رواية كبيرهم الفصل العشرون 20 بقلم سهر أحمد


رواية كبيرهم الفصل العشرون 20 بقلم سهر احمد





«لجين اختفت... والسالمي اتّهموا بخطفها، لكن أول دم نزل كان من جوّه عيلة النجار!»

كانت النار الصغيرة لسه مولعة فوق التل البعيد، بتظهر وتختفي مع حركة الهوا، لكن بالنسبة لجابر ما كانتش نار عادية.

كان واقف في نص الطريق، عينه ثابتة عليها، وعصاه في إيده، والرجال حواليه بيتحركوا بعصبية، وكل واحد مستني كلمة منه عشان يعرف هيعمل إيه.

آدم كان واقف جنبه، ورائد على الناحية التانية، ويوسف وحسان وبدران وناجي خلفهم.

أما الخبر اللي وصل قبل ثواني، فكان كفيل يقلب النجع كله:

عربية لجين اتلاقت عند أول أرض السالمي.

فاضية.

من غير لجين.

ومن غير صابر.

ومن غير أي تفسير.

رائد كان أول واحد اتحرك.

قال بصوت مخنوق بالغضب:

— أنا داخل أرض السالمي.

جابر مسكه من ذراعه بقوة.

— هتدخل تعمل إيه؟

رائد شد ذراعه.

— أدور على بنتي.

جابر بص له بثبات.

— ولما تدخل، رجال السالمي هيشوفوك داخل أرضهم بعد ما وصلهم إن النجار بيتهمهم بخطف لجين... فاكر هيستقبلوك بإيه؟

رائد سكت لحظة، لكن الغضب كان بيغلي في عينيه.

— مش فارقة.

جابر قرب منه.

— تفرق يا رائد. تفرق لأنك مش رايح لوحدك، إنت شايل وراك اسم عيلة كاملة. خطوة غلط منك ممكن تخلي واحد من رجالتك يرفع سلاحه، وواحد من رجالة السالمي يرد، وساعتها مش هنكون بندور على لجين... هنكون بندور على مين يدفن اللي مات.

رائد بص له بحدة.

— وإنت عايزني أعمل إيه؟ أقف أتفرج؟

جابر رد بهدوء:

— لأ. عايزك تفكر.

رائد ضحك بسخرية.

— أفكر؟ لجين مخطوفة، وصابر اختفى، وعربية بنتي اترمت عند أرض السالمي، والنجع كله دلوقتي فاكر إنهم اللي أخدوها، وإنت بتقولي أفكر؟

جابر رفع صوته لأول مرة:

— أيوه! لأن الغضب هو أكتر حاجة اللي عمل كده عايزها في اللحظة دي!

ساد الصمت.

آدم بص لجابر.

آدم:

— يعني إنت متأكد إن العربية اتسابَت هناك عمدًا؟

جابر:

— مش محتاج أكون متأكد. اللي عايز يخفي بنت يخفيها، واللي عايز يولع بين عيلتين يحط دليل قدام عين الناس.

بدران اتكلم من وراهم:

— مش مجرد دليل.

الكل بص له.

بدران كمل:

— دي طُعم.

رائد:

— طُعم لمين؟

بدران:

— لكل واحد مستني يشوف مين هيضرب الأول.

آدم قرب منه.

— إنت عارف أكتر مما بتقول يا بدران.

بدران بص له.

— وأنا مش ههرب من الكلام المرة دي.

يوسف اتدخل:

— بدران...

بدران رفع إيده.

— سيبني يا يوسف.

ثم نظر إلى آدم.

— أبوك سلّمني ليك وأنت طفل، لكن اللي طلب مني أحميك ما كانش يوسف لوحده.

آدم عقد حاجبيه.

— مين؟

بدران نظر ناحية جابر.

جابر سكت.

بدران قال:

— جابر.

آدم بص إلى جابر.

— إنت؟

جابر أخذ نفسًا طويلًا.

— أيوه.

آدم:

— يعني إنت اللي كنت ورا بدران؟

جابر:

— كنت وراه، وكنت قبله.

آدم:

— قبله إزاي؟

جابر اقترب منه.

— بدران كان واحد من رجال أبويا منصور زمان. مش مجرد رجل من رجاله، كان من الناس اللي منصور كان بيثق فيهم لما الموضوع يبقى أكبر من الأرض والمال. ولما بدأت المشاكل القديمة تكبر، منصور طلب مني أستخدم بدران في حاجة واحدة... حماية آدم.

بدران أكمل:

— جابر ما سلمنيش آدم عشان أخبيه عن أهله. سلمنيه عشان يبعده عن ناس كانت بتدور عليه.

آدم:

— وليه جابر ما كانش قادر يحميني بنفسه؟

جابر رد بصوت منخفض:

— لأن اللي كان بيدور عليك كان عارف بيتي، وعارف اسمي، وعارف كل خطوة بتحصل جوا بيت منصور. لكن بدران كان يقدر يتحرك من غير ما حد يربط بينه وبينك.

آدم:

— وإنت فضلت معايا أول سبع سنين؟

بدران:

— أيوه.

آدم:

— وبعدها؟

بدران:

— سلمتك لجابر.

آدم بص لجابر.

جابر قال:

— ومن يومها بقيت أنت ابني قدام الناس، وابن أخويا في الحقيقة، والولد اللي كان لازم يفضل عايش مهما كان الثمن.

آدم سكت.

لأول مرة من وقت طويل، الكلام ما كانش بيفتح باب سر جديد قد ما كان بيربط أبواب قديمة ببعض.

لكن رائد قطع الصمت:

— الكلام ده كله يتأجل. لجين فين؟

حسان رفع عينه ناحية النار.

— لو الإشارة دي معناها اللي أنا فاكره، يبقى المكان اللي كانت فيه لجين مش بعيد.

رائد التفت له.

— تعرفها؟

حسان:

— زمان، قبل ما تختفي أختك... كانت فيه طريقة معينة بيستخدموها لإرسال إشارات من غير كلام.

رائد:

— مين كان بيستخدمها؟

حسان سكت.

رائد قرب منه.

— سألتك مين؟

حسان قال:

— رجال كانوا بيشتغلوا حوالين بيت منصور.

جابر بص له.

— مش رجال عيلة النجار.

حسان هز رأسه.

— ولا السالمي.

آدم:

— أمال مين؟

حسان:

— ناس كانوا بيتحركوا بين العيلتين، يدخلوا هنا ويخرجوا هناك، وكل واحد فيهم كان شايل جزء من الحكاية ومش عارف الصورة كاملة.

بدران قال:

— وكان بينهم واحد.

جابر بص له بسرعة.

— بدران.

بدران:

— لازم يعرفوا.

جابر:

— مش دلوقتي.

بدران:

— دلوقتي بالذات.

ثم نظر إلى رائد.

— الشخص ده كان يعرف سالم.

رائد اتغيرت ملامحه.

— سالم أبويا؟

بدران:

— أيوه.

رائد:

— وكنت تعرفه؟

بدران:

— شوفته أكتر من مرة.

رائد:

— ليه ما قلتليش؟

بدران:

— لأنك لو عرفت اسمه من عشر سنين، كنت هتدور عليه قبل ما تكون مستعد.

رائد:

— واسمه؟

بدران لم يجب.

جابر قال:

— الاسم ده مش وقته.

رائد صرخ:

— كل مرة مش وقته! كل مرة فيه حاجة مستخبية! كل مرة حد يقول استنى! أنا فقدت أبويا سنين، ولجين اتخطفت، والنجع كله واقف على حافة حرب، وإنتوا لسه بتقولوا مش وقته!

جابر ثبت عينه فيه.

— لأن فيه أسرار لو خرجت في الوقت الغلط، مش هتجيب حق لجين... هتجيب موتها.

الكلمة نزلت على رائد كأنها صفعة.

هدأ قليلًا.

ثم قال:

— طيب نعمل إيه؟

جابر:

— أول حاجة، محدش يروح أرض السالمي.

ناجي، الذي كان واقفًا بعيدًا، تدخل:

— متأخر.

الجميع التفت له.

ناجي أشار ناحية الطريق.

— رجال النجار بالفعل اتحركوا.

رائد:

— مين؟

ناجي:

— مجموعة من شباب العيلة. وصلهم خبر إن عربية لجين اتلاقت هناك، وفيه ناس قالوا إنهم شافوا حركة عند مخازن السالمي.

جابر ضرب الأرض بعصاه.

— مين بلغهم؟

ناجي:

— ده السؤال.

آدم قال:

— الخاطف.

بدران هز رأسه.

— مش بالضرورة بنفسه.

آدم:

— قصدك إيه؟

بدران:

— فيه فرق بين اللي بيحرك الناس واللي بينقل لهم الخبر. الليلة دي فيها أكتر من إيد.

يوسف قال:

— وده معناه إن الخاطف مش لوحده.

حسان:

— ولا لازم يكون من بره.

جابر رفع عينه.

— قولها.

حسان:

— لو حد عايز يشعل الدم بين النجار والسالمي، لازم يكون عارف عادات العيلتين، ولازم يعرف مين أسرع واحد هيغضب، ومين هيصدق أول إشاعة، ومين هيتحرك من غير ما يسأل.

رائد:

— يعني واحد من جوّه.

جابر:

— أو واحد عاش بينا فترة طويلة.

بدران قال بهدوء:

— أو واحد من الدم.

سكت جابر.

آدم لاحظ التغير في وجهه.

— إنت عارف مين؟

بدران:

— عندي شك.

آدم:

— في مين؟

بدران:

— لو قلت الاسم وأنا غلطان، ممكن أقتل بريء.

رائد:

— ولو سكت؟

بدران بص له.

— ممكن يموت ناس كتير.

---

في الناحية التانية من النجع، كان رجال السالمي متجمعين قدام البيت الكبير.

الخبر وصلهم قبل ما يوصل رائد نفسه.

«النجار بيقولوا إن السالمي خطفوا لجين.»

الجملة كانت كفاية تشعل الغضب.

واحد من الرجال قال:

— إحنا لازم نرد.

صابر مش موجود.

رائد مش موجود.

والكل مستني كلمة.

خرج أحد كبار رجال السالمي وقال:

— إحنا ما نخافش من النجار.

رجل آخر رد:

— ولا هنسيبهم يدخلوا أرضنا.

وفجأة ظهر رائد.

دخل بينهم بخطوات سريعة.

كل العيون اتجهت إليه.

الرجل الكبير قال:

— يا رائد، رجال النجار قربوا.

رائد:

— محدش يضرب.

— بس هما بيتهمونا بخطف لجين!

رائد:

— وأنا عارف إننا ما خطفناهاش.

الرجل:

— وإنت متأكد؟

رائد نظر إليه بحدة.

— لو كنت شاكك في رجالة عيلتي، كنت أول واحد وقفت قدامهم. لكن أنا عارف رجالي.

ثم رفع صوته:

— اسمعوني كويس. أي واحد يرفع سلاحه من غير أمري، مش هيكون بيحمي السالمي... هيكون بيخدم اللي خطف لجين.

الرجل:

— ولو النجار بدأوا؟

رائد:

— جابر مش هيبدأ.

الرجل:

— ولو شباب النجار ما سمعوش كلام جابر؟

رائد:

— ساعتها أنا هقف بينهم وبين السلاح.

صوت من آخر الرجال قال:

— وإنت هتوقف قدام عيلتك عشان بنت النجار؟

رائد التفت.

— أنا هقف قدام أي حد عشان بنتي.

ثم أضاف:

— ولجين حتى لو الناس شايفاها من عيلة النجار، هي بنتي أنا قبل أي اسم. واللي خدها عايزني أكره النجار، لكنه مش هيعرف.

الرجل قال:

— بس دمك معاهم قديم.

رائد رد:

— وعشان كده أنا عارف قيمة الدم. الدم مش كلمة بنقولها وقت الغضب. الدم روح، ولما ينزل على الأرض مش بيرجع تاني.

سكت الرجال.

لكن من بعيد، جاء صوت طلقة.

واحدة.

ثم أخرى.

رائد رفع عينه.

— مين ضرب؟

لم يرد أحد.

ثم دخل شاب يجري.

— يا رائد!

رائد:

— اتكلم.

الشاب:

— عند أرض النجار حصل اشتباك.

رائد:

— مين بدأ؟

الشاب تردد.

— محدش عارف.

رائد:

— في إصابات؟

الشاب:

— واحد من رجال النجار اتصاب.

رائد أغمض عينه.

ثم قال:

— بدأت.

---

في نفس اللحظة، كان جابر قد وصل إلى أرض النجار.

وجد الرجال مجتمعين، والغضب في الوجوه.

أحدهم صرخ:

— يا حاج جابر، واحد من رجالتنا اتضرب!

جابر:

— مين؟

— حمزة.

جابر قرب منه.

— حالته؟

— عايش، بس الرصاصة دخلت في كتفه.

جابر نظر إلى الأرض.

كان فيه ظرف فارغ.

التقطه.

يوسف اقترب.

— رصاصة منين؟

جابر:

— مش مهم دلوقتي.

آدم:

— لأ، مهم.

آدم انحنى، أخذ الظرف من يد جابر، وتأمله.

— دي مش رصاصة صيد.

حسان:

— يعني؟

آدم:

— سلاح متجهز.

جابر:

— وده معناه إن اللي ضرب ما كانش بيخوفهم.

بدران:

— كان بيختبر رد الفعل.

آدم:

— يعني عايز يعرف النجار هيردوا إزاي.

بدران:

— بالضبط.

وفجأة سمعوا صراخًا من ناحية البيوت.

رجل جاء يجري.

— يا كبيرهم!

جابر:

— إيه تاني؟

الرجل:

— أهل حمزة بيقولوا إن اللي ضربوه كانوا من السالمي.

رائد وصل في نفس اللحظة.

— كدب!

الرجال اتلفتت له.

رائد:

— أنا لسه جاي من عند السالمي، ومحدش من رجالي طلع بأمر مني.

واحد من شباب النجار صاح:

— وإنت بتدافع عنهم ليه؟

رائد اقترب منه.

— عشان أنا عارف إن فيه حد عايزنا نقتل بعض.

الشاب:

— ولو ما كانوش هم؟

رائد:

— يبقى هنثبت ده.

الشاب:

— وإزاي؟

رائد بص له.

— مش بالرصاص.

جابر تدخل:

— كفاية!

ثم نظر للرجال.

— اللي حصل النهارده مش هيتحل بسلاح. كل واحد يرجع بيته.

لكن رجلًا مسنًا من العيلة تقدم.

— يا حاج جابر، أنا احترمتك سنين، لكن النهارده بنت من بنات العيلة اتخطفت، ورجل من رجالنا اتصاب، وإنت لسه بتقول ارجعوا بيوتكم؟

جابر رد:

— عشان اللي قدامنا مش خصم عادي.

الرجل:

— أمال مين؟

جابر سكت.

الرجل:

— قول يا كبيرهم.

جابر رفع عينه.

— واحد عارفنا أكتر ما إحنا عارفين بعض.

الصمت ساد المكان.

ثم قال:

— واحد عارف إن خطف لجين هيخلّيكم تشوفوا السالمي أعداء.

رائد بص لجابر.

جابر كمل:

— وعارف إن أول رصاصة هتخلّي السالمي يشوفوا النجار أعداء.

آدم:

— وعارف إننا هننسى سجل الدم.

حسان:

— وده أخطر جزء.

جابر:

— لأن طول ما إحنا بنتخانق، هو عنده وقت يدور على اللي عايزه.

رائد:

— وإيه اللي بيدور عليه؟

جابر نظر له.

— مش السجل.

آدم:

— الشخص.

جابر لم يجب.

آدم فهم من سكوته.

— الشخص اللي السجل بيكشف أصله.

جابر:

— أيوه.

رائد:

— ومين الشخص ده؟

جابر:

— لو كنت أعرف، كان زماني وصلت له قبلهم.

بدران تدخل:

— إنت تعرف أكتر مما بتقول يا جابر.

جابر نظر له.

— وأنا أعرف إنك وعدتني ما تفتحش الباب ده.

بدران:

— الوعد انتهى يوم ما لجين اتخطفت.

جابر:

— بدران...

بدران:

— يا جابر، إحنا قضينا سنين نحرس أطفال ونخبي أسماء ونغير طرق ونسكت عن ناس ماتت وهي بتفكر إن السر اندفن. دلوقتي واحد رجع يحرك كل حاجة من تحت الأرض. لو فضلنا ساكتين، مش هنحمي حد.

جابر سكت.

ثم قال:

— أنت كنت واحد من اللي اختارهم منصور.

بدران:

— وإنت كنت واحد من اللي كملوا بعده.

جابر:

— أنا كنت بحاول أصلح اللي حصل.

بدران:

— وأنا كنت بحاول أحمي اللي ممكن يتصلح.

آدم وقف بينهم.

— كفاية.

ثم نظر إلى جابر.

— عايز أعرف حاجة واحدة.

جابر:

— إيه؟

آدم:

— مين أول واحد وقف جنب سريري وأنا طفل؟

جابر لم يرد.

آدم:

— نفس السؤال اللي اتبعت لك في الورقة.

جابر:

— آدم...

آدم:

— جاوب.

جابر ظل صامتًا.

يوسف كان ينظر للأرض.

حسان لم يتحرك.

حتى بدران سكت.

آدم فهم أن الصمت نفسه إجابة.

— إنت مش خايف من الاسم يا جابر.

جابر رفع عينه.

آدم كمل:

— إنت خايف من اللي هيحصل لو أنا عرفته.

---

وفي مكان بعيد عن النجع...

كانت لجين جالسة داخل الغرفة الحديدية.

إيديها لسه مربوطين، لكنها كانت أهدى من قبل.

من وقت ما دخلت المكان، وهي بتحاول تحفظ كل تفصيلة.

عدد الأبواب.

عدد الخطوات.

رائحة المكان.

الصوت اللي سمعته.

والأهم...

الصوت اللي ناداها باسم أمها.

الباب فتح.

دخل الرجل.

لجين رفعت عينيها.

— إنت.

الرجل:

— أنا.

لجين:

— ليه جبتوني هنا؟

الرجل:

— لأنك الوحيدة اللي تقدر تسمع حاجة أبوكي مش هيقدر يقولها.

لجين:

— حسان؟

الرجل:

— أيوه.

لجين:

— أبويا مالوش علاقة بحاجة.

الرجل ابتسم.

— كل واحد بيقول كده قبل ما يفتح سجل الدم.

لجين:

— أنا مش هفتح أي سجل.

الرجل:

— مش مطلوب منك تفتحيه.

لجين:

— أمال؟

الرجل اقترب منها.

— مطلوب منك تسألي حسان سؤال واحد.

لجين:

— إيه؟

الرجل انحنى وقال:

— ليه اسم أمك اتكتب في السجل؟

لجين سكتت.

ثم قالت:

— أمي ماتت وأنا صغيرة.

الرجل:

— يمكن.

لجين:

— يعني إيه يمكن؟

الرجل:

— يمكن اللي ماتت كانت واحدة تانية.

لجين حدقت فيه.

— إنت بتكدب.

الرجل:

— ممكن.

لجين:

— ومين إنت عشان تعرف؟

الرجل:

— أنا واحد شاف أمك ليلة كانت المفروض تختفي فيها.

لجين اقتربت منه رغم قيودها.

— كانت فين؟

الرجل لم يجب.

لجين:

— كانت في بيت منصور؟

الرجل رفع حاجبه.

لجين فهمت من نظراته أنها أصابت شيئًا.

— كانت هناك... صح؟

الرجل:

— إنتِ أذكى مما توقعت.

لجين:

— وإنت أغبى مما فاكر.

الرجل ضحك.

— لسه فيكي دم النجار.

لجين:

— أنا مش نجارية.

الرجل:

— الناس هي اللي قررت تكوني كده.

لجين:

— ورائد؟

الرجل:

— رائد هو اللي هيحرق النجع عشانك لو سيبناه.

لجين:

— لأ.

الرجل:

— إنتِ واثقة؟

لجين:

— رائد مش غبي.

الرجل:

— الغضب بيخلي أذكى الناس أغبياء.

ثم استدار ناحية الباب.

لجين قالت:

— استنى.

الرجل توقف.

— لو عايزني أصدق إنك عارف أمي، قول اسمها.

الرجل سكت.

ثم قال:

— ليلى.

لجين اتنفست بصعوبة.

الرجل خرج.

لكن قبل ما يقفل الباب، لجين لمحَت شيئًا على إيده.

خاتم قديم.

نفس الخاتم اللي كانت شايفاه في صورة قديمة لوالدتها.

عينها اتسعت.

— استنى!

الباب اتقفل.

لجين بصت للباب.

ثم همست:

— أنا شفت الخاتم ده قبل كده...

---

في نجع العزايزة، كانت الأمور بتخرج من إيد جابر.

رجال النجار تجمعوا.

ورجال السالمي تجمعوا.

والخبر انتشر أسرع من النار:

«السالمي ضربوا واحد من النجار.»

بعدها بدقائق:

«النجار بيتجهوا لأرض السالمي.»

ثم:

«السالمي مسلحين.»

ولا أحد كان يعرف من بدأ.

لكن الجميع كان مستعدًا للنهاية.

ناجي دخل على جابر.

— يا حاج.

جابر:

— قول.

ناجي:

— لو ما وقفناهمش دلوقتي، الصبح هنلاقي النجع كله متقسم.

جابر:

— عارف.

ناجي:

— وفيه حاجة تانية.

جابر:

— إيه؟

ناجي:

— الناس اللي عند أرض السالمي لقوا دم على التراب.

جابر رفع عينه.

— دم مين؟

ناجي:

— محدش عارف.

آدم دخل في اللحظة نفسها.

— دم لجين؟

ناجي:

— مش عارفين.

رائد سمع الجملة.

— لازم نروح.

جابر:

— لأ.

رائد:

— المرة دي مش هتوقفني.

جابر:

— وأنا مش بحاول أوقفك.

رائد:

— أمال؟

جابر:

— بحاول أخليك تشوف اللي تحت الدم.

رائد:

— مش فاهم.

جابر:

— لو الدم ده دم لجين، يبقى اللي خطفها عايزنا نفتكر إنها اتأذت على إيد السالمي.

آدم:

— ولو مش دمها؟

جابر:

— يبقى حد تاني اتصاب أو اتقتل عشان يثبت لنا رواية.

بدران:

— وفي الحالتين... فيه حد بيكتب لنا القصة قبل ما نوصل للمكان.

يوسف قال:

— لازم نروح بهدوء.

حسان:

— ومعانا حد يعرف الأرض.

رائد:

— أنا أعرفها.

ناجي:

— وأنا أعرف طرقها.

جابر:

— يبقى نروح أنا ورائد وآدم ويوسف وحسان وناجي وبدران.

آدم:

— والباقي؟

جابر:

— يفضلوا هنا.

رائد:

— ولو حصلت مشكلة؟

جابر:

— ساعتها هنعرف مين بدأ.

خرجوا.

كان الطريق مظلمًا.

والنجع كله ساكت بطريقة غريبة.

حتى الكلاب كانت تنبح من بعيد كأنها حاسة إن حاجة سيئة بتقرب.

وصلوا عند أول أرض السالمي.

رائد نزل من على حصانه.

ثم وقف.

قدامه كانت العربية بتاعة لجين.

الباب مفتوح.

الزجاج مكسور.

وفي الأرض...

آثار عجلات.

بدران انحنى.

— فيه عربية تانية وقفت هنا.

آدم:

— منين؟

بدران أشار إلى التراب.

— العجلتين دول أوسع.

ناجي:

— يعني العربية كانت أكبر.

يوسف:

— أخدوها بعربية تانية.

رائد فتح باب عربية لجين.

وجد شيئًا صغيرًا على المقعد.

سلسلة.

مد إيده وأخذها.

كانت عليها قطعة معدنية قديمة.

رائد بص لها.

— دي مش بتاعة لجين.

جابر اقترب.

أخذها منه.

ولما شافها...

وشه اتغير.

آدم لاحظ.

— إنت تعرفها؟

جابر لم يجب.

رائد:

— يا جابر؟

جابر ظل ساكتًا.

بدران أخذ القطعة من يده.

نظر إليها.

ثم قال:

— كنت خايف أشوف اليوم ده.

آدم:

— إيه دي؟

بدران:

— علامة.

آدم:

— علامة مين؟

بدران رفع عينه إلى جابر.

جابر قال بصوت خافت:

— العلامة دي كانت بتتعلق في رقبة رجل واحد.

رائد:

— مين؟

جابر:

— رجل كان حاضر ليلة اختفاء سالم.

رائد تجمد في مكانه.

— سالم؟

جابر:

— أيوه.

رائد:

— أبويا كان يعرفه؟

جابر:

— أكتر مما تتخيل.

رائد:

— اسمه إيه؟

جابر سكت.

رائد أمسكه من كتفه.

— اسمه إيه يا جابر؟

جابر بص له.

لكن قبل ما يتكلم...

صوت من خلفهم جاء في الظلام:

— أنا أقولكم.

الكل استدار.

صوت رجل مجهول:

— لأنكم لو فضلتوا مستنيين جابر... هتدفنوا نص النجع قبل ما تعرفوا مين بدأ الحكاية.

بدران رفع سلاحه.

آدم وقف أمام يوسف.

رائد اتقدم.

— اطلع.

صوت الرجل:

— مش لازم تشوفوني.

جابر صرخ:

— إنت!

الصوت ضحك.

— لسه فاكر صوتي يا جابر؟

جابر قبض على عصاه.

— كنت عارف إنك هترجع.

الرجل:

— وأنا كنت عارف إنك هتفضل ساكت.

رائد:

— مين ده؟

الرجل:

— اسأل جابر.

رائد:

— أنا بسألك إنت!

الرجل قال:

— اسمي مش مهم.

ثم أضاف:

— المهم إن اللي أخد لجين ما كانش بيدور عليها هي.

آدم:

— أمال كان بيدور على إيه؟

الرجل:

— على الطريق.

آدم:

— طريق إيه؟

الرجل:

— الطريق اللي تحت أرض السالمي... واللي بيوصل لبيت منصور.

جابر رفع عينه بسرعة.

— مستحيل.

الرجل ضحك.

— لسه فاكر إنك قفلت الطريق يا جابر؟

بدران همس:

— الطريق القديم...

حسان:

— اللي اتدفن بعد الحريق.

الرجل:

— ما اتدفنش.

ثم قال:

— اتقفل من ناحية... واتفتح من ناحية تانية.

رائد:

— ولجين؟

الرجل:

— لجين دلوقتي فوق المكان اللي بدأ فيه الدم.

آدم:

— فين؟

الرجل:

— تحت الأرض.

رائد رفع سلاحه.

— قول مكانها!

الرجل:

— لو عايزها ترجع، اسأل أبوها حسان عن أمها.

حسان رفع عينه.

— إنت مين؟

الرجل رد:

— أنا آخر واحد شاف ليلى وهي خارجة من بيت منصور.

ثم جاء صوت طلقة.

اختفى الصوت.

ركضوا ناحية المكان.

لكن ما كانش فيه أحد.

فقط ورقة صغيرة على الأرض.

آدم التقطها.

فتحها.

قرأ أول سطر:

«يا رائد... لجين مش في أرض السالمي.»

ثم قلب الورقة.

وفي ظهرها كانت جملة واحدة:

«هي في المكان اللي شهد أول دم بين أبوك وعيلة النجار.»

رائد رفع عينه.

جابر كان واقفًا بلا حركة.

آدم قال:

— جابر... إيه المكان؟

جابر لم يجب.

رائد اقترب منه.

— إيه المكان يا جابر؟

جابر أخيرًا رفع عينه.

وقال:

— الطاحونة.

بدران أغمض عينيه.

حسان قال:

— يبقى رجعنا لأول الحكاية.

يوسف نظر إلى آدم.

— والمرة دي... لجين جوه المكان اللي خبينا فيه أكبر سر.

آدم شد قبضته.

— هنطلعها.

جابر:

— هنطلعها.

رائد:

— ولو حد لمس شعرة منها...

جابر قاطعه:

— مش هنستنى نشوف مين هيكون.

ثم نظر إلى الطريق المظلم.

— هنروح قبل الفجر.

لكن قبل ما يتحركوا، وصل صوت هاتف رائد.

رقم مجهول.

رد.

— ألو؟

لم يأتِ رد.

ثم سمع صوت لجين.

ضعيفًا.

بعيدًا.

لكن واضحًا.

— رائد...

رائد تجمد.

— لجين! إنتِ فين؟

صوتها ارتجف:

— متيجيش لوحدك...

رائد:

— أنا جاي لك.

لجين:

— لأ...

ثم سكتت.

رائد:

— لجين! ردي!

جاء صوت الرجل نفسه من الهاتف:

— اسمعها كويس يا رائد.

رائد:

— لو لمستها...

الرجل:

— أنا مش اللي هيلمسها.

رائد:

— أمال مين؟

الرجل قال بهدوء:

— الشخص اللي واقف جنبها دلوقتي.

رائد صرخ:

— مين؟!

جاء صوت لجين مرة ثانية، لكن هذه المرة كانت تبكي:

— رائد...

ثم قالت جملة واحدة:

— الراجل اللي واقف هنا... أنا أعرفه.

وساد الصمت.

آدم قرب من رائد.

— قالت مين؟

رائد لم يرد.

ثم جاء صوت الرجل عبر الهاتف:

— واسأل جابر... هو كمان يعرفه.

انقطع الاتصال.

رائد رفع عينه ناحية جابر.

جابر كان شاحبًا.

آدم:

— مين الراجل يا جابر؟

جابر لم يتكلم.

بدران نظر إليه وقال:

— خلاص يا جابر.

جابر:

— خلاص إيه؟

بدران:

— الاسم خرج من الظل.

جابر رفع عينه.

بدران أكمل:

— واللي واقف جنب لجين دلوقتي... هو نفس الرجل اللي كنت بتحاول تمنع آدم من معرفة اسمه.

آدم شعر بقلبه يضرب بعنف.

— مين؟

جابر ظل ساكتًا.

ثم من بعيد...

اشتعلت النار فوق التل مرة أخرى.

لكن هذه المرة لم تكن ثلاث ومضات.

كانت إشارة واحدة طويلة.

بدران بص لها، ثم قال:

— هو وصل قبلنا.

رائد:

— مين؟

بدران نظر إلى آدم.

وقال:

— الرجل اللي ربّاك بعد بدران...

سكت.

ثم أضاف:

— والرجل اللي جابر دفن اسمه عشرين سنة.

وفي اللحظة نفسها، جاء صوت لجين من هاتف رائد، قبل أن ينقطع تمامًا:

— آدم... ما تثقش في جابر!

انطفأت الشاشة.

ورائد رفع عينه ناحية جابر.

وآدم وقف مكانه، لأول مرة مش عارف يبص لأبوه يوسف... ولا لجابر اللي ربّاه... ولا لبدران اللي حماه.

لأن السؤال اللي كان لازم يتجاوب في الحلقة الجاية بقى أخطر من كل اللي فات:

مين الرجل اللي واقف جنب لجين؟

وليه لجين تعرفه؟

وليه جابر كان بيدفن اسمه من عشرين سنة؟

والأخطر...

ليه لجين قالت لآدم: ما تثقش في جابر؟

🔥🔥


يتبع 



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة