رواية ذكراه الفصل الثامن عشر 18 بقلم رولا هاني


رواية ذكراه الفصل الثامن عشر 18 بقلم رولا هاني


.لوعة قلبها
"ضيعت عليه العمر يا بويا
ده أنا ليا معاه حكايات"
-على حسب وداد قلبي.
***********
انتفض مبتعدًا عنها، وأنفاسه تتهدج بصورةٍ واضحةٍ، بينما "نجوان" تصوب نظراتها المرتبكة على شقيقتها التي راحت تطالعها بصدمةٍ أثرًا لما رأته منذ قليل.
دارت حرب النظرات بين الثلاثة، فقطع الصمت بنحنحته بخشونةٍ وهو يقرر الانسحاب بأفضل صورةٍ كانت ممكنة لديه:
-طب أستأذن أنا.
سار بخطاه غير الوئيدة لخارج الغرفة، ولخارج الشقة بأكملها، وقد كانت عينا "نجوان" مرتكزتين عليه، حتى توارى تمامًا عن أنظارها، اختلست النظر لشقيقتها التي طال تحديقها بها، ثم تراجعت بخطواتها للخلف، وتهاوت بجسدها على الفراش لتصيح بحدةٍ:
-هتفضلي مبحلقة فيا كده كتير؟
ضمت "شاهندة" قبضتيها بغضبٍ اعتادت كبته، ثم هتفت بشجاعةٍ حاولت التحلي بها:
-طول عمري عارفة طبيعة شغلك، بس مكنتش أتوقع تجيبيني في شقة واحد من زباينك.
اغتاظت "نجوان" مما رمت عليه أختها، فهبت واقفة وهي ترمي الجمرات بين شفتيها، لا الكلمات:
-والله يا حبيبتي لولا المحزق والملزق اللي بتلبسيه في البيت مكانش جوز أمك بصلك واضطرينا نمشي ونسيب البيت عشان نلجأ للزباين بتوعي اللي بتقولي عليهم.
تشنجت قسمات وجهها، وحدقت فيها بعدم تصديق لما نطقت به منذ قليل، فراحت تتحدث باستهجانٍ ونبرتها تختنق مع كل كلمة تتفوه بها:
-لبس إيه اللي خليتيه مبرر للقرف اللي كنت شايفاه!
وفي المقابل صرخت "نجوان" بوجهها، لينهار في تلك اللحظة برودها المعهود:
-وشغل إيه اللي بتعايريني عليه؟... الشغل اللي مش عاجب حضرتك وجاية تلومي عليه هو اللي عيشنا، وأكلنا، وشربنا، وحتى الآن بيعلمك، إنتِ فاهمة ولا لا؟
قالت جملتها الأخيرة وهي تحيط كلا كتفيها تهزها بقوةٍ، فارتجف جسد المسكينة بين يديها، وظنت أنها ستنال بطشًا ما منها، فألتمعت العبرات بمقلتيها، ونبست بشفتين مرتجفتين:
-"نجوان" إنتِ بتعملي كده ليه؟
تمالكت حالها سريعًا، وسحبت كفيها من على كتفيها، بينما "شاهندة" تطالعها بترقبٍ تخشى عصبيتها لأول مرة، لأول مرة تتصرف معها "نجوان" بتلك الصورة العنيفة، لوهلة ظنتها ستتحول لزوج والدتها الذي تخلصت منه بأعجوبةٍ... تتحول لزوج والدتها!
وعند تلك الفكرة لم تشعر بقدميها اللتين أجبرتاها على الركض لخارج الغرفة ذعرًا، لتتجه بعدها للغرفة الثانية وهي تغلق على نفسها الباب، بينما "نجوان" بالجهة الأخرى تهمس بألمٍ:
-أنا مكانش قصدي أخوفها.
***********
-شكلك كده ناوي على رفدك قريب.
قالتها "إنجي" بمشاكسةٍ وهي تضع على المنضدة صينية يتواجد بها كوبان من عصير الفراولة، وعدة أطباق بها بذور اليقطين، شرائح البطاطس المقرمشة، والذرة المنفوشة، فرد عليها وزاويتا فمه ترتفعان بإعجابٍ، فقد استحسن مظهرها الطفولي من بيجامتها الكرتونية، وكعكتها المرفوعة للأعلى:
-فداكي يا روحي.
ارتمت بجانبه على الأريكة، واستندت برأسها على صدره؛ لتبقى بين أحضانه، ثم صاحت بحماسٍ:
-إنتَ عارف بقالنا قد إيه مسهرناش سوا واتفرجنا على فيلم مع بعض؟
لف ذراعيه حولها، ثم رد بأسفٍ:
-مقصر معاكي أنا عارف، حقك عليا.
على الرغم من الصعاب، ومما مرت به معه، إلا أن كان هناك شيء بداخلها لم تستطع مقاومته طوال العمر، شيء لا تعرف كونه صحيحًا أم لا، ولكنها كانت على تمام اليقين به... قلبها لا يألف سواه، على الرغم من الخوف، ورغبتها المتكررة في الهروب من تلك العلاقة، رغبتها التي تناقضت في العديد من المرات، تارةً تعشقه، تارةً تكرهه، تارةً تأمنه، تارةً تخشاه، تشعر وكأن مشاعرها مرتبطة بأفعاله. دعت بينها وبين حالها أن يبقيا سويًا طوال العمر هكذا، دعت أن تعيش معه بصورةٍ طبيعية، أن تشعر بالاطمئنان معه، لا الترقب، لا الهلع، لا الغدر، دعت أن يتقبلها كما هي!
أما هو فلم يستطع انتزاع عينيه عنها، فرآها تتأمله أيضاً مثله، ولكن ساورته الشكوك لوهلة، تُرى هل يدور بداخلها تجاهه خيرًا أم شرًا؟... هل تحاول نسيان ما مرت به معه؟... أم أن المرء لا ينسى خذلانه مهما حدث؟... يخشى أن يقطع طريقًا طويلًا من العلاج لأجلها، وفي النهاية يُباغت بفقدانها، يخشى أن تتركه في المنتصف لا يعرف سبيلًا لا للعودة، ولا لإكمال ما انتوى الوصول إليه، يخشى، ويخاف، ويتوجس، كم كره الوجل الذي سيطر على حياته بأكملها.
-الفيلم عدى منه فوق الربع ساعة وإنتَ مبحلق فيا، عارفة عيوني متتقاومش بس الفيلم مهم.
قالتها على وتيرةٍ سريعةٍ تخفي بها خجلها من تحديقه الذي طال بها، فرد عليها بنظراته الشغوفة وهو يعطيها بسمة حالمة:
-عمري ما حبيت قد البحر والسما، وأنا ربنا رزقني بالاتنين في عيونك.
أخفضت بصرها بتوترٍ وحياءٍ على غزله اللطيف بها، ثم اقتربت بخفةٍ تقبل وجنته برقةٍ وهي تهمس بخفوتٍ:
-إنتَ اللي عيونك أحلى.
مرر ظهر كفه على وجنتها، ورمقها بتوسلٍ لم تفهمه سوى عندما ردد برجاءٍ:
-أوعي تسيبيني يا "إنجي".
تلقائيًا ردت عليه بابتسامتها الواسعة:
-مش هسيبك يا "عزام".
-استحملتي معايا كتير وأنا عارف، ولسة مستحملة حاجات ملكيش ذنب فيها، بس عشان خاطري خليكي معايا للآخر.
الطريقة التي طلب بها ما يريده أثارت بداخلها قلقًا ما، تُرى ما الذي ستواجهه معه ليجعل البقاء بجانبه صعبًا؟
حاولت التهرب من عينيه، ودفنت وجهها بعنقه تخبره بحنوٍ متجاهلة شعور الخوف الذي تغلغل بداخلها:
-هفضل جمبك عمري كله، مش هسيبك.
عانقها في صمتٍ، وأعاد رأسه للخلف وهو يشعر بذلك الهدوء الذي لطالما افتقده، ذلك الهدوء الذي لم يجده سوى بقربها، أطبق جفنيه، وتنهد بعمقٍ يدعو ربه أن ينعم بوجودها ذلك حتى مماته.
************
صباح اليوم التالي.
لعنة حياتها الأرق!
ذلك السهد الشبيه بالسم الذي يجري بعروقها، لطالما قضت ليالٍ بلا نوم لأجل عيونه، ولأجل فراقها، لطالما تمنت أن تنعم بنومٍ طبيعي كباقي البشر، وألا تمر عليها أيام بلا راحة تُذكر.
التفتت برأسها للجانب حيث الشرفة؛ لترى الشرفة المقابلة لشرفتها بالمبنى السكني الآخر، فلاح على ثغرها تلك البسمة المريرة لتقع في زوبعة ذكرياتها للمرة التي لا تعرف عددها.
-كابوس وحش أوي.
قالتها بأنفاسٍ متلاحقةٍ وهي تقف بالشرفة، وكفها يشتد على الهاتف الذي وضعته على أذنها لتحادثه، وقفت تحدق فيه باستنجادٍ اعتادته عند وقوعها بأي مشكلة مهما كانت بساطتها، فرد "سلمان" وقتها بصوتٍ عذبٍ يلبي طلبها في بث الأمان لقلبها:
-متخافيش يا "سنا" أنا معاكي.
ثم تابع وهو ينظر تجاهها بتعابيره البشوشة:
-أدخلي جوا تاني وخليكي فاتحة البلكونة، وأنا معاكي لحد ما تنامي، يلا بقى عشان هنخرج بكرة الصبح سوا، هوديكي مكان بتحبيه.
ظهر شبح ابتسامة على شفتيها، ثم تراجعت للخلف حيث الداخل امتثالًا لأمره، عادت لفراشها، تدثرت بالغطاء الكثيف، وأبقت الهاتف على أذنها وبصرها مُثبت عليه، بينما هو يكمل هدهدته لها بحنوه المعتاد:
-يلا حبيبي نامي وأنا معاكي، تحبي أغنيلك؟
انتفضت بمكانها وأجابته برفضٍ قاطعٍ:
-يا ساتر لا.
ارتسم على قسماته العبوس الزائف، ثم صاح بإصرارٍ وهو يشعر بتسليةٍ عجيبةٍ من رؤيتها منزعجة:
-كده طب صدقيني لا هغني... أهواك وأتمنى لو أنساك وأنس..
-تتمنى لو تنساني يا واطي.
-وأهواك دي مجاتش معاكي سكة.
-بطل غنا صوتك وحش.
-طب نامي بدل ما أغنيلك وصلة من بتوع أم كلثوم ونقضي الليل كله بجيبلك في تلوث سمعي.
-لا وعلى إيه هنام أحسن.
ثم تابعت وهي تمعن النظر فيه للمرة الأخيرة قبل أن تذهب في سباتها العميق على صوته المحبب لقلبها، وليس القبيح كما وصفته منذ قليل:
-بحبك أوي يا "سلمان".
اتسعت بسمته على أثر الكلمة، ورد عليها بنبرةٍ دافئةٍ:
-بعشقك يا عيون "سلمان".
**********
فتحت جفنيها على صوت المنبه، فاعتدلت في جلستها في الحال، والحماس واضح على وجهها بصورةٍ ملحوظة، ثم التفتت نحو الشرفة لتجد شرفته فارغة؛ لذا تذمرت بغمغمة:
-أكيد لسه نايم وهقعد ساعة أصحي فيه.
دلفت "بثينة" للغرفة وبين يديها صحن كبير ممتلئ بالملابس المبتلة، لتهتف وقتها بتأففٍ:
-نايمة وسايبة البلكونة مفتوحة، ولو فار دخل تقعدي توجعي في دماغي أنا.
فركت عينيها، وملامحها تنقلب بصورةٍ كوميدية، ثم رددت في استياءٍ:
-كانت على أيامي اسمها صباح الخير.
ولجت "بثينة" لداخل الشرفة لتبدأ في نشر الملابس، بينما "سنا" تهتف من خلفها بتعجبٍ:
-مش رايحة الشغل ولا إيه؟
ردت "بثينة" بسخريةٍ دون الالتفات لها:
-اللي واكل عقلك النهاردة السبت أجازتي.
-آه صحيح افتكرت.
ثم استطردت بقلقٍ خشيةً من رد فعلها، ومن دهائها وانكشاف أمرها في كل مرة:
-طب أنا هنزل أخرج مع "إنجي".
وكما توقعت، صدرت ضحكة من أمها وهي تتهكم:
-"إنجي" بردو ولا حبايب "إنجي".
اقتربت "سنا" لداخل الشرفة بخطاها الراكضة، وتمسكت بقولها:
-"إنجي" صدقيني يا ماما.
التفتت "بثينة" لها أخيرًا، ثم صاحت باستهزاءٍ وهي تضرب كتفها عدة مرات، وذلك قبل أن تنحني لتلتقط قطعة أخرى من الصحن:
-طب أبقي اتصوريلي مع "إنجي" ياختي.
قررت ارتداء شيء ما ارتدته مع "إنجي" من قبل، لتريها أي صورة قديمة لهما؛ لذا صاحت بنبرتها المفعمة بالحيوية وهي تقبل وجنة أمها:
-حبيبة قلبي يا ماما، ده أنا عيوني ليكي.
*********
-ساعة بحالها مستنياك، وتزعل إن اتقمصت.
قالتها "سنا" في حنقٍ، بينما "سلمان" يسحبها خلفه من معصمها من وسط ضحكاته التي كتمها بصعوبة، فازداد اغتياظها بتلك اللحظة، لتلكز كتفه وقتها هاتفة:
-ما ترد عليا.
-اصبري بنبعد عن الشارع عشان أمك متشوفناش.
وبالفعل سارا بعيدًا عن الشارع إلى حدٍ آمن، ثم وقف بها على الرصيف، ومن جانبهم السيارات تسير بسرعة مهولة، وأخبرها قائلًا بسعادةٍ:
-هنروح المكان بتاعنا.
تلك الحديقة التي شهدت على أغلب لحظات حبهما، تلك الحديقة التي لطالما ذهبت إليها معه وبدونه، معه لتعش أكبر قدر من الذكريات التي يعشقها قلبها، وبدونه لتتذكرها بلا ملل، ليتها عرفت أنها ستزور ذلك المكان طوال عمرها بدونه، ستزوره وفرحتها منطفئة... منطفئة جدًا.
-بجد يا "سلمان"؟
-أيوة بس الأول عايز أعرف حاجة.
-حاجة إيه دي؟
-من امبارح مش عاجباني، فيكي إيه؟
ضمت شفتيها للأمام، وتهربت قائلة:
-أنا كويسة.
هز رأسه نافيًا، وردد في ثقةٍ:
-لا إنتِ مش كويسة.
-طب نقعد وهحكيلك.
استقلا إحدى سيارات الأجرة وخلال ما يقرب من النصف ساعة وصلا لذلك المكان.
دلفت بصحبته تتأمل كل ركن بالحديقة وكأنها مرتها الأولى، تتأمل الأشجار الكثيفة، الزهور الملونة، والعديد من العشاق الجالسين بالمكان نفسه، كان مكانًا مبهجًا بحقٍ!
اختار أحد المقاعد البعيدة عن الناس، ثم صاح باكتراثٍ وهو يشبك أصابعه بأصابعها:
-قوليلي بقى إيه مضايقك؟
أخفضت بصرها بحرجٍ وحاولت التهرب منه مجددًا، ولكنه حاصرها من كل جهة بقوله:
-متحاوليش تكدبي عشان هعرف.
رفعت سوداويتيها تطالعه بخجلٍ، وبدأت في سرد ما حدث معها بالتفصيل كما عهدت حالها معه:
-ماما قالتلي إن الفلوس الفترة دي مش قد كده معانا، ومش هعرف أدفع الفلوس الباقية للكورس.
عقد حاجبيه بتعجبٍ، ونطق في تخمينٍ:
-كورس الإنجلش؟
-أيوة.
-فاضلك قد إيه على فلوسه؟
-حوالي ٥٠٠ جنيه.
ارتكزت نظراته بنقطة فارغة يحاول إيجاد حل للأمر، ثم هتف بهدوءٍ:
-ولا تشيلي همهم.
هزت رأسها برفضٍ، واحتجت بحدةٍ:
-لا طبعًا، مش معنى إني بحكيلك إنك تديني فلوس.
-بلاش كلام عبيط الفلوس معايا كده كده ومش محتاجها.
-بس إنتَ المرتب اللي بتاخده يدوب بيكفيك مصاريفك.
-هزنق نفسي شوية الشهر ده، المهم تكملي في الكورس بتاعك ده هيفيدك بعد التخرج.
تنهدت بعمقٍ وهي تطالعه بامتنانٍ يشع من كلتا عينيها، أمعنت النظر فيه أكثر وأكثر بلا ملل، افتتنت بجماله حد الهلاك، كانت ملامحه تأسر قلبها بحقٍ، بحدقتيه الزرقاوين، وخصلاته الحالكة الكثيفة، حتى نظراته الثاقبة والحادة كانت تعشقها، تعشق كل شيء فيه، تعشق عيبه قبل ميزته، تعشقه بمنتهى البساطة.
همست وقتها بصدقٍ وهي تميل برأسها على كتفه تستند عليه، بينما كفها يقبض على يده برقةٍ:
-بحبك يا "سلمان".
وبنفس مستوى الصوت الخفيض رد عليها بتنهيدةٍ طويلةٍ:
-بعشقك يا عيون "سلمان".
مررت كفها الثاني على طول ذراعه، ثم صاحت بتوجسٍ من مرور الفكرة على رأسها:
-أوعى تسيبني في يوم يا "سلمان"، أوعدني إن عمرك ما هتسيبني.
عقد حاجبيه بذهولٍ، واستنكر قولها بدهشةٍ:
-أسيبك إيه يا بنتي، إنتِ عبيطة؟
ابتعدت عنه قليلًا تهتف بإصرارٍ:
-أوعدني بس.
طالع سوداويتيها التي هام بها حبًا، وأخبرها بنبرته التي بثت لقلبها الأمان:
-وعد مش هسيبك يا "سنا".
***********
اليوم يوم مولده، بل يوم أتى مالك قلبها لتلك الدنيا، أسعد يوم بحياتها، لطالما تمنت أن تهديه نجمةً من السماء فيه، وعلى الرغم من وجوده بشهرٍ مزدحمٍ بالامتحانات (يناير)، إلا أنها سعت أن تكون بجانبه فيه، وأن تخصص ذلك اليوم له مهما حدث، لوهلةٍ تذكرت ذلك اليوم الذي رفضت دخول الامتحان فيه لأجل بقائها معه، وقد كلفها الأمر رسوبها، وأيضًا كلفها شجارًا حادًا معه كانت وسطه سعيدةً غير مكترثةٍ لأي شيء سوى له، هو وفقط، هو ومن بعده الدنيا بأكملها.
هبطت آخر درجات السلم وقبل أن تخرج من العمارة التقطت أذناها صوته المألوف، فتوارت خلف الباب تستمع إليه يتحدث لتلك البغيضة التي لطالما توددت إليه.
-كل سنة وإنتَ طيب يا "سيمو".
قالتها "فتون" بغنجٍ وهي تضع خصلاتها النارية خلف أذنها، بينما "سلمان" يرد عليها بمجاملةٍ:
-وإنتِ طيبة يا "فتون".
ثم تابع بمزاحٍ:
-بلاش "سيمو" دي، "سنا" لو سمعتك هتاكلك.
ردت "فتون" باستسخارٍ وهي تتخصر:
-مين دي يا حبيبي اللي تاكلني أنا محدش يقدر يقربلي، هي متعرفش عمو يبقى مين ولا إيه؟
وهنا خرجت "سنا" من الداخل وهي تشمر عن أكمامها تنوي الانقضاض عليها، ثم صاحت باستخفافٍ:
-ماله عمك يا ختي؟... إنتِ هتعمليلنا زي القرعة اللي بتتباهى بشعر بنت أختها؟
رفعت "فتون" سبابتها بوجهها تهتف بتحذيرٍ:
-اتكلمي بأسلوب كويس وإلا..
قاطعتها "سنا" بغلٍ وهي تندفع ناحيتها بانفعالٍ، ولكن ما منعها هو ذراع "سلمان" الذي حملها بخفةٍ ليمنعها من الوصول إليها:
-دي بتقولي وإلا... لا تعاليلي بقى.
وبخها "سلمان" وهو يسير بها بعيدًا:
-بس بقى الناس هتتفرج علينا، أحمدي ربنا إحنا الصبح بدري والشارع مفيهوش حد.
خرج بها من الشارع وسط تذمراتها الطفولية العديدة، ثم أنزلها للأرض وهو يهتف بضيقٍ:
-بس بقى فرهدتي أمي.
-دي بتقولك يا "سيمو"، وأما هي تقولك يا "سيمو" أنا أقولك إيه؟
-يا "سماسيمو" معروفة.
غلت الدماء بعروقها، وانفلتت زمام الغضب لديها، فراحت تصرخ ونيران الغيرة تتأجج بصدرها:
-"سلمان" البت دي عينها منك، وكل ما تيجي تتكلم معاك تقعد تقولك عمي ومش عمي، هي إيه فاكراك هتمسك فيها عشان فلوس عمها، بيتحرق دمي أما بشوفها بتتكلم معاك، بيهون عليا أقطعها بسناني.
مسح بكفه على شعرها بحنانٍ، وعمل على احتواء اهتياجها:
-حبيبتي مش معنى إن اللي بتقوليه ممكن يكون صح إني ممكن أبصلها، عيب إنتِ أكيد عارفة قيمتك عندي.
ردت عليه باندفاعٍ وهي تنفض كفه بعيدًا عنها:
-وأنا أضمنك منين يا عسل وإنتَ في الرايحة والجاية بتديها ريق عدل.
انكمشت تعابير وجهه بتجهمٍ، ثم رد عليها بنزقٍ وهو يرد لها الصاع صاعين:
-لو همشي بالمبدأ بتاعك يبقى كده أشك بخصوص أستاذ "يحيى" بتاعك.
بررت ببساطةٍ وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
-"يحيى" ابن خالتي وأنا مجبرة أتعامل معاه كويس، لكن تقدر تقولي بتتعامل مع دي ليه؟
-جارتي ومجبر أتعامل معاها كويس، حلوة الصيغة دي؟
-لا هو طول اللسان والرد اللي أحلى يا "سلمان".
-كفاية يا "سنا" نكد... هو دي كل سنة وإنتَ طيب.
حاصرتها جملته الأخيرة من كل جهة، فراودها شعور الذنب؛ لذا رمقته بندمٍ وهمست على مضضٍ، فهي على قناعة تامة بصحة موقفها، وبغيرتها عليه:
-أنا آسفة.
نفخ الهواء بضجرٍ وأشاح بوجهه عنها يتأمل الفراغ؛ لعله يتخلص من غضبه الحاد من تصرفاتها الهوجاء، بينما هي بجانبه تحاول تبرير موقفها بكل الطرق:
-طب أعمل إيه طيب؟... ما هو غصب عني مبقدرش أشوف أي حد بيقربلك، بتجنن لما بحسك ممكن تروح مني أو تبقى مع حد غيري، إنتَ مش عارف إنتَ عندي إيه.
التفت لها ورد عليها بعقلانيةٍ وتعابير الجدية تتشكل على قسماته بوضوحٍ:
-"سنا" حبيبتي اللي إنتِ فيه ده اسمه هوس مش حب، وده قدام هيعملنا مشاكل ملهاش آخر، يعني أنا أي حد أقف معاه أبقى هسيبك وأروحله، هعمل إيه قدام في حياتي وفي شغلي مثلًا؟... بلاش قدام ما دلوقت، الجامعة، المحل اللي بشتغل فيه، ما دي كلها حاجات بتعامل فيها مع بنات، مبررك غلط.
كزت على أسنانها بغيظٍ، وصاحت باحتدامٍ:
-فـ إنتَ اللي وصلتله دلوقت إني مبحبكش!
-يووه بقى أنا تعبت، أنا سايبك وماشي.
صرخ بها بنبرةٍ دبت القشعريرة في بدنها، وانسحب من أمامها بخطواتٍ سريعةٍ، فقد حاول قدر المستطاع إيضاح وجهة نظره لها، ولكنها عند الغيرة تصبح عمياء لا ترى سوى ملكيتها له المُهددة. لن ينكر الود الذي حاول إبقاءه مع "فتون"، كان لأجل مصالح شخصية فقط، عمها الذي تتحدث عنه بكل الوقت ذلك ربما يسهل له عملًا ما بأحد شركاته بعد تخرجه من الجامعة؛ لذا تحسين العلاقة معها لن يجعله يخسر شيئًا بقدر ما سيكسب، بينما "سنا" على الجهة الأخرى تشعر وكأن النيران تتلظى بصدرها بلا رحمة، يراودها شعور بالخيبة، فبعدما خططت لذلك اليوم منذ العام الماضي خُرب على يد تلك الحقيرة!
***********
-خلاص وحياتي عندك ما تزعلي، بقى عاملالي كل ده عشان "فتون" الطماطماية المفعصة اللي بتتريقي عليها.
قالها "سلمان" برجاءٍ وهو يقبض على كفها بكلا كفيه كالطفل الصغير، بينما هي تتحاشى النظر إليه، لتظل وقتها تتأمل السماء الصافية، فاغتاظ وقتها من فعلتها وصاح بحنقٍ:
-إنتِ بتدعي عليا يعني ولا إيه مش فاهم؟
رمقته باحتقارٍ زائفٍ، ورفعت رأسها مجددًا تتأمل السماء فحذرها بمرحٍ:
-هلسعك قلم على وشك يخليكي تنسي اسمك، بصيلي أحسنلك.
خفضت بصرها وصوبته تجاهه، ثم هتفت بدلالٍ طفوليٍ:
-مبكلمكش أساسًا.
رفع حاجبيه وصاح بذهولٍ ظاهريٍ وهو يضحك بداخله على ردود أفعالها على ما يقوله، فهو يثق بعشقها له تمام الثقة:
-وأهون عليكي.
بلا تفكير ردت بعفويةٍ:
-أكيد لا.
همهم بتفهمٍ، ثم ردد في جديةٍ وهو يمد كفه تجاهها:
-يعني صافي يا لبن.
صافحته بقلة حيلة، وردت عليه بنفس مستوى الجدية:
-حليب يا قشطة.
-إنتِ تستاهلي أكافئك وأسمعك "العندليب"، أول مرة تتصالحي بسهولة أصلي.
-يادي "عبد الحليم".
أخرج هاتفه من جيبه، وبرر لها استحسانه له:
-أحسن من غنى للعيون السود يا عبيطة.
ضغط على هاتفه عدة ضغطات، وخلال لحظات صدر صوت أغنيته المفضلة (كامل الأوصاف)، فظل يرددها لها وزرقاويته مرتكزتان بحالكتيها "كامل الأوصاف فتني والعيون السود خدوني من هواهم روحت أغني آه يا ليل آه يا عين".
فاقت من ذكراها والعبرات تشق طريقها على وجنتيها، لطالما اشتاقت كل شيء بصحبته، بقاءه بجانبها في ليالي سهدها، ذهابها معه للجامعة، ذهابهما سويًا لتلك الحديقة، سماعها للعندليب بين أحضانه، حتى شجارهما، ماذا يفعل المرء عندما يبقى عالقًا بماضٍ لن ينال العودة إليه مهما حدث..!



                 الفصل التاسع عشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة