رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم سلمى جاد


رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم سلمى جاد



**بعد مرور يومين**
فتح ياسين باب الشقة بعد أن سمع دقات عليه، ثوانٍ، واتسعت عيناه من الصدمة، قائلًا:

«مش معقول!»

ضحك سليم بخفة:

«لا، معقول يا أخويا.»

ياسين بفرحة:

«إيه المفاجأة الحلوة دي يا سليم؟ مقولتش ليه إنك جاي؟»

سليم بابتسامة  :
«ما كانتش هتبقى مفاجأة يا ذكي، أنا بس كنت خايف مكنش في البيت وتكون في العيادة.»

ابتسم ياسين وقال:

«لا، أنا مش بنزل العيادة كتير.»

ثم أشار إلى الداخل، قائلًا:

«طيب، إحنا هنفضل واقفين على الباب كده؟ اتفضل ادخل.»

دخل سليم، وفي يده علبة من الشوكولاتة الفاخرة.

جلسا في الصالون، ليقول ياسين وهو يشير إلى العلبة الموضوعة على الطاولة:

«تعبت نفسك ليه يا ابني؟ هو إنت غريب؟»

ابتسم سليم:

«دي حاجة بسيطة. صحيح، كنت بتقول مبتنزلش العيادة ليه؟»

تنهد ياسين، وعلى وجهه ابتسامة حالمة:

«مش قادر أسيب البيت لحظة.»

وضع سليم كف يده أسفل وجنته، قائلًا بسخرية:

«وإيه كمان يا أخويا؟»

تنهد ياسين بهيام، ثم أكمل:

«أقولك إيه ولا إيه يا سليم؟ ده الجواز ده طلع أحلى حاجة في الدنيا»

رفع سليم طرف شفته العليا بحقد مصطنع:

«ما تراعي شعوري يا بني آدم إنت، أما والله أدبك عين توديك الأرض.»

قال ياسين بإدراك:

«أووبس، معلش يا معلم، مش واخد بالي إنك متجوز مع إيقاف التنفيذ.»

وضع سليم قدمًا على الأخرى، قائلًا بضيق:

«لا، ما هو مطلعش مع إيقاف التنفيذ، طلع مفيش جواز من أصله.»

قطب الآخر جبينه باستغراب:

«يعني إيه؟»

بدأ سليم يسرد له ما حدث، لتتسع عينا ياسين بصدمة:

«يعني إنت كده مش متجوزها؟»

نفى سليم برأسه.

ليكمل ياسين:

«طيب، وعلاقتكم وصلت لإيه دلوقتي؟»

ثم أكمل وهو يبتسم بمكر:

«سيبك إنت، ده صوركم مغرقة النت»

ثم بدأ يقلد عنواين الأخبار المنتشرة بجنون على السوشيال ميديا:

«هل هناك علاقة رومانسية تجمع بين ابنة رجل الأعمال الشهير أدهم السويسي،  والبيزنس مان الشاب سليم الدالي؟»

ابتسم سليم بخفة وهو يتذكر ذلك اليوم الذي حُفر في عقله للأبد. فعلى الرغم من أن حالة من الصدمة والذهول تملّكته، إلا أنه نسي الوقت وانعزل عن العالم في تلك اللحظة، ولم يكن هناك ما يهمه سوى أنها بين ذراعيه الآن.

لكنه رد على سؤال ياسين عن علاقتهما:

«ولا حاجة.»

رفع ياسين حاجبه باستغراب:

«ولا حاجة إزاي؟ هي مش جريت عليه وحضنتك قدام الناس كلها؟»

تنهد سليم:

«ما هو أنا كنت فاكر إن خلاص الحظر اتفك وسامحتني، لكن تاني يوم لقيت كل حاجة رجعت زي ما هي، ولا كأننا من كام ساعة كنا عشاق.»

ثم أكمل بغضب، والشر يتطاير من عينيه:

«والزفت اللي اسمه مراد ده واقفلي زي اللقمة في الزور! ...المفروض يحس على دمه من يوم اللي حصل في الحفلة، ويعرف إننا مسألة وقت وراجعين لبعض، لكن لأ، لازق زي اللزقة»

قال ياسين بتفكير:

«طيب، ما تعمل حاجة تبسطها؟ إنت دلوقتي محتاج بس تكسب قلبها، لأن من كلامك هي رجعت تثق فيك، لكن فاضل إنها تنسى كل اللي فات.»

نظر إليه سليم بحيرة:

«طيب، أعمل حاجة زي إيه؟»

رفع ياسين كتفه بجهل:

«إنت بتسألني أنا؟ أكيد عارفها كويس، وعارف إيه اللي ممكن يبسطها.»

نظر سليم أمامه بتفكير، ليقاطعهما دخول آيات باستحياء، وهي تحمل صينية موضوعًا عليها أكواب عصير.

قالت آيات بابتسامة:

«أهلًا وسهلًا يا أستاذ سليم، نورت.»

رد سليم بترحيب:

«البيت منور بأصحابه. وبعدين بلاش أستاذ سليم، إنتي بقيتي مرات ياسين، يعني أختي الصغيرة.»

جلست آيات بجانب ياسين، الذي قال فجأة:

«طيب، ما تساعدينا يا آيات.»

نظرت إليه آيات بعدم فهم:

«أساعدكم في إيه؟»

قال ياسين:

«إزاي سليم يكسب قلب ريحانة ويقضي على أي ذكريات حزينة جواها ناحيته؟ أنا اقترحت إنه يعملها مفاجأة.»

قالت آيات بتفكير:

«فكرة حلوة، بس أهم حاجة نوع المفاجأة.»

ساد الصمت بينهم، لتقول آيات فجأة:

«خليها حاجة متعلقة بذكرياتكم السعيدة مع بعض أيام ما كنتم سوا، بحيث ترجعها للفترة دي وتنسي أي حاجة وحشة إنت عملتها.»

همس سليم وهو ينظر أمامه بشرود:

«حاجة متعلقة بذكرياتنا السعيدة...»

صمت لثوانٍ معدودة قبل أن ينطق فجأة:

«لقيتها!»

قال ياسين بدهشة:

«لقيت إيه؟»

نهض سليم فجأة :
«أنا عرفت إيه المفاجأة، ومتأكد إنها هتبسطها جدًا. يلا، أنا لازم أمشي عشان ألحق أرتب كل حاجة.»

قال ياسين بتفاجؤ:

« يا ابني رايح فين؟ اقعد إنت هتتغدى معانا»

قال سليم وهو يستعد للمغادرة:

«لا، خليها يوم تاني.»

ثم أكمل وهو ينظر إلى ياسين وآيات بحماس:

«لما ريحانة تسامحني ونرجع لبعض، هنظبط بقى ونخرج كلنا سوا.»
ثم غادر المكان سريعًا، تحت أنظار ياسين وآيات، اللذين لم يفهما شيئًا من كلامه.

قال ياسين وهو يضرب كفًا بكف:

«ياعيني.. الواد مخه اتلحس من الحب»

اقتربت منه آيات، ووضعت رأسها على كتفه برقة، قائلة:

«يعني إنت مخك لسه متلحسش؟»

تنهد ياسين بهيام وهو يحيطها بحب:

«يا روحي، أنا مبقاش عندي عقل من أصله.»
_____________________________________________________________

**في باريس، مدينة العشاق**

كان يزن يقف في شرفة شقته المطلة على برج إيفل، يتمتع بالنظر إلى المشهد الساحر من حوله، فهو اختار هذه المدينة بالتحديد لقضاء شهر العسل فيها مع زوجته الحبيبة.

شعر فجأة بيد تحيط بظهره من الخلف، وبدون أن يلتفت، أمسك بيدها المحيطة بخصره ولفها حتى تقف أمامه مباشرة.

أسند جبينه إلى جبينها بعشق، وهمس:

«حبيبتي جهزت؟»

هزت فتون رأسها بحماس:

«أيوة، ده أنا ههريك شوبينج النهارده، إنت أخيرًا فكيت الحظر»

ضحك يزن بخفة، وهو يتذكر أنهما منذ قدومهما إلى هذه المدينة لم يخرجا من الشقة أبدًا، فهو يستغل كل فرصة لتعويض كل السنين الفائتة من الانتظار.

قال بمشاكسة:

«يا باشا إنت تعمل اللي إنت عايزه، شاوري بس على أي حاجة وتبقى ملكك.»

ابتسمت فتون بحب، واقتربت لتقبّله على وجنته، قائلة:

«حبيبي اللي ماليش غيره والله.»

قال يزن وهو يتأمل عينيها الزرقاوين كلون البحر بعشق دفين:

«إنتي اللي روحي وقلبي ودنيتي كلها.»

لكنه فجأة ابتعد، وهو يتأمل فستانها الرقيق الذي ترتديه؛ فكان باللون الأبيض، مكشوف الكتفين، ومنقوشًا بورود حمراء، مع تسريحة شعرها الرقيقة، خصوصًا مع خصلاتها القصيرة التي تصل إلى بداية رقبتها، فكانت غاية في الأنوثة والجمال.

تنهد بشوق، قائلًا:

«هو إحنا لازم نخرج النهارده؟ ما تيجي نقعد النهارده كمان، وأوعدك هنخرج بكرة.»

عبست ملامح فتون، وقالت:

«يزن، إنت قولت الكلام ده امبارح، وأنا مش هقبل إننا منخرجش النهارده كمان »

عضّ على شفتيه، محاولًا إقناعها:

«يا بنتي اسمعي الكلام، ده أنا...»

قاطعته بتحذير:

«يززززن! بطل بقى حركاتك دي، عشان خاطري يا يزن، أنا حاسة إننا مش في شهر عسل،  من وقت ما سافرنا شهر العسل وإنت مش راضي تخرجني حتى من الأوضة مش من الشقة!»

تنهد باستسلام، وقال:

«خلاص، هنخرج.»

نطقت فتون بحماس:

«بجد؟ يلا بينا»

ثم جذبته من يده إلى الداخل، بينما كان يزن يتمتم في سره:

«يا خسارة، والله كنت مجهزلك أنشطة نعملها هنا تجنن»
_____________________________________________________________

**في الشركة**

كان سليم يقف في المكتب، يتأمل المنظر الخارجي من الشرفة، بينما كان يتحدث في الهاتف:

«أيوة، أنا عاملها مفاجأة. أنا ظبطت كل حاجة، بعتلك اللوكيشن، والسواق هيجيبك للمكان على طول.»

أغلق الهاتف وهو ينظر أمامه بحماس، ويتخيل رد فعل ريحانة على المفاجأة التي يحضّرها لها، ليقاطعه صوت من خلفه:

«يا ابني، إنت هتفضل ناططلنا في الشركة كل يوم؟ إنت موراكش شغلانة؟»

التفت سليم بتفاجؤ، وبعد ثوانٍ ابتسم بخفة عندما وجد أدهم السويسي أمامه.

اقترب منه قائلًا:

«حُكم القوى بقى يا باشا، هنعمل إيه؟»

قال أدهم وهو يضع يده في جيبه بهيبة:

«طيب ولزقتك في الشركة جايبة نتيجة ولا إيه؟»

تنهد سليم وقال:

«بنتك عنيدة أوي، ودماغها ناشفة زي الحجر، كل ما أفكر إنها خلاص سامحتنيد ألاقيها مصرة على كبريائها.»

رفع أدهم رأسه لأعلى بغرور، وقال:

«أيوة طبعًا، لازم يكون عندها كبرياء. مش بنت أدهم السويسي على سن ورمح»

شهق سليم بصدمة:

«أنا بقول إيه وإنت بتقول إيه؟! أنا حاسس والله إن أجلي هيكون على إيدك إنت وبنتك!»

ضحك أدهم بخفة:

«لا، متقلقش، لسه بدري. إنت ما شوفتش حاجة»

نظر إليه سليم بعدم تصديق، وقال:

«يا لهوي! أنا وقعت في عيلة مجانين»

رفع أدهم حاجبه ببرود، وقال بتحذير:

«ماتحترم نفسك...مش عشان إنت ابن عمي تنسى فرق السن اللي ما بينا. ده أنا ممكن أخلفك يا حبيبي»

رد سليم:

«يا أدهم بيه، إنت على عيني وعلى راسي، بس بنتك دماغها ناشفة زي الحجر،أعمل إيه؟!»

نظر أدهم أمامه بتفكير، ثم قال:

«في دي عندك حق. أنا كنت فاكر بعد ما دبّرت حوار سرقة الملفات، هتتقربوا من بعض وهتسامحك.»

ثم نظر إليه بغضب مصطنع، وأكمل:

«طلعت إنت كمان زي قلتك، ومعرفتش تكسر عِندها»

اتسعت عينا سليم بصدمة، وهمس بعدم تصديق:

«ثواني، عشان أنا جالي إيرور ...هو إنت المسؤول عن سرقة الملفات؟!»

أومأ أدهم برأسه تأكيدًا:

«أيوة، أنا اللي بعت حد للشركة عشان يسرق الملفات؛ لأني عارف إن الأزمة دي هتقربكم من بعض. وكمان كنت عايز أثبت لريحانة إنها قوية وتقدر، لأنها دايمًا كانت حاسة إنها لسه مش مستعدة تمسك الشركة من بعدي.»

ضرب سليم كفًا بكف، وهو يحرك رأسه بذهول:

«إنت بجد؟! أنا مش متخيل إن في حد في الدنيا يسرق ملفات من شركته ويعرّض سمعة شركته للخطر عشان اللي إنت بتقوله ده»

تنهد أدهم، ثم قال بجدية:

«أنا مبعملش حاجة إلا وأنا عارف عواقبها كويس، وكنت واثق إن ريحانة هتقدر تعدّي الأزمة دي. وعشان كده أنا شلت إيدي من الموضوع. حتى ما كنتش باجي الشركة بعد اللي حصل، وكنت بتحجج بأي حاجة لريحانة عشان أجبرها تتصرف لوحدها.»

ثم أكمل:

«ومتنكرش إن الأزمة قرّبتكم من بعض.»

هز سليم رأسه باقتناع، وقال:

«بص دي عندك حق فيها، بس لسه برضه بنتك مش راضية نرجع لبعض.»

تنهد أدهم وقال:

«ريحانة محتاجة تحس إنك ممكن تروح منها. هي حاليًا مطمنة لوجودك، وده غلط. لازم تحس إنك ممكن تروح من بين إيديها وتفقدك. ساعتها هتواجه مشاعرها اللي بتحاول تخبيها ورا قناع البرود والكبرياء.»

نظر إليه سليم بعدم فهم، وسأله:

«طيب، وهنعمل ده إزاي؟»

نظر أدهم أمامه بشرود، ثم ابتسم ابتسامة ماكرة وقال:

«هقولك... شكلك هترجّعنا لأيام الشقاوة..... »

_____________________________________________________________

**في بيت ياسين وآيات**

كانت آيات بمفردها في المنزل، تقوم بأعمال البيت اليومية، فقد ذهب ياسين إلى العيادة، بينما كان إياد في الحضانة.

وأثناء ترتيبها للسرير، شعرت فجأة بدوار شديد، وكأن الغرفة تدور بها بسرعة رهيبة. جلست على السرير وهي بالكاد تستطيع فتح عينيها، ثم وضعت يدها على فمها، وهي تشعر بهجوم الغثيان على معدتها، لتنهض بصعوبة وتركض إلى الحمام الملحق بالغرفة.

في نفس الوقت، عاد ياسين إلى البيت، ودخل إلى الصالة، ثم وضع بعض الأكياس على الطاولة، وأخرج كيسًا معينًا وتوجه إلى الداخل وهو ينادي آيات بحماس:

- يويو، تعالي شوفي جبتلك حاجة بتحبيها

دخل الغرفة وهو ينظر إلى العلبة التي بيده بحماس، فقد كانت مربى بالجزر، لكنه توقف عندما سمع صوت آيات في الحمام وهي تشهق بعنف.

ترك العلبة من يده بصدمة، واتجه إلى الحمام مسرعًا، وطرق الباب بعنف وهو يناديها بخوف:

- آيات إنتي كويسة؟!

ليأتيه صوتها الضعيف من الداخل:

- أنا كويسة يا ياسين، وخارجة أهو.

انتظر ياسين لثوانٍ، وعندما لم يُفتح الباب، كاد أن يفتحه بنفسه، لكنه فجأة وجد آيات تظهر من خلف الباب، وكانت ملامح الإعياء والتعب الشديد واضحة عليها.

أحاطها ياسين بذراعيه، ممسكًا بخصرها بقلق، وسألها:

- آيات، مالك يا حبيبتي؟

نفت برأسها، وحاولت الابتسام حتى لا تزيد من قلقه، ثم قالت:

- ولا حاجة يا حبيبي، شكلي لخبطت في الغدا النهارده، فمعدتي قلبت.

قطّب جبينه باستغراب وقال:

- لغبطتي إيه؟ إنتي ماكلتيش لقمتين على بعض

كادت آيات أن ترد، لكن فجأة شعرت بدوار يداهم رأسها من جديد، وهذه المرة كان أقوى. تمسكت بياسين بشدة حتى لا تسقط، لكنها فجأة انهارت بين أحضانه، مغشيًّا عليها وفاقدةً للوعي.

صرخ ياسين برعب وهو يحتضنها:

- آيااات!
_____________________________________________________________

**في الشركة**

دخلت ريحانة مكتبها بعد عودتها من اجتماع أُقيم بالخارج. كانت ترتدي جاكيت جلد طويلًا باللون البرجندي (النبيتي)، وأسفله توب أبيض، وترفع خصلات شعرها على هيئة كعكة فوضوية، بينما تركت بعض الخصلات لتلامس رقبتها برقة.

وضعت حقيبتها على طاولة المكتب، ثم اقتربت من الشرفة تتأمل منظر الغروب الساحر. كانت السماء بلونها الأزرق، مُغيمة بخفة بسبب اقتراب الفصل الأقرب لقلبها.. فصل الشتاء، وتملؤها سُحب ذات تضاريس ساحرة تجعلك تسبح في عظمة الله دون وعي، بينما ترسم الشمس أشعتها البرتقالية على المباني والطرق، وتجعل نسمات الهواء النقية أوراق الأشجار تتطاير بخفة وانسجام.

تنهدت ريحانة وهي تتأمل المنظر أمامها، لكنها شهقت بخفة عندما سمعت صوته الرجولي من خلفها:

- النهارده السما شكلها حلو أوي.

التفتت إليه بخضة، وقالت:

- سليم، خضتني!

ابتسم بخفة وهو ينظر إلى الأسفل، ثم اقترب بعد ثوانٍ ليقف بجانبها، واضعًا يده في جيب بنطاله. استند بكوعه على درابزين الشرفة، ونظر إليها بعشق قائلًا:

- إنتي اللي قلبك خفيف.

عقدت ذراعيها أمام صدرها بسخرية، وقالت:

- أنا؟! لعلمك بقى أنا قلبي جامد جدًا.

نظر إليها وهو يبتسم من جانب شفتيه، بتلك الابتسامة التي تُذيب قلبها، وعيناه السوداوان العميقتان، ورموشه الطويلة التي تكاد تلامس بداية وجنته من شدة كثافتها، وملامح وجهه ذات الطابع الرجولي، الممزوجة بمسحة من الوسامة.

كل ذلك كان يدور في تفكير ريحانة وهي تنظر إليه بشرود، ونبضات قلبها تتعالى مع كل وصف، حتى أفاقت على صوته الخشن وهو يناديها:

- ريحانة

همهمت بخضة، ليقول سليم:

- عملتي إيه في الاجتماع؟

- كان كويس، واتفقنا إن الطلبية تيجي بعد أسبوع.

أومأ برأسه بهدوء، لكنه ابتسم بمكر عندما سألته بارتباك:

- هو... إنت صحيح مجتش معايا ليه؟

مال برأسه قليلًا، رافعًا حاجبه بسخرية، لتكمل بعدم اهتمام، رغم أنها كانت مهتمة وبشدة:

- أنا بسأل بس عشان كذا حد سأل عليك في الاجتماع.

تنهد سليم بهدوء، وقال:

- كان ورايا مشوار مع ناس مهمين.

ثم أكمل وهو يتابع رد فعلها، مترقبًا ما ستقوله:

- واحدة ست.

نطقت فجأة بصدمة:

- ست؟!

لكنها فتحت عينيها بصدمة عندما أدركت ما تفوهت به، لتقول بسرعة:

- أقصد تبع الشغل يعني

ابتسم بجانب فمه بمكر، وقال:

- تؤ... مشوار شخصي.

همست بدهشة:

- شخصي؟

همهم بهدوء، محاولًا منع ابتسامته من الظهور:

- أيوة، شخصي، مع واحدة ست عزيزه على قلبي جدًا.

جزّت على أسنانها بغيظ، وهي تشعر بأن فيوزات عقلها تتضارب بجنون.
أيعقل أنه يعيش قصة حب الآن؟ ولما لا؟ فهي دائمًا ما تخبره أن حكايتهما انتهت، وأن عليه أن يذهب ليرى حياته. ربما استمع إليها هذه المرة، وتعرّف على امرأة جديدة.

وعندما توصلت إلى هذا الاستنتاج، صرخت دون وعي:

- يا خاااااين... إنت ما صدقت!؟

نظر إليها سليم بصدمة، وقال:

- نعم؟!

وضعت يدها على فمها عندما أدركت أن أفكارها خرجت بصوت عالٍ أمام سليم، الذي كان ينظر إليها بدهشة.

حمحمت بإحراج، محاولة الخروج من هذا الموقف، ثم نظرت بالصدفة إلى المكتب، فوجدت بعض الملفات. فخطرت في بالها الفكرة 

- ينهاااااااار...، ازاي نسيت، ده فيه شوية ملفات عايزة آخد رأيك فيهم

كادت أن تتحرك، لكنها صُدمت عندما أمسك سليم بيدها فجأة وجذبها تجاهه، لتصبح قريبة جدًا منه، ولا يفصل بينهما سوى بضعة سنتيمترات.

رفعت عينيها إليه ببطء، فوجدته ينظر إليها بعمق، وعيناه مثبتتان على عينيها بشكل أربكها، بينما كانت أنفاسه الدافئة تلامس وجهها.

نطق سليم فجأة:

- إنتي هتخرجي معايا بعد الشغل.

قطبت جبينها باستغراب، وقالت:

- بس...

أوقفها سليم، وقال بنبرة لا تقبل النقاش:

- أنا مش باخد رأيك، أنا بعرّفك.

ثم ابتسم وهو يمرر عينيه على تفاصيل وجهها الذي يعشقه بشدة، وقال:

- عاملك مفاجأة.

همست بخفوت:

- مفاجأة ليه؟

رفع إصبعه وقرص وجنتها بخفة، وقال بابتسامة دافئة:

- لو قلتلك دلوقتي مش هتبقى مفاجأة.

ابتسمت بخفوت، وأومأت برأسها موافقة.

_____________________________________________________________

فتحت عينيها العسليتين ببطء، لتجد أمامها ياسين يمسح وجنتها بخفة، وهو يتأملها بابتسامة خفيفة، وعيناه تلمعان بشغف غريب.

تحدثت بإرهاق:
- ياسين، فيه إيه؟

- إنتي كويسة يا حبيبتي؟

أومأت برأسها، ثم سألته:
- هو أنا أُغمى عليَّا، صح؟

أومأ برأسه، وما زالت الابتسامة محفورة على ملامحه.
- أيوة.

نظرت إليه باستغراب من نظراته المسلطة عليها بتركيز، ثم تساءلت:
- ياسين، فيه إيه بجد؟ إنت باصصلي كده ليه؟

اقترب ياسين منها، ووضع كف يده على معدتها، وهو يتحسسها بخفة.

قطبت جبينها باستغراب:
- ياسين، إنت بتعمل إيه؟

- بصي، هو أنا مش متأكد مية في المية، بس بخبرتي كدكتور، شاكك في حاجة كده... بس هنروح عند دكتور متخصص عشان يأكدلنا الخبر.

بلعت ريقها بصعوبة، وهي تحاول استيعاب معنى كلماته، ثم سألته بقلق:
- خبر إيه؟

اقترب منها بشدة، وهمس في أذنها ببطء:
- خبر إن فيه نونو مني أنا وإنتي ِجوه بطنك يا قلب ياسين.

نظرت إليه آيات بتوهان:
- يعني إيه؟

ابتسم بحنان، وأجابها:
- يعني احتمال بعد حوالي تسع شهور من دلوقتي يجيلنا بيبي صغير وزي القمر، ينور حياتنا ويلعب مع إياد.

التمعت الدموع داخل عيني آيات، وسألته بعدم تصديق:
- أ... أنا حامل؟

وضع ياسين يده برفق على فمها، وقال بحماس حاول كتمانه:
- هششش أنا هموت وأفرح أنا كمان، بس استني شوية، أنا لسه مش متأكد. إنتي لما أُغمي عليكي، كشفت عليكي كشف مبدئي، لكن اللي هيأكدلنا هي دكتورة النسا.

تعالت أنفاس آيات، والدموع تنهمر دون توقف من عينيها، وهي تردد بعدم تصديق:
- أنا ممكن أبقى حامل يا ياسين؟

أومأ ياسين برأسه، وقال بلهفة:
- يا رب، يا رب يا قلب ياسين

ثم نهض من مكانه، وقال بحماس:
- قومي يلا البسي عشان نروح عند الدكتورة.

أومأت برأسها بحماس، ونهضت من السرير بسرعة، وكادت تذهب لتغيير ملابسها، لكن فجأة اندفعت نحو ياسين وعانقته بقوة.

ضحك ياسين عليها، وهو يحيطها بذراعيه ويضمها إليه بشدة، ثم همس بتمنٍّ:
- يااااا رب!

_____________________________________________________________

**بعد مرور بعض الوقت**

توقف بسيارته أمام فيلا ضخمة ذات تصميم معماري أنيق يدل على ذوق صاحبها.
نظر إلى الجالسة بجانبه، فوجدها تتأمل الفيلا من النافذة، ومعالم الاستغراب واضحة على ملامحها.

أردف بهدوء وهو يفك حزام الأمان:

- يلا انزلي.

رفعت حاجبها باستنكار، وسألته:

- أنزل فين؟ وبيت مين ده؟

أجاب سليم ببساطة وهو يترجل من السيارة:

- بيتي.

اتسعت عيناها بصدمة، وهمست باستعجاب:

- بيتك؟!

نزلت هي الأخرى من السيارة، واستدارت إلى الجهة الأخرى لتصبح مواجهة له.

قالت ريحانة بدهشة:

- إنت عندك بيت؟!

رفع حاجبه بسخرية، وقال:

- أكيد عندي بيت، إنتي فاكراني ببات في الشارع ولا إيه؟

هزت رأسها نفيًا، وقالت موضحه قصدها :

- أنا أقصد... إنت مش كنت عايش مع عمو سعد في القصر؟

أجاب بهدوء:

- أيوة، لكن لما رجعت مصر، اشتريت الفيلا دي وشطبتها، ومن ساعتها وأنا عايش هنا.

ثم أشار إلى الفيلا قائلًا:

- يلا ندخل.

توقفت ريحانة بخوف، وهي تنظر إلى الفيلا بريبة، وسألته:

- ندخل فين؟

لاحظ نظراتها القلقة، فابتسم على سذاجتها وقال:

- متخافيش يا ريحانة.

اقترب منها أكثر، ونظر إليها بتلاعب، وعلى وجهه ابتسامة ماكرة، ثم قال:

- أكيد مش جايبك هنا لأغراض فسيولوجية 

شهقت بصدمة، وقالت:

- أفندم؟!

ضحك بخفة، ثم قال:

- متخافيش يا ريحانة، في ضيف جوا عايزك تسلّمي عليه بس.

سألته باستغراب:

- ضيف مين؟

تنهد بتعب، وقال:

- ممكن كفاية أسئلة بقى؟ ويلا ندخل، وإنتي هتعرفي كل حاجة بنفسك.

نظرت إليه بشك، لكنها قررت أن تثق به؛ فعلى الرغم من كل شيء، فهي تعرف أخلاقه جيدًا.

*(سليم وأخلاق في نفس الجملة ... طب إزاي؟!!🙂)*

فتح سليم باب الفيلا بمفاتيحه الخاصة، ودخل أولًا، ثم أشار إلى ريحانة التي كانت تقف عند الباب بتوتر، قائلًا:

- ادخلي يا ريحانة.

دخلت بخطوات بطيئة، وهي تتلفت حولها بتوتر. وبمجرد أن خطت أولى خطواتها داخل المكان، اتسعت عيناها بدهشة؛ فقد كان المكان غاية في الرقي والفخامة.

كانت هناك ردهة واسعة جدًا، ذات دهان أبيض كريمي، تتوزع فيها الأضواء الذهبية بشكل هندسي فريد من نوعه، لتضيف مزيدًا من الفخامة إلى المكان.

رفعت رأسها لتجد سلمًا رخاميًا يتجه إلى الأعلى، ويبدو أن هناك جزءًا آخر في الطابق العلوي لا تعرف عنه شيئًا.

تحرك سليم تجاه السلم وصعد درجاته بخفة، ثم قال:

- تعالي ورايا.

ذهبت خلفه، وهي تتلفت حولهاد تتأمل المكان. فعلى الرغم من أنها تعيش هي الأخرى في قصر، لكن فخامة المكان وتصميمه جعلاها تنبهر به.

وصلا إلى الطابق العلوي، ليتوقفا أمام ممر طويل تصطف على جانبيه عشرات الغرف.

اتجه سليم إلى إحدى الغرف، وفتح الباب بهدوء، ثم نظر إلى ريحانة التي ما زالت تقف عند بداية الممر، ترمقه بريبة.

- يلا تعالي.

اقتربت بخطوات بطيئة، وهي تمسك بحقيبتها بشدة، بينما كان سليم يتابع حركاتها بابتسامة ماكرة.

وصلت أمام باب الغرفة، فأشار لها سليم إلى الداخل قائلًا:

- ادخلي.

نطقت ريحانة أخيرًا:

- أنا مش هدخل إلا لما تفهمني إنت جايبني هنا ليه؟

ظل سليم صامتًا، ويده ممدودة في الهواء يشير لها نحو الداخل، بينما كانت ريحانة تتطلع إليه وهي تفكر،إذا كان في نيته أن يفعل شيئًا سيئًا، فلماذا انتظر كل هذا الوقت؟ كان بإمكانه أن يفعل ما يريد بمجرد دخولهما من باب الفيلا

بلعت ريقها بتوتر، وقالت:

- طيب، إدخل إنت الأول.

تنهد سليم بنفاد صبر، ودخل بالفعل.

نظرت إليه بتوتر، ثم دخلت خلفه، وهي تضيق عينيها بتركيز، استعدادًا لأي غدر منه ...لكن فجأة، اتسعت عيناها بصدمة عندما لمحت سيدة تقف في الغرفة.

وبعد ثوانٍ، شهقت بفرحة وصاحت:

- مش معقول ! دادة سميرة؟!!

ركضت ريحانة بسرعة واحتضنت سميرة بقوة، لتبادلها سميرة العناق وهي تبكي قائلة:

- وحشتيني أوي يا ريحانة

- وإنتي كمان يا دادة، وحشتيني أوي أوي. أنا تخيلت إني عمري ما هشوفك تاني في حياتي.

جلسوا جميعًا يتسامرون عن الأيام التي قضوها في أمريكا. ربّتت سميرة على رأس ريحانة بحنان، وقالت:

- يعلم ربنا إني بعتبرك زي بنتي بالظبط. على الرغم من المدة القليلة اللي قعدتي فيها معايا، إلا إني زعلت لما أخبارك انقطعت فجأة.

ثم أكملت وهي تنظر إلى سليم:

- ولما سليم كلمني أنزل مصر عشان عاملك مفاجأة، كنت بجهز الشنطة وأنا طايرة من الفرحة.

ابتسمت ريحانة بحب، وهي تحتضن يد سميرة، وقالت:

- تسلمي يا دادة، والله دي أحلى مفاجأة في الدنيا.

ابتسمت سميرة وهي تقول:

- خلاص، اشكري اللي كان السبب.

نظرت ريحانة إلى سليم، وابتسمت بامتنان قائلة:

- شكرًا يا سليم على المفاجأة دي. أنا عمري ما كنت أتوقع إني أقابل دادة سميرة بعد المدة دي كلها.

هز سليم رأسه بهدوء وهو يبتسم بخفة. تنهد وهو يتأمل فرحتها الواضحة، وهي تتحدث مع الدادة.

قالت سميرة بفرحة:

- ها يا ولاد، قولولي بقى، الفرح هيكون يوم إيه؟

ثم أكملت وهي تربت على ظهر ريحانة بحنان:

- أنا لما سليم قالي إنكم بتجهزوا لفرحكم، وإنه عايزني أنزل عشان يعملك مفاجأة إني هحضر الفرح، الدنيا ما كانتش سيعاني.

ساد الصمت... صمت رهيب حل في الغرفة بعد كلمات سميرة.

رمشت ريحانة بعينيها سريعًا، وهي تتنفس بأنفاس متلاحقة، وتشعر بحرارة تغزو جسدها فجأة، بينما تحاول تحليل معنى كلام سميرة. وإذا كان ما فهمته صحيحًا، فهذا يعني أنه لم يتغير، وما زال يمارس تلك الألاعيب ويلجأ إلى أساليب ملتوية للوصول إلى ما يريده.

رفعت عينيها ببطء شديد نحو سليم، وشرارات الغضب تتطاير منهما، وهي على وشك الانفجار، بينما ابتلع سليم ريقه بصعوبة، وهو يراقب تعابير وجهها المرعبة.

_____________________________________________________________

بعد مرور الوقت 

كان يقود سيارته بهدوء، ومن حين لآخر يختلس النظر إلى الجالسة بجانبه، تكاد تشتعل من الغضب.

كاد أن يتحدث إليها:
- ريحانة، أنا...

قاطعته بغضب:
- أنا مش عايزة أسمع ولا كلمة، لو سمحت وصلني بهدوء عالبيت. لولا إني مجتش عربيتي، مكنتش اتحوجتلك.

رفع حاجبه باستنكار:
- اتحوجتيلي؟!

نظرت له شزرًا، وهي تضيق عينيها بغضب:
- إنت بجد هتبطل إمتى الحركات دي؟ كل ما أقول خلاص، المرادي صادق معايا... تأكدلي إني مغفلة ومخدوعة فيك.

هز كتفه ببراءة:
- وأنا خدعتك في إيه المرادي؟

رفعت حاجبها بسخرية:
- والله؟ يعني مش عارف؟

ثم بدأت تقلد كلام سميرة:
- «سليم قالي إنكم بتجهزوا فرحكم».

ابتسم بجانب فمه بمكر:
-  طب وإنتي ِ إيه اللي خلاكي سكتي ومتكدبتيش كلامي قدامها؟

تنهدت بضيق:
- لأنها أكيد كانت هتزعل... الست سايبة اللي وراها في أمريكا ونازلة مصر مخصوص عشان فاكرة إننا هنتجوز.

قال سليم بحماس، وهو ينظر لها بفرحة:
- يعني موافقه نتجوز عشان متزعليش دادة سميرة؟

جزّت على أسنانها بغيظ، وأشارت بسبابتها في وجهه بتحذير:
- اوعى... اوعى تفكر إنك كده بتلوي دراعي، اعمل حسابك يا سليم يا دالي، إنك المسؤول عن اللي حصل، وزي ما كدبت، تتحمل نتيجة غلطتك، وتفهم دادة سميرة إننا خلاص سيبنا بعض ومفيش فرح ولا حاجة.

فرمل سليم فجأة، لتتوقف السيارة بشكل مفاجئ، لدرجة إن ريحانة اندفعت للأمام من شدة التوقف، لتجد أنهما وصلا أمام بيتها.

أدارت رأسها ناحيته، لتجده يسند برأسه على الكرسي ببرود، وينظر أمامه بغضب.

- يلا انزلي.

شهقت بصدمة:
- نعمممم؟!

قال سليم ببرود:
- إيه، سمعك تقيل؟ بقولك انزلي، مش كنتي ِ عايزاني أوصلك بيتك؟ أهو، عملت اللي عليَّا، برغم كلامك الدبش ليا طول الطريق.

ضمّت شفتيها بغضب، وقالت:
- ماشي يا سليم

فتحت باب السيارة ونزلت منها، ثم أغلقت الباب بقوة، وهي تنظر لسليم بتحدي ٍّ، لكنه لم يُعرها أي انتباه، وانطلق بسيارته من أمامها، ليتطاير الغبار في وجه ريحانة من شدة احتكاك عجلات السيارة بالأرض.

دبدبت بقدمها بغضب، وهي تنظر إلى أثره بعدم تصديق. أيُعقل أنها الآن أصبحت المذنبة؟ لا، لن تسمح له بقلب الترابيزة أبدًا ...فهذا أسلوبه، ولن تسمح له بالفوز هذه المرة...

ولكن، هل هذا ما سيحدث حقًا؟

_____________________________________________________________

في صباح يوم جديد مليء بالأحداث...

خرجت ريحانة من المصعد، وهي تبتسم بخفة، وعيناها تلمعان بحماس لقضاء يوم جديد في معركتها مع سليم. وبالتأكيد، لن تكون هي المهزومة، بل سترفع رايتها في نهاية المعركة بكبرياء

دخلت مكتبها وهي تبتسم بخفة، على اعتقاد أنه بالتأكيد موجود، لكنها تفاجأت بأن المكتب فارغ. شعرت بشعور غريب يتملكها، فهي اعتادت وجوده كل صباح، ينتظرها في نفس المكان، جالسًا على الأريكة المقابلة لمكتبها، ويشاكسها لبعض الوقت، بينما تتأفف هي بانزعاج، في حين أنها من الداخل تكون سعيدة باهتمامه .

نعم، اعتادت هذا الاهتمام، لكن الآن... أين هو؟

جلست على المكتب، وما زال نظرها مسلطًا نحو الأريكة المقابلة لها.قاطع تفكيرها دقات هادئة على باب المكتب، تبعها دخول مراد.

اقترب وجلس أمامها بهدوء:
— صباح الخير يا آنسة ريحانة.

نظرت إليه بانتباه:
— صباح النور يا أستاذ مراد. خير، إنت مبدر النهارده كده ليه؟

ابتسم مراد بخيبة:
— لا، أنا مش مبدر ولا حاجة، يادوب جيت أخلص شوية ملفات عشان أمشي.

— خير، وراك اجتماع بره الشركة؟

— لا، أنا ماشي خالص. أنا راجع الغردقة ومش هرجع هنا تاني.

قطبت ريحانة جبينها باستغراب:
— ليه يا أستاذ مراد؟ هو فيه حاجة ضايقتك هنا؟ أنا على حد علمي إن عقد الصفقة اللي بين شركتك وشركتنا لسه باقي له شهور عشان ينتهي.

تنهد مراد وقال:
— أنا مكنتش جاي هنا عشان الشغل. موضوع الصفقة اللي دخلتها معاكم كان حجة عشان أقرب منك، يمكن تاخدي بالك وتحسي بمشاعري ناحيتك يا ريحانة.

اتسعت عينا ريحانة بصدمة، ولم تجد ما تقوله، لتردف بتوتر:
— أستاذ مراد، أنا...

قاطعها مراد بابتسامة آلم:
— أنا كنت عارف كويس إن فرصتي معاكي ضعيفة، وإني جيت متأخر. يا ريتني كنت بعدت من أول يوم شوفتك فيه في الغردقة. الحقيقة كانت واضحة قدامي زي الشمس، بس أنا اللي تجاهلتها.

ثم أكمل بوجع:
— وعارف إني مهما عملت، ومهما حاولت، هيفضل سليم مستحوذ على قلبك.

قالت ريحانة بصدمة:
— لا، إنت فاهم غلط، أنا وسليم مش...

ابتسم مراد بحزم:
— واجهي مشاعرك يا ريحانة. إنتي ِ عمرك ما بطلتي تحبي سليم، وعلى فكرة، هو كمان بيحبك جدًا. أنا مش عارف إيه اللي حصل بينكم زمان وخلاكم تفترقوا، بس اللي متأكد منه إنكم هتفضلوا عشاق مهما حصل.

نهض بهدوء، وهو يبتسم:
— متكابريش يا ريحانة، واستسلمي لقلبك. احكمي باللي شايفاه قدامك، مش اللي حصل في الماضي. مهما كان الماضي قاسي، فمفيش إنسان مبيغلطش، وإنتي نفسك أكيد غلطتي في حاجات وندمانة عليها.

ثم أردف بصدق:
— سامحي سليم وارجعيله. هو فعلًا أكتر واحد يستحقك، وأنا نفسي معتقدش إني وصلت لمرحلة حبه ليكي.

مد يده ليصافحها، فنهضت ريحانة وصافحته. غادر مراد المكتب، بل الشركة كلها، بينما تابعت ريحانة خروجه بشرود، وهي تفكر في كلامه.

قاطع تفكيرها رنين هاتفها، فأخرجته من حقيبتها، ثم أجابت بهدوء عندما وجدت أن المتصل هو أدهم، والدها.

— ألو يا بابا.

— تعالي حالًا على المستشفى.

قالت ريحانة بخوف:
— مستشفى إيه؟ فيه إيه يا بابا؟ إنت كويس؟

صمت أدهم لثوانٍ قبل أن يقول:
— سليم...

بلعت ريحانة ريقها بصعوبة، وهمست بخوف:
— ماله سليم؟

— سليم وهو مروح امبارح عمل حادثة صعبة أوي، بعد ما وصلك البيت.

سقط الهاتف من يدها عقب انتهاء أدهم من كلامه، وتجمدت ملامحها، بينما تحجرت الدموع في عينيها، تأبى السقوط من هول الصدمة.

همست ريحانة بصوت ضعيف:
— سليييييم!




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة