رواية ذكراه الفصل السادس عشر 16 بقلم رولا هاني


رواية ذكراه الفصل السادس عشر 16 بقلم رولا هاني


الا وطن لي
"آهٍ من الأيامِ آه لم تُعطِ مَن يهوى مُناه
مالي أحسُّ أنني روحٌ غريبٌ في الحياة"
-يا مالكًا قلبي.
********
تلبست قسمات وجهها البهجة بصورةٍ ملحوظةٍ، وظلت بجانبه تختلس النظر له بين حينٍ وآخرٍ، تشعر بسعادةٍ غامرةٍ، وكأن الحياة ستعود لتضحك لها من جديد، هناك تغييرات جديدة ستُكافأ بها خيرًا على مدى صبرها، ولكن ما جعل التوجس يتخلل كل تلك الغبطة هو صمته الذي التزمه منذما خرج من عند الطبيب؛ لذا تنحنحت وهتفت تحاول كسر حدة الأجواء وهي تضع كفها الرقيق على كتفه:
-إنتَ كويس يا "عزام"؟
انتفضت قبضته المشددة على مقود سيارته أثرَ لمستها، أو للدقة أثرَ توتره منذ خروجه من عند الطبيب النفسي الذي زاره للتو، وعلى الرغم من ذلك أمسك بيدها يقبلها بحنوٍ يطمئنها:
-بخير يا حبيبتي.
اتسعت بسمتها أكثر وأكثر براحةٍ، ثم اتخذت الخطوة لتتساءل على استحياءٍ:
-هو... م... مش هتطمني يعني الدكتور قالك إيه، أو قولتله إيه مثلًا؟
احتدت شدة قبضته على المقود، وحاول ضبط أعصابه، لا يعلم سبب حساسيته، أو سبب الارتباك الجم ذلك، فهو خرج من عند الطبيب بارتياحٍ إلى حد مقبول كونها مرته الأولى، ولكنه لا يدرك ما الذي أصابه بعدما غادر، ربما ندم، ربما وجل من القادم... ببساطةٍ هو لا يعرف؛ لذا في النهاية حاول إيجاد أنسب إجابة للتملص من فضولها البديهي:
-معلش يا "إنجي" هينفع دي تكون حاجة خاصة بيا؟
أطرقت رأسها بحرجٍ، ثم ردت عليه بهدوءٍ تمسكت به بصعوبةٍ، فهي وسط كل ذلك كانت تخشى ردود أفعاله العنيفة:
-أنا آسفة... أنا بس كنت عايزة أطمن عليك.
استشعر الخوف بصوتها، فأصابه استياء على أثره تشكل على تعابيره بوضوحٍ؛ لذا حاول السيطرة على أعصابه المرتبكة بصورةٍ مضاعفةٍ، وراح يخاطبها ببسمته المحببة لقلبها على الرغم من الصعاب التي مرت بها معه:
-مفيش أي حاجة تتأسفي عليها، أنا بس اللي الموضوع حساس بالنسبالي غصب عني.
استمالتها الطريقة التي وضح لها وجهة نظره، فعقبت بمزاحٍ:
-ده الدكتور شكله جايب نتيجة من أول مرة، "عزام" إنتَ متعصبتش عليا!
أتمت جملتها الأخيرة بملامحٍ مشدوهةٍ، فطالعها هو بندمٍ حقيقيٍ على كل مرة بلغ به الغضب منتهاه بسرعةٍ قصوى فيها، لينتهي به الأمر في النهاية لإيذائها.
حاول نفض تلك الأفكار السوداوية من رأسه، ثم صاح بحماسٍ:
-إيه رأيك نخرج شوية؟
-ما تخلينا نخرج مع الولد أحسن، بقالنا كتير مخرجناش سوا مع بعض وإحنا متصالحين.
-زي ما تحبي مفيش مشكلة، نروح دلوقت وبليل نخرج.
-هو إنتَ معندكش شغل؟
-المفروض عندي، بس خليني أقضي اليوم معاكم إنهاردة.
ثم تابع بصدقٍ وهو ينظر داخل مقلتيها مباشرةً:
-أنا محتاج ده.
*********
-الدكتور قال إننا هنمشي بليل يا حبيبتي.
قالها "سلمان" بسماجته المعهودة وهو يلج لغرفة زوجته، وتجاهل "راضية" - عمدًا - بعدما التزمت تحديجه بنظراتٍ تشبه اللهب في اهتياجها، فظن وقتها أن "فتون" أخبرتها بما حدث؛ لذا فضل في ذلك الوقت اللامبالاة... سر راحته في تلك الحياة، ألا يكترث لمشاعر أحد سواه.
خرجت الكلمات من بين شفتي "فتون" مقتضبة وهي تتنهد مطولًا بتعبٍ:
-طيب.
ثم قبضت على هاتفها من على الكومود، وظلت تعبث به لعدة دقائق، بينما حرب النظرات الصادرة من "راضية" لا تزال جارية ناحية ذلك الذي لم يهتم بها ولو برد فعل صغير حتى، وفجأة خرج صوت "فتون" مجددًا تستطرد باستغرابٍ:
-هو ليه التليفون ده غريب كده؟... هو حد مسكه؟
هز "سلمان" رأسه بعدم فهم واستفهم:
-غريب ماله؟
ظلت تمرر أصابعها عليه عدة مرات قبل أن تردد في تعجبٍ:
-مسدچات كتير ممسوحة وغريب كده.
سحبه "سلمان" منها يرغب في تفحصه؛ لعله يفهم سبب ما تهتف به:
-هاتيه طيب أشوفه.
بينما "راضية" تراقبه بعينين تكادان تحرقاه بمكانه من فرط السخط، وخلال تلك اللحظات تذكرت عبثها بالهاتف؛ حتى تمسح الرسائل التي وردت ابنتها؛ وبسبب انعدام خبرتها في وسائل التواصل الاجتماعي حذفت عدة محادثات أخرى دون قصد.
-هو في شاتات ممسوحة فعلًا، يمكن إنتِ مسحتيهم بالغلط ولا حاجة.
صاح بها "سلمان" وهو يعطيها الهاتف مجددًا، فهزت هي رأسها بحيرةٍ تحاول تذكر أمر يطابق ما قاله، بينما "راضية" تهب واقفة من على كرسيها مرددة في وجومٍ:
-أنا طالعة أعمل مكالمة برا.
تابعها "سلمان" بعينيه، حتى غادرت، وفجأة أفزعه صوت "فتون" التي هدرت به بغلٍ:
-فاكرني هعديلك اللي حصل مش كده؟
وضع كفه على موضع قلبه الذي ارتجف على إثر صوتها الذي أصابه بالهلع، ثم همس بغيظٍ بعدما اقترب منها قليلًا:
-حد قالك إنك صورة طبق الأصل من الست اللي برا دي؟
تساءلت بترقبٍ:
-أشمعنى؟
-بومة شبهها.
وقبل أن تنطق بحرفٍ واحدٍ خرج بخطواتٍ راكضةٍ من الغرفة بأكملها، بينما "فتون" تكز على أسنانها بعصبيةٍ وهي تتوعده بالمزيد والمزيد في القادم، ولكن لتستعيد صحتها في البداية، وبعدها ستجعله ينال من بطشها الذي لا يأتي بما تشتهي السفن.
*********
-عايزة أنام يا ماما بقى.
قالتها "حلا" بتذمرٍ وهي تضرب الأرض بقدمها، فردت عليها "سنا" بضيقٍ وهي تطرق على الباب:
-اصبري يا "حلا"، هتدخلي عند تيتا تسلمي عليها وتدخلي تنامي بعدها براحتك.
وخلال لحظات فتحت "بثينة" الباب هاتفة ببسمتها البسيطة:
-حبيبة تيتا.
قفزت الصغيرة ناحية جدتها وهي تحتضنها باشتياقٍ، بينما "سنا" تلج للداخل هي الأخرى هاتفة بفتورٍ:
-إزيك يا ماما؟
حملت "بثينة" الصغيرة بين يديها، فاستغلت الطفلة الأمر وغفت على كتفها، بينما جدتها تجيب ابنتها بتهكمها المعهود:
-افتكرتي إن ليكي أم تسألي عليها أخيرًا.
أطرقت رأسها بتحرجٍ وردت مبررةً:
-معلش يا ماما، إنتِ عارفة إني مبحبش أجي هنا كتير تجنبًا لأي موقف يضايقني.
تفهمت "بثينة" مقصدها بلا عناء، فهي تخشى أن تصطدم بـ "سلمان"، أو بأي شخص من عائلته، فقد كانت الأم على علم بتلك العلاقة العاطفية التي كانت في يومٍ بينها وبين ذلك الفتى، ولكن لا تعرف كافة التفاصيل الكارثية الخاصة بها، فقط تعرف بذلك الهيام الجنوني الذي كانت تكنه "سنا" لذلك الأحمق، ونهاية الأمر بصورةٍ مأساوية بسبب جشعه وطمعه؛ مما جعل علاقتها ببيت "رجوى" تكاد تكون معدومة.
لذا تحدثت برزانةٍ وهي تومئ لها عدة مرات:
-فاهمة يا "سنا"، بس ده ميمنعش تيجي تطمني عليا.
أعطتها إيماءة متفهمة، ثم همست بتعجبٍ زائفٍ تحاول تغيير مجرى الحديث:
-ده "حلا" نامت!
-آه نامت، هدخلها أوضتي وأجيل..
قاطعتها "سنا" برفضٍ:
-لا يا ماما، أنا عارفة إنك لسة راجعة من الشغل وأكيد محتاجة تريحي، وبيني وبينك محتاجة أنام أنا كمان شوية.
رمقتها "بثينة" بتشككٍ، ثم خاطبتها بتخمينٍ وهي تضيق عينيها:
-متخانقة مع "يحيى"؟
-بعدين يا ماما، سيبيني أدخل أرتاح عشان خاطري.
ولم تعطها فرصة للرد، بل انطلقت كالسهم في سرعتها تجاه غرفتها بعدما حافظت على رباطة جأشها بمنتهى التعسر.
أغلقت "سنا" الباب وهي تتنفس الصعداء بعدما تخلصت من أسئلة والدتها الفضولية، فهي كانت ترغب في الهرب بحالها بعيدًا عن كل ذلك الزحام، ولكنها لم تكن تعرف أن مصدر الزحام نفسه هو رأسها اللعين!
سحبت كفيها من على الباب، ثم استدارت للخلف لتتأمل غرفتها التي لم يتغير فيها شيء، وكأنها تركتها بالأمس وليس لسنوات عديدة، انقبض قلبها وانكمشت تعابير وجهها بعبوسٍ، فقد لاحت برأسها ذكريات تعيسة لم تحب ذات يوم أن تتذكرها.
اقتربت بخطاها الوئيدة، وتلمست بأطرافها الفراش، فتذكرت كم مرة تخلت فيها عن براءتها وعفتها بذلك المكان، كم مرة خُدعت باسم الحب، كم مرة خُدر عقلها فيها، غير ذلك... كم مرة ظلت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا وقلبها يتراقص فرحًا من مجرد رسالة منه، أو من بسمة أعطاها إياها من أسفل شرفتها، أو من مكالمة هاتفية غمرها فيها بكل كلماته المعسولة، كلماته التي تغزلت فيها بشكلٍ كان يجعلها غائبة عن الوعي، لم تكن ترى حالها جميلةً سوى في عينيه، لم تكن تعرف قيمتها سوى به، على الرغم من وله "يحيى" بها، ورؤيته لها كأجمل امرأة رأتها عينه، والذي تخطى حد "سلمان" بصورةٍ مضاعفةٍ، إلا أنها لم ترَ سواه طوال حياتها.
لطالما لم تنتمِ لشيء، لم تنتمِ لمكان، أو لحب، أو لأشخاص، لم تنتمِ لتلك الحياة بأكملها، وكأنها بلا وطن، ما أقسى أن يشعر المرء بغربته في كل مكان تخطوه قدمه!
ما أقسى أن يصبح غريبًا في كل مكان يجب أن يكون فيه مألوفًا!
لم تكن تشعر بانتمائها سوى لأرضه التي استحال اخضرارها مجددًا.
أرضه التي استقر طيفها بوجدانها لتنهشها لوعة فراقه عمرها بأكمله.
**********
رمقهما بقسماتٍ متكدرةٍ وهو عاقدٌ الساعدين بحركةٍ محكمةٍ عصبيةٍ، ولكنه في النهاية تحكم في انفعالاته خشيةً من تبعاتها وامتثالًا لأمر صديقه.
بدد السكون الذي خيم على المكان صوت "نجوان" الذي خرج مستهزئًا كعادتها:
-ما تقوم تغزنا بمطوة أحسن ما إنتَ هتفرقع مكانك كده.
كز "خاطر" على أسنانه بغيظٍ، ثم صاح في حنقٍ:
-بقولك إيه يا "نجوان"... أنا على أخري منك ومش ناقص منك أي نكش، كفاية قولتلك أبعدي عن سكة "يحيى" ولزقتي فيه أكتر كأنك بتحرقي في دمي.
مطت شفتيها للأمام ورددت في غنجٍ مستفزٍ:
-إنتِ بتغيري عليا يا بطة؟
غلى الدم في عروقه، ولكنه حافظ على هدوئه بصعوبةٍ بالغةٍ متمتمًا بـ:
-يجي "يحيى" ونشوف هنخلص من البلوة دي إمتى.
وفي تلك اللحظة همست "شاهندة" بالقرب من أذن شقيقتها:
-"نجوان" هو إنتِ مش هتفهميني إحنا جينا هنا ليه؟
وفي اقتضابٍ أجابتها:
-بعدين تفهمي.
وهنا صدر صوت الباب وهو يُفتح، فظهر "يحيى" القابض على مفتاحه الموضوع بمكانه بالباب، والذي تفحص الأجواء بنظراتٍ خاطفةٍ، ثم همهم بسخريةٍ وهو يغلق الباب مجددًا بعدما دلف وسحب المفتاح:
-الوضع شكله دينچرس.
تنحنح بخشونةٍ، وهتف بنبرةٍ عاليةٍ:
-مساء الخير يا جماعة.
وفي تلك اللحظة زجره "خاطر" بهياجٍ وجسده يهتز من فرط الغضب:
-لا صباح ولا مسا، جايبلي دول هنا ليه؟
هبت "نجوان" واقفةً لتتخصر صائحةً بنزقٍ، وقد غلى الغضب في عروقها من الأسلوب الفج الذي أصبحت تناله على يد ذلك الأحمق:
-دول!... هما مين اللي بتقول عليهم دول يا حبيبي؟
انفجر بهما "يحيى" يهدر باحتدادٍ:
-بــس.
اقترب "يحيى" من صديقه، وسحبه من ذراعه خلفه تجاه إحدى الغرف، ثم أغلق الباب ليهتف بلومٍ:
-بقى هو ده اللي قولتلك متعملش مشاكل!
بلا مقدمات صاح "خاطر" بوجهه المكفهر، والذي عبر عن مدى ضيقه مما يحدث:
-إيه جابها هي وأختها هنا؟
-صدقني معرفش، هي كلمتني الصبح قالتلي إنها مش لاقية حتة تروحها هي وأختها، قولتلها تيجي هنا بس وأنا هقعد معاها دلوقت أفهم منها الليلة كلها، إيه بقى لازمة الهيصة اللي إنتَ عاملها دي؟
تنهد بعمقٍ يحاول تهدئة حاله، ثم ردد في حزمٍ:
-تخرج تشوفهم عايزين إيه وتمشيهم، مبقاش إلا ال ****** اللي هنلزقهم فينا ونحللهم مشاكلهم.
رفع "يحيى" حاجبيه وهتف ضاحكًا:
-محسسني إني أنا اللي معرفك عليها.
عقد "خاطر" ذراعيه مجددًا وعلق على جملته بعقلانيةٍ:
-عشان أنا كان أخري معاها أجيبها في ليلة حابب أفرفش فيها أو أنبسط، مش حاشرها في حياتي كل يوم.
تشنجت قسماته على ما رمى إليه، فعقب معللاً:
-كان ليا معاها مصلحة يا "خاطر".
-مصلحة!... مصلحة إيه دي؟
وهنا أدرك فداحة ما تفوه به؛ لذا قال بتهربٍ، فهو لن يعترف بما فعله بمساعدة "فاتن"، تلك الشيطانة التي ظهرت في حياته لتخرج من داخله شرارات الانتقام التي نال من بطشها الأبرياء:
-بعدين بعدين هبقى أفهمك، المهم خليك إنتَ هنا وسيبني الله يخليك أقعد معاها أفهم في إيه.
وافقه "خاطر" على مضضٍ بإيماءةٍ بسيطةٍ، فخرج بعدها "يحيى" من الغرفة بعدما أغلق بابها، ثم اتجه ناحية "نجوان" التي صرخت في حدةٍ أثناء جلوسه على الأريكة:
-الواد السمج اللي جوا ده لو جه جمبي تاني هشلفط وشه، أنا جبت أخري واستحملته كتير.
وهنا فتح "خاطر" الباب ليخاطبها في تبجحٍ وهو يلوح بيده في الهواء:
-وإيه اللي جابرك تقعدي ياختي؟... خدي بعضك وهوينا من هنا.
قبضت على كوب الماء الزجاجي الموضوع أمامها ورمته ناحيته بغلٍ، فتفادى ما رمته وأغلق الباب في لحظتها، بينما "يحيى" ينكمش قليلًا على حاله بتوترٍ، وهتف بتلعثمٍ بعدما ازدرد ريقه بصعوبةٍ:
-تحبي أسيبك دلوق... دلوقت ش... شكلك مجنونة حاليًا.
صاحت من وسط أنفاسها المتلاحقة بنفاد صبر:
-من الآخر أنا مليش حتة أقعد فيها أنا وأختي، هتعرف تدبرلنا شقة نقعد فيها ولا أشوفلي حد تاني يساعدنا بدل الذل اللي إحنا فيه ده؟
اعتدل "يحيى" في جلسته، ثم قال في جديةٍ ونظراته تتأرجح بينها وبين شقيقتها التي تابعت الأمر في صمتٍ تامٍ:
-طب بس اهدي وفهميني واحدة واحدة، إنتوا كنتوا قاعدين فين الأول؟
ردت "نجوان" بامتعاضٍ تشكّل على ملامحها على ذكر سيرته:
-مع جوز أمي.
رد عليها بتلقائيةٍ وهو يعقد حاجبيه بعدم فهم:
-طب ليه سيبتوه؟
عضت على شفتيها بقسوةٍ تحاول إيجاد إجابة مناسبة، وهنا صاحت "شاهندة" باندفاعٍ قبل أن تتراجع بعدها للخلف في كرسيها بارتباكٍ، وذلك بعدما صوبت شقيقتها ناظريها عليها:
-عشان بيضايقني.
لم يفضل "يحيى" التدخل، فهو شعر بالحساسية التي كانتا فيها تجاه الأمر؛ لذا هتف بأسفٍ بعدما شبك أصابعه بحيرةٍ:
-مش عارف صدقيني يا "نجوان" ممكن أعملك إيه، إنتِ عارفة الشقة دي بتاعة "خاطر" ومقدرش أقولك اقعدي فيها.
سبّت "نجوان" حالها سرًا بعدما ظنته سينقذ الأمر؛ لذا هتفت بثباتٍ:
-تمام يا "يحيى" مفيش مشكلة.
زفر الهواء بثقلٍ، وظلت رأسه تبحث بجنونٍ عن حلٍ مناسبٍ، وبالفعل ظهر بصيص نور بها خلال دقائق خيّم فيهم السكون، فصاح وقتها بتلهفٍ وهو يندفع بجسده لطرف الأريكة:
-أنا عندي حل.
هتفت "نجوان" مستفهمة:
-حل إيه؟
أجابها بتعقلٍ يوضح لها:
-بدل فلوس الحوار الأخير، خدي شقة إيجار ليكي إنتِ وأختك.
سألته بارتيابٍ وهي تعقد جبينها بذهولٍ:
-وده ينفع؟
أومأ لها مؤكدًا، فمر ببالها سؤال مباغت... من أين سيأتي بكل تلك الأموال؟... كانت حالته المادية ميسورة بالحد الفائق، ولكن ليس لدرجة
أن يحتمل عبءها هي وشقيقتها؛ لذا تساءلت بلؤمٍ وهي تضيق عينيها تحاول سبر أغواره:
-هو إنتَ هتدفع كل الفلوس دي من معاك؟
ارتبكت قسماته، وصاح وهو يهرب من كلتا عينيها:
-آه.
ثم استطرد على عجالةٍ وهو ينهض من على كرسيه:
-هسيبكوا أنا هنا، هغيب عنكوا إنهاردة لغاية ما أظبطلكوا الدنيا.
خرج "يحيى" من الشقة بأكملها بعدما أخذ معه "خاطر" الذي تذمر وظل يتساءل بفضولٍ عما استمعه، ولكنه لم يجد أية إجابات منه، بينما "نجوان" تراقبه، حتى توارى عن أنظارها التي رمقته بارتيابٍ وهي تدمدم بقلقٍ:
-يا ترى مخبي إيه يا "يحيى"؟
*********
-أنا جهزت خلاص.
قالتها "إنجي" ببسمتها الواسعة بعدما خرجت من الغرفة، بينما صغيرها يتجه ناحيتها راكضًا بحماسٍ وهو يهتف:
-شكلك حلو أوي يا ماما.
تابعها "عزام" بمقلتين ناريتين، وبنظراتٍ ثاقبةٍ تُدب الرعب في القلوب، ولسوء حظه التقطتها عيناها، فحاول هو وقتها السيطرة على حاله قبل أن يهتف بتساؤلٍ:
-مش حاسة الجيبة قصيرة شوية؟
نظرت للأسفل حيثما أشار بحدقتيه، وخاطبته بعفويةٍ:
-دي لحد ركبتي.
نهض من على الأريكة واقترب منها، فتراجعت للخلف بارتعادٍ، بينما الصغير يتابع ما يحدث بعينين فضوليتين، هشم "عزام" المسافة بينه وبين زوجته وأحاط كتفيها بكفيه هامسًا بخفوتٍ:
-متخافيش.
رفعت بصرها تجاهه لتجوب ملامحه بنظراتٍ دامعةٍ، بينما هو يحافظ على ثباته بفضل تلك النظرة التي خرجت منها، فهو تعهد بداخل حاله ألا يخذلها مجددًا قدر المستطاع.
أنزل كفيه تجاه تنورتها الواسعة، والمرفوعة لنصف بطنها تقريبًا، ثم سحبها للأسفل للحد المقبول لديه، وأعطاها نظرة رضاءٍ وهو يتفحص امتدادها إلى ما بعد منتصف ساقها، فهتف وقتها بلطفٍ:
-مش كده أحسن؟
احتجت بداخلها على تدخله فيما ارتدته، ولكنها كظمت غيظها وارتكزت برأسها على أسلوبه الحديث معها في التعقيب عما يثير غيرته؛ لذا رسمت على ثغرها تلك البسمة الساحرة وهي توافقه بطاعةٍ:
-أحسن يا حبيبي.
أحاط خصرها بكفه الغليظ، ثم ردد بصوته المبهج موجهًا حديثه لهما:
-يلا بينا بقى عشان منتأخرش، أنا محضرلكوا خروجة تحفة.
ثم راح يكمل بنبرةٍ مفعمةٍ بالحيوية وهو يدفعهما برفقٍ أمامه يحثهما على السير ناحية باب الشقة:
-هنروح نتعشى سوا، وبعدها نطلع على الملاهي، وبعدها ممكن نروح السينما كمان.
ظل يثرثر بلا توقف راق لها، فظلت هي تتابعه بمقلتين لامعتين وابتسامتها لا تبرح وجهها، بينما الصغير يستمع جيدًا لما يقوله والده وهو يصفق بسعادةٍ طفوليةٍ.
*********
-كويس أوي إنك طلبتي تشوفيني، أنا كنت هطلب أشوفك.
قالها "يحيى" بلهفةٍ بعدما تقدم ناحيتها بخطواته في المقهى الذي طلبت رؤيته فيه من قبل، بينما "فاتن" تهتف باستفسارٍ:
-أشمعنى؟
جلس على الكرسي المقابل لها، ثم راح يبدأ في سرد السبب الذي رغب في رؤيتها لأجله:
-إنتِ طبعًا عارفة الطريقة اللي وقعت بيها "سلمان"، من خلال تواصلنا بالرسايل قولتلك إني زقيت عليه بنت و...
قاطعته بصبرها المعدوم المعهود؛ حتى تحثه على بدء كلامه بالموضوع الأساسي دون مقدمات:
-فاكرة أيوة وموضوع الفيديو والكلام ده، إيه الجديد؟
-البنت دي كنت مواعدها تاخد حق الشغلانة دي.
-وفين المشكلة؟... هديك فلوسها.
حك مؤخرة عنقه، ثم هتف بترددٍ وهو يتابع تغيرات قسماتها بتركيزٍ جمٍ:
-لا ما هو هي مش عايزة تاخد حقها فلوس.
-أمال؟
-شقة.
-نعم؟
-محتاجة شقة إيجار ليها هي وأختها، فـ مظنش غيرك يقدر يظبط الموضوع ده.
ثم أكمل برجاءٍ بعدما وجد الرفض المبدئي يتشكل بوضوحٍ على تعابيرها:
-معلش يا "فاتن"، دي بنت غلبانة صدقيني وخدومة جدًا، واستجدعت معايا في كذا حاجة.
نظرت له مليًا وأمعنت النظر فيه، ثم رددت بصوتها الرتيب:
-هي حتة بت شمال مهمة بالنسبالك أوي كده؟
لا يعرف لِمَ أصابه​ الضيق تجاه الطريقة التي تحدثت بها؛ لذا صاح وقتها بتأففٍ:
-لا مهمة ولا مش مهمة، ده طلبها، وهي نفذت اللي طلبناه، أعتقد حقها تاخد اللي هي عايزاه.
ردت عليه باستفزازٍ:
-خلاص أديها شقتنا القديمة اللي كنا عايشين فيها، بلا إيجار بلا وجع دماغ.
أومأ لها موافقًا إياها عدة مرات، وفجأة انتفض بصدمةٍ ما إن استطاع استيعاب ما قالته للتو، ثم هتف في استنكارٍ:
-جمب أمي وخالتي، ده غير إنها هتبقى جمب "سلمان" بعد اللي عملته معاه، إنتِ مجنونة بتحطي البنزين جمب النار!
انفجرت ضاحكةً على طريقته المسلية، ثم بررت من وسط ضحكها:
-ما إنتَ اللي غريب أوي يا "يحيى"، حتة بت زي دي عايز تقابلني عشانها وتقولي أشوفلها شقة ومش شقة... ما تولع.
قالت كلماتها الأخيرة ببساطةٍ، ولكنه عبس على إثرها بصورةٍ ملحوظةٍ، فارتخت ملامحها قبل أن تردف في هدوءٍ:
-خلاص من غير قمص، بكرة يبقى معاك مفتاح شقة يا عم.
رد عليها في اقتضابٍ:
-كويس.
ثم أكمل بترقبٍ بعدما تذكر ذلك الأمر:
-الدنيا ولعت طبعًا انهاردة.
خاطبته بتعجبٍ وهي تقوس شفتيها باستغرابٍ:
-لا هتولع ليه؟... أنا لسة مكلمة "فتون" وكويسة وبخير، دي حتى لسة خارجة من المستشفى.
تسمر "يحيى" بمكانه بذهولٍ، ثم صاح وهو يرمقها بنظراته الشاخصة:
-كويسة وبخير إزاي؟... أنا بعتلها الفيديو الصبح وكان ظاهر عندي إن الرسالة اتشافت!
جحظت مقلتاها بتوجسٍ، وتساءلت:
-إنتَ متأكد؟
-أيوة يا بنتي متأكد.
توقف بها الزمن في تلك اللحظة، ولم تستمع لأي شيء من ضجيج العالم، فقط مر برأسها ذلك السؤال الذي ظلت تردده بتيهٍ:
-أمال مين اللي شاف الفيديو...؟!...



                  الفصل السابع عشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة