رواية ذكراه الفصل الثالث عشر 13 بقلم رولا هاني


رواية ذكراه الفصل الثالث عشر 13 بقلم رولا هاني



.خارج حدود أخلاقياته


"وتغضب لما أقولك يوم يا ظالمني"


-يا ظالمني.


********


ضاق صدره عن احتواء أنفاسه مما وقع على مسامعه، وكأن الكلمات فقدت معناها، يشعر وكأن ما قيل ليس بمفهوم، تصلبت ملامحه أكثر وأكثر، وجف حلقه من فرط التوتر والصدمة، ثم راح يردد في استنكارٍ:


-إ... إنتِ قُلتي إيه يا "فاتن"!


وبمنتهى البرود أجابته بتعابير وجهها الثابتة:


-اللي سمعته.


ارتجفت شفتاه وراح يهمس بلا تصديق:


-هتعملي كده في أختك اللي فضلت سنين تتمنى وجود طفل!


قلبت أنظارها بمللٍ، ثم تساءلت بجمودٍ:


-خلصت؟


ثبت "يحيى" نظره عليها يحاول سبر أغوارها، ولكنه فشل كالمتوقع، فوجدها تستطرد مبررةً، وكأن هناك مبررًا لنواياها الشنعاء تلك:


-وجود طفل مش هيعمل أي حاجة غير إنه هيقوي "سلمان" عليا أكتر، وغير ده مش بعد ده كله أخلي "سلمان" يكسب كارت جديد يقدر يحارب بيه، ووريث كمان لو "فتون" جرالها أي حاجة يلهف هو وقتها من فلوس أبويا.


انقبض صدره من حقارتها، وظل يرمقها بازدراءٍ قبل أن يهتف بتهكمٍ بعدما وصله مقصدها:


-يعني عايزة تطيري "سلمان" عشان أختك لو جرالها حاجة إنتِ تبقي الوريث الوحيد ليها، ناقص كمان تقولي إنك هتتخلصي من أختك عشان تورثي في أبوكي لوحدك، ما أبوكي على حد علمي ملوش أي قرايب تانية، هو الصغير وأخوه الكبير مات ولا كان متجوز ولا مخلف.


اتسعت بسمتها عندما رأته يكشف خطتها الدنيئة جزءًا جزءًا، ثم عقبت موضحةً:


-والعكس صحيح، لو جرالي حاجة "فتون" وحدها تورث فيا، لكن "سلمان" وابنه يتمتعوا بفلوسي وفلوس أبويا... ده مستحيل، وآه صحيح... عيب يا "يحيى" لما تظن إني ممكن أأذي أختي.


هاجمها بلا تفكير وجسده ينتفض من فرط العصبية:


-إنتِ مريضة!... وهو إنتِ كده مش هتأذيها؟... الدنيا عمرها ما مشيت كده، الناس كلها بتتجوز وتخلف وعيالها بيورثوا فيها، حتى لو بينك وبين "سلمان" مشاكل إنتِ مالك دي فلوس أختك وهي حرة فيها.


تنهدت بعمقٍ تحاول كبح شرارات غضبها أثرًا لأسلوبه الفج معها، ثم قالت بصدقٍ ونبرتها تزداد نعومة:


-إنتَ الوحيد اللي ممكن أعديله الأسلوب ده يا "يحيى".


ثم تابعت بتنهيدةٍ أطول:


-إنتَ متعرفش إنتَ غالي عندي قد إيه.


لم تختفِ نظراته المشمئزة، وكاد أن ينهض مغادرًا المكان، ولكنها أوقفته بجديةٍ:


-استنى يا "يحيى".


تابعت بتعقلٍ وهي تنظر داخل عينيه مباشرةً:


-مصلحتنا واحد، إنتَ أكبر مستفيد من ضرر "سلمان"، ضرره هيخليه يختفي من حياتكم.


عقد حاجبيه بدهشةٍ وطالعها بتشككٍ، فأكدت له الأمر:


-أنا عارفة إنك عارف بأنه ابتدى يظهر في حياة مراتك، وفي الأغلب ده كان سبب تواجدك في الشركة من قريب، بل وممكن تكون علاقتهم متطورة أكتر بسبب ظهوره في حياتها، مجيته ليها قدام الشركة اللي بتشتغل فيها، وأنا واثقة إن في غيره وغيره، كل ده مش هيشفي غليلك قدامه إلا أذيته، ده غير إنه هيختفي من حياتكم وهنخلص منه.


استغلت هربه بحدقتيه منها، وهمهمت بمكرٍ وابتسامتها الشيطانية تزداد:


-وبعدها الدور على "سنا".


كان يكز على أسنانه بعنفٍ كاد يهشمها، يشعر وكأن الضعف يعبث به ليظهره في تلك الحالة أمامها، يشعر بالحرج، والخجل، والألم، كل تلك المشاعر راودته بسبب عشقه الأعمى لزوجته، ولوهلة باغته اهتياجٌ جَمٌّ ناحيتها؛ لذا حاول السيطرة على أنفاسه واستيعاب مدى محاولات "فاتن" في إقناعه بطرقها الخبيثة، وصاح بهدوءٍ ظاهريٍ:


-مش هشارك في الجريمة دي يا "فاتن"، مش هاجي على أخر الزمن أحرم أم من ابنها اللي فضلت تتمناه عمرها كله.


ثم نهض وانسحب بخطواتٍ مسرعةٍ كمن يسير فوق الجمر، ولكن صوتها أتى من خلفه ليوقفه:


-دور الكلام في دماغك يا "يحيى"، وأنا هعتبر نفسي مسمعتش رأيك دلوقت، وهستنى كلمتك.


كور قبضته بقسوةٍ وهز رأسه يحاول نفض أفكارها المسمومة منه، ثم أكمل سيره بعندٍ، بينما هي تبتسم من خلفه بثقةٍ عجيبةٍ، وكأنها تتوقع رده المستقبلي بلا شك!


**********


تمايلت بخصرها بغنجٍ كالإنسان الآلي، لا تشعر بما تفعله، وكأن عقلها بات في مكانٍ، وجسدها بات في مكانٍ آخر، ظلت تتراقص وفي رأسها تدور قسوة ما تلقته، في النهاية يستخدمها أداةً لانتقامه، في النهاية يرآها عاهرةً كغيره، في النهاية هي شيء لا قيمة له، شيء يعبث به القدر كما يشاء، وبغتةً أخرجها ذلك الصوت الخشن من شرودها، والصادر من ذلك الرجل الخمسيني الذي تمدد على الفراش يشاهد قدها المياس بشهوةٍ ونهمٍ:


-جرى إيه يا "نجوان"؟... دماغك مش فيكي ليه؟


انتفضت تتوقف عن الرقص، فشق ثغرها بسمة مرتجفة وهي تقول بدلالٍ:


-ما أديني معاك، هكون روحت فين ياخويا!


-طب كملي رقص يا روح أمك، وخليكي معايا أنا وبس.


أومأت بلا تفكير وبلا نقاش، فقد خارت قواها لدرجة فقدانها لقدرة الجدال أمام إهانتها أو تلقيها لأسلوب غير لائق، ثم راحت تكمل رقصها وتمايل جسدها باحترافيةٍ؛ لتحاول تجنب بطش وغضب من أمامها، ولكن كان لعقلها المفرط في التفكير رأي آخر.


***********


صباح اليوم التالي.


-مستر "يحيى" في حد برا عايز يدخل يقابل حضرتك.


قالتها تلك الفتاة التي دلفت لمكتبه وهي تحمل الأوراق بين يديها تتفحصهم بين حين وآخر، فتساءل هو في الحال:


-حد!... حد مين؟


-مرضيش يقول.


-طب دخليه.


توارت عن أنظاره، فتعلق بصره بالباب ليجد آخر من توقعه يلج للداخل بخطاه الثابتة التي تقدمت ناحيته وكأن شيئًا لم يكن.


-إنتَ إيه جابك هنا؟... جاي تتضرب هنا كمان؟


قالها "يحيى" بمقتٍ والكراهية تشع من عينيه، بينما "سلمان" يبتسم بصورة ثلجية وهو يجلس على الكرسي المقابل لمكتبه، ثم وجده يرد عليه بهدوءٍ أثار استفزازه أكثر:


-جاي أتكلم معاك زي الناس يا "يحيى".


-مفيش كلام بيني وبينك، خد بعضك وامشي بهدوء بدل ما أفرج عليك الشركة كلها.


ارتسم على ثغره بسمة جانبية ساخرة وهو يهتف بزهوٍ:


-صاحب الشركة دي صاحبي أوي عايز أقولك، ما إحنا صحاب شركات بقى زي بعض.


تعالت قهقهات "يحيى" وهو يعقب على غبائه بصعوبةٍ من وسط ضحكه:


-يابني هو إنتَ بتحب تهزق نفسك، صاحب شركة إيه؟... تزغيط بط؟


تغاضى "سلمان" عن إهانته وتمسك بثباته، بينما "يحيى" يكمل بصلابةٍ لا يعرف من أين أتى بها:


-وبعدين يا ننوس عين مراتك مأذتنيش في شغلي ليه مادام صاحب الهلمة دي صاحبك.


رد عليه "سلمان" بشهامةٍ مصطنعةٍ وهو يلوح بيده في الهواء:


-مبحبش أأذي حد في أكل عيشه.


-تعالى دوغري، إيه اللي جابك هنا؟


تنهد "سلمان" وسحب نفسًا عميقًا، ولفظه بمهلٍ بعدما استوعب وصوله للجزء الأصعب، فبدأ كلامه بترقبٍ:


-أنا جاي أوضح نقط كتيرة حصلت الفترة الأخيرة و..


قاطعه "يحيى" بفظاظةٍ رافضًا استماع صوته البغيض:


-خد نقطك وحروفك واتكل من هنا طيب.


-أنا رجعت أظهر في حياتكم من نفسي يا "يحيى"، "سنا" ملهاش ذنب.


تشنج فكه بوضوحٍ واشتدت قبضته على القلم حتى ابيضت مفاصله، ثم ردد بصوتٍ مرعبٍ وهو يضغط على كلماته:


-قولتلك متنطقش اسمها على لسانك.


أكمل "سلمان" حديثه وكأنه لم يستمع لتعليقه من الأساس:


-هي ملهاش ذنب، أنا اللي حبيت أظهر تاني عشان... عشان وحشتني.


شمّر "يحيى" عن أكمامه، فرمقه "سلمان" بقلقٍ، بينما هو يشجعه قائلًا:


-كمل كمل أنا سامعك.


هبّ "يحيى" واقفًا، بينما "سلمان" يتابعه بارتباكٍ، وظل يقترب منه ليقبض فجأة على تلابيبه صائحًا بغلٍ:


-إنتَ شكلك بتحب التهزيق فعلًا.


-"يحيى" إنتَ اتجننت؟


أوقفه صوت مديره التحذيري الذي اقتحم الغرفة، فترك قميص "سلمان" بتوترٍ، بينما الرجل يتابع في توبيخٍ:


-إنتَ إزاي تتعامل كده مع "سلمان" بيه؟... إنتَ مش عارف ده يبقى مين؟


تنحنح "سلمان" بغلظةٍ، وهتف ببراءةٍ مزيفةٍ:


-حصل خير يا جماعة.


رد عليه الرجل باحترامٍ وهو يشير له للخارج، وفي المقابل نهض "سلمان" سريعًا ليخرج بالفعل معه هاربًا من ذلك الوحش الضاري الذي كاد يفتك به:


-اتفضل معايا يا "سلمان" بيه في مكتبي نشرب حاجة، وأهو بمثابة اعتذار مني عن اللي حصل ده.


تابعه المدير حتى توارى عن أنظاره، ثم نظر شزرًا لـ "يحيى" الذي وقف أمامه بغيظٍ، وصاح في حزمٍ:


-وإنتَ لسة حسابك معايا عشان تتعامل مع الناس المهمة كده تاني، عارف لو دول لغوا التعاملات معانا إيه كم الخساير اللي هتحصل للشركة؟


-يا فندم أنا...


قاطعه بسخطٍ وهو يخرج من المكتب:


-بلا فندم بلا زفت، مفيش أي مبرر للي حصل دلوقت، وحسابك معايا بعدين كده كده.


نفخ الهواء بضيقٍ وتابعه وهو يرحل، ثم ارتمى على الكرسي المتواجد خلفه، والتقط بعدها الهاتف الذي ضغط عليه عدة ضغطات عصبية قبل أن يضعه على أذنه صائحًا بإصرارٍ، وكأنه أُصيب للتو بعمى شرارة الانتقام:


-أنا موافق يا "فاتن".


ثم أكمل بلا مقدمات وكأنه يسرد خططًا دارت في ذهنه من قبل، ولكن ما منعه تردده، وربما أخلاقه التي غفا عنها في تلك اللحظة:


-في شوية تفاصيل هسألك عنها بمسدج، تشوفيها وبعدها تردي عليا عشان أشوف هعمل إيه.


ثم أغلق الخط بلا إعطائها أي فرصة للرد، وأعاد الضغط على هاتفه قبل أن يضعه مجددًا على أذنه هاتفًا بنزقٍ لم يستطع السيطرة عليه:


-"نجوان" عايزك كمان ساعتين تبقي عندي في اللوكيشن اللي هبعتهولك دلوقت.


*********


-ولا أي حاجة يا "مكرم" بيه، "يحيى" ده صاحبي وكنا جيران من زمان، وأنا وهو كنا بنهزر.


قالها "سلمان" يُعلِّل ما حدث بعدما وجد مدير "يحيى" يتوعده بلا هوادة، ثم هتف بتوضيحٍ:


-أنا بس كنت جايله مخصوص، وقولت أسلم عليك بردو، بس اسمحلي أستأذن بقى عشان ورايا شغل ومشاوير.


-إزاي بس يا "سلمان" بيه؟... ده إنتَ حتى مجيتش مكتبي!


-معلش خليها مرة تانية، أستأذن أنا.


قال "سلمان" جملته الأخيرة قبل أن ينسحب خارجًا من المكان بأكمله، وخلال سيره تجاه سيارته أخرج الهاتف من جيبه؛ ليضغط عليه عدة ضغطات قبل أن يضعه على أذنه صائحًا بامتعاضٍ:


-أنا روحت لـ "يحيى" يا "سنا".


أتاه ردها وهي تخاطبه في اكتراثٍ:


-طمني، حصل إيه؟


أجابها بعد تنهيدة طويلة:


-زي ما توقعت، الدنيا اتعكت أكتر.


أُثيرت حفيظتها وراحت تردد في حدةٍ:


-يعني إيه؟


وفي المقابل صاح هو باحتدامٍ وجسده يهتز من فرط الانفعال:


-متقطميش في أمي ووطي صوتك، أنا اللي عليا عملته وجيتله، مخدتش غير تهزيق وبهدلة قدام الناس اللي أنا بشتغل معاهم وقليت من نفسي، أكتر من كده معنديش.


ثم أكمل مهددًا بلا تساهل:


-وصدقيني يا "سنا"، أي حاجة هتعمليها تبوظ دنيتي اللي فضلت سنين أبنيها هنسى إن في يوم كان في بينا حاجة اسمها حب.


خاطبته في استسخارٍ وهي تضحك متهكمةً:


-حب مين يا أبو حب إنتَ صد...


قاطعها ليغلق الخط بوجهها، ثم غمغم بوجومٍ وهو يستقل سيارته لينطلق مبتعدًا عن المكان:


-غوري ده إنتِ ندابة.


*********


جلست إلى جواره بسيارته، وقد كساها حالة من الصمت أصابته بالاستغراب، فصاح "يحيى" بنفاد صبر:


-مالك إنتِ كمان؟


بللت "نجوان" شفتيها ونطقت بصوتٍ لا حياة فيه:


-مفيش يا "يحيى"، قولي عايزني في إيه.


رمقها بعدم فهم، فصاحت هي بحيويتها المعهودة - عمدًا - تحاول التخفيف من حدة الموقف، مشيرةً للمبنى المتواجد أمامها:


-إنتَ بقى شغال في الشركة الحلوة دي.


تعالت ضحكاته، ثم هتف بتعسرٍ من وسطها:


-بقى بيوحشني عبطك ده كل يوم والله يا "نجوان".


ثم تابع بعفويةٍ:


-بيخفف عني العبث اللي بيحصل في حياتي.


تأملت ضحكته، أو بالأدق وسامته التي تزداد عند الابتسام، كان جميلًا بحقٍ، كم رأت "سنا" حمقاء لعدم رؤيتها لتلك النعمة الكامنة بين يديها، رجل حنون، طيب، كافة صفات الرجل المثالي متواجدة به، يا ليتها امتلكت رجلًا مثله، ليت الحياة أعطتها فرصة ولو لمرة مع مثله.


-سرحتي في إيه؟


انتفضت بغتةً على صوته، وهمست بإيضاحٍ:


-لا ولا حاجة، قولتلي كنت عايز إيه؟


انطلق بسيارته عن قصدٍ؛ تجنبًا لرؤية موظفي الشركة التي يعمل بها وجوده معها، ثم ردد بنبرةٍ عاديةٍ وهو ينعطف بسيارته لليسار:


-أنا تحركات "سلمان" هتوصلي أول بأول بعد كده، فـ وقت ما هقولك تظهريله في الصورة هتظهريله.


ثم أردف وتعابير الاشمئزاز تحتل قسمات وجهه، بينما كان يصف سيارته بأحد الشوارع الخالية من المارة ومن السيارات:


-ومتقلقيش هو مش هيتعبك، هو ليه في العك عامةً.


كانت كلماته مباشرةً وقاسيةً كالخناجر تندفع بلا هوادة إلى قلبها الكسير، انسحبت أنفاسها من بين رئتيها، وظلت تراقبه وهو يتابع حديثه بمنتهى البساطة، وكأنه لا يشعر بما يجول في خاطرها:


-هيحصل اللي هيحصل بينكم، وهيبقى معاكي كاميرا صغيرة كده، قبل ما يحصل أي حاجة عايزك تثبتيها في حتة من غير ما يعرف، وبس كده مهمتك خلصت.


صاحت محتجةً بصوتٍ مختنقٍ بالبكاء، ولكنه لم يلحظه:


-كاميرا!... أكيد لا طبعًا أ..


قاطعها مطمئنًا إياها، وكأنه يتوقع كامل اعتراضاتها:


-وشك مش هيبقى باين متقلقيش، هبعت الفيديو لمراته وهو بس اللي هيبقى باين.


أومأت له عدة مرات، ثم همست بشفتين مرتجفتين:


-اشمعنى؟


-اشمعنى إيه؟


-اشمعنى أنا؟


اعترته الربكة من سؤالها المباغت، وراح يجيبها بتلعثمٍ وهو يرمقها بقلقٍ؛ بسبب حساسية الأمر:


-ي... يعني عشان إنتِ مناسبة وأنا مش هلاقي حد زيك يقدر ينفذ ده، حد...


قاطعته مبتسمةً بمرارةٍ والعبرات تشق طريقها على وجنتيها:


-شمال، مش كده؟


هبط بنظراته للأسفل يتهرب منها، ثم هتف بلومٍ يحاول الخروج من ذلك المأزق:


-متحسبيهاش كده.


كفكفت عبراتها ثم هتفت بقهرٍ:


-لا يا "يحيى" مفيهاش بحسبها ومش بحسبها، هي كده وأنا وإنتَ عارفين ده.


لم يكن يظن أن الأمر سيكون مهينًا لها بتلك الصورة؛ لذا فكر جديًا في الانسحاب، ولكن عقله رفض الأمر رفضًا قاطعًا، فصاح بمراوغةٍ:


-لا يا "نجوان" متحسبيهاش كده، إنتِ مجرد بتقدميلي مساعدة، إنتِ أكتر حد عارف "سلمان" أذاني إزاي، وأنا محتاجك تخليني آخد بحقي منه.


استعطفها بأقذر الطرق، فرمقته وقتها بألمٍ مضاعفٍ، وهمست بطاعةٍ وهي تسيطر على دموعها بصعوبةٍ:


-حاضر يا "يحيى".


-وبعدين متقلقيش، الشغلانة دي هيطلعلك فيها فلوس حلوة أوي.


ارتسمت على ثغرها بسمةٌ جانبيةٌ ساخرةٌ، ثم خاطبته بصوتها المبحوح قبل أن تخرج من السيارة بأكملها:


-اتواصل معايا من خلال التليفون وقولي هقابله امتى وإزاي وفين، وأنا هنفذ وهتابع معاك.


تابعها وهي تغادر بلا مقدمات فظل يهتف بتعجبٍ:


-يا بنتي طب استني... استني حتى نتفق على الفلوس.


ولكنها رحلت بخطاها المسرعة، بينما هو من خلفها يضرب كفًا بكفٍ لا يفهم سبب رد فعلها، وكأنه غير واعٍ بمدى الظلم الذي سيقترفه بحقها وبحق غيرها بالمستقبل!


*********


بالمساء.


-إنتِ كنتي فين؟


قالها "عزام" بوجهٍ مكفهرٍ وهو يقترب من زوجته التي ولجت للشقة للتو، ثم تابع باحتدادٍ:


-أنا موجود هنا من بدري، كنتي فين كل ده؟


ارتجفت شفتاها وبررت بتوترٍ وهي تحاول التوقف عن فرك راحتيها بعنفٍ:


-أ... أنا كنت بجيب شوية حاجات للبيت، وكنت سايبة "لؤي" نايم، و...وم... ومتأخرتش ده هي ساعة.


تأمل كنزتها الضيقة والمفتوحة الأزرار ليظهر من أسفلها جسدها بصورة غير لائقة، فكشر عن أنيابه، وغامت ملامحه وهو يهدر بنبرة دبت الارتعاد في قلبها:


-إنتِ كنتي نازلة كده الشارع؟


تلاحقت أنفاسها، وراحت تغلق الأزرار بارتباكٍ جمٍ، فأغلقتها بصورةٍ خاطئةٍ، بينما هو يستطرد بنزقٍ:


-ومقفلتيهوش قبل ما تتهببي تنزلي ليه؟... ولا كنت مستنية تفرجي الشارع كله على جسمك.


تحدثت بصدمةٍ بعدما ترقرقت الدموع بعينيها:


-إيه اللي إنتَ بتقوله ده؟... أنتَ اتجننت؟


قبض على خصلات شعرها بعنفٍ جعلها تصرخ متأوهةً، ثم صاح بعصبيةٍ وهو يهزها بغلٍ:


-بلاش اللهجة دي معايا، متبقيش غلطانة وتتكلمي.


هزها أكثر وصرخ مهتاجًا:


-فـاهمـة؟


ظلت "إنجي" تردد بهستيريةٍ وهي تذرف العبرات بقهرٍ:


-ح... حاضر حاضر.


نظر في مقلتيها مباشرةً وخاطبها بتحذيرٍ:


-المنظر ده متنزليش بيه تاني.


تلمست كفه القابض على خصلاتها بتلك الصورة العنيفة، وهمست برجاءٍ ودموعها تنهمر أكثر:


-كفاية يا "عزام" عشان خاطري.


تركها وهو يزدرد ريقه بربكةٍ، بينما هي تكمل بتوسلٍ ونحيبها يتعالى:


-كفاية سنين وأنا مستحملة المرار والظلم ده ارحمني.


ثم تابعت وجسدها يرتجف بقوةٍ، لتشعر وقتها وكأنها على حافة الانهيار:


-قبلت أعيش وأكمل وحطيت جزمة في بؤي عشان خاطر ابني اللي مليش غيره في الدنيا، كفاية بقى حرام عليك.


قالت كلماتها الأخيرة وهي تضع كلا كفيها على وجهها، فاقترب هو في الحال منها واحتضنها بين ذراعيه كتصرف نقيض ما كان يفعله منذ قليل، وكأنها مجبرة على التكيف مع هذه التناقضات الغبية.


ابتعدت عنه بنفورٍ بدا بصورةٍ ملحوظةٍ على قسماتها، ثم رمقته بعتابٍ قاسٍ تهرب هو منه في الحال ونظر أرضًا، بينما هي تنسحب راكضةً ناحية غرفة ابنها، والذي تمنت أن يكون نائمًا ولم يستمع لذلك الشجار الحاد.


*********


كان يسير بالشوارع بلا وجهة، كان يبتغي أن يبقى بمفرده بعيدًا عن الجميع، عن زوجته، شقيقتها الحمقاء، "سنا" التي أصبحت تنغص عليه يومه!


سار "سلمان" شاردًا لا يرى أمامه سوى أفكاره المتزاحمة، ومصيره الذي بات مجهولًا، ومستقبله الذي أصبح يخشاه، وأكثر ما ارتعب منه وسط كل هذا... "فاتن"، بطشها لا تهاون معه، والوقوع بغياهبها مخيف، يشعر بغدرها القريب، ولكن لا يتوقع متى وأين وكيف.


وبغتةً اصطدمت به فتاة بقوةٍ جعلته يرتد للخلف، فرفع عينيه بها ليجدها توبخه قائلةً بحدةٍ:


-جرى إيه يا أخينا؟... مش تاخد بالك أمال؟


تأمل ملابسها الفاضحة، وتلقائيًا ارتسمت على ثغره بسمة جشعة، ليهتف وقتها بلا مقدمات:


-ألا الجميل اسمه إيه؟


-"نجوان" يا نن عين الجميل...



                  الفصل الرابع عشر من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة