رواية ذكراه الفصل الثاني عشر 12 بقلم رولا هاني


رواية ذكراه الفصل الثاني عشر 12 بقلم رولا هاني


.جفاء


"ولقيتنى وأنا بهواك


خلصت الصبر معاك"


-للصبر حدود.


*********


ضيقت جفنيها تحاول استيعاب ما سمعته للتو؛ لذا نطقت أخيرًا بأنفاسٍ متعثرةٍ، وبملامح تجمدت لوهلة مما سقط على مسامعها:


-إنتَ بتقولي أنا الكلام ده يا "يحيى"؟


مَن أمن العقاب أساء الأدب.


مرت تلك المقولة على رأسه بلا هوادة، لولا تهاونه معها، وحبه الذي جعل عينيه لا تريان سواها ما كانت ألقت تلك التهمة الحقيرة على صديقه، والذي كان متيقنًا تمام اليقين بأنه بريء أمام أقوال تلك الكاذبة؛ لذا وبعد سكون خيَّم المكان لعدة دقائق هتف هو بغلٍ:


-مش معنى إني بحبك، إني غبي، فاكراني مش عارف إنك عايزة تبعدي "خاطر" عن حياتنا بأي طريقة بذات بعد آخر موقف؟


قبضت على طرف ثوبها بأطرافها المرتجفة، وصاحت في احتدادٍ:


-لتاني مرة بتكدبني وتصدق صاحبك يا "يحيى".


ثم أكملت بكلماتٍ أثقل من أن تُقال:


-وبعدين إنتَ اتغيرت كده ليه؟... ده إنتَ طول عمرك بتتمنى أقعد معاك ونتكلم زي دلوقت، دلوقت مش عاجبة؟


اقترب منها لتختلط أنفاسه بأنفاسها، ثم همس أمام شفتيها بجفاءٍ، فرأت وقتها كم القسوة التي غلفت نبرته؛ مما جعلها تتسمر بمكانها من هول الصدمة للمرة الثانية:


-صبري بدأ يخلص يا "سنا".


ثم استرسل بعدما ابتلع غصته التي استقرت في حلقه:


-الوطن اللي رميت نفسي في حضنه عمري كله... بقيت حاسس إني قريب هقدر أهجره.


ثم هبَّ واقفًا بلا مقدمات، وسار بخطاه ناحية غرفة ابنته لينام بجانبها بعدما شعر بالنفور الشديد من النوم بجانب زوجته كما اعتاد، ولم تكن تلك بالمرة الأولى؛ مما جعلها تصطلي بنيران الانهيار المباغت، تشعر وكأن كل شيء يُهدم من حولها، تلك النار التي تلظت في صدرها لسنوات وظلت تحتملها، ذلك الاستقرار الذي ظلت تلهث خلفه حتى يبقى، كل ذلك الآن يتبخر!


لا وألف لا!


دارت تلك الكلمات برأسها لتمر بها تلك الأفكار الجحيمية، والتي لن ينال عواقبها الوخيمة سواها.


***********


-هاتي أشيل عنك الولد.


قالها "عزام" مقتربًا منها بخطواته بعدما ترجلوا كلهم من سيارته، فابتعدت هي تلقائيًا، وتمسكت بطفلها النائم الذي حملته بين ذراعيها، ثم قالت بتوجسٍ:


-لا سيبه في حضني.


استشعر ذلك الخوف في نبرتها، فرمقها باستعتابٍ، وكأنه يملك الأحقية في لومها على ذلك الذعر، وكأنه لم يروعها بطفلها، ولم يحبسها بتصرفاته الهمجية، ولم يعرضها لضغطٍ لا يحتمله بشر، ولم يجبرها لسنوات على العيش معه وسط ذلك العنف والأذى والشك!


وكأن شيئًا لم يكن!


أوليس ذلك من بذلته صبرًا لا حدود له؟... أوليس ذلك من احتملته أكثر من مرة؟... والآن يعاتبها على نفورها وخشيتها منه ومن بطشه... أي عقلٍ ذاك؟


خرج صوته هادئًا يحاول كبح انفعالاته تجاه تصرفاتها التي رآها غير مُبررة:


-اللي يريحك.


سارا معًا ناحية المبنى السكني الذي يقطنان فيه، وخلال سيرهما هتفت هي في حذرٍ وهي منكسة الرأس:


-أنا قولت لماما إننا اتصالحنا وإن مفيش داعي للمشاكل؛ عشان هي كانت ناوية تدخل "سلمان".


بفضولٍ تساءل:


-قالتلك إيه؟


أتاه صوتها المختنق بالبكاء بـ:


-قالت إنها مش عايزة تعرفني تاني.


تنحنح بتوترٍ، ثم صاح بارتباكٍ حاول إخفاءه:


-أديها يومين تلاتة وهتهدى من ناحيتك.


أومأت له في صمتٍ، ثم سارت أمامه تسرع في خطواتها وهي تجر أذيال الخيبة معها، بينما هو يتهادى في سيره وهو يتأمل كتفيها المتهدلين ورأسها الذي أطرقته باستسلامٍ بائنٍ؛ لذا تمتم هو وقتها باستهجانٍ:


-هي جرالها إيه؟


*************


صباح اليوم التالي.


فتح باب الشقة بعدما تعالت الطرقات عليه وهو يتوقع هوية الطارق، وبالفعل وجد صديقه أمامه بتعابيره المتجهمة، فمازحه قائلاً:


-حد عاجنك علقة ولا إيه؟


ولج "يحيى" لداخل الشقة، ثم هوى بجسده على الأريكة، بينما "خاطر" تتلاشى بسمته تدريجيًا، ليغلق الباب بعدها، ثم اقترب منه هاتفًا بوجلٍ:


-مالك يا "يحيى"؟... قولتلي عايز تقابلني الصبح بدري وقلقتني، حصل حاجة؟


-"سنا".


استعر الغضب بداخله على ذكر اسمها، ثم تمالك حاله بصعوبةٍ بالغةٍ قبل أن يخاطبه مستفسرًا:


-مالها؟


رد عليه بنبرةٍ منهكةٍ وأنفاسه متلاحقة:


-جات امبارح وورتني شات ليكوا كنت بتحاول فيه تضايقها وتقربلها.


ردد "خاطر" في حذرٍ، بعدما ردع حاله عن تلك الانفعالات العنيفة التي داهمته رغبة فيها أثرًا لما استمعه:


-وإنتَ عملت إيه؟


-أكيد مصدقتهاش، هي عايزة تخلص منك وأنا فاهم ده.


قلب "خاطر" أنظاره بالمكان، ثم هتف بترددٍ وهو يتجنب النظر في عينيه:


-من كام يوم كلمتني.


نظر تجاهه لعدة لحظات قبل أن يستفهم بـ:


-كانت عايزة إيه؟


-عشان أما قولتلك على إني شوفتها معاه، حتى معرفش عرفت منين.


وبسهولة توقع مدى الوقاحة التي خاطبته بها؛ لذا ربت على كتف صديقه هاتفًا بتحرجٍ:


-حقك عليا متزعلش.


هز "خاطر" رأسه نافيًا، ثم قال بإيضاحٍ:


-مزعلتش، أنا بس مكنتش أتوقع إن توصل بيها تعمل حاجة زي دي.


ثم استطرد بصدقٍ، وقد تآكله القلق على صديقه المقرب:


-أنا بس خايف عليك، وحاسك متغير ومش على طبيعتك وكم..


توقف عن إتمام جملته بتراجعٍ ملحوظٍ، فحثه "يحيى" على استكمال حديثه:


-في إيه؟


-قُربك من "نجوان" ده مقلقني، إنتَ مش كده، ونزلت طلعت إنتَ فاهم يعني دي واحدة ******.


تغاضى "يحيى" عن سبته المهينة التي وجهها في الأخير لها، ثم قال مبررًا؛ ليطمئنه:


-متقلقش، أنا مجرد بنبسط بس، لكن أنا أكيد فاهم آخرها معايا إيه.


أومأ له "خاطر" عدة مرات، ثم هتف بتشككٍ:


-أتمنى يا "يحيى".


ثم أردف متأهبًا للمغادرة:


-هقوم وأسيبك أنا عشان أمي كانت عايزاني في كذا مشوار، بتكافئني يا عم يوم اجازتي وبتدوخني.


تمم جملته بمرحٍ وهو يضحك، فجامله "يحيى" مبتسمًا هو الآخر، ثم تابعه حتى توارى عن أنظاره، وأخرج هاتفه ليضغط عليه عدة ضغطات قبل أن يضعه على أذنه هاتفًا بصوتٍ لا حياة فيه:


-أيوة يا "نجوان"، عايزك في ظرف ساعة تبقى عندي هنا.


**********


كان يضع اللقيمات أمام فمها ليطعمها بحنانٍ زائفٍ، وبتعابيرٍ متأثرةٍ مستفزةٍ، بينما "فتون" تتمدد على فراشها براحةٍ قررت التزامها طوال فترة حملها، وأخذت تتناول فطورها من يده وعلى ثغرها بسمة حالمة.


ذلك الخبر كان بمثابة غبطة جنونية جعلتها تتناسى كل شيء في لحظة، جعلتها ترى الحياة وردية ولا يشوبها أي قتامةٍ، تناست أمر "سنا"، وتناست نوايا زوجها الخبيثة، فقط تركزت رأسها حول جنينها الذي استنزفت كل طاقتها للحصول عليه، وفي بقائها مع زوجها في استقرارٍ ظنته حقيقيًا من هول الفرحة التي باغتتها.


تنهد "سلمان" بعبوسٍ ظاهريٍ واعترض:


-مينفعش كده يا "فتون" أكلك قليل ولازم تتغذي أكتر.


ثم هتف بداخله سرًا دون أن يحرك شفتيه:


-ده إنتِ ناقص تاكليني.


ردت عليه بخجلٍ ووجنتاها تتوردان:


-شبعت يا "سلمان"، كفاية عمالة آكل بغباء.


تأمل ملامح وجهها المبتهجة أزيد من الطبيعي - من وجهة نظره - ثم همهم على مضض:


-الولية اتهبشت في دماغها.


-بتقول إيه يا حبيبي؟


-لا يا حبيبتي بقولك أكلك ضعيف ولازم تاكلي أكتر، إنتِ بتاكلي لاتنين يا حبيبتي دلوقت.


-بحاول صدقني.


وقبل أن يرد عليها لفت نظره صوت الإشعار الذي صدر من هاتفه، فالتقطه بخفةٍ ليتفحص الرسالة التي أتته.


تسللت الربكة لملامح وجهه، فهبط بنظراته للأسفل متعمدًا؛ حتى لا تراه زوجته، وخلال لحظات تنحنح بخشونةٍ ناهضًا من على السرير، فتساءلت "فتون" في الحال:


-رايح فين؟


-هخرج يا حبيبتي أجيبلك كل الفاكهة اللي بتحبيها عشان تتغذي أكتر.


-متنساش العنب.


-عيوني.


تحرك مسرعًا وخرج من المنزل بأكمله، فأبصر سيارتها أمامه؛ لذا سار بلا تلكؤ وهو ينظر حوله بخوفٍ، ثم فتح باب السيارة وجلس إلى جوارها صائحًا بضيقٍ:


-إيه الجنان بتاعك ده!؟


لم تنبس "سنا" بكلمةٍ واحدةٍ، فقط ظلت نظراتها مصوبة للأمام للا شيء، بينما هو يلفظ أنفاسه بصورة متلاحقة، لينتابه وجل قويٌ خشية من رؤية زوجته أو أحد من أقربائها له، وبغتةً توقف تفكيره ما إن استمع لصوت "ميادة الحناوي" الذي صدح من سماعات السيارة بأغنيتها الشهيرة "قولي ياللي كنت أغلى الناس عليا جبت قلب منين يطاوعك على الآسية"، فتساءل هو وقتها ببسمةٍ خفيفةٍ:


-لسة بتحبي تسمعي أغاني قديمة.


أدارت محرك السيارة، وانطلقت بها بلا وجهة محددة، بينما هو يطالعها في توجسٍ؛ بسبب صمتها غير المعتاد خصيصًا معه، وهنا انتبه ذهنه لبقية كلمات الأغنية لترتكز نظراته عليها بتوترٍ "ياللي غدرك أقوى من غدر الزمان كان مخبي فين ده كله من زمان"، حاول تنظيم أنفاسه وهو يفرك راحتيه، ثم صاح يكرر سؤاله عليها، ليحاول تشتيت حاله عن مغزى الكلمات الواضح بصورةٍ جمةٍ:


-إيه لازمته الجنان ده يا "سنا" وتجيلي تحت بيتي؟... إنتِ مش عارفة إن ده ممكن يعملي مشكلة؟


رمقته بتهكمٍ بعدما صفت سيارتها بإحدى الشوارع الفارغة من المارة، ثم أخفضت من صوت الأغنية التي قلبت أوجاعها عليها، وقالت بخيبةٍ بعدما بللت شفتيها، لتحاول في المنتصف السيطرة على عبرتها الخائنة:


-حياتي أنا وجوزي خربت بسببك.


وعلى ذكر الخراب انهمرت دموعها بلا توقف، بينما هو يرمقها بسعادةٍ جليةٍ على ملامحه، فقد كانت تلك من ضمن أهدافه الكُبرى؛ حتى تعود لحنينها إليه، حتى تُرضي غروره المريض، بينما هي ترمق ابتسامته الواسعة باستنكارٍ شديد، فأخترق أذنها بقية الكلمات على الرغم من الصوت الخفيض "بس أوعى دمعة تبان تفرح الخاينين".


كفكفت عبراتها وراحت تطالعه في اشمئزازٍ، بينما هو يخفي ضحكته ليبدلها لتعابيرٍ أخرى جادة قبل أن يهتف باهتمامٍ:


-حصل إيه عشان تقولي كده؟


هانت عليه حبات اللؤلؤ التي تهاوت من أعينها!... ابتسم أمام بكائها بلا شفقة حتى!... ظلت تحدجه في صدمةٍ وهي تهز رأسها بعدم تصديق، ثم همست بصوتٍ مرتجفٍ:


-أنا إزاي عمري ما شوفت وحاشتك دي كلها!؟


زفر الهواء بثقلٍ، ثم قال في تعقلٍ:


-إنتِ عارفة إنتِ بالنسبالي إيه، تفتكري أما تيجي تقوليلي علاقتي بجوزي باظت هقعد أعيط جمبك؟


أطبقت على أسنانها وخاطبته في قهرٍ:


-أنا بالنسبالك ولا حاجة.


داهمته رغبة شنيعة في التهرب من تلك المواجهة التي لم يكن مستعدًا لها، هو فقط أسرع في الخروج من البيت لأجلها بسبب تلك الرسالة التهديدية التي أتته منها، إن لم يخرج ستسبب له فضائح ليست بهينة؛ لذا وبعصبيةٍ صاح وهو يتحاشى النظر لعينيها:


-أنا حبيتك وإنتِ عارفة ده.


-إنتَ ضحيت بيا عشان خاطر مصلحتك.


-لو كنتي حبيتيني بجد زي ما بتقولي كنتي بديتي مصلحتي دي على راحتك اللي بتجري وراها.


ثقل صدرها بما عجزت عن لفظه، رغبت في لكمه، في سبه، في إفراغ شحنة غضبها عليه، الأحمق يبرر خداعه وغدره بها، الأحمق يتحدث ويعلل، بل ويلقي عليها التهم أيضًا، وكأنها ابتغت راحتها قبل راحته كما قال!


هدأت من حالها، وسيطرت على ردود فعلها بصعوبةٍ شديدةٍ، ثم قالت بجمودٍ وصلت إليه بتعسرٍ:


-علاقتي أنا وجوزي بقت خربانة وإنتَ السبب، يا تصلح كل ده، يأما هخرب علاقتك إنتَ وست "فتون" بتاعتك، وإنتَ عارف إني أقدر أعملها.


-هي حصلت تهدديني يا "سنا"؟


-إنتَ اللي اضطرتني لكده.


-مراتي حامل بلاش جنان، أي تصرفات مجنونة منك ممكن تضرها.


خرجت كلماته باندفاعٍ يحاول استعطافها بآخر فرصة له، فباغتته هي برد فعلها البارد:


-حامل مش حامل اللي عندي قولته ومفيش حاجة هتفرقلي، وأتفضل أنزل من العربية.


انكمشت قسماته بغيظٍ، ثم خرج من السيارة ليغلق بابها بعنفٍ، بينما هي تدير المحرك لتنطلق مسرعةً مبتعدةً عنه، لتتركه يغمغم بسبابه اللاذع بلا توقف، يحاول إيجاد حلول لتلك الكارثة التي حلت على رأسه بلا سابق إنذار، وبقي وقتها في رأسه سؤال واحد... كيف سيصلح العلاقة بين "سنا" وزوجها بعد كل ما حدث؟


*********


ولجت للشقة بعدما فتح لها الباب، خلعت عباءتها كالعادة، وجلست على الأريكة وهي ترمقه بترقبٍ، فوبخها هو بغيظٍ:


-إنتِ داخلة على كفار؟... ما تقولي سلامو عليكو ولا صباح الزفت.


ردت عليه "نجوان" بامتعاضٍ:


-صاحبك آخر مرة بهدلني وقالي أبعد عنك، وأنا كان المفروض مجيش تاني.


-يعني هو ده كل اللي مضايقك يا "نجوان"؟


-لا ميغركش ما أنا بهدلته وخدت حقي.


رفع "يحيى" حاجبيه بتعجبٍ، ثم صاح في استنكارٍ:


-ولما خدتي حقك دايرة تشتكي ليه؟


-بسوي دراما وكده.


كتم ضحكاته، ثم هتف وهو يشير لها بيده؛ حتى تنهض:


-طب قومي يا بلوة نفطر سوا، وأهو بالمرة أقولك على الموضوع اللي عايزك فيه.


نهضت سائرة خلفه بطاعةٍ، وراحت تردد في فضولٍ:


-موضوع إيه؟


لم يأتها رد، فراحت تكرر بلا ملل:


-موضوع إيه... موضوع إيه... موض..


قاطعها بصوتٍ عالٍ وهو يجلس على كرسي السفرة:


-بس بس إنتِ مبتفصليش، ما قولت هقولك أما نقعد نطفح.


لوت شفتيها بغيظٍ، ثم جلست على الكرسي المقابل له، والتهمت عدة لقيمات من الجبن، بينما هو يأكل بلا شهية وهو يتفحصها بنظراته يحاول تخمين إن كانت ستقبل بعرضه أم لا؛ لذا لم ينتظر وهتف بتريثٍ:


-لو قولتلك في شغلانة حلوة عايزك تعمليها، وليكي فيها فلوس كويسة كمان، إيه رأيك؟


توقفت عن مضغ الطعام لترتكز نظراتها عليه تحاول سبر أغواره، فصاحت وقتها بريبةٍ وهي ترتشف عدة رشفات من كوب الماء الذي كان أمامها:


-شغلانة إيه دي؟


حادثها ببساطةٍ بعدما عقد أصابعه:


-نفس شغلك مفيش جديد.


تركت الكوب وأخفضت بصرها بخجلٍ، ثم هتفت بتلعثمٍ، وكأنه واجهها بحقيقة لا تعلمها:


-إ...إز...إزاي؟


كز على أسنانه ومن بينهما همس:


-"سلمان".


انعقد حاجبيها على ذكر اسمه، وتذكرت في الحال هويته، فتساءلت بتشككٍ وهي تتمنى بداخلها ألا يكون ما مر ببالها حقيقيًا:


-ماله؟


-هتعملي معاه الحاجة اللي بتعمليها مع أي زبون، إيه اللي ماله؟


تجهمت ملامحها بألمٍ حقيقي راودها بسببه لأول مرة بتلك الصورة، لطالما كان فجًا وفظًا معها، ولكن تلك المرة ما كان سوى جلادٍ لا يرحم بسوط كلماته، شعرت بالدونية وبالاحتقار تجاه حالها، كان يخاطبها وكأنها نكرة لا قيمة لها، يطلب منها أن تكون أداةً لانتقامه الذي ستتيقن منه الآن؛ لذا همست بدهاءٍ وهي تحاول التخلص من صوتها المختنق:


-هترازي فيه في علاقته مع مراته عن طريقي، مظبوط؟


ألقى نظرةً خاطفة على هاتفه الذي ظهر ضوؤه بغتةً؛ بسبب تلك الرسالة التي أتته، فتفحص الرسالة سريعًا قبل أن يرد عليها بهدوءٍ:


-أيًا كان السبب، المهم بالنسبالك إني هديلك فلوس مكنتيش تحلمي تاخديها في ولا مرة.


ثم أكمل بمزاحٍ وهو يظن نفسه ذا ظلٍ خفيفٍ عليها، بينما هي تستقبل كلماته بضيقٍ احتل صدرها لتنسحب أنفاسها منها بلا رحمة:


-وأهو تبعدي عني بدل ما "خاطر" يهزق فيكي وفيا كل شوية.


أومأت له عدة مرات والجزع يتشكل بوضوحٍ على ملامحها، فاختفت بسمته ليتساءل بتعجبٍ:


-هو أنا ضايقتك في حاجة يا "نجوان"؟


تململت في جلستها بلا راحة ورددت بلا شعورٍ:


-ف... فكرتك غيرهم.


-يعني إيه غيرهم؟


رفعت بصرها ناحيته ونظرت في عينيه مباشرةً، ثم هزت رأسها نافيةً عدة مرات، لتبتسم بعدها بمجاملةٍ هاتفةً بـ:


-ولا حاجة الواحد بيخطرف باين، نومي أصلي مش متظبط الفترة دي.


هز رأسه بتفهمٍ، ثم وجدها تنهض من على كرسيها لتتأهب للذهاب، فتساءل هو بذهولٍ:


-رايحة فين؟


-عندي شغل، مضطرة أمشي، ووقت ما تحب نبدأ اللي اتفقنا عليه أبقى تواصل معايا على التليفون.


وقبل أن تغادر قبض على معصمها يوقفها، ثم نهض ليهتف باستنكارٍ:


-إنتِ مش هتيجي تاني؟


ردت في غلٍ وعروق رقبتها تبرز:


-مش قولتلي نبعد عشان "خاطر"، وكده كده علاقتنا ملهاش معنى كل اللي رابطنا دلوقت الاتفاق ده وبس.


انصدم من رد فعلها الانفعالي، فدارت مقلتاه تتفحصان تعابير وجهها العصبية ليهمس بعدها بإيضاحٍ:


-أنا كنت بهزر.


التمعت العبرات بمقلتيها وراحت ترمقه باستعتابٍ صريحٍ، بينما هو يحاول فهم الخطأ الذي ارتكبه، أو سبب حساسيتها اليوم بتلك الصورة؛ لذا توقع حدوث أي شيء لا يعرفه ليسبب ذلك التغيير المباغت، فصاح هو وقتها باستفسارٍ:


-إنتِ حاصل معاكي حاجة خانقاكي كده طيب؟


نفضت ذراعها قبل أن تخونها الدموع، ثم قالت بحزمٍ وهي تنسحب بخطواتها مسرعةً:


-أنا لازم أمشي، عندي شغل.


تابعها وهي تغادر باستغرابٍ شديدٍ، ثم همس بنبرةٍ شبه مسموعة:


-مالها دي؟


*************


بالمساء.


دلف "يحيى" للمقهى، ثم بحث عنها بحدقتيه بنظراته السريعة، فتوقفت نظراته عليها ما إن وجدها، تقدم ناحيتها بخطواته، وما إن وصل إليها هتف مستفهمًا وهو يتأمل ملامح وجهها المكفهرة:


-طلبتي تقابليني ضروري ليه يا "فاتن"؟


-"فتون" حامل.


جلس بعدما عقد حاجبيه بدهشةٍ، فأخر معلوماته أنها عقيمة لا تستطيع الحصول على أطفال، ولكنه فضّل أن يخاطبها بنبرة عادية:


-مبروك.


ردت عليه بصوتٍ تغلفه قسوة مرعبة:


-ده مش كويس نهائي.


ثم أكملت ليتبين مدى حقارة نواياها:


-مش بعد كل الخطط اللي رسمتها دي تيجي في لحظة تهدلي كل حاجة.


تنهد "يحيى" بمللٍ، ثم قال بقلة حيلة:


-فاهم قصدك، كده مش كويس إن "سلمان" وهي يتطلقوا عشان الطفل، فخلاص بقى هنعمل إيه.


-لا طبعًا في حل.


طالعها بعدم فهم وصاح:


-حل إيه ده؟


وبكل برود هتفت بنبرة خبيثة تشبه فحيح الأفعى:


-اللي في بطنها ده هينزل..


                  الفصل الثالث عشر من هنا 

            لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة