيها موصدين بشدةٍ.
وفجأة وقع على مسامعها صوت صرير باب الغرفة الذي دوى في الأرجاء كلها، فانتفض زوج أمها من جانبها ليجد خلفه مباشرةً "نجوان" التي صرخت في صدمةٍ:
-إنتَ بتعمل إيه في البت يا "محروس"!
نهض من على الفراش، ثم صاح بتبجحه المعهود وهو يلوح بيده في الهواء بعصبيةٍ أظهرت توتره الذي حاول إخفاءه بكل الطرق الممكنة:
-وطي صوتك هتفضحينا في البيت، وبعدين مالك في إيه أنا كنت بغطيها.
إلى هنا وطفح الكيل، شعرت وكأن جمرات الغضب تخترق عقلها بمنتهى القسوة، فقبضت على تلابيبه تهدر به بحدةٍ:
-هي حصلت تتحرش بالبت يا ***!
نفض كفيها وضغط على زر الضوء لينير الغرفة، ثم أطلق تهديده المبطن، بينما "نجوان" تطالع شقيقتها المنهارة وسط أنينها ودموعها في سكوتٍ:
-دي شقتي، بتاعتي يا روح أمك، اللي أعوزه أعمله فيها، مش عاجبك خديها وغوروا من هنا.
كزت على أسنانها بغلٍ، ثم هتفت بعدم تصديق:
-يا بجاحتك، إنتَ كمان عايز تطردنا من شقة أمي؟
ارتسم على ثغره بسمة متهكمة وراح يردد بكلماتٍ أشعلت فتيل الحرب بداخلها:
-شقة مين يا عين أمك؟... هي الحلوة بتنسى ولا إيه؟... إنتِ ناسية إن أمك كاتبالي الشقة دي.
ومضت مقلتاها بلمعةٍ مرعبةٍ، ولا ينكر أنها دبت الخوف المضاعف بداخله ناحية العواقب التي سينالها من "نجوان" بسبب فعلته، وبالفعل وكما توقع وجدها تخاطبه في وعيدٍ:
-وأنا هخليك زي الكلب مش لاقي القرش اللي فضلت عمرك كله عايش على قفانا بيه.
تشنج فكه بارتباكٍ وقال من وسط أنفاسه المتسارعة:
-قصدك إيه بالكلام ده؟
ثم تابع وهو لا يمهلها فرصة للرد:
-وبعدين ده أنا راجل كبير في السن، يرضيكي أتمرمط في الشوارع في الشغل والبهدلة؟
ردت عليه بنبرةٍ صارمةٍ وهي تتمالك حالها بمنتهى الصعوبة؛ حتى لا تضرب رأسه بأي شيء تراه انتقامًا لما عانته شقيقتها على يد ذلك الحقير:
-آه يرضيني، فلوس تاني أنسى، وأحمد ربك إني ماسكة نفسي مجيبش أجلك دلوقت على اللي إنتَ عامله.
ثم استطردت بنبرةٍ قاطعةٍ:
-وبالنسبة للشقة اللي إنتَ ماسكلي فيها وعمال تهدد بيها دي، أنا وهي سايبينهالك، شوف غيرنا مغفلين بقى يصرفوا عليك.
تحولت قسماته لأخرى مستعطفة، فظلت تدفعه بغلظةٍ ناحية الباب لتطرده من الغرفة بأكملها، بينما هو يندفع للخلف تارةً يرتطم بالكومود، وتارةً بالحائط؛ بسبب قوة دفعاتها ونحالة جسده، وبالفعل خرج عنوةً، وعندما حاول العودة أغلقت هي الباب بوجهه، بينما هو يتوسلها بصوته العالي:
-يا "نجوان" صدقيني أنا معملتش حاجة، حرام عليكي يا بنتي تعملي كده في راجل كبير في السن.
وبالداخل اقتربت "نجوان" من شقيقتها لتسألها باحتدادٍ لا يناسب الموقف، ولكن انفعالاتها قادتها بلا شعور منها:
-العك اللي شوفته بعيني ده بيحصل من إمتى؟
لم تعطها ردًا وظلت الدموع تجاوب بدلًا عنها، فصرخت "نجوان" في المقابل تأمرها:
-ما تردي.
انتفض جسد المسكينة وانكمشت ملامحها أكثر لتنتحب بنبرةٍ عاليةٍ حاولت منعها قدر المستطاع، ثم همست من وسط شهقاتها المتتالية:
-سنين.
اتسعت حدقتاها وتخشبت أطرافها أثرًا لما استمعته، ثم رددت في جزعٍ:
-سنين بيعمل فيكي إيه!
ارتعشت شفتاها وهمست ببراءتها التي وصلت بها لتلك الهيئة المزرية:
-بيلمسني.
لطمت على صدغيها وفغرت فاها تحدجها في استنكارٍ، ثم عاتبتها بسخطٍ ودقات قلبها تتسارع بصورةٍ ألمتها:
-إزاي مقولتيليش حاجة زي دي؟
انهارت أكثر في البكاء وعللت بقهرٍ:
-كان بيهددني يأذيكي لو اتكلمت، وهددني يرمينا في الشارع، ولما كنت أرفض كان بيضربني.
ثم أكملت بنبرةٍ متقطعةٍ من وسط نهنهتها:
-ك... كل حتة ف... في جسمي... معلم... معلمة من ضربه، وإ... إنتِ جاية تلوميني د... دلوقتي على ده، كنتي فين وقتها وسيبتيني تحت إيده ليه؟
خرجت جملتها الأخيرة تلومها بلا رحمة، فزادت من الثقل الذي حملته في قلبها، ومع ذلك أكملت تحقيقها المجحف وهمست بترقبٍ:
-عمل حاجة أزيد من إنه يتحرش بيكي؟
عقدت حاجبيها بعدم فهم، ثم قلبت الكلمات برأسها أكثر لتتفهم في النهاية مقصدها، فهزت رأسها نافية وهي تجيبها باقتضابٍ، لتكفكف عبراتها بأطرافٍ مهزوزةٍ:
-لا.
وبغتةً سحبتها "نجوان" بين أحضانها تربت على كتفها، وفي الحقيقة هي كانت تخفي العبرات التي تجمدت بمقلتيها، لتهتف بعدها بثقةٍ وهي تستعيد في ذهنها ذلك المشهد اللعين بكل لحظة:
-وعد مش هسيبك تاني تحت إيده.
**********
ظلت تسير هنا وهناك بالمشفى، تسأل تلك الممرضة تارةً، وموظفة الاستقبال تلك تارةً، وكلا وجنتيها مغمورتان بعبراتٍ حارقةٍ، عبراتِ أمٍّ مرتعبةٍ على فلذة كبدها.
وأخيرًا وجدت زوج ابنتها واقفًا أمام إحدى الغرف، فركضت ناحيته صائحةً بتلهفٍ:
-"سلمان"، طمني يا "سلمان" بنتي فين وجرالها إيه؟
حك "سلمان" مؤخرة رأسه وهتف بضيقٍ احتل قسماته:
-مفيش يا طنط إحنا كنا بنتكلم عادي وفجأة لقينا نزيف رهيب وأغم عليها.
تعمد إخفاء الحقيقة عنها؛ حتى لا تلقي عليه وابلًا من التوبيخ الذي اعتاده مع تلك العائلة التي لطالما تلقى منها تلك المعاملة الحقيرة إرضاءً لجشعه المادي.
نظرت ناحية تلك التي انكمشت على حالها بإحدى الكراسي، وهمست بذهولٍ وهي تطالعها بنظراتٍ شاخصةٍ:
-"سنا"!
رفعت بصرها ناحيتها وهتفت بهدوءٍ تمسكت به بصعوبةٍ:
-أزيك يا طنط "راضية"؟
تبادلوا النظرات جميعهم، هو كانت نظراته مغمورة بالتحذير الخفي الذي فهمته "سنا" في الحال، بينما "راضية" تجوب نظراتها بينهما بعدم فهم؛ لذا أنقذت "سنا" الموقف صائحةً بـ:
-كان ليا واحدة صاحبتي تعبانة هنا بزورها، وبالصدفة شوفت "سلمان" فـ حبيت أطمن على "فتون".
بالرغم من عدم قوة حجتها، فـ "سنا" منذ الصغر لم تكن على وفاق مع ابنتها "فتون"، و"فتون" مثلها تمامًا، إلا أنها أومأت لها بلا اهتمام، فسلامة ابنتها أهم من وجود "سنا" أو من عدمه الآن.
تنفس "سلمان" الصعداء ما إن وجدها تحسن التعليل، وظل يذكر حاله بأن يجعل "فتون" تقول ما يطابق قول "سنا"؛ حتى لا يصطدم مع "راضية"، ولكن... إن استطاع طلب أي شيء من زوجته بعد ما حدث.
طال الانتظار، ومرت الدقائق كالساعات، كلهم ينتظرون خروج الطبيب في أي لحظة، هو كان أقلهم ترقبًا، فهو يعرف ما سيقوله الطبيب جيدًا، زوجته ظلت تعاني لسنوات حتى استطاعت الحصول على ذلك الجنين، فحدوث إجهاض كان أمرًا منطقيًا له، ولكنه انتظر خروجه فقط ليستغل الأمر وقتها للضغط على "سنا" كيفما يشاء، بينما هي تكترث لخروج الطبيب وداخلها طيف أمل يخبرها بأنه لم يحدث شيء وأن الجنين بخير؛ حتى لا تتورط أكثر مع "سلمان"، أما الأم فجلست وكأنها بموضعٍ أحر من الجمر، قلبها نبضاته متسارعة، العرق يتصبب من على جبينها، تدعو ربها بلا توقف أن يحفظ سلامة ابنتها هي وجنينها.
وفجأة كسر الصمت "سلمان" الذي استفسر بسخريةٍ مبطنةٍ:
-أمال فين عمي يا طنط؟
زفرت الهواء بعبوسٍ، وهتفت بتبريرٍ وكأنها متوقعة للسؤال الذي سيعقب سؤاله ذلك:
-وراه شغل كتير معرفش يجي.
ارتسم على ثغره بسمة جانبية متهكمة وهز رأسه عدة مرات قبل أن يشيح بنظره عنها، لينظر بعدها صوب الغرفة التي اختفت بها زوجته ومعها عدة أطباء.
وكأن حدسه لا يخطئ، فبعدما صوب نظراته ناحية الباب وجد الطبيب يخرج من الغرفة بتعابيرٍ روتينية ليخبرهم بقسماته الجامدة:
-للأسف فقدنا الجنين، وشوية وهتتنقل في أوضة عشان تقدروا تشوفوها وتتطمنوا عليها.
أطبقت "سنا" جفنيها بعنفٍ تحاول تنظيم أنفاسها المتقطعة، ولكنها لم تستطع عندما استمعت لصوت "راضية" المختنق بالبكاء:
-يا حبيبتي يا بنتي، ملحقتش تتهنى بفرحتها.
فتحت جفنيها في النهاية لتجد صوب نظرها "سلمان" الذي طالعها بتوعدٍ دب القشعريرة في قلبها، فتحدثت أخيرًا بهمسٍ عن عمدٍ؛ حتى لا يقع ما تقوله على مسامع "راضية":
-أنا مليش دعوة باللي حصل و...
استغل "سلمان" حماته التي تاه بصرها في الفراغ وهي تندب مع حالها باكية، واقترب من "سنا" ليهمس بجانب أذنها يلوح لها بالعواقب بلا تردد:
-كل الخراب اللي عملتيه بين يوم وليلة ده مش هيعدي عمره يا "سنا".
ثم تابع بلهجةٍ آمرة وهو ينظر في عينيها مباشرةً:
-امشي أحسنلك قبل ما "فاتن" تيجي أو قبل ما "فتون" نفسها تشوفك عشان الأوضاع متتوترش أكتر من كده، بس... إحنا لسه لينا كلام تاني يا "سنا".
كزَّت على أسنانها بغيظٍ، ثم تحدثت باحتدامٍ، وبلا قصدٍ علت نبرتها لتلفت نظر "راضية":
-أعلى ما في خيلك اركبه، أنا مبتهددش، إنتَ اللي اتسببت في كل اللي حصل.
قتمت زرقة عينيه وطالعها بصورةٍ منذرةٍ؛ حتى تتوقف عن إكمال كلامها نظرًا لمن يوجد معهم؛ لذا انسحبت هي في النهاية من المكان بأكمله بخطاها الانفعالية التي ضربت الأرض باهتياجٍ.
فتحت جبهة جديدة على حالها، غضبها قادها لطرقٍ ما كانت تتمنى يومًا أن تسلكها، رغبتها في الانتقام من "سلمان" لفعلته وتوريطها في مشاكل عدة مع زوجها جعلتها في النهاية تبتغي رد الصاع له صاعين أيًا كان الثمن... وفي آخر المطاف كان الثمن فقدان تلك المرأة لجنينها، اصطدامها بوالدتها، وما كان ينقص سوى تهديد "سلمان" لها... ما هذا التبجح!؟
وفجأة تسمرت في وقفتها على باب المشفى ولم تتحرك قيد أنملة حتى، كل ما فعلته أنها ظلت ترمش بأهدابها عدة مرات لعل ما تراه ليس بحقيقي!
اقترب "يحيى" ناحيتها وعلى ثغره بسمة غريبة أثارت الريبة بداخلها، وجدته يقف بجانبها ويحيط كتفها بذراعه وعلى وجهه نفس التعابير العجيبة تلك، سارت "سنا" معه بعدما حثها على السير، وتوقفت أمام سيارته وكأن الوعي عاد لها لتسأله بترقبٍ:
-إنتَ عرفت منين إني هنا؟
التقط تلك الخصلة المتمردة على وجهها ووضعها خلف أذنها وهو يجيبها:
-مش مهم عرفت إنك هنا إزاي.
ثم استطرد وهو يحادثها برفقٍ، ليفتح باب السيارة الأمامي لها:
-اركبي ويلا نمشي من هنا، في كلام كتير محتاجين نتكلم فيه.
دخلت كما أمرها وهي تراقبه بتشككٍ، بينما هو يغلق الباب وهو يتذكر المكالمة الهاتفية التي تلقاها من "فاتن"، والتي أخبرته فيها بإتمام خطتها للتخلص من جنين شقيقتها، وفي المنتصف أخبرته بوجود زوجته وسط الأجواء؛ نظرًا لسطوتها المفروضة على كل عمال البيت.
اتجه "يحيى" ناحية كرسيه واستقل سيارته، ثم خاطبها بنبرةٍ عاديةٍ:
-"حلا" عند مامتك مش كده؟... عشان نروح نجيبها.
أومأت له في سكوتٍ التزمته، ولكن بداخل رأسها كان هناك صراع حاد، صراع يخبرها بأن ما سيأتي في أعقاب هدوء "يحيى" ليس إلا بطشًا ضاريًا، فقد باتت لا تتوقع ردود فعله، وخاصةً بعد المواجهات الأخيرة!
**********
انتحبت المسكينة بمرارةٍ وهي تضع كفها موضع بطنها، ترفض ما يقولونه، يرفض عقلها تصديق الأمر بصورةٍ قاطعةٍ، تبكي وتذرف الدموع بقهرٍ، تردد بلا توقف وصوتها يخرج متقطعًا:
-ده أنا ملحقتش أفرح ب... بيه، قو... قولت خلاص ربنا عوضني سنين الت... التعب دي كلها، في الآخر يحصل ك... كده.
ثم أكملت بحسرةٍ من وسط نهنهتها:
-الدنيا مستكترة الفرحة عليا ليه يا ماما؟
أتمت جملتها وعويلها يتعالى، بينما أمها تحتضنها بحنوٍ وعبراتها تواسيها بدلًا من الكلمات.
كل ذلك كان على مرأى ومسمع من "فاتن" التي راقبت الأجواء بمقلتين زجاجيتين لا يخرج منهما أي مشاعر أو شفقة، بل ظلت ترفع بصرها للأعلى بمللٍ وكأنها ترغب في الرحيل بأسرع صورة ممكنة، ثم ازداد تكدرها عندما تعالى صراخ شقيقتها مجددًا بألمٍ:
-كان نفسي أفرح أوي يا ماما، كان نفسي أشيل حتة مني بين إيديا.
ثم أردفت بإنهاكٍ بائنٍ في نبرتها:
-ده أنا بقالي سنين عمالة ألف على الدكاترة وآخد في أدوية وحقن، وأجرب الدوا ده شوية وده شوية عشان في الآخر يحصلي كده!
ربتت "راضية" على كتف ابنتها بحنانٍ، وخاطبتها بتعقلٍ:
-نقول الحمد لله يا "فتون"، بكفاية إنك بخير يا بنتي.
رفضت "فتون" ما قالته أمها وصرخت وهي تضع كفها على موضع قلبها الذي أثقله وجع الفقد:
-أنا مش بخير، أنا كان نفسي أبقى أم، كان نفسي يبقى بين إيديا حتة مني يا ماما، هو أنا مستاهلش أفرح؟... مستاهلش حاجة خالص؟!
اقترب "سلمان" منها وربت على كتفها بحنوٍ - حفاظًا على شكله أمامهم - وراح يواسيها:
-متعمليش في نفسك كده يا حبيبتي.
رمقته بغلٍ من وسط حزنها الخالص، فجزء من عقلها صور لها كونه سببًا فيما كانت فيه الآن، ربما تلقيها لتلك الأخبار التي تبث الكآبة في النفوس كانت السبب فيما حدث!
**********
خرجت من غرفة ابنتها بعدما تأكدت من ذهابها في سباتٍ عميقٍ، فوجدته يجلس مقابل التلفاز يشاهد إحدى المسرحيات القديمة وكتفاه يرتجفان من فرط الضحك!
ظنت "سنا" أن هناك جنونًا ما أصابه، ليس مجرد تبلد مشاعر أو برود، لا بل جنون!
أخرجها من شرودها صوت "يحيى" الهادئ الذي خاطبها وهو يخفض من صوت التلفاز:
-تعالي يا "سنا" واقفة بعيد ليه؟
اقتربت منه وجلست بجانبه بترددٍ جليٍ على ملامحها، وفجأة تبدلت تعابيره لأخرى تلبسها الجدية وردد:
-بصي يا "سنا"، من الليلة دي أنا عندي استعداد أعرض عليكي عرض عرضته عليكي من حوالي عشر سنين وإنتِ رفضتي.
عقدت جبينها بعدم فهم وهزت رأسها مستفهمة؛ لذا في المقابل أخذ كفيها بين راحتيه، وراح يهمس بابتسامةٍ دافئةٍ:
-تقبلي نبدأ بداية جديدة ننسى فيها كل اللي فات، بس بداية فيها أنا وإنتِ وبس، بداية تديني فرصة فيها أبينلك أنا بحبك قد إيه.
وبغتةً طاردتها كل أشباح الماضي بظلامها الدامس، وبعتمتها الموحشة، بغتةً تذكرت كل شيء، خيانة "سلمان" لها وتخليه عنها، اضطرارها للجوء لـ "يحيى"، ذكرى حبيبها التي ظلت حبيستها لسنواتٍ عدةٍ، قلبها الذي أبى إعطاء أي فرص لغيره، قلبها الذي أبى نكث عهده مهما حدث؛ لذا انقبضت تعابير وجهها وطالعته في أسى وهي تهز رأسها رافضة!
جحظت مقلتاه باستهجانٍ، للمرة الثانية باعته بثمنٍ بخس!... للمرة الثانية لم تَرَ تضحيته وقبوله بما لا يقبله رجل... للمرة الثانية يعود وهو يجر أذيال خيبته وراءه. بعدما تنازل عن كل مبادئه، بعدما اشترك في تلك الجريمة الشنعاء، بعد كل ذلك في النهاية يقابله الرفض!... خُيِّل له موافقتها الخالية من أي تردد؛ نظرًا لما حدث في الآونة الأخيرة، ظنها ستخجل من التفكير في عدم الموافقة حتى، بالإضافة لاختفاء "سلمان" الذي كان آتيًا لا محالة، وفي تلك اللحظة تكونت بداخله ضغينة مضاعفة، ليس تجاهها، بل تجاه "سلمان" الذي توعده بالمزيد والمزيد من البطش... لن يتوقف الأمر على المقطع الذي بحوزته، بل سيعمل على جعل الأمر يتفاقم قدر المستطاع.
ترك كفيها ونهض من على الأريكة، ثم سار ناحية غرفة ابنته لينام بجانبها كما اعتاد عند رغبته في الهرب منها ومن مواجهتها، بينما هي ينتفض جسدها أثرًا لصفعه للباب والعبرات تترقرق بمقلتيها بقلة حيلة... يظنها ذات نفوذ على قلبها... أي نفوذٍ للمرء على قلبه؟!
*********
صباح اليوم التالي.
كاد يدير محرك سيارته على مضضٍ؛ فتأخره عن العمل عكَّر مزاج يومه، بالإضافة لما حدث بالأمس، ولكن قبل أن يفعل ما كان ينتوي فعله أثار انتباهه الهاتف الذي تعالى رنينه.
التقط "يحيى" الهاتف ليعقد حاجبيه بتعجبٍ متمتمًا بحيرةٍ:
-عايزة إيه دي؟
ضغط على الهاتف قبل أن يضعه على أذنه قائلًا بترقبٍ وهو يدير المحرك استعدادًا للمغادرة:
-إيه يا "نجوان".
استمع لردها وهو ينطلق بسيارته، فانكمشت قسماته بامتعاضٍ أثرًا لما تلقاه منها:
-ضروري أشوفك دلوقت في شقة "خاطر".
تلقائيًا رد عليها بلا تفكير وهو ينعطف بسيارته لليسار:
-صعب يا "نجوان" أنا متأخر عن الشغل.
خاطبته في رجاءٍ فانتبه لها بصورةٍ مضاعفةٍ:
-أرجوك يا "يحيى"، أنا أول مرة أطلب منك طلب، أنا وأختي في الشارع ومش عارفين نروح فين.
عقد حاجبيه بعدم فهم، ثم مرر كفه على خصلاته يحاول إيجاد حل مناسب، وعاد يقبض على المقود وهو يهتف بتفهمٍ، وقد أجَّل أي استفسارات فضولية كانت بداخله عن سبب ما تفوهت به الآن:
-طب بصي أنا صعب أجي دلوقت عشان شغلي، هكلملك "خاطر" هيجيلك، ومتقلقيش أنا هفهمه مش هيقولك حاجة.
-طيب بس ضروري الله يخليك، أنا صدقني ده وضع مؤقت و..
قاطعها بضيقٍ:
-عيب يا "نجوان".
ثم تابع قبل أن يغلق الخط على عجالةٍ:
-هقفل معاكي أكلم "خاطر".
ضغط على المكابح وتوقف بسيارته؛ ليرسل رسالة نصية لـ "خاطر" الذي تمنى ألا يماطل معه، فهو ليس في مزاجٍ جيدٍ، ولا يرغب في التخلي عن "نجوان"، فهو لا ينسى المعروف ولا ينسى أي مساعدة قدمها له أحدهم ذات يوم.
وقد كان محتوى الرسالة صارمًا ولا يقبل النقاش " "خاطر" "نجوان" معاها مشكلة هي وأختها ومفيش مكان يروحوه، روحلهم ضروري شقتك وخليهم فيها لغاية ما أجي، ومتعملش مشاكل لغاية ما أجي وأفهمك عشان أنا عارفك مش طايقها كده كده وهتتلككلها."
********
دلف بخطى ثقيلة يتقدم ناحية الطبيب الذي استقبله ببسمةٍ هادئةٍ وهو يخاطبه ببشاشةٍ:
-اتفضل اقعد يا أستاذ "عزام".
جلس "عزام" على الكرسي على مهلٍ، ولم ينظر بوجه الطبيب ولو للحظةٍ واحدةٍ، وكأنه يتهرب من الموقف بتلك الصورة، يشعر بتسرعه لما قاله بالأمس لزوجته، ما كان يجب عليه التعجل هكذا في أمر الطبيب النفسي، واليوم امتثل لطلبها في ذهابه إليه إرضاءً لها، وما جعل لا مهرب من الأمر هو مجيئها معه بنفسها، والآن هي تنتظره بالخارج؛ مما جعله يشعر وكأنه محاصر من كل جهة.
كسر الطبيب الصمت وهتف ببساطةٍ:
-تقدر تقولي يا "براء" من غير دكتور، تحب أقولك يا "عزام"؟
أعطاه إيماءة مقتضبة، فاستشعر "براء" ثقل الأمر عليه؛ لذا تساءل بفطنةٍ:
-أول مرة تزور طبيب نفسي؟
-أيوة.
وبصورة روتينية خاطبه بجديةٍ:
-طيب قبل ما نبدأ لازم تعرف إن اللي بيدور بينا هنا سري، وإن...
قاطعه "عزام" بفظاظةٍ وهو يرفع بصره إليه أخيرًا:
-كل ده أنا عارفه.
تجاهل الطبيب الطريقة التي قاطعه بها، واستفسر بعدها مباشرةً:
-ليه جيت هنا النهاردة؟
وبصورة عفوية أجابه وهو يهز كتفيه:
-عشان مراتي.
-هي اللي طلبت تيجي؟
-مش بالظبط، بس أنا واثق إنها شايفاني مش طبيعي.
صمت "براء" لهنيهة، ثم هتف بتساؤلٍ وعينيه تتفحص ردود أفعاله بحرصٍ:
-وإنتَ شايف إيه؟
-معرفش.
-طب لو هنبتدي من وجهة نظرك الشخصية، إنتَ شايف المشكلة فين؟
-أنا عصبي شوية بطبعي.
-يعني هي مشكلتها بس إنك عصبي؟
-بغير.
عقد "براء" حاجبيه وعلق بتخمينٍ:
-وبتشك فيها.
التزم الصمت لعدة لحظات وأومأ على مضضٍ وهو ينفخ الهواء بضيقٍ، فتابع الطبيب وهو يدون عدة ملاحظات بالمفكرة التي بقيت بين يديه:
-الشك بيكون بدون سبب؟
-أكيد بسبب.
-زي؟
-مثلًا لو واقفة بتضحك مع حد أو بتكلمه، أو مثلاً تلبس لبس مش مناسب من وجهة نظري، اجتماعيتها بتخليني أشك فيها، ولو بلاقيها بتتخانق مثلًا بحس إن فيه طرف تاني ورا خناقها ده غصب عني، بس هي مشكلتها إنها منفتحة زيادة عن اللزوم و... مش عارف.
قدر الطبيب تعثره وهتف بهدوءٍ:
-خلينا نمسك حاجة حاجة، خلينا الأول في الشك، لما بتشك إنها بتخبي عنك حاجة بتعمل إيه؟
صمت يفرك راحتيه بتوترٍ، ثم أجاب بتهربٍ من الإجابة الأساسية:
-بنتخانق.
-الخناقة بتوصل لحد فين؟
أجابه مضطرًا:
-مد إيد.
-آخر مرة ده حصل كان إمتى؟
-يومين باين.
-أقدر أعرف السبب؟
صمت ولم يعطه ردًا واضحًا، فاحترم الطبيب رغبته ولم يلح عليه بالسؤال، ثم خاطبه باستفهامٍ:
-بعد ما بتضربها بتحس بـ إيه؟
-ندم.
-وبعده؟
-بعتذر وبحاول أخليها تفهم إنه غصب عني.
-ومفيش مجرد أيام وده بيتكرر مظبوط؟
أومأ له "عزام"، بينما "براء" يكمل وهو يحلل ما استمعه للتو:
-كده إحنا عندنا دايرة مغلقة بتتكرر بدون توقف... طب قولي أما بتشك فيها إيه أكتر حاجة بتخوفك؟
رفض نطقها ولكنه قاوم رغبته في الانسحاب بكل قوته فقط لأجلها، كما تعهد مع حاله... سيصلح ما تصدع بينهما مهما كان الثمن؛ لذا نبس بحرجٍ:
-إنها تخوني.
-قدرت تحدد سبب مجيك لـ هنا ولا لسة؟
-أنا مش عايز أفضل كده... إحنا حياتنا جحيم بسببي.
-متحكمش على نفسك حكم قاسي، إنتوا حياتكوا مش متظبطة بسبب سلوكيات عندك هتتصلح طول ما عندك عزيمة وإصرار إنها تتصلح.
-بس... بس أنا مش شايف إني غلط في غيرتي.
وافقه "براء" وتحدث بعقلانيةٍ:
-الغيرة مش شيء غلط، الغيرة شعور زيها زي أي شعور، ولكن الفعل اللي بيعقب الشعور هو المشكلة الأساسية اللي قدامنا.
رمقه "عزام" بعدم فهم، فاستكمل الطبيب حديثه بإيضاحٍ:
-من حقك تغير، زي ما من حقك تحب، من حقك تكره، من حقك تخاف، حتى من حقك تشك، بس مش من حقك تعنف حد قصاد مشاعرك دي.
ثم استطرد بصورةٍ مسترسلةٍ:
-خلينا ناخد موقف بيتكرر بينكم بيسبب شكك ده ونحلله سوا.
بدأ "عزام" في سرد إحدى المواقف المثيرة لشكوكه، وذلك بعدما شعر بالراحة قليلاً مع الطبيب الذي لم يهاجمه مثلما ظن وهو قادم إليه، بل يشعر وكأنه يكتشف حاله من جديد، يكتشف أسباب تصرفاته العجيبة جزءًا جزءًا:
-دايمًا بتبقى ماسكة تليفونها وبتضحك، الموضوع ده بيعفرت دماغي.
-بتفكر في إيه وقتها؟
-بحسها بتكلم حد... ر... راجل مثلًا.
-هل هي قالتلك ده؟
-لا.
-طب شوفت الراجل نفسه؟... شوفت الرسالة بنفسك؟
-بردو لا.
-يعني كل كلامك قايم على احتمالات.
-متهيألي آه.
-وده اللي هنشتغل عليه يا "عزام"، عشان قدام نقدر نفرق بين اللي شفته فعلًا، وبين اللي عقلك عايز إنه يشوفه.
رد "عزام" كالسهم في سرعته يقاوم فكرة كونه خاطئًا إلى حد ما:
-طب أفرض طلع عندي حق!
-يبقى وقتها نتعامل مع الحقيقة اللي شوفناها بعنينا بعد ما نشوفها مش قبل ما نشوفها... قولي... وقت العصبية بتحس نفسك قادر تتحكم في انفعالاتك؟
-لا مبقدرش.
-الجلسات الجاية هنحتاج نشتغل على إننا نمنع الغضب من أنه يوصل للعنف، يعني نعرف إمتى تنسحب من المواجهة قبل ما توصل للضرب، إيه الإشارات مثلًا اللي هتوحي بغضبك ده نفسه، وإزاي تتعامل مع الفكرة اللي بتشغل الشك والغيرة من البداية، بس قبل ما أحدد نوع العلاج محتاج أعرف شوية تفاصيل عنك.
-زي إيه؟
-نومك، عصبيتك برا البيت، شغلك، علاقتك بأهلك، هل بتتعرض لنوبات غضب في مواقف تانية؟... هل بتستخدم أي مواد أو أدوية؟... وهل حصل قبل كده إنك فقدت السيطرة تمامًا أو أذيت نفسك أو شخص تاني؟... بس متتعبش نفسك في الرد على كل ده، لسة الجلسات الجاية هنتناقش في الأمور دي كلها.
هز رأسه بتفهمٍ، ثم قال بحيرةٍ:
-طب هو أنا كده عندي إيه؟
-لسة بدري على التشخيص، أنا قدامي غيرة وشك مصحوبين بعنف، لسة أما أشوف الأسباب اللي بتحرك جواك الحاجات دي لأن أكيد في جذور للموضوع، ولكن مش هضغط عليك تحكي كله من أول جلسة، أنا حابب الموضوع يبقى فيه سلاسة منك أكتر بدون أي ضغط مني، فـ عشان عشان كده التشخيص مبيتحددش من أول جلسة.
ثم طرح مطالبه عليه متابعًا حديثه:
-الأسبوع ده عايزك تبتدي بنقطة مهمة جدًا، أول لما تحس بشك ناحيتها متواجههاش وأمنع نفسك قدر المستطاع عن ده، وأعمل كالآتي هات ورقة وأكتب فيها إجابة تلات أسئلة، إيه اللي حصل؟.. إيه اللي افتكرته؟.. إيه اللي حسيت بيه؟... أهم حاجة تبعد عن المواجهة لو اتعصبت أوي عشان الموضوع ميوصلش لعنف، ده هيكون مهم أوي في البداية، وأشوفك بعد أربع أيام بنفس الميعاد.
تنفس "عزام" الصعداء، فمهما شعر بالراحة إلا أن الأمر كان ثقيلًا على صدره بصورةٍ غير محتملة؛ لذا نهض في سرعةٍ وخرج بعدما أعطى الطبيب تلك البسمة السخيفة.
*********
بين حينٍ وآخر كانت تفتح جفنيها تطمئن على ابنتها، وتغفو مجددًا على الكرسي بجانبها، حيث لم يكن غيرها بالغرفة معها بعدما غادر "سلمان" و"فاتن"، وفجأة لفت نظرها تلك الإشعارات العدة التي صدر صوتها من هاتف ابنتها "فتون"؛ لذا التقطته لتبدل وضعه الحالي إلى الصامت، ولكن فضولها قادها لفتحه؛ حتى ترى ما أُرسل للتو، وخلال لحظات امتقع وجهها وصار شحوبه كالموتى، فكتمت شهقاتها المصدومة بصعوبةٍ شديدةٍ من فداحة ما رأته للتو..!