رواية ذكراه الفصل الرابع عشر 14 بقلم رولا هاني


رواية ذكراه الفصل الرابع عشر 14 بقلم رولا هاني


.كنت بلا قيمة


"اللي صانك بتجافِيه


و اللي خانك بتنادِيه"


-شيء غريب.


***********


انتصب في وقفته يعدل من هندمة ملابسه، ثم راح يلاحق كل تفصيلة بها بنظراته الشهوانية القذرة، بينما هي تبتسم بدلالٍ والثقة تتخلل مشاعرها؛ بسبب نجاح خطتها بصورةٍ كبيرةٍ، بينما هو يهتف بحرارةٍ، وقد تهدجت أنفاسه وعيناه مصوبتان على كنزتها مفتوحة الصدر:


-مصلحة ولا مر...


صدرت ضحكتها الرنانة، وقاطعته بغنجٍ:


-مروحة.


اقترب منها بجرأةٍ وصوب ناظريه عليها، وكأنه سيلتهمها بعينيه، ثم قال وهو شبه ملتصقًا بجسدها:


-طب تعالي أوصلك مكان ما إنتِ رايحة.


رمقته بنظراتٍ لعوبٍ ورددت وهي تلف إحدى خصلاتها على سبابتها:


-بس أنا توصيلتي غالية.


غمز لها بيمناه ورد عليها بعينين مصابتين بالعمى أثرًا لما اتقد بداخله، لم تكن "نجوان" بجميلة الجميلات، ولكن كان بها شيء جذاب لا يعرفه أي شخص، نظرتها، بسمتها، تلقائيتها وخفة ظلها، كل تلك الصفات ساعدتها على تلك الجاذبية والقبول:


-هديكي اللي تعوزيه، شكلك نغشة وهتخليني أفك عن الغم اللي أنا فيه.


التصقت به أكثر ووضعت كفها على صدره هامسة بحزنٍ زائفٍ:


-وإيه اللي معكر مزاجك؟


-لا دي نحكيها مع بعض في شقتي يا مزة.


ثم تابع على عجالةٍ وهو يجوب بعينيه الطريق:


-أنا عربيتي للأسف بعيدة عن هنا، ف هنوقف تاكسي.


أومأت له بهدوءٍ، ووقفت وراءه تتابعه بنظراتٍ متمعنةٍ، لتهمهم بعدها بسخطٍ:


-جتك القرف في ذوقك يا شيخة، بقى تسيبي "يحيى" عشان ده.


ثم أكملت بتمتمةٍ وهي تندمج وسط أفكارها وكأنه ليس أمامها:


-هو مفيهوش حاجة عدلة غير عينيه بس.


-يلا يا بنتي التاكسي واقف.


أخرجها من شرودها صوته الأجش، فأبصرت أمامها سيارة الأجرة، والتي تقدمت ناحيتها لتستقلها معه وضربات قلبها تتسارع، تشعر وكأنها منساقة بلا إرادة ناحية الهاوية!


كان جالسًا إلى جوارها، وبين حينٍ وآخرٍ تتسلل يده لسائر أنحاء جسدها بلمساتٍ غير بريئة، بينما هي تعطيه ابتسامات مجاملة حافظت عليها قدر الإمكان من وسط وجلها، أما السائق فظل يتابعهما من خلال المرآة الصغيرة التي أمامه وهو يستغفر بضيقٍ، ليهز رأسه باستياءٍ مما يراه.


وخلال ما يقرب من نصف ساعة صفت السيارة بإحدى الشوارع الراقية، والتي تضمنت عدة مبانٍ سكنية فخمة، خرجا منها ودفع للرجل نقوده، ثم سار ناحية ذلك المبنى الذي توقفت أمامه السيارة وهي خلفه، لتجد وقتها حارس العقار الذي هب واقفًا يرحب بهما بحفاوةٍ عجيبةٍ، ولكنها تفهمتها عندما وجدته يخرج عدة ورقات مالية من جيبه؛ ليعطيه إياها وسط صياح الرجل بوجهه المسفر:


-ربنا يعمر بيتك يا "سلمان" بيه.


هرولت وراءه تحاول اللحاق بخطاه السريعة، فرددت في تلقائيةٍ حاولت اصطناعها؛ حتى لا يتشكك في الأمر:


-ده إنتَ طلعت بيه كبير أوي.


ولج بها للمصعد وهو يعطيها بسمة مغرورة، ثم ضغط على رقم الطابق المنشود، وخلال لحظات وصلا ليخرجا سويًا وسط نظراتها المنبهرة بحقٍ لما رأته من فخامة ورقي بالمكان، فمن الواضح أن مستواه المادي يعلو كل زبائنها الذين عهدتهم، يعلو حتى "يحيى" نفسه.


-هتفضلي واقفة برا ولا إيه؟


وللمرة الثانية خرجت من شرودها على صوته، فوجدته داخل شقته الخاصة بعدما فتح بابها ودلف إليها، فسارت للداخل معه.


على حين غرة أغلق الباب، وأحاط خصرها بخشونةٍ وهو يهمس بأنفاسٍ حارةٍ بجانب أذنها:


-أوضة النوم آخر الطُرقة في وشك، خشي غيري وألبسي اللي تحبيه، وأنا هجيب كاسين نشربهم.


أتم جملته وهو يطبع قبلته على عنقها، ثم تركها ليتجه ناحية المطبخ، بينما هي تسير حيثما أمرها، تشعر وكأنها تجر قدميها، وكأن هناك خطبًا ما يمنعها، وضيقًا تلبسها بلا رحمة!


ولجت الغرفة وأخذت تغير ملابسها لأخرى أكثر عريًا، وكأنه إجراء روتيني تجريه بلا تعابير، ثم ثبتت الكاميرا على تلك المزهرية التي تماثل لونها إلى حد ما مع لون الكاميرا، فلم تكن واضحة بصورة ملحوظة، ثم ارتمت جالسة على الفراش وهي تنتظره، لتمر كل لحظة عليها بصحبة أنفاسها المسحوبة منها عنوةً!


نظرت صوب الكاميرا بقهرٍ لم تستطع إخفاءه، وبتعسرٍ سيطرت على دموعها، أثقل الألم كاهلها، وانطفأ بريق الحيوية من عينيها، وباتت خلال أيام معدودة منتابةً بالحزن الخالص!


-اللي واخد بالك يا قطة.


قالها "سلمان" ببسمته اللعوب وهو يمد يده لها بكأس الخمر، فسحبته منه وهي تحتمل لمساته القاسية على جسدها بكل صعوبة، وردت عليه في النهاية من وسط ضحكاتها الزائفة:


-مفيش حاجة واخدة بالي إلا العيون الزرق دول.


جلس بجانبها، وبلا إدراك سحب منها الكأس ووضعه بجانبه على الكومود بعدما وضع كأسه أولًا، ثم مال على ثغرها مقبلًا إياه بغضبٍ تعمد بثه فيها، وإفراغ كل ما أثقل رأسه بأفكارٍ مزدحمةٍ، ليغرق بعدها معها في لذاتٍ محرمةٍ سلبت وعيه وجعلت شهوته تقوده بلا إرادة!


**********


صباح اليوم التالي.


-عايزة أقولك حنين أوي يا "فاتن"، يا حبيبي من ساعة ما عرف إني حامل وهو بيعاملني أكني بسكوتة.


قالتها "فتون" بولهٍ وهي ممددة على الأريكة، بينما شقيقتها على الأريكة المقابلة تتابع حديثها بمللٍ بادٍ على قسماتها، فانتبهت في الأخير على استرسالها مستفهمة:


_أمال يعني تتحسدي!؟... سيبتي الشركة والشغل وجيتيلي يعني، في إيه؟


-مفيش يا بنتي جاية أطمن عليكي.


شق ثغرها بسمة مسرورة وهزت رأسها متفهمة، وكأن حملها ما زادها سوى سذاجة وغباء. قالت بفضولٍ بعدما طرأت تلك الفكرة ببالها:


-معرفتيش أي حاجة عن موضوع "يحيى" اللي جه الشركة ده؟


استغلت "فاتن" الأمر وهتفت ونظراتها الوقادة تجوب شقيقتها من رأسها لأخمص قدميها:


-عشان عرف إن "سلمان" كان واقف مع "سنا".


ثم تابعت لتطمئنها، وكأن كذبتها حقيقة:


-بس متقلقيش أنا قابلت "يحيى" والأمور اتظبطت.


شهقت "فتون" بصدمةٍ وهمست بلا تصديق:


-قابلتي "يحيى"!


-آه واعتبري الموضوع خلص خلاص متشغليش بالك وتوجعي دماغك، ركزي مع البيبي يا حبيبتي.


تممت "فاتن" جملتها وهي تضغط على الكلمات الأخيرة بغلٍ لم تلحظه شقيقتها، وفي تلك اللحظة دلفت الخادمة لغرفة الصالون وبين يديها تلك الصينية المتواجد بها كوبان من عصير الفراولة.


وضعت الخادمة كوبًا أمام كل واحدة منهما وعيناها معلقتان بصورة مريبة على "فاتن" التي ضيقت لها عينيها كإشارة عن شيء ما مبهم، بينما "فتون" تسحب الكوب في تلهفٍ لتشربه بشهيةٍ مفتوحةٍ، وشقيقتها تشجعها بحقدٍ خفيٍ وابتسامتها تتسع:


-اشربي يا روحي وروقي دمك.


*********


فتح "يحيى" الباب بتلهفٍ ما إن استمع للطرقات عليه، وقال في استعتابٍ طفيفٍ؛ بسبب انتظاره لها في شقة "خاطر" منذ ما يقرب من الثلاث ساعات:


-اتأخرتِ ليه يا "نجوان"؟


ردت عليه بصوتٍ مبحوحٍ وهي ترفع بصرها ناحيته ليرى وقتها شحوب وجهها الواضح:


-الطريق كان زحمة.


من فرط حماسه لم يهتم لحالتها، وسرعان ما تساءل باكتراثٍ:


-كل حاجة تمت تمام؟


رمقته باستهجانٍ، ثم همست بنبرة مختنقة:


-طب دخلني جوا الأول.


تنحنح في تحرجٍ، ثم تراجع خطوة للخلف وهو يمد ذراعه للداخل هاتفًا:


-طب ادخلي.


دلفت بخطواتٍ مترنحةٍ وكادت أن تسقط، فأمسك بذراعها بتعجبٍ صائحًا بقلقٍ:


-مالك يا "نجوان"؟!


أعطته بسمة مريرة شقت شفتيها بارتجافٍ، ثم بررت وهي تتقدم معه بخطواتها الوئيدة:


-قلة أكل.


ساعدها على الجلوس، ثم خاطبها في لومٍ، بينما هي ترمقه بسخريةٍ، وكأنه لا يعلم بما يدميها، وكأنها ستظل مجرد جسد مُهمَل روحه ومشاعره:


-طب ليه يا بنتي مبتاكليش؟... عاجبك منظرك كده!


استجمعت قواها على مهلٍ، ثم قالت بطاعةٍ لتعلن بصورة غير مباشرة عن عدم قدرتها على خوض أي نقاشات:


-هبقى أكل.


هز رأسه بعدم اهتمام، ثم جلس بجانبها يردد في فضولٍ:


-طمنيني، كل حاجة مشيت تمام؟


أجابته بصوتٍ مغتمٍ وهي تخرج من حقيبتها الكاميرا الصغيرة التي انتزعتها من مكانها بالصباح قبل مغادرتها، وذلك عندما استغلت وقت سبات "سلمان":


-أيوة.


نهض يسحب الحاسوب المحمول من على الأريكة الأخرى، ثم عاد يجلس بجانبها؛ ليجذب منها الكاميرا بلهفةٍ، ففكَّ غطاءها بحذرٍ، وانتزع بطاقة الذاكرة من موضعها وهو يفتح الجهاز، ثم أدخل البطاقة في قارئ الذاكرة، وما إن تعرَّف الجهاز إليها حتى فتح المجلد الخاص بالتسجيلات.


وهنا أخرجه من تركيزه المنصب على ما أمامه صوتها المنكسر الذي استنكر بعدة كلمات وهي توزع نظراتها المخذولة تارةً عليه، وتارةً على الحاسوب المحمول:


-إنتَ هتفتحه دلوقت!


رد عليها بنبرة عاديةٍ بلا إعطائها أي نظراتٍ حتى، وذلك لم يكن بجفاءٍ بقدر ما هو اهتمامٌ جمٌ بانتقامه الذي ابتغى تنفيذه بأتقن صورة ممكنة:


-أكيد عشان أتأكد إن كله تمام.


اغرورقت عيناها بالدموع وعضت على شفتيها بعنفٍ تمنع انسيابها، بدا العالم من حولها باهتًا، ولم تعد تسمع سوى دقات قلبها التي باتت تؤلمها من قوتها، بينما هو يحرك المؤشر بين المقاطع المصوَّرة لثوانٍ، قبل أن ينقر على التسجيل الذي يبحث عنه، لتنبض الشاشة بالحياة وتبدأ اللقطات في الانسياب أمام ناظريه، والتي أخذ يشاهدها بمنتهى البرود وكأنه شيء روتيني يفعله، غير مبالٍ لمن عجزت عن استيعاب ما يحدث حولها وراحت تشهق ببكاءٍ عنيفٍ.


استمع لصوتها فأغلق المقطع في الحال، وأغلق الحاسوب معه ليهتف بصدمةٍ:


-مالك يا "نجوان"؟


انهار ما تبقى لها من قوة، وراحت تنتحب بصراخٍ مدوٍ وكأن قلبها يتهشم، فاتسعت حدقتاه وفغر فاهه وهو يرمقها بحيرةٍ، ليعيد مرة أخرى استفساره:


-جرالك إيه؟


وتلقائيًا منه جذبها من ذراعها ليضمها لصدره برفقٍ، والمسكينة بلا وعي تشبثت به وهي تكتم صراخها بملابسه التي دفنت وجهها فيها.


احتضنها بحنوٍ وهو يشعر بارتجافة جسدها الشديدة، فتلبسه الوجل وقتها ليشعر أخيرًا بوجود خطبٍ ما بها. ظل يربت على كتفها برقةٍ، فهو يعرف مدى عدم مقدرتها الآن على البوح بأي شيء، فلطالما مر بتلك اللحظات العصيبة، التي لم يرغب فيها سوى بحضنٍ كذلك.


داعب خصلاتها بحنانٍ وعانقها بقوةٍ أكبر، وظل يهدهدها بكلماته كالرضيع بين يديه:


-بس أهدي، كل حاجة هتبقى كويسة.


زادت من تشبثها به وشهقاتها تتعالى، جسدها ينتفض بين حينٍ وآخرٍ، العبرات متعلقة بأهدابها، وكأن هناك شيئًا ما انطفأ في داخلها، ظنته مختلفًا، ظنته يراها ويرى ما في داخلها، ظنته لا يراها عاهرة مثلهم، وفي النهاية عادت بظنها مكلومة القلب، مثقلة الكاهل، كسيرة الروح.


خرج صوته أخيرًا بمزاحٍ يحاول أن يخفف من حدة الوضع، ولكنه لم يكن يعلم أن كلماته كانت تضع الملح على جراحها النازفة بمنتهى القسوة:


-وبعدين أيًا كان اللي مزعلك، مش تفرحيلي إني بعد كده هبقى أسعد إنسان في الدنيا بسببك؟... الزفت اللي اسمه "سلمان" ده يغور من حياتنا، وعلاقتي أنا و"سنا" هتبقى كويسة، وهيبقى في فرصة تاني نبقى سوا مبسوطين.


أطبقت جفنيها بتوجعٍ، وابتلعت غصتها بتعسرٍ، وحاولت قدر الإمكان السيطرة على نوبة البكاء التي كادت تداهمها مرة ثانية، ثم همست بصوتٍ متحشرجٍ، وقد اختنقت بعبرتها:


-ربنا يسعدكوا.


ابتعدت عنه بعدما أتمت جملتها، ثم نهضت بغتةً تنوي الرحيل، ولكن أصابها دوار شديد، فوضعت كفها على رأسها باضطرابٍ، بينما هو يتابعها بتوجسٍ بعدما نهض يحدجها في ترقبٍ. وبعد صمت حل بالمكان لعدة دقائق صاح هو بجديةٍ:


-يا بنتي لو تعبانة بالشكل ده ريحي هنا وبلاها شغل وقرف انهاردة وأنا صدقيني حتى السؤال مش هسألك فيكي إيه وهسيبك على ر...


لم تمهله الفرصة لإكمال جملته، وزمجرت بنزقٍ، وقد انفلت زمام أعصابها:


-وليه متسألنيش فيا إيه؟... إلا لو كان مش مهم، إلا لو كان أنا نفسي مش مهمة ومليش قيمة لا في عينك ولا في عين حد.


عقد حاجبيه بذهولٍ، ثم تعلل يحاول التخفيف من حدة اهتياجها، والذي رآه غير مبرر:


-أنا بقولك كده عشان قصدي إني أسيبك على راحتك ومضغطش عليكي.


ثم استطرد وهو يحاول مراضاتها:


-ويا ستي ولا تزعلي نفسك، إيه مضايقك؟


ظلت الكلمات حبيسة بداخلها تأبى الخروج، فرمقته بلومٍ قاسٍ ونظراتها مغمورة بالخذلان الذي لم يدرك سببه؛ لذا في النهاية قالت بكبرياءٍ غلف صوتها الضعيف:


-ولا حاجة.


وهرعت في أقصى سرعة؛ لتخرج من الشقة بأكملها، وهنا فضل هو تركها وعدم منعها من الذهاب، لعلها تحتاج البقاء بمفردها بالفعل، لعل هناك أمرًا ما يجعلها في تلك الحساسية المفرطة، ثم ارتمى على الأريكة مجددًا ليفتح الحاسوب مبتسمًا بانتصارٍ بائنٍ.


*********


دلف إلى شقته ليجدها هادئة كما توقع، كعادتها وقت شجارهما تلتزم غرفة طفلهما، تترك له الطعام موضوعًا على السفرة، وملابسه البيتية مطوية على فراشهما؛ ليعود من العمل يرتديها.


نفخ "عزام" الهواء بضيقٍ وشعور الكآبة يتخلل روحه؛ لذا سار بخطى لا تحكم له فيها ناحية غرفة ابنه التي ولجها ليجدها غافية على الفراش بإنهاكٍ بادٍ عليها، فنظافة الشقة كانت مبررًا كافيًا لذلك التعب الملحوظ عليها. تنهد بعمقٍ، ثم اقترب منها ليجلس بجانبها على الفراش، وراح يمرر كفه على شعرها يحاول إيقاظها بهدوءٍ؛ حتى لا تفزع، وبالفعل ارتجفت أهدابها وهي تفتح عينيها ببطءٍ، لتنتفض بعدها مباشرةً وهي تعتدل في جلستها لتبتعد عنه، فانصدم هو من فعلتها صائحًا بدهشةٍ:


-مالك يا "إنجي"؟


انقبضت ملامحها بوضوحٍ وصاحت بصوتٍ مبحوحٍ من أثر النوم:


-عايز مني إيه؟... الأكل محطوط عندك برا، والعصير كمان معمول، وبالنسبة لـ "لؤي" عشان لو هتسأل عنه مشي مع ماما لما جاتلي الصبح، شبط فيها وقال هيبيت معاها... عايز مني إيه؟


احتقن وجهه من كلماتها المستفزة، وتحدث في لومٍ وهو يقاوم رغبته في الانقضاض عليها من فرط الغضب:


-هو أنا كلب بتحطيلي الأكل والشرب، عيب يا "إنجي".


-ومش عيب اللي إنتَ عملته إمبارح؟​


-غصب عني مقدرتش أشوفك نازلة بلبس مفتوح كده وأسكت.


كزت على أسنانها ورددت من بينهم بغلٍ:


-ف تمد إيدك عليا مش كده؟


سحب كفها برقةٍ وقبله، ثم همس لها بصوتٍ خفيضٍ:


-حقك على عيني.


رمقته باشمئزازٍ تتقزز من الأمر بأكمله، كل مرة يعود لها بأسفه وهي كالساذجة تعود له بلا تفكير، وفجأة وجدته يتابع بصدقٍ:


-عارف إنك زهقتي مني، بس صدقيني مش عارف أعمل إيه، كل مرة صدقيني بقول عمري ما هأذيكي وعمري ما هاجي عليكي، بس بمجرد ما بشوف حاجة تفكرني ب..


توقف عن إتمام جملته، ثم نظر لها ونظراته يتلبسها التوسل الحقيقي، وراح يتسائل بتخوفٍ:


-هينفع أتكلم معاكي من غير ما تعايريني زي ما بتعملي ومن غير ما تستخدمي الكلام قدام عشان توجعيني؟


هبطت بنظراتها بخجلٍ، ثم طالعته بقلة حيلة وهي تومئ له بهدوءٍ، وهنا اقترب منها، فتلقائيًا تراجعت للخلف مجددًا، فخاطبها هو وقتها بتوضيحٍ:


-متخافيش، أنا بس عايز أبقى في حضنك، ينفع؟


فتحت له ذراعيها بترددٍ، فارتمى هو في الحال بينهما، بينما هي تعانقه بتوجسٍ ودقات قلبها تقرع كالطبول؛ مما جعله يهمس بنبرة حنونة بثت الاطمئنان لها أخيرًا:


-متخافيش مني يا "إنجي"، أنا جوزك حبيبك وأبو ابنك.


ربتت على كتفه وقالت بنبرة لم تخلُ منها الشفقة على حالها وحاله:


-مش خايفة.


لاح على ثغره بسمة شاحبة وعانقها باحتياجٍ، ثم راح يسرد ما في داخله بلا توقف، كالطفل الذي ركض في النهاية لأحضان أمه الدافئة:


-كل مرة كنت بحاول صدقيني، صدقيني ما حبيت قدك ولا اتهوست غير بيكي، إنتِ كنتيلي أمي اللي عيشت عمري كله أترجى منها الحنية يا "إنجي".


ثم تابع بألمٍ يغمر نبرته وهو يشعر بمرارة العلقم في حلقه:


-بس غصب عني كل مرة بيحصل حاجة بفتكرها، بفتكر قرفها واللي كانت بتعمله وبخاف، بقول لما أمي أقرب ما ليا كانت كده، إيه ميخليكيش تطلعي زيها، في كل مرة شكيت فيكي كانت هي السبب، وكل مرة حاوطت عليكي فيها عشان متتعامليش مع غيري ولا تعرفي غيري كانت هي السبب، أنا بخاف، بخاف أوي، بخاف تحبي حد غيري وتعرفي عليا زي ما هي عملت، أنا خايف طول الوقت ومرعوب.


شعرت بعبراته تبلل صدرها، فربتت عليه برفقٍ تحثه على متابعة كلامه الذي خرج بمنتهى الضعف، الضعف الذي لم يظهره سوى لها:


-إنتِ أنضف منها أنا عارف، عمرك ما تعملي زيها، بس اللي عيشته معاها صعب، عارفة يعني إيه طفل يعيش عمره كله في الوسا** دي؟... عارفة يعني إيه كل يوم أبقى شايفها بعيني مع عشيقها ومع ذلك مينفعش أتكلم؟... في كل مرة بابا كان بينزل فيها مصر اجازة من شغله كان بيبقى نفسي أقوله، بس كانت راعباني ولاغية شخصيتي، إنتِ عارفة؟... مرة اتشجعت وخرجت من أوضتي في يوم وهددتها هي وعشيقها بإني هقول لبابا كل حاجة.


عقدت حاجبيها بتعجبٍ عندما وجدته يلقي على مسامعها معلومة جديدة لم تكن تعرفها، فنظرت لعينيه اللتين ذرفتا الدموع بقهرٍ وهو يكمل من وسط نهنهته:


-كل أشكال العذاب اللي ممكن تمر في بالك حصلت فيا وقتها على إيديهم... فاكرة الحرق اللي موجود في ضهري وسألتيني عليه كتير قبل كده وفي كل مرة كنت بغير الموضوع ومش بقولك سببه؟


أومأت له عدة مرات، فأردف هو بأسى وكأنه يشكو لها مما مر به على أيديهم:


-بسببهم وبسبب الليلة دي، ومن يومها قفلت بؤي وسكتت، لغاية ما عدت الأيام وأنا كبرت وهي ماتت وبابا اتجوز برا مصر ومهانش عليه حتى ينزل ولا مرة يطمن على ابنه، وشوفتك بعدها يا "إنجي"... كنتِ طوق نجاة ليا.


ثم راح يستطرد بندمٍ وهو يطبق جفنيه بقوةٍ، لتنهمر العبرات بعدها بتتابعٍ:


-بس ضيعتك من إيدي بالبطء، ويا عالم لسة بتحبيني ولا كرهتيني... بس أيًا كان بُعدك عني معناه موتي، وأنا مش عايز أموت يا "إنجي".


ازدرد ريقه بصعوبةٍ، ثم راح يتوسلها:


-خليكي معايا وجمبي، ساعديني وأنا هتغير، هحاول صدقيني المرادي هتبقى مختلفة عن أي مرة، لو وصلت أروح لدكتور نفسي عشان خاطرك هعملها، بس خليكي جمبي.


ظلت تداعب خصلاته بحنانٍ، وقد زادت عُقدة حاجبيها لتعيد كلماته بشرودٍ:


-دكتور نفسي!


***********


-إنتِ!


قالتها "فتون" بصدمةٍ قويةٍ ما إن فتحت الباب لتجد أمامها "سنا" التي حدجتها بنظراتٍ باردةٍ لترد عليها بعدها في تهكمٍ:


-مش هتقوليلي اتفضلي ولا إيه؟... دي حتى أول مرة أجي بيتك.


-جاية ليه؟... وبتظهري في حياتنا ليه؟... سيبينا في حالنا بقى.


-مش لما جوزك يسيبني أنا في حالي.


-جوزي!


شق ثغرها بسمة متهكمة وهي تستسخر:


-هو مفهمك إني أنا بجري وراه ولا إيه؟


-إيه جابك هنا يا "سنا"؟


هتف بها "سلمان" الذي أتى ليقف بجانب زوجته، وكامل معاني الغضب تتشكل على قسماته المتوثبة، فهتفت "سنا" وقتها بجنونٍ:


-جاية أوعي "فتون" هانم ببلاوي جوزها.


ثم تابعت وهي تحدج "فتون" بغلٍ:


-جوزك يا هانم مش مبطل جري ورايا، وبسببه حصلت مشاكل بيني وبين جوزي، مرة يبعتلي رسايل، مرة يجيلي شغلي، مرة يجيلي بيتي، أنا بسببه علاقتي بأبو بنتي خربت.


استقبلت "فتون" كلماتها كالصاعقة، وطالعت "سلمان" بحدقتين متسعتين بشدةٍ، فظل هو يهز رأسه نافيًا صائحًا بتلهفٍ:


-متصدقيهاش يا "فتون" دي كدابة.


ثم صرخ بنزقٍ يوجه حديثه لـ"سنا" التي منع حاله من الهجوم عليها بصعوبةٍ بالغةٍ:


-إنتِ كدابة وجاية تخربي عليا أنا ومراتي.


تلبسها شعور الحقد عندما وجدته يخشى الصدمة على زوجته بتلك الصورة، وراحت تهتف في شراسةٍ:


-ومادام خايف أوي كده على السنيورة كنت بتجري ورايا ليه و...


قاطعتها تلك الصرخات التي صدرت من "فتون" لتدوي بالمكان بأكمله، ولم تكن بصرخاتٍ منهارةٍ كما ظنا، بل صرخات متألمة ليبصرا وقتها بركة الدماء التي سالت من بين ساقيها لتلطخ فستانها الوردي، لتقع بعدها المسكينة فاقدة للوعي خلال لحظات وسط نظراتهما الفزعة....!


              الفصل الخامس عشر من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة