رواية ذكراه الفصل السابع عشر 17 بقلم رولا هاني


رواية ذكراه الفصل السابع عشر 17 بقلم رولا هاني



طفح الكيل
"قربت أقول مليته من كتر ما اترجيته!"
-مغرور.
*********
حاول التخفيف من حدة الموقف، وراح يهتف موضحًا وهو يطالعها بنظراته المغمورة بالجدية:
-عاملة قلق على الفاضي ليه؟... يا بنتي كده كده الهدف نفسه اتحقق، وسواء فتون اللي عرفت أو غيرها الموضوع هيسمع واللي عايزينه هيحصل.
ردت "فاتن" بدهائها المعهود ونظرها مثبت على نقطة فارغة:
-معنى إن الرسالة اتشافت ولغاية دلوقت الدنيا هادية كده اللي شافها قرر إنه ميتكلمش.
زفر "يحيى" الهواء بثقلٍ، ثم صاح في استفسارٍ؛ لعله يستطيع حل ذلك اللغز:
-مين كان مع أختك في المستشفى؟
أجابته بتلقائيةٍ، وتوقفت في النهاية لتتذكر تلك الكارثة:
-ماما و...
رفعت بصرها تجاهه تطالعه في توجسٍ وهي تستطرد:
-و"سلمان".
رفع حاجبيه بسخريته التي اعتادها مؤخرًا في كل مصائبه، وقوس شفتيه قبل أن يهمس بتهكمٍ:
-كملت.
قطبت جبينها، ووبخته بلا وعي لتكز على أسنانها بعصبيةٍ:
-كان المفروض تقولي قبل ما تبعت عشان أقولك الوقت مناسب ولا لا.
قابلها بصمته وتعابيره الثابتة، فحاولت هي كظم غيظها وغضبها الجحيمي، ثم نبست بترقبٍ بعدما أصابها التشكك في ذكائه:
-أوعى تكون بعتلها الفيديو من رقمك.
مسح بكفيه على وجهه وهو يتجنب النظر لعينيها المتوعدتين، وعنوةً غلبته ضحكاته التي انفلتت منه، فجحظت هي مقلتيها باهتياجٍ، بينما هو يصيح من وسط ضحكه بتعسرٍ:
-أعمل إيه طيب ما أنا معملتش بلاوي زي دي قبل كده.
غلى الدم بعروقها وصرخت بقسمات مشتعلة بنيران الانفعال:
-إنتَ بتهزر؟... عارف لو "سلمان" اللي شاف الفيديو وعرف إنه رقمك هيحصل إيه وقتها؟... هيحطك في دماغه.
غامت ملامحه بغتةً، وارتفعت زاوية فمه ببسمةٍ جانبيةٍ غريبةٍ، وبصورةٍ مبهمةٍ ردد بثباتٍ:
-وأنا نفسي يجرب عشان نتفرج كلنا المرادي على ماتش جديد ومختلف.
************
-آخر لعبة يا بابا عشان خاطري.
قالها "لؤي" برجاءٍ وهو يقلب شفته السفلية بلطفه الذي لا يُقاوم، بينما "عزام" يهتف باحتجاجٍ:
-يا "لؤي" إحنا داخلين في ساعتين أو تلاتة هنا ومعملناش حاجة تاني، خلينا نروح بدري حتى أنا عندي شغل الصبح.
صوب الصغير نظراته على والدته يتوسلها، فتدخلت كما دعاها وهتفت بصوتٍ خفيضٍ بجانب أذن والده؛ مما جعله يبتسم بسعادةٍ بعدما ساعدته والدته في نيل مبتغاه:
-معلش آخر لعبة وبعدها نمشي.
أومأ في قلة حيلة، بينما "لؤي" ينطلق راكضًا بتلهفٍ ناحية قطار الأطفال، أما "عزام" فتساءل في وقتها باهتمامٍ:
-مبسوطة؟
تعجبت من استفهامه المباغت، وعلى الرغم من ذلك ردت بعفويةٍ وهي تهز كلا كتفيها ببساطةٍ:
-مبسوطة أيوة.
شق ثغره بسمة رضا، وأحاط خصرها بعدما وقف خلفها؛ ليشاهدا معًا طفلهما الذي كان يلهو بفرحٍ، كانت هناك غبطة لا توصف تحتل قلبه في تلك اللحظات، على الرغم من تشوهه بكل تلك الندوب المغمورة بالشك، وانعدام الثقة، والخوف، والترقب، إلا أن السرور غلف كل ذلك ليجعل كل تلك الجراح متوارية عن عقله ولو لساعات قليلة!
وفجأة هُدم كل ذلك عندما التقط بصره هؤلاء الشباب الواقفين على الناحية الأخرى من اللعبة، في الأغلب كانوا يتابعون شقيقتهم الصغرى وهي تلعب مثلما كان يفعل هو وزوجته، ولكن عقله ظل ينهال عليه بالتساؤلات العديدة الجحيمية... لمَ لا تكون تلك البسمة التي خرجت من ذلك الأشقر لها؟... لمَ لا تكون تلك التحديجات المبتهجة التي نظر بها ذلك الأسمر لها؟... ظلت تلك التساؤلات تدور حولهم جميعهم بلا استثناء، وعندما مر بباله ذلك السؤال الأخير احتقن وجهه بدماء الغيرة العمياء... تُرى ما رد فعلها على ما نالته منهم من نظرات إعجاب ورغبة؟... هل استحسنت الأمر؟... هل أعجبها كل ذلك أم لا؟!
باغتته رغبة مميتة في القبض على خصلاتها المنسدلة على ظهرها تلك، ربما هي السبب في نظراتهم التي تشكك في وجهتها، أهل يطالعونها؟... أم يطالعون الطفلة؟... سيطر "عزام" على انفعالاته بصعوبةٍ بالغةٍ، ثم هتف من بين أسنانه وهو ينسحب راكضًا ناحية المرحاض:
-محتاج أدخل الحمام، خليكي هنا لغاية ما أجي.
دلف للداخل بعدما صفع الباب خلفه، ثم طالع ملامحه المغتمة بالمرآة، عمل على تنظيم أنفاسه المتهدجة، ظل يبحث كالمجنون بجيوبه، حتى وجد ضالته، مجرد ورقة صغيرة احتاج تنفيذ تعليمات الطبيب بها، وقلم كان يحتفظ به طوال الوقت كعادته؛ لعل ذلك يحل أي شيء، ثم راح يهمس بخفوتٍ وهو يتذكر الأسئلة التي رغب في إجابتها:
-إيه حصل؟... إيه افتكرته؟... إيه حسيت بيه؟
ظل يكتب وأنفاسه تتهادى رويدًا رويدًا، ثم طوى الورقة بحرصٍ، ووضعها بجيبه قبل أن يخرج مجددًا وهو أكثر تحكمًا في حاله، وبهدوءٍ التزمه بصعوبةٍ شديدةٍ أخذ زوجته وطفله المتذمر لمغادرته، ورحل عن المكان بأكمله بصمتٍ ساعده عليه نوم الاثنين بالسيارة من الإرهاق، فحمد ربه على ذلك الأمر؛ هو لا يضمن حاله ولا رد فعله إن صاحت بتحية المساء حتى.
***********
أبلجَ صباحٌ جديدٌ غير مفعم بالحيوية، فقط كان يومًا جديدٌ يحلق في سماء الجميع ليمر كغيره تاركًا حربًا لا سلام، خرابًا لا عمار، ألمًا لا راحة!
ارتشفت عدة رشفاتٍ من قهوتها المريرة، وكفها الرقيق يتحسس موضع بطنها، لتشعر وقتها بفراغٍ موحشٍ، فراغٍ ربما لن يتبدد مهما حدث، كالظمآن الذي تم إغواؤه بقطرة ماء، ليُباغت في النهاية بحقيقة سراب الأمر.
أعادت "فتون" رأسها للخلف وهي تطبق جفنيها بقوةٍ؛ لتكبت دمعتها الخائنة، ثم سحبت أنفاسها بعمقٍ قبل أن تلفظها على مهلٍ، وفجأةً أخرجها من الشرود صوت الباب الذي تعالت الطرقات عليه، فوجهت نظراتها صوبه وهي تتابع أيضًا خادمتها التي انطلقت لتفتحه، لتهتف بعدها بترحيبٍ معتادٍ:
-أهلًا وسهلًا يا "فاتن" هانم، اتفضلي.
ولجت "فاتن" للداخل بلا عناء الرد على من رحبت بها منذ قليل، ثم توجهت بخطواتها تجاه شقيقتها قبل أن تجلس قبالتها هاتفةً باهتمامٍ زائفٍ:
-أخبارك إيه يا حبيبتي دلوقت؟
تركت "فتون" فنجانها على المنضدة الموضوعة أمامها، ثم ردت بصوتٍ منطفئٍ وهي تومئ برأسها بقلة حيلةٍ:
-أهو بخير.
-هو ده شكل حد بخير يا بنتي، بطلي غم بقى، وصدقيني بكرة ربنا يعوضك بـ بيبي غيره.
ترقرق الدمع بمقلتيها، ثم قالت برفضٍ قاطعٍ وهي تعقد حاجبيها بانزعاجٍ:
-لا أنا مش عايزة أطفال... مش عايزة أتوجع تاني كفاية.
-مينفعش اللي بتقوليه ده، اللي حصلك طبيعي وبيحصل لستات كتيرة، وإنتِ متعلمة وعارفة ده.
تواسيها كالأفعى بسمها، وكأنها لم تطعنها بظهرها بنذالةٍ تُدرَّس للشيطان، تتصرف وكأنها لم تفعل شيئًا، لم تدس خناجرها الأليمة بحياة شقيقتها الوحيدة، لم تقتل آخر ذرة أمل لديها لأجل مطامعها الشخصية، لم تهدم الفرحة، لم تبدلها بالتوجع، لم تفعل شيئًا!
وبعد سكونٍ خيّم على المكان نطقت "فتون" أخيرًا بغلٍ:
-إنتِ عارفة إن "سنا" جات هنا؟
رفعت "فاتن" حاجبيها، وهتفت بدهشةٍ مصطنعةٍ، وكأن العاملين بالبيت لا يخبرونها بكل هفوةٍ:
-إنتِ بتهزري مش كده؟
-وده فيه هزار.
-أنا مش قصدي، بس جات ليه؟
اكفهرت تعابير وجهها، ورددت في إيضاحٍ خانتها خلاله نبرتها التي ارتجفت:
-عشان توضحلي إن البيه كان هو اللي بيجري وراها مش العكس زي ما كنت فاكرة.
ثم استطردت في حقدٍ وهي تكور قبضتيها بعصبيةٍ، حتى ابيضت مفاصلها:
-لسة حاططها في دماغه يا "فاتن"، لسة حاططها في دماغه بعد ما نضفته وعملت منه بني آدم، بعد ما قبلت أعيش معاه بقذارته دي كلها بردو لسة حاططها في دماغه.
تنهَّدت "فاتن" بثقلٍ، ثم هتفت بعقلانيةٍ:
-ياما حذرناكي من الجوازة دي وقولنا عيل داخل على طمع، أكبر دليل مداكيش ريق عدل غير بعد ما أبوكي ورث و...
قاطعتها "فتون" بصراخٍ محتدمٍ وهي تشهق باكيةً بانهيارٍ تامٍ:
-كنت عارفة كل حاجة، كل طمعه وجشعه كنت شايفاه بعيني، ب... بس كنت بحبه، كان عندي استعداد أقبل أي حاجة بس يفضل معايا وبتاعي أنا.
ثم تابعت بقتامةٍ وملامحها تشكل لوحة مرسومة بعنايةٍ، لوحة توضح كامل معاني القهر والغضب، بمقلتيها الدمويتين، ووجنتيها الحمراويتين، وأنفاسها المتلاحقة:
-محدش في الدنيا دي كلها فاهم "سلمان" غيري... "سلمان" مبيعرفش يحب غير نفسه.
وهنا لم تنتبه "فاتن" لأي من ندب شقيقتها، فقط ما التقطه رأسها بتركيزٍ جم هو فكرة واحدة تأكدت منها... "فتون" لم ترَ رسالة "يحيى" لها، فاتجهت شكوكها في تلك اللحظة ناحية اثنين لا ثالث لهما... "سلمان"، أو "راضية".
**********
-أوعى إيدك يالا إنتَ وهو من عليا، إنتَ مش عارف أنا أبقى مين؟
قالها "سلمان" باحتدادٍ بعدما طرحه الرجال أرضًا، وذلك بعدما اختُطف من أمام شركة والد زوجته، ليأتوا به لذلك المخزن المهجور، أو - للدقة - المحترق منذ عدة سنوات بأحد المناطق النائية، وقد كان مغمورًا بغبارٍ كثيفٍ، وبشبكات العنكبوت المنتشرة بالمكان بأكمله، بالإضافة إلى الأرض الصلبة الجارحة التي احتكت بجسده؛ أثرًا لوقوعه - قسرًا - عليها.
وهنا ظهر صوت أحد الرجال الذي تأسف بهدوءٍ، فاستطاع وقتها "سلمان" استيعاب هويته، كان ذلك أحد حراس بيت والد زوجته:
-متأسف يا "سلمان" بيه، بس دي أوامر الهانم الكبيرة.
وفجأة ظهر وقع خطواتها بالمكان، وكأنها ظهرت من العدم، تسير بخطواتها الثابتة، بتعابيرها التي توعدته قبل أن تنبس بكلمة واحدة، تهديداتها الصريحة التي خرجت من مقلتيها بلا هوادة، وهنا كسر الصمت "سلمان" الذي تحدث بتهكمه المعتاد بعدما اقتربت منه:
-إيه الهزار البايخ ده يا حماتي؟
أشارت بعينيها للحراس، فخرجوا جميعهم من المكان امتثالًا لأمرها الخفي، بينما "سلمان" ينهض من على الأرضية وهو ينفض ملابسه بكلا كفيه مستكملًا حديثه بانزعاجٍ لم يستطع إخفاءه:
-إيه لازمة الفيلم الأكشن ده؟
ظن أن وراء غضبها ذلك هو قص "فتون" لها عن أمر "سنا"، ولكنه انصدم بها وهي تقترب منه أكثر، لتهمس بغلٍ وهي ترفع رأسها له؛ نظرًا لطول قامته:
-فيك كل عيوب الدنيا وبلعناك عشان خاطر بنتنا، لكن فوق كل ده خاين وبتاع نسوان.
ثم انهال كفها على صدغه تلطمه بقسوةٍ قبل أن تصرخ بنزقٍ:
-أكتر من كده مش هنستحمل.
كز على أسنانه بغلظةٍ، حتى كاد يهشمهم، وتلاحقت أنفاسه، وكأنه عداء خاض إحدى سباقاته العنيفة للتو، قتمت مقلتيه، حاول ابتلاع إهانتها له، ووسط كل ذلك رد عليها باستفزازٍ تمسك به حتى النهاية:
-أنا مش فاهم بتتكلمي عن إيه.
-لا فاهم كويس أوي.
هز رأسه نافيًا بصورةٍ أغاظتها، فأفصحت هي بسخطٍ عن كل شيء عرفته:
-وصل لبنتي في المحنة اللي كانت فيها فيديو قذر ليك مع واحدة من النسوان الشمال، وأنا عشان الصدمة اللي هي فيها متبقاش صدمتين مسحت الفيديو وعملت بلوك للرقم من سكات.
ثم تابعت بحدةٍ متفاقمةٍ، وحفيظةٍ مُثارة، بينما هو يتابعها بتركيزٍ يحاول فهم مقصدها، فنزواته المشبوهة لا حصر لها:
-عمرها ما قصرت معاك في حاجة عشان في الآخر تخونها، وعشان تبقى فاهم إنتَ هتطلقها ورجلك فوق رقبتك.
استحوذت جملتها الأخيرة على كامل انتباهه، فازداد تركيزه بكلامها وهي تتابع بصرامةٍ:
-هتطلق بهدوء ومن غير فضايح وهتاخد فوقهم فلوس مكنتش تحلم بيها، مش هتطلق بالذوق هتطلق بالعافية وبفضايح وجرس ما ليها أول من آخر، وفوق كل ده مش هتطول حاجة... قولت إيه؟
استجمع رباطة جأشه بعدما تلبسته حالة من التوتر من تهديداتها المباشرة، ثم هتف بثباتٍ ظاهريٍ وهو يصوب نظراته داخل مقلتيها مباشرةً:
-قولي اللي تقوليه إنتِ معكيش دليل واحد ضدي، حتى الفيديو اللي عمالة تهددي بيه جملة واحدة بس تحل معضلته.
ثم أكمل بسخريته التي كادت أن تصيبها بجلطة، أو بذبحة صدرية:
-متفبرك أو AI، إنتِ مش عايشة في الدنيا ولا إيه يا حماتي؟
للمرة الثانية رفعت كفها تنوي صفعه، ولكنه أوقفها بحركةٍ عصبيةٍ مفاجئةٍ، ليقبض على معصمها بعنفٍ بلا مراعاة لسنها الكبير، وظل يهزها بحدةٍ ألمتها حد التأوه بصوتٍ عالٍ وسط صدمتها من جرأته وهي تتابعه بمقلتين متحجرتين، بينما هو يردد بتحذيرٍ بعدما انفلتت زمام غضبه:
-بلاش أنا يا حماتي، نصيحة مني ليكي بلاش أنا.
ثم أكمل بصدقٍ وزرقاويتيه تشعان كرهًا خالصًا، وشرًا مرعبًا:
-أنا واحد عندي استعداد أخسر أي حاجة في الدنيا عشان أوصل للي عايزه، أدوس على أي حد، وأوجع أي شخص مهما كان غالي أو قريب مني، معنديش مشكلة أكسر أي حدود وأي مبادئ بس أوصل للي عايزه، فـ لو فاكرة إن اللي بتعمليه هيخليني أنسحب بسهولة وأقولك أوامرك تبقي غلطانة.
تركها ثم هتف ببروده الذي عاد إليه بمنتهى السهولة، ووسط كل ذلك سار بهدوءٍ لخارج المخزن بأكمله ليغادر المكان تاركًا بداخلها وجلًا على ابنتها من بشاعة ذلك الرجل، ذعر لن يتبدد مهما حدث:
-ولو على حركة الخطف والأكشن اللي حصل ده أنا مسامح، المسامح كريم بقى.
************
-عاملة إيه يا خالتو؟
قالها "يحيى" بنبرةٍ حاول جعلها عادية بعدما جلس بغرفة الصالون الموجودة ببيت "بثينة" الذي أتاها بعدما أخبرته بمكالمة هاتفية بوجود "سنا" عندها، ولولا تلك المكالمة لكان يبحث عنها بلا توقف كالمختل.
جلست "بثينة" قبالته ورحبت به تلقائيًا:
-بخير يا "يحيى"، إنتَ إيه الأخبار؟
-أهو الحمد لله ماشية، أمال فين "حلا"؟... مش طالعلها صوت يعني.
-بنتك دي بتنام كمية نوم، معرفش طالعة لمين، لا إنتَ ولا "سنا" فيكم الخصلة دي.
-معلش، هما الأطفال عشان اللعب والتنطيط طبيعي يناموا كتير.
ثم تابع باهتمامٍ وهو يهز رأسه مستفهمًا:
-أمال فين "سنا"؟
تنهدت "بثينة" بعمقٍ قبل أن ترد عليه بجديةٍ موضحةً له ما أرادت سرده:
-في أوضتها مخرجتش منها من امبارح، وبصراحة نفسيًا مش عاجباني، إنتوا في مشاكل كبيرة بينكوا أو حاجة؟
اصطنع عدم المعرفة عمدًا، ورد عليها بتعجبٍ ظاهريٍ:
-لا خالص إحنا كويسين جدًا.
ثم استطرد ببسمته السمجة التي يحب استفزاز شخصيتها الحازمة بها، وراح يهتف بإصرارٍ:
-أنا عارف حل الحوارات دي كلها، إنتِ تقومي تعمليلنا صينية الكيكة اللي كلنا بنحب ناكلها من إيدك دي، وأنا هخش أشوف ست البنات إيه مضايقها... إيه رأيك؟
-حبيب خالتك أنا فاهمة إنك بتطرقني، بس مش معنى كده تخليني بعد ما خلصت طبخ وتنضيف، وفوق كل ده كنت في الشغل الصبح أقوم أعمل لسعادتك الكيكة اللي بتحبها.
ثم تابعت بلا اهتمامٍ وهي تلوح بيدها في الهواء، لتصوب نظرها تجاه التلفاز الذي كان يُذاع عليه أحد برامجها المفضلة:
-قوم شوفها وأنا هفضل قاعدة هنا بتابع البرنامج.
كظم غيظه، ونهض من على الأريكة؛ ليسير ناحية غرفتها وهو يهمس بقلة حيلة:
-ألاقيها منها ولا من أمها.
طرق عدة طرقات على الباب قبل أن يفتحه ويلج للداخل بترقبٍ لرؤية حالتها، فرآها نائمة بملابس الخروج كما توقع، فعند وصولها لتلك الحالة التي يعرفها جيدًا عن ظهر قلب تهمل حالها وكل ما يتوجب عليها فعله، حتى طفلتها تنساها، وتنسى كونها أمًا، تنسى اهتمامها بحالها بكل التفاصيل الكبيرة قبل الصغيرة حتى!
أغلق الباب، واقترب منها أكثر لتتقلص المسافة بينهما، جلس بجانبها على الفراش وهو يتأمل هيئتها بمقلتين مسحورتين لا تريان سواها مهما حدث، مهما قسا قلبها الظالم عليه، مهما تلقى من معاملة مجحفة منها، مهما أدرك أن قلبها لم يدق له ولو ليومٍ.
فاتنته، مهلكته، حب طفولته، وخيبة شبابه، وضياع الباقي من عمره، كل ما يستنفذه بلا رحمة، ومع ذلك رآها بلا مثيل، بلا بديل، نفس النجمة التي تمنى النيل منها عمره كله بلا ملل.
مد كفه ناحية خصلاتها الحالكة يمرره برفقٍ، وبصوته العذب همس:
-"سنا".
خرج منها أنين خافت منزعج، فكرر هو نداءه؛ مما جعلها تفتح جفنيها ببطءٍ تحاول استيعاب هوية صاحب الصوت، فأبصرته أمامها؛ لذا اعتدلت في جلستها وهي تمسح بكفيها على خصلاتها المشعثة بتوترٍ قبل أن تهتف تلقائيًا بصوتها المبحوح:
-إنتَ عرفت مكاني إزاي؟
-مامتك كلمتني.
استطرد "يحيى" باستعتابٍ بعد صمت دام لعدة لحظات:
-ليه سيبتي البيت؟
-هو يوم اللي بيته برا، كنت محتاجة أبعد مع نفسي.
ارتسمت على وجهه بسمة متهكمة قبل أن يرد عليها بسخريةٍ مريرةٍ:
-إنتِ طول الوقت بعيدة مع نفسك يا "سنا"، إيه اللي جد؟
لم تعطه إجابة، فقط نكست رأسها بضيقٍ من إحاطته لها بالحديث من كل جهة، بينما هو يردف مغيرًا مجرى الكلام:
-قومي طيب خلينا نرجع بيتنا، البيت وحش أوي من غيرك.
هزت رأسها رافضة وهي تتعمد تحاشي النظر في عينيه، فصاح هو وقتها بتعجبٍ:
-يعني إيه؟
نبست بصوتٍ مهزوزٍ وهي تبتعد عنه قليلًا لطرف الفراش:
-مش قادرة يا "يحيى"، محتاجة أبقى وحدي مع نفسي، مبقتش قادرة أمثل.
فغر فاهه بصدمةٍ، وكرر ما قالته للتو باستنكارٍ:
-تمثلي!
ثم تابع وحالة الاستهجان تستحوذ عليه بصورةٍ مضاعفةٍ:
-نافرة مني لدرجة إن عيشتك معايا تبقى كلها تمثيل في تمثيل!
عضت على شفتيها بغلٍ تمنع حالها من الرد، فانفجر هو بصورةٍ أكبر على غير توقعها، فقد ظنت أن صمتها سيمتص غضبه، لا العكس:
-كل ده عشان "سلمان" مش كده، مش قادرة تستحملي وجودي معاكي ولا طايقاني عشان خاطره صح؟
ثم أكمل صارخًا بنبرةٍ أفزعتها، فارتجف جسدها ذعرًا وهي تطالعه بنظراتها المضطربة:
-ردي عليا.
التمعت العبرات وتراقصت في عينيها، بينما هو يكمل هتافه بنزقٍ وهو لا يشعر بحاله، وكأن ثباته تبخر على إثر كلماتها:
-كل ده عشان خاطره مش كده؟
هب واقفًا، ثم ردد بتهديدٍ مبطنٍ دب القشعريرة في بدنها من فرط الرعب:
-وأنا هفرجك حاله باللي هعمله فيه لأجل اللي عملتيه فيا عشان خاطره.
وخلال لحظات انسحب راكضًا من الغرفة ومن الشقة بأكملها، فاتجهت "بثينة" في الحال للغرفة لتحاول فهم ما حدث، وما سبب مغادرته بغضبٍ هكذا بلا ردٍ على تساؤلاتها حتى، بينما "سنا" تردد كلماته سرًا بلا توقف وقلبها يخفق بجنونٍ، فظهر برأسها سؤال واحد لا وجود لغيره... أيُصاب نبض فؤادها بمكروهٍ كما هددها؟
**********
تسلل على أقدامه لداخل الغرفة، ثم سار بصورةٍ عادية بعدما استمع لصوت انسياب المياه من داخل المرحاض، فأدرك وقتها بلا عناء أنها تستحم؛ لذا ركض ناحية هاتفها هامسًا بأنفاسٍ متوترةٍ:
-كده ألحق أخلص اللي عايزه قبل ما ألبس فيها.
التقط "سلمان" الهاتف وأصابعه تضغط عليه عدة ضغطات، بالإضافة لعينيه المركّزتين على باب الحمام؛ خشية من خروجها في أي لحظة، وخلال لحظات معدودة فتح قائمة الحظر بتطبيق الـ (واتساب)، فوجد ذلك الرقم الوحيد بها، وعلى الجهة الأخرى فتح بهاتفه تطبيق التعرف على الأرقام (تروكولر)؛ ليدخل الرقم به، فهمس بعدها بصدمةٍ خالصةٍ ومقلتاه تجحظان بقوةٍ:
-"يحيى"!
**********
رفع بصره تجاه المبنى السكني المتواجد به شقة صديقه، وذاك بعدما خرج من سيارته، ثم أجرى مكالمة هاتفية يخبرها فيها بوجوده بالأسفل.
شرد ذهنه في مواضيع عدة، مواجهته العنيفة مع زوجته منذ عدة ساعات، والمكالمة التي تلقاها من "فاتن" والتي أخبرته خلالها بعنوان الشقة التي طلبها منها، وأيضًا تلقى منها خبر عدم معرفة "فتون" بشأن الفيديو؛ مما أثار حفيظته، فظن "فاتن" كان صحيحًا... من رأى المقطع قرر عدم الإفصاح عنه.
-"يحيى".
خرج من شروده على صوتها، فصاح في الحال موجهًا حديثه إليهما، بينما شقيقتها تتابع ما يحدث بصمتها المعهود:
-إزيك يا "نجوان"؟... إزيك يا "شاهندة"؟
ردت "نجوان" عليه بنبرةٍ عاديةٍ، بينما "شاهندة" تكتفي بإيماءة من رأسها، وبسمة لم تبلغ عينيها:
-بخير الحمد لله.
هتف "يحيى" بإيجازٍ، فظهر وقتها مدى ثقل الحديث عليه، ومدى حالته التي كانت لا تسمح بخوض أي نقاشات من سوءها، وسوء نفسيته:
-الشقة اللي كنتي محتاجاها موجودة، وهاخدك دلوقتي إنتِ وأختك عليها، ومتقلقيش مفروشة ومتظبطة و...
ضمت "نجوان" أصابعها وحركت كفها للأعلى وللأسفل كحركة أجبرته على التوقف، ثم هتفت ضاحكةً:
-براحة يا عم.. إنتَ لاضم الكلام في إبرة؟
ثم استرسلت بتشككٍ وهي تنظر داخل عينيه مباشرةً تحاول سبر أغواره:
-إنتَ كويس يا "يحيى"؟
تشنجت قسمات وجهه، واضطربت نظراته، وعلى الرغم من ذلك أجابها في النهاية وسط تنهيداته الطويلة:
-كويس.
ثم تابع على عجالةٍ وهو يتجه لسيارته:
-يلا عشان نروح الوقت اتأخر وأنا ورايا شغل الصبح.
استقلتا معه السيارة، ولكن نظرات "نجوان" ظلت مرتكزة عليه وفضولها يتقد بصورة غير طبيعية، تُرى ما الذي أصابه؟... أكان السبب "سنا" مجددًا؟.. أم "سلمان"؟... ابتغت سؤاله ولكنها ابتلعت كلماتها خشيةً من مضايقته، والتزمت الصمت طوال الطريق، حتى وصلوا جميعهم للمبنى السكني المتواجد به الشقة المطلوبة. كانت المنطقة مقبولة، الشارع واسع بصورة لطيفة، يتواجد به عدة محلات تجارية خاصة بالملابس والطعام، نظيف إلى حد ما، لم يكن مزدحمًا ولكنه حي بالبشر.
كان هناك رجل يقف أمام العمارة ينتظرهم؛ لذا خرجوا جميعهم من السيارة، فتقدمهم "يحيى" ليقف بجانب الرجل بعيدًا عنهما، فتابعته "نجوان" بعينين فضوليتين، لتجده خلال دقائق يعود إليهما بعدما رحل الرجل، وفي يده المفتاح هاتفًا:
-يلا الشقة في الدور الأول.
سارت خلفه وهي ممسكة بكف شقيقتها التي ظلت تتفحص المكان بارتباكٍ، وكأنها غير مطمئنة لما سيجابهانه مع الأيام المقبلة بذلك المكان الجديد، ربما مصائب أخرى، ربما خوف، ربما قلوب ستنكسر!
ولجوا للمصعد، فضغط هو على زر الطابق المنشود، وانتظروا لحظات، حتى خرجوا منه ليسيروا ناحية الشقة.
فتح بابها بالمفتاح ودلف للداخل يحثهم على الدخول:
-تعالوا ادخلوا.
دلفتا تتفحصان المكان، كانت شقة صغيرة، غرفتان وصالة صغيرة تضم أريكتين وكرسي، وسفرة صغيرة مكونة من منضدة ومقعدين، وعلى الرغم من ذلك كانت الشقة جميلة، طلاؤها ألوانه هادئة مريحة للعين، وأثاثها ذو حالة جيدة، وأجواؤها لطيفة إلى حد مقبول.
-عجبتكوا؟
قالها "يحيى" بتساؤلٍ وهو يقلب نظراته بين الشقيقتين، فردت "نجوان" برضاءٍ:
-آه حلوة أوي وحالتها كويسة جدًا، دي أكيد إيجارها غالي.
صحح لها خطأها ونفى:
-لا متقلقيش صاحبها حبيبي وخفّض أوي في إيجارها.
أومأت له عدة مرات قبل أن تهتف في ترددٍ:
-طب تعالى معايا جوا عايزاك في موضوع.
عقد حاجبيه بدهشةٍ، وصوب نظراته تجاه "شاهندة" التي جلست بعيدًا عنهما شاردة في اللاشيء، ثم همس بالقرب منها رافضًا:
-بلاش عشان أختك طيب، شكلها مش حلو.
ارتسم على ثغرها بسمة تهكمية، ثم قالت بسخريةٍ وهي تسحبه خلفها من معصمه؛ ليتجها ناحية إحدى الغرف:
-يا عم اقعد، ده إنتَ زي أختي.
دفع رأسها من الخلف للأمام بخفةٍ، ثم صاح مازحًا:
-لسان أمك الطويل ده عايز يتقص.
دلف معها إلى الغرفة، فوقفت هي قبالته تتساءل باكتراثٍ:
-فيك إيه؟
-نعم؟
-بقولك فيك إيه؟
هرب بحدقتيه من عينيها، وتحاشى النظر لها، ثم ردد بكذبٍ استنتجته بسهولةٍ:
-مالي؟... ما أنا كويس.
ردت في إصرارٍ وهي تنفي:
-لا إنتَ مش كويس يا "يحيى"، عينيك فيها نفس النظرة اللي انهارت بيها قبل كده.
رمقها بذهولٍ، لم يكن يتوقع جرأتها تلك معه في الحديث، أو ذلك الود الذي صار بينهما، ومع ذلك راق له اهتمامها به، فتخلل ذلك الشعور شيء مرير، وأفصح عنه وقتها باستهزاءٍ:
-متخيلة تعرفيني بقالك أيام حسيتي فيا إيه، واللي عاشرتها سنين مهما يبقى فيا عمرها ما حست ولا هتحس.
تهدلت ملامحها بضيقٍ، ورمقته بتحسرٍ واضحٍ وهي تخمن بلا وعي:
-الخطة اللي عملناها مغيرتش حاجة، صح؟
أومأ لها وهو يعض على شفته السفلية بغلٍ يحاول منع حاله من البكاء، فاقتربت منه بجرأة أكبر، ووضعت أطراف أصابعها أسفل ذقنه لترفع رأسه؛ حتى ينظر داخل عينيها، ثم تفوهت بصدقٍ وكأن قلبها يتحدث لا لسانها:
-أوعى تحط في دماغك إنك حد وحش أو ميستاهلش، إنتَ راجل أي ست تتمناه، إنتَ حلو وجميل وجدع، أنا عمري في حياتي ما شوفت راجل زيك.
لم تلتقط أذناه سوى كلمة واحدة، فردد بتلهفٍ وهو يهز رأسه باستفهامٍ مجنونٍ:
-بجد أنا أستاهل؟
خفق قلبها بهستيرية على تلك النبرة التي خرجت منه، فهتفت وقتها بتأكيدٍ وهي تقاوم الألم الذي احتل كيانها لأجله:
-أيوة يا "يحيى" تستاهل!
اقترب منها أكثر، حتى تلامست أنفاسهما، وهمس برجاءٍ والعبرات تتراقص بمقلتيه:
-كرريها يا "نجوان".
امتثلت لأمره وكررت قولها بلا تفكير:
-تستاهل يا "يحيى" و...
ابتلع بقية كلماتها بين شفتيه اللتين أطبقتا على شفتيها ليبثها كامل احتياجه، أحاط برأسها من الخلف، ودفعها ناحيته بغلظةٍ، فالتصق جسدها به، وتأوهاتها المتألمة من حدة عناقه لا تعرف طريقًا سوى لجوفه، لثم ثغرها بكل جوارحه، لثم ثغرها بظمأٍ لم يُروَ سوى معها، روت ظمأه بكلماتها التي لم يُبث ثقةً بحاله سوى منها. كان الأمر يزداد تعقيدًا وصعوبةً، وتلك العلاقة تتطور بلا وعيٍ منهما، وما زاد العقدة بصورةٍ مضاعفةٍ هو ظهور صوت "شاهندة" التي تسمرت أمام الغرفة مما رأته:
-"نجوان"!..



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة