رواية جمعية حب الفصل الرابع والاربعون 44 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل الرابع والاربعون 44 بقلم شمس محمد بكري



|| الموت وخراب الديار معًا ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||

 اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________

لأنك داخل الرواية فهذا لا يعني أنك البطل فيها.. 
قد تكون الشرير في حبكة أحدهم، 
وقد تكون الطرف الأكثر سوءًا لمجرد أنك فقط تتواجد بين سطورها، وقد تكون مجرد راوٍ للحكايا؛ لكنك لم تكن أبدًا طرفًا في قصصها، فبعض الحكايا المخبوءة حين تُكشَفُ قد يكون راويها هو كاشف أسرارها..
ولأنك هنا في الرواية مجرد زائرٍ يتردد بين الحين والآخر على ساكنيها، يؤسفني أخبرك أن ربيع العُمر لم يتناسب مع خريف المدينة، وحين أتى ربيع المدينة تساقطت أحلامنا مع خريفنا..

  <"كونك الشيطان بروايةٍ ما لا يمنعك من بطولةِ حياتك">

حدث المدينة اليوم أمسىٰ جللًا..
اليوم الظُلم انتشر في الأرجاءِ وسط حالة جُبنٍ وصمتٍ
الناس يشاهدون الفضيحة بأم عينيهم ويلتزمون الصمت
يُخرسون ألسنتهم خوفًا من النطقِ بالحقِ
يتشفون بالعاهرةِ المفضوحة؛ وينتشون بمثالية أنفسهم.
"الجميع في المدينة هُنا يتحدثون عن العاهرةِ
ولم يتحدث أحدهم عن زبائنها"

كاد "حلمي" أن يرفعها عن الأرضِ لكن قبيل ذلك توسعت عيناه إثر جُرحٍ شقَّ ظهره عرضًا، نصل الزجاجةِ مر فوق ظهره فخلَّف جرحًا كبيرًا في ظهره جعل دماؤه تنزف على قميصه فورًا، اعتدل بعينين واسعتين فوجد "خلف" يقف ممسكًا بالزجاجةِ، وحينها هجم "حلمي" عليه كما الضارية حين تهجم على طريدتها، بثأرٍ كان في نبرتهِ وصوته وهجمته عليه..

علا الصوت والصياح وركضوا الشباب والرجال في محاولةٍ لتخليصهما من بعضهما، محاولة الفكاك بينهما كانت أشبه بمحاولة فك قضبان السكك الحديدية عن مسكنها بالأرضِ، "حلمي" يضرب "خلف" بغلٍ دفينٍ وكأنه يثأر لنفسه، ينتقم للأخت التي تربى في بيتها وكانت تُكرمه باسمةً كل ما رآته، يثأر ويُخرج كل ما فيه من غضبّ كبتته الأعوام في قلبهِ..

_"وهي أمك برضه كان فيها حاجة؟ تلاقيها شافتلها شوفة تانية وطفشت وسابتك، مش بعيد تكون كانت بتشتغلكم".

هذه العبارات تلاقاها حين تاهت أمه ذات مرةٍ بالحارة في أوائل مرضها وغابت ليومٍ كاملٍ ثم وجدوها في مسجد الحارة، وحينها لم يصمت لحقها، ولم يتوانَ في الدفاع عنها، واليوم الفاجعة لم تترك عقله، يتذكر الماضي وخوض الناس في شرفها، لينتقم رجُل اليوم لأجل الفتى الصغير..

في بيت والده بداخل الشرفة كان هو وزوجته وابنته يقفون في محاولةٍ لاستبيانِ الشجار وأفراده، لكن باب الشقة فُتِح فجأةً وولج منه الابن الأصغر "ريان" وقد لمحه أبوه فهرول يسأله مندفعًا وقد ظنه هو من يتشاجر كما هي عادته:

_في إيه تحت؟ مين بيتخانق مع مين؟ أنا فاكرك أنتَ اللي بتتخانق زي عوايدك كل أسبوع.

تهكم ابنه بملامحه ونطق بلمحة تشفٍ وهو يشمت في أخيه:

_لأ مش أنا، دا حلمي ابنك بيتخانق مع خلف ابن مُرسي بسبب البت مرات أخوه، وماسكين في بعض تحت محدش عارف يخلصهم من بعض.

توسعت عينا "عزام" وهجم على ابنه يمسكه من تلابيبه صارخًا بصوتٍ هادرٍ:

_يا خبر أبوك أسود !! وأنتَ سايب أخوك وطالع تتشملل تقولي؟ ماوقفتش مع أخوك ليه؟.

تدخلت "أشجان" تُخلص ابنها منه وضمته وهي تُقرع زوجها بالحديثِ والإندفاع لأجل فتاها المُدلل:

_وهو ماله يا أخويا يتدخل ليه؟ المثل بيقولك ما ينوب المَخلَص غير تقطيع هدومه، افرض اتدخل حد خبطه ولا ضربه ولا جت حاجة فيه هو، هتنفعني أنتَ وابنك ولا إيه؟ وبعدين ابنك ماله ومال عيال مُرسي؟ بيتدخل ليه، روح شوفه جابلنا أنهي مصيبة.

التفَّت لها مُنكسر النفسِ بسبب قولها عن ابنه وعن القطيعة التي اقامتها وأسستها بين أولادهِ، ثم حدَّجها بعينيه الصريحتين وشخص بعينيه نحو التوأم أولاده وعاينهم جميعًا وأضاف موبخًا ومُؤنبًا لهم:

_داهية تاخدكم وتاخد اللي جابوكم..

بصق في وجوههم ثم أضاف بمزيدٍ من الغضب والإنفعال:

_على صنفكم الزبالة.

خرج من البيت وهو يسبهم ويُوصفهم بشتائمٍ عدة، غضبه زاد في قلبه وخرج مهرولًا ناحية الشجار، لمح ظهر ابنه والدماء تنزف منه وهو يقبض على عنق "خلف" الذي جرحه في يده بالزجاجة مرة اخرى، كان الشجار محتدمًا بينهما، لكنه تدخل وأبعد ابنه وأبعد الجميع حين هدر بجمودٍ:

_في إيه؟ حصل إيه يا حلمي؟.

كان "حلمي" يتنفس بحدةٍ وغضبٍ ولم يُبالِ كثيرًا بالدماء التي تنزف منه، لم يكترث لكن والده استبين جراحه النازفة وزاد النقم في عينيه ومن قبلها في قلبه وصرخ في "خيرية" يُهددها بصراحةٍ مُطلقة:

_وربي ما أعبد لأخليكِ تندمي على خلفتك الوسخة دي وأخليكِ تلفي الشوارع تتمني حد يخلصه من أيدي، أشوف ابني بس وأتطمن عليه وهاجيلك يابن مُرسي تاني، يا شمام يا أبو سيجارة.

أنهى الحديث وسحب ابنه كي يذهب معه ويداوي جراحه في أقرب مشفى؛ لكن "حلمي" دفع يده بعيدًا عن مرفقهِ وهدر بصراخٍ نتج عن غضبه وكبته:

_مش هامشي وأسيب ورد لوحدها.

نظر والده حوله فلمح بعض النسوةِ يحاولن حملها وهن يسترن جسدها المكشوف، فهد بصوته ينادي عامل المقهى وطلب منه أن يحضر سيارة ابنه، وقد أتى بها الشاب في لمحِ البصرِ وحينها تحرك "حلمي" في محاولةٍ لحملها مرة أخرى وقد عاونه الشاب وجلس في السيارة ووضعوها بجواره وهي تنزف وكادت أن تلفظ آخر أنفاسها.

سترها "حلمي" وأغلق عليها سترته ورمىٰ رأسه للخلف يتنفس بحدةٍ حين اشتدت عليه آلامه النفسية وجراحه الجسدية، وقد راح عقله لِـ عند "أدهـم" و "آدم" فأغمض عينيه وهو حقًا لا يعلم إلى أين سوف ترسو هذه السُفن الهائجة بهم، وإلى أي شاطيءٍ سوف يصل بهم الطوفان..

في مجمع بنايات "الشيمي"..

كانت "عُـلا" تقضي فرضها ثم ختمت الصلاة بالذكرِ والدعاء وتحركت من فوق سجادة الصلاة فلمحت "أدهـم" يحمل الهرة الصغيرة بعدما أطعمها، ابتسمت له ثم تحركت لِـجواره وهمست بنعومةٍ قاصدة مشاكسته:

_والأستاذ اللي ماشي يوزع حنية على طوب الأرض دا ممكن ييجي يديني شوية حنية ويساعدني نحضر العشا؟.

تبدلت نظرته وترك الهرة ثم اقترب منها يهمس بمراوغةٍ:

_طب ما تسيبك من العشا ونشوف حاجة تانية.

دفعته ضاحكةً وهي تلوذ بالفرار من أمامه ثم ولجت المطبخ وولج معها وهو ينتوي حقًا مساعدتها، وقد خرج "آدم" بملامح ناعسة ونطق بصوتٍ مبحوحٍ لم يخلُ من أثر نومه:

_الساعة كام؟ وليه محدش صحاني لحد دلوقتي؟.

نطقت "عُـلا" بلهفةٍ وهي تبتسم له:

_بصراحة صعبت عليا قولت أخليك تنام شوية، باين عليك وشك مُرهق أوي، و"أدهـم" كلمهم في المطعم وعرف إن الدنيا ماشية تمام هناك، تعالى بقى يلا علشان تاكل، شكلك مبتاكلش خالص.

جلس على حافة المطبخ عند الحامل الرخامي وبدأ يمازح أخيه بتعليماته وتوجيهاته في المطبخ حتى نطق "أدهـم" بجمودٍ ونفاذ صبرٍ:

_بقولك إيه يا حيلتها ماتقرفنيش، تعالى أعمله أنتَ.

_حد يكلم حماه بالطريقة دي؟ تربية ناقصة بصحيح.

رد عليه "آدم" بهذا الرد حتى تحرك "أدهـم" والتقط زجاجة معدنية وكاد أن يدفعه بها لكن "عُـلا" تدخلت وأوقفته وردعت حركته بقلقٍ على أخيها الذي علت ضحكته بتشفٍ في أخيه، وقبل أن تبدأ حرب المناوشات الكلامية بينهما علت الطرقات فوق باب الشقة، طرقات يصحبُها صراخٌ من "ربـاب" وهي تستغث بهما، هرولا تجاه الباب وفتحه لها "أدهـم" وقد أوجسَ في نفسه خيفةً وارتعدت فرائضه..

انهارت باكيةً أمامهما وصرخت بقلب أمٍ مكلومٍ على وحيدتها فلذة كبدها وقد كان كلامها غير مفهومٍ ونبرتها ممزوجة بالعنَّةِ:

_واحدة من جيران ورد كلمتني، بتقولي ضربوها ورموها في الشارع وحلمي سايح في دمه وخلف موته ومش عارفة حاجة أروح فين وهي فين حد يقولي هي فين.

لاحظوا الثلاث حالتها فاقتربت منها "عُـلا" تُهديء روعها، كانت ملامحها توشي بقرب موتها، ترتجف وترتعد بغير ثباتٍ أو رشدٍ، كأنها شاهدت وحشًا بقرب المرحاض وهرولت بخوفٍ قبل أن يفتك بها، وقد اندفع "آدم" يسألها بحدةٍ وعنفٍ:

_حلمي مين؟ وإيه علاقته بورد؟ حصل إيه ما تفهمينا.

وأتت الزعقة المنفعلة منها بصراخٍ وهي تلوح بكفيها فوق جسدها:

_ماعرفش، أنا ماعرفش حصل إيه، وورد خدوها وراحوا فين؟ بتقولي مشيوا بيها، بنتي فين.

قدر "أدهـم" حالتها فسحب الهاتف منها بينما أخوه ركض للداخل يسحب هاتفه، حالة فوضى ملأت البيت والترقب سيد الموقف، اتصل "أدهـم" برقم الجارة آخر من تواصلت مع عمته ونطق بلهفةٍ وخوفٍ اُستطير بهم فؤاده:

_أنا "أدهـم" أخو "ورد" يا ست أحلام، حصل إيه فهميني.

وبشفقةٍ بالغة لأقصىٰ أثرها جاوبته المرأة بأسفٍ وهي تشعر بالخزي والحرج من جوابٍ هكذا يمس شرف وعرض ابنة العائلة استطردت حديثها:

_والله يا ابني أنا ماعرفش إيه اللي حصل، كل اللي عرفته إن خلف بيقول لقى واحد معاها في الشقة ونزل فيها ضرب لحد ما رماها في الشارع، وحلمي ابن الحج عزام اتدخل واتخانقوا مع بعض وخلف منه لله سيح دمه وعوره، وخدوها ومشيوا دلوقتي في العربية مع حلمي.

أي حديثٍ هذا الذي يسمعه؟ وأي كابوسٍ مُروعٍ يعيشه؟ كانت التساؤلات تنهال عليه وهو كما المطعون الذي توقفت أنفاسه عن عملها، ضربت السخونة جسده وهو يتحرك كما ألسنة النيران راكضًا نحو هاتفه، الحياة حوله أصبحت سوداء والرؤية ضبابية بشكلٍ يقبض الأنفاس، تحرك وهو لا يجيب ثم وقف وهدر بصراخٍ فيهم:

_ماعرفش هي فين، أنا ماعرفش !!.

خرج من البناية ولحقت به "ربـاب" لحقهما "آدم" الذي وقف يُخاطب أخته بقوله:

_أقفلي على نفسك كويس وخلي بالك من نفسك.

كانت ملهوفة عليهم وقلقة وعيناها تصرخان بالاضطراب، لكنه ودعها ورحل من الشقة خلف أخيه وحتى الآن هو لا يعرف بما حدث، ولم يصله ما وصل لسمع أخيه، فلو كان عرف لا كانت الأوضاع في أسوأها الآن، تحرك "أدهـم" يطلب رقم "عرفه" الذي جاوبه بهدوءٍ فأدرك أنه لا يعلم شيئًا..

أخبره موجزًا عن الحدثِ فصرخ "عـرفه" في الهاتف بلوعة النيران الموصدة في قلبٍ احترق كما الأشجار الخضراء التي حولت الجنة لجحيمٍ:

_يعني إيه؟ وبنتي فين؟ خدوها على فين؟.

_ماعرفش، أنا دلوقتي في العربية أهو وبحاول أكلم حلمي، لو ماعرفتش أوصل لحل هطلع على الحارة هناك وأعرف مين خدها وراحت فين، خليك معايا على تليفون بس.

أغلق معه وطار بسيارته فوق الأسفلت، يد تقود ويد تبحث في الهاتف، حتى وصلته مكالمة من رقم "عـزام" جعلته يتلهف على الجواب بصوتٍ مُتلجلجٍ مهزوزٍ كأنه يستنجد بمن يخاطبه فأدرك "عزام" أن الخبر وصلهم؛ ليأتيه بالقول الذي كان مُرشدًا لحالة ضياعهِ:

_ورد معانا يا أدهم طالعين بيها على المستشفى التخصصي اللي على الطريق العمومي برة، ربنا يستر طريقكم وتيجوا بالسلامة.

أغلق الهاتف وهو يضرب يده في السيارة بينما "آدم" فكتم كل انفعالاته وردود أفعاله لحين يصل ووقتها سيقوم الطوفان على رأس الجميع ويُلهب المدينة رأسًا على عقبٍ فوق رؤوس ساكنيها، وهذا الفارق بينه وبين أخيه، أحدهما ينفعل ويسخط ويعلي غضبه والآخر يُجيد إخفاء شره ونيرانه لحين إشعار وقتها المُناسب.
____________________________________

     <"أم الظالم تشهد له بظلم المدينة لحُسن نواياه">

ثم ماذا يا عزيزي؟
 ماذا بعد أن أصبحوا أهل الفضيلة هم أهل الذنوب والخطايا؟ 
ماذا بعد أن ملأ الروث السُمعة الحسناء وشرف الطاهرة؟ 
ماذا عن المدينة التي تُحذر من العُهر 
وهي بنفسها من تُشيد بجمال العاهرة؟ 
ماذا عن مجتمعٍ يفرح فيه المرء بخطيئة 
غيره لكونه يشعر أنه الأفضل؟
 ماذا عن ظالمٍ يدّعي الفضيلة 
وماذا عن مظلومٍ موصومٌ بالرذيلة؟.

الحالة تُشبه هدوء ما بعدِ العاصفةِ، الحارة عادت للهدوء لكن الهمز واللمز لم يتوقفا بعد، الجميع يتحدثون عن "ورد" الدنسة التي لوثت الحارة بقُبحها، وهذا يتحدث أنها حاولت تغويه ذات مرةٍ، وذاك يتحدث أنها حاولت تسحبه لبيتها ذات ليلٍ، وهناك من يدّعي أنها حاولت تخطفه من زوجته ورفض هو بشدة لأجل بيتهِ، والجميع يختتمون كذباتهم بقولهم:

_"يلا ربنا يسترها علينا وعلى ولايانا جميعًا".

جميعهم أطلقوا في حقها الشائعات والكلامِ البشع، جميعهم _إلا من رحم ربيّ_  وجدوها فرصة ليظهرون من خلالها أفضليتهم ومثاليتهم الفارغة، جميعهم ارتضوا لأجلها الظُلم حتى يبررون لأنفسهم الخطايا، هذه المدينة المكتظة بالناسِ بكل أسفٍ تمتلىء بالعقول الشاغرة الفارغة.

في شقة "مُرسي" كان يصرخ ويهدر ويلعن ابنه ألف مرةٍ، يشتم زوجته وزوجة شقيقه والعائلة بأكملها على ما حدث وأصاب وردة بيتهم، ظل يشتم ابنه ويصرخ فيه ولأول مرةٍ يشعر بالنقمِ على عجزهِ الذي ردعه عن حمايتها، لأول مرةٍ يسأل لمَّ هو مُصاب بالعجزِ، يصمت لثوانٍ ثم يعود ويُكرر السب لابنه، حتى ردت زوجته عليه بحدةٍ وغضبٍ أقرب للصراخِ:

_يا أخويا أنتَ كل اللي شاغلك ست الحُسن بتاعتك؟ ومش همك شرفنا وشرف ابنك؟ مش شايف الفُجر اللي هي فيه؟ جايبة واحد عيني عينك في الشقة ووسخت سمعتنا وشرف ابنك الغايب، ابنك اللي طفح الدم علشانها وعلشان يخليها مش محتاجة حاجة وهي زي ****** راحة تجيب واحد في بيتها؟ إيه الفُجر دا؟.

_الفُجر دا فُجرك أنتِ وعيالك، أنتِ وابنك اللي مد أيده وخد مفتاح الشقة ودخل على مرات أخوه حتى لو كان في إيه، مجاش في عقلكم يكون حرامي؟ يمكن حد من الصيع صحاب ابنك اللي بيدخلوا البيت؟ البت اللي عاشت عمرها تخدمنا وترعانا في غياب ابنك، جاية دلوقتي تخوضي في شرفها وسُمعتها؟ جاية تدوسي على بت غلبانة ماشوفتيش منها غير كل خير؟ تعروها وتكشفوا سترها قدام الناس؟ الله ياخدكم يا بُعدا وتغوروا من وشي، منكم لله، ربنا ينتقم منكم ويخلص حقها.

انفجر فيها بالحديث وقبل أن تتحدث هي نطق "خلف" متوليًا تلك المرة دفاعه الباسل عن شرف أخيه:

_محدش غيرك عصّاها علينا وخلاها تشوف نفسها، أنتَ اللي خليتها تبرطع وتعمل اللي بكيفها في البيت دا، فكرك يعني هي أول مرة؟ أومال هي بتصمم تمشي من البيت ليه؟ بتصمم تروح لأهلها ليه؟ مش علشان تاخد راحتها؟ هي كانت فكرانا هنفضل مختومين على قفانا كتير؟.

ملأ البغض نظرات "مُرسي" ملأ الحقد قلبه تجاه ابنه، وأول ما بدر لذهنه أن يُسكته فالتقط الكوب المعدني الذي يجاوره ثم ضربه بجهته لكن الآخر تفاداها وعلت صرخة زوجته لتجده يصرخ بصوتٍ مقطوعٍ وأنفاسٍ هاربة:

_دلوقتي جاي تتكلم وتدافع عن شرف أخوك يا *** يا كلب يا ابن الـ****؟ ولما كنت بتقعد تفصص فيها بعينيك قبل ما أمنعها تقعد هنا علشان طبعك الوسخ دا كان حلو وكويس؟ مكانش وقتها دا شرف أخوك؟ دلوقتي جاي تعمل فيها دكر؟ ولا علشان طلعت محترمة ماخليتكش ترفع عينك فيها؟ بس تصدق بالله أنا بتمنى ربنا يخلصلها منكم كلكم، ومن منتصر إن كان جاي عليها هو كمان وسايبها ليكم تنهشوها.

حدجته "خيرية" ببغضٍ فيما وقفت "لُبنى" زوجة شقيقه تلوي فمها بتهكمٍ حتى ولجت "مروة" من الشقة وهرولت تجاه عمها تقول بلهفةٍ:

_أنا والله ما مصدقة يا عمي اللي حصل، وقولت إن دا يمكن يكون حرامي أو حد دخل البيت صدفة، خصوصًا إننا عارفين أخلاقها وعارفين عيلتها، لا هي واحدة من الشارع ولا واحدة مانعرفلهاش أصل من فصل، دي حتى لو مش هتخاف مننا، هتخاف من ربنا.

نظر لها عمها بملامح لم تكن واضحة، نظراته تائهة وقلبه يهفو لأجل ابنته، ابنة لم يُنجبها من الصُلب فأتته من رحمِ الحُب، أحبها بكل عمرهِ كما لو كانت صغيرته المُدللة، لذا ظل يتضرع للمولى ويبتهل لأجلها، لأجل سترها وحماية عرضها وشرفها من الانتهاكِ.

وقد صدح صوت هاتف "خلف" يكسر لحظة الصمت القاتم الثقيل فسحبه يجاوب على الاتصال ليجد أحد الرفقة يقول بلهفةٍ:

_بقولك إيه يا ياسطا حاول تخلع نفسك كدا علشان عرفت إن عزّام كلم ابن عمه اللي في مجلس الشعب بسبب اللي حصل لابنه وشكلهم هيعملوا حملة من القسم عليك، اهبأ في أي حتة لحد ما ألاغي حد من بتوع النقطة يرسيني على جِيهة الحوار إيه، بس أوعي تجيب سيرتي، يلا سلام.

ارتعدت فرائضه خوفًا، توجس خيفةً وبان ذلك فوق ملامحه الباهتة بينما أمه فسمعت المكالمة من صدى الصوت الذي خرج من الهاتف فسحبته من يده تواجهه بخوفها وهي تقول بلوعةٍ وخوفٍ:

_أمشي دلوقتي خالص، روح شوف خالك وأقعد عنده أنا مش مستغنية عنك، هما مهما حصل مش هيقولوا عنها هي حاجة، ومش بعيد يلبسوك مصيبة علشان يداروا على فُجر بنتهم وعملتها، أمشي.

وهنا تدخل "مُرسي" ينطق بتهكمٍ ويسخر منها بقوله:

_ويمشي ليه يا خيرية؟ مش ابنك المفروض على حق وكان بيدافع عن شرف أخوه؟ علشان تعرفي إنك وابنك كدابين، لو هو راجل بحق ربنا هيقف من غير خوف ويدافع عن شرفه، بس هو مش على حق، وأنتِ لو عارفة أنه مش على حق وبتساعديه ربنا هيخلصه منك في عمرك وصحتك، واحمدي ربنا إنك مالكيش بنت، علشان رباب يوم ما تدعي عليكم ييجوا فيكم قهرها على بنتها.

هو رجلٌ كهل مصاب بالعجزِ لكن ضميره لم يعجز، 
عقله نشط ويمتاز بالحكمةِ ولم تؤثر عليه الإصابة بشيءٍ، العجز في التفكير أكثر بشاعةً وظُلمًا من العجزِ في الجسدِ، وهو رغم عجزه لكنه الوحيد الذي نطق بالحقِ، في حين أن الجميع حوله ينطقون عُهرًا..
____________________________________

     <"الأمر حين وصل لروحي أصبحت مديونًا لك بها">

لم يخُنك الأمين..
لكنك أنتَ من آمنت للخائنِ، 
فشتان بين الاثنين في وضعهما وفي تفكيرك أنتَ 
فالأول كان مجبورًا على خيانتك
 والآخر كان يكره حتى أمانتك
فما خانك الأمين قط
 لكن أنتَ وحدك من سلمت المقاليد للخائنِ.

بداخل المشفى في حالة صمتٍ ثقيلٍ كان يجلس "عزام" ومعه الشاب الذي يعمل بالمقهىٰ وقاد السيارة بروح قتالية مستبسلة، كان يتحرك مستفسرًا عن حالة الاثنين خاصةً "ورد" التي احتاجت لنقل دمٍ عِوضًا عن الكم الهائل الذي نزف منها، بعد عملية الإجهاض وتنظيف الرحم زاد النزيف أكثر، كان وضعها في غاية الصعوبة، مع جروح وخدوش في جسدها ووجهها، مع كدماتٍ أصابت الضلوع نتيجة الارتداد فوق الدرجِ وهي تصطدم فيه.

وقد كان "حلمي" في غرفةٍ مجاورة يخضع للعلاجِ، ظهره كان جرحه غائرًا وعميقًا، احتاج ما يُقارب الأربعين غُرزة طبية كي يُغلق، وجرح كفه بالتقريب إحدى عشر غُرزةً طبية، مع شرخٍ في كتفه الأيمن نتيجة صدمته بالأرض حين دفعه "خلف" وهو يواجهه.

ولج "أدهـم" ركضًا وخلفه عمته وأخوه، وصل حين أشارت له الممرضة وقد لمح "عزام" فهرول له بأنفاسٍ مقطوعة وانبثق الكلام منه بغير وعيٍ أو تحكم:

_فين ورد؟ وحصل إيه يا عم عزام؟ خلف عملها إيه؟.

_أهدا يا أدهم، أهدا يابني هي جوة في أوضة العمليات، احتاجت دم والواد حُمص كتر خيره اتبرع ليها هو نفس الفصيلة، أقعد وقعد عمتك علشان الله أعلم باللي جاي هيكون إيه.

كانت "رباب" تقف بضياعٍ وتهزي بأسئلةٍ غير مفهومةٍ وقد أتى "عرفه" ركضًا لهم بعدما عرف المكان وترك كل شيءٍ، ولج يبحث عنهم حتى لمح زوجته فركضت باكيةً، كانت تصرخ وهي ترجوه أن يحمي ابنتها، ترجوه أن تراها، وحين استشعر قلة حيلتها ضمها وهو يقسم لها أنه لم يعرف أي شيءٍ..

خرجت الطبيبة من غرفة "ورد" فهرول لها "عزام" ومعه "أدهـم" الذي سألها بلهفةٍ عن أخته لتقول هي بأسفٍ:

_الحمدلله النزيف وقف وحاولنا قدر الإمكان إننا مانشيلش الرحم لأن النزيف كان زاد جدًا ومكانش فيه حل تاني، للأسف فيه أضرار كتيرة جدًا وكدمات وجروح، ولازم نعمل محضر بالواقعة، دا اعتداء بالعنف، والأستاذ اللي معاها حالته صعبة وتقريره الطبي محتاج علاج اكتر من ٢١ يوم، دا جُنحة يا جماعة.

هنا وقد فاض كيل "آدم" الذي التزم الصمت طويلًا، لقد حقًا تحمل أقصى من قدرة صبره وتحمله، فهدر صارخًا بصوتٍ جهورٍ أعرب عن العنف والسخط والنقم:

_أنا عاوز أفهم حصل إيه، محدش عاوز يرد ويجاوب ويقولي حصل إيه ليها، كلكم ساكتين كأنها متخصنيش أنا، إيه اللي وصلها للمرحلة دي؟ وحلمي ماله ومالها؟ أنـطقوا.

وزعت الطبيبة أنظارها بينهم ثم نطقت بثباتٍ:

_ يا فندم المدام جاية مُعنَّـفة ومضروبة والرحم تقريبًا حصله تهتك نتيجة العنف والضرب، وحصلها إجهاض ونزفت كتير جدًا، دا غير الكسور والجروح والكدمات اللي في جسمها، وفيه اشتباه في نزيف داخلي ودا هيكون وضعه أخطر، مين اللي عمل فيها كدا ووصلها للمرحلة دي؟ دا شروع في قتل يا جماعة مش هزار.

صرخت الطبيبة بنفاذ صبرٍ وطاقةٍ وقد حقًا أضناها الوضع والجهد المبذول لأجل التمسك بحياة "ورد" مرة أخرىٰ، خاصةً في حالة استئصال الرحم من جسد الأنثىٰ فهي كارثة حتمية، كيف تنزع عنها مصدر الحياة؟ كيف تحرمها من مصدر أمومتها وفطرتها كونها أنثى حنونة من الصِغرِ؟ لقد أشفقت عليها كثيرًا وهي ترى أفراد العائلة في حالة انهيارٍ.

سقطت "رباب" فوق المقعد صارخةً فيما هدر "آدم" بعنفٍ وهو يتساءل عن الجاني، يسأل عن الفاعل الذي دمر أحلامهم جميعًا، يسأل عن سبب سرقة أحلامه وتحويل الربيع لخريفٍ في عينيهم، من الذي تجرأ وفعلها، وما علاقة "حلمي" بها؟ كيف أصيب هو الآخر؟ حتى جاوب "عزام" التساؤلات بقوله موضحًا موقف ابنه.

وقتها نُشِبت النيران في أعين الأخوين، الظُلمة ملأت قلبيهما المُضائين، وكلًا منهما يتمنى لو كان "خلف" نصب عينيهما الآن وفيهما "آدم" الذي خرج من المشفى مهرولًا متجاهلًا كل النداءات، خرج كما الطلقة الحُرة من فوهة السلاح لقناصٍ لا تخيب ضرباته.

بينما "أدهـم" فتحرك يسأل عن غرفة الرفيق القديم، كان يشعر بالترقب والخوف لأجلهِ؛ بالأخص بعد ما عرفه من "عزام" فشعر بعدة مشاعر مختلطة، بين الخوف، القلق، التردد، الامتنان، التيه، الأُلفة مرة أخرى، الاشتياق لشيءٍ كان موجودًا وغاب من بينهما..

ولج الغرفة ليجده فوق الفراش يجلس بميلٍ طفيفٍ للأمامِ، كفه ملفوف بالضماد الطبي، وكذلك ظهره المكشوف وكتفه المُجبر بحاملٍ سميك أزرق، وقد تلاقت الأعين معًا، رائحة عطر "أدهـم" سرقت انتباه "حلمي" الذي توسعت عيناه وحرك رأسه بعنفٍ ناحية مصدر الصوت، وجد "أدهـم" يقدم قدمًا ويؤخر الأخرىٰ، يمشي ناحيته بترددٍ حتى وصل.

_أنتَ، أنتَ كويس يا حلمي؟.

سؤالٌ خرج بصعوبةٍ منه لرفيقه كأنما يُجاهد للحديث في حربٍ فيها السلاح مَخفيًا عن الأعين، والآخر تعلق به بنظراته كأنه طوق النجاة الوحيد الذي يعرفه، لأول مرةٍ منذ ثلاث أعوامٍ تمر بينهما هذه النظرات الصافية، نظرات تمحو في طريقها كل كدرٍ كان بينهما يُعكر صفوهما..

_على حسب أنتَ جاي ليه؟.

الجواب الذي نطقه "حلمي" كان غريبًا وكأنه يخشى أن يُوهب لنفسه أملًا بدون وجه حقٍ، خشىٰ أن ينتظر الأمل فيتركه وحيدًا ويفل عنه بعيدًا، وقد اقترب "أدهـم" أكثر ونطق بسخريةٍ سوداء أتت من ألمه:

_جاي علشان في كل الأحوال أنا مديونلك بكتير أوي، بس المرة دي كبيرة عليا، كبيرة على إني أنكرها وأقول ماحصلش حاجة، في الأول والأخر أنتَ كنت بتحمي شرفي وعرضي من الناس، وواجب عليا أردلك حقك، حقك على راسي يا "حلمي".

ابتسم "حلمي" بسمة غير مكتملة وحزينة، بسمة لم تصل لعينيه لكنها كانت جلَّ ما استطاع أن يُعبر به، ثم تنهد بقوةٍ وقال بصوتٍ مبحوحٍ بعدما بعثرته المشاعر:

_لا حق ولا حاجة، أنا مش عاوز منك حق، أنا عاوز صاحبي يرجعلي تاني زي ما كان، عاوز مكاني اللي اتعودت عليه يفضل موجود، أنا والله العظيم ما أعرف أرتاح، بس كان لازم أعمل كدا، غصب عني كان لازم أعمل كدا، حط نفسك مكاني وشوف نفسك تعمل إيه علشان ورد ولا علشان مراتك حتى، أنا أجبرت نفسي أنساها علشان بس عرفت إنك بتحبها، بس والله مكانش قدامي غير كدا.

أطبق "أدهـم" جفونه يخفي عينيه ثم أطلق زفرة قوية من صدره المكتظ بالغضب الأعمى ونطق بصوتٍ زهوقٍ:

_مالهوش لزوم الكلام دا يا حلمي، كل واحد بياخد نصيبه ورزقه في الدنيا وهي نصيبك ومكتوبالك زي ما أنا لاقيت نصيبي، أنا بس جاي أشكرك على اللي عملته مع ورد، وتكاليف المستشفى والجروح دي عليا، ماتشيلش همها وأي فلوس هتد….

_فلوس إيه !! وتكاليف إيه اللي بتتكلم عنها ! هو أنا مستني منك تكاليف وفلوس ولا شايفني جعان مش هقدر أصرف على نفسي؟ أنا كان كفاية عندي سؤالك عليا وخلاص، ولا حتى عاوز منك شكر على اللي عملته، بس الظاهر إني مش لوحدي اللي خيبت، شكلك أنتَ كمان خيبت ونسيت الأصول.

هكذا بتر "حلمي" حديث رفيقه قبل أن يُكمله، وقد أحس كلاهما بثقل اللحظة عليه، حيثُ لحظة الصمت القاتمة التي تمر بين غريمين تقابلا عند مُلتقى باب الصُدفِ بعدما كانا أعز رفيقين لبعضهما، صدفة تجمع الصديقين فيضطرا آسفيْن لتجاهل بعضهما بنظراتٍ مرتبكة، أو إعمار الخراب الذي حل بينهما..

وقف "أدهـم" بترددٍ ثم اقترب فجأةً وضم "حلمي" الذي أجفل جسده، كانت لحظة صمتٍ بلغت كل الأقاويل التي قد تُقال في مثل هذا الموقف، لحظة واحدة مرت محت في طريقها كل لحظات الخصام التي دامت لسنينٍ، رفع "حلمي" كفه المُضمد وضم رفيقه بضعفٍ وبكى مرغمًا بقدر كل الألم الذي عاشه بينه وبين نفسه.

في الحارة نفسها…

نزل "آدم" من سيارة الأجرة التي أخذها كي تقله لهناك، انطلق منها كما الشظايا السريعة حين تصيب وجهتها وتوجه لشقة "مُرسي" ضرب الباب بكفيه ورفع صوته الغاضب بعنفٍ عاصفٍ كما صوت رياح الشتاء:

_أفتح الباب يا عم مُرسي، افتحي الباب يا خيرية بدل ما اكسره فوق دماغك أنتِ وابنك الحيلة، افتحي الباب بقولك.

في الداخل لطمت فوق صدرها وأخذت ترطن بكلماتٍ غير مفهومة حتى تحرك "مُرسي" بمقعده وواجهها بكلماته الباترة:

_ما تردي عليه ولا عاوزة بعد عملتك أنتِ وابنك دي يسكت؟ فاكراه زي صفيحة الزبالة اللي أنتِ مخلفاه؟ أنا هفتحله.

تحرك يفتح الباب وهي لم تمنعه حتىٰ، وإنما حاولت أن تدس نفسها بداخل إحدى الغُرفِ لكن "آدم" أندفع للداخل وهدر في عقر دارهم صارخًا بتجبرٍ:

_أنا عاوز أفهم ابنك الشمام دا شاف إيه من ورد علشان يعمل كدا فيها، ابنك اللي أختي عطفت عليه وكانت بتسيبله مصروف بيتها علشانكم يا عالم يا جعانة يا عرر، ابنك اللي مسافر وراميها ومايعرفش عن الرجولة حاجة غير وهو معاها في الشقة بس فين من كل دا؟ مراتك اللي عاملة نفسها هانم وأختي بترعاها علشان ست كبيرة حطت في بوقها جزمة دلوقتي؟ أقسم بالله لو ما قولتولي خلف راح فين لأقلبها جحيم على راس أبوكم، مش هيفرق معايا حد ولا سن، ابنك فين يا عم مرسي؟.

أعطاه العجوز كل الحق، كافة الحق معه ولن يعترض، فماذا يؤلم الرجل بعد السُمعة والشرف المُلطخ بالروثِ؟ لذا جاء رده بحسرةٍ:

_والله يابني ما أعرف مكانه، بس اللي أعرفه إنه راح لخاله ماعرفش والله العظيم أنهي واحد فيهم، ولولا عجزي كنت قومت قطعت راسه ورميتها لكلاب السكك، طمني يابني ورد أخبارها إيه؟.

يسأل بأملٍ كذابٍ، وينتظر الجواب غير القادم؛ فأتاه بوجعٍ:

_أنتَ بجد بتسأل !! ورد أجهضت وجالها تهتك في الرحم والدكاترة هناك بيحاولوا علشان مايشلوهوش، احتاجت دم علشان اللي نزفته على الأرض ولسه تحت مانشفش، مكسورة والله أعلم بيها وبحالها، بس ورب العزة، زي ما الأرض اللي تحت دي ماشربيتش دمها أنا كمان مش هفرط في حقها، وأنا اللي هشرب من دم ابنك، مش واحد فيهم، الاتنين.

أنهى تهديده بعدما تحول لوحشٍ ضارٍ لا يرحم، فريسة الأمس هو ضارية اليوم، الغابة لم تلِق بالرحيم، فإذا كانت الزرافة صاحبة المباديء؛ يبقى الأسد هو سيد الغاب ورئيسها، واليوم هو يُبدل كل المباديء لأجل الثأر..

نزل من البناية وقبل أن يمشي ناداه صاحب محل البقالة الموجود في مواجهة البيت، وقف يحدجه بنظراتٍ حادة فحدثه الرجل بضياعٍ:

_أنا عارف إن أنتَ أخو مدام ورد، والله يابني ما كنت هنا ولسه جاي لاقيت ابني بيحكيلي اللي حصل، ومراتي اللي اتصلت بيكم في البيت، أنا عندي هنا كاميرا في المحل جايبة اللي حصل، يمكن تفيدكم بحاجة، والله ما حد يصدق اللي حصل دا كله، دي ونعم الأدب والأخلاق.

تلهفت عيناه بعجالةٍ عند ذكر الكاميرا والتصوير ثم ولج المحل معه بخطواتٍ ضائعة، وقف يشاهد الكاميرا ولمح الشاب الذي يجري حافيًا وهو يرتدي خُفيه ثم بعدها بمقدار دقيقتين أخته تُرمى فوق الأرض بمنتهى القسوةِ !! توسعت عيناه وضرب السطح المجاور له ليرى اعتداء "خلف" السافر عليها..

حيث كان يضربها في بطنها ويركلها بقدميه، يصفعها فوق وجهها ويمسك خصلاتها ثم يعود ويضربها مرة أخرى، يرجع ويضرب بطنها ثم يعود ويصفعها مرة أخرى وهي تتوسله بضعفٍ، ترفع كفها بوهنٍ في محاولةٍ منها لتحمي نفسها وهو يزيد ضرباته أكثر، ترجوه وهي تزحف أرضًا حتى هجم عليها وشد خصلاتها ثم ضربها بالأرضِ فارتطم رأسها بالأسفلت وغابت عن الوعي..

اندلعت النيران كما حركة الثعبان لصدرهِ تحرقه، النيران في قلبه تقارب حجم غابات الهند بأحطاب المُدن كافة في القارة، ضرباته تعالت بعنفٍ وكأن قلبه يضخ نارًا وليس دمًا، خُيّل له ضعفها وقلة حيلتها وهوانها على الناس حولها، رأى بأم عينيها الوردة تُدهس أسفل الأقدام ولم يحرك أحدهم ساكنًا لحمايتها، نزلت عبرة واحدة من عينه لأجلها..

وفجأة أتى شرير حكايته يستحوذ على دور البطولة في قصتها، "حلمي" الذي ولج وضرب "خلف" وتشابك معه بعنفٍ، ثم هرول يحملها وينقذها، حتى أتته الضربة الغادرة في ظهره فعطلته عن إنقاذها، تابع المشاهد التالية بانفعالاتٍ مكبوتة كأنه يتابع فيلمًا في غاية الرُعب، أخته المسكينة بُعثِرت أحلامها كما سنوات العُمر الضائعة في عمر فاقد الأهلية.

انتبه لجرح "حلمي" وضربه للداعر المسمى "خلف" فزادت نيرانه اشتعالًا، لأول مرةٍ يشعر بهذا الكم من الحقد والغضب تجاه أحدهم، لأول مرةٍ يبرر كل الوسائل حتى يصل لغايتهِ، هو في مواجهة العالم وحده ويا ويل العالم من انقلاب طوفان حكيم العقل إذا أصبح مجنونًا في الطرقات، 
حيث يحمل على روحه على كفوفه وكل من يعترض طريقه يصبح مقتولًا.
____________________________________

  <"الحقوق المُغتصبة لا تسترد بالحكمة، اشترِ سلاحًا">

بعض الحقوق حين ينتزعها منك حامل السكين،
 لا تذهب وتستردها منه بباقة زهورٍ، فإذا اعترض طريقك سارقٌ لا تنظر لحاجته بعين الشفقة، لكن انظر لحقك أنه يُسرَق منكَ، الحق المغتصب لا يعود بالمنطق، وإنما يحتاج لتفكير الضارية..

رحلت عائلة "نـوف" بعد تسوياتٍ فرضها عليهم "طاهر" أهمها الاعتذار لأهل البيت، ثم طلب العفو والصفح من "نوف" وأسرتها، تقديم الاعتذار لابنه الذي أهانه عمها وابنه، فرض سطوته عليهم وفرض سطوة "نـوف" على أملاكها وحقوقها دون تدخل أي فردٍ منهم.

وبعدما رحلوا عن البيتِ جلس "طاهـر" رفقة نوف وابنه بعدما دعتهم "إسراء" لتناول الطعام معهن، وقد قبلها "طاهر" لأجلها هي، وقد جلسوا حول المائدة مع بعضهم فتحدث "طاهر" يوجه كلماته لزوجة ابنه بهدوءٍ باسم الوجه والمُحيا:

_شوفي يا نـوف أنتِ دلوقتي بقيتي مرات غسان، وغسان مش بس ابني الوحيد، دا كل عيلتي هو ورئيفة وحياتي كلها، ويمكن الحسنة الوحيدة في حياتي اللي أبوها عملهالي هي إنه جمع طريقي بطريق رئيفة، علشان وقتها أعرف ألاقي نفسي، فمش معنى إنك قابلتي غسان بطريقة زي اللي اتقابلتوا بيها يبقى تفتكري أنه مغصوب، بالعكس أنا ابني طول عمره حُر.

ابتسمت هي له فيما نظر في وجه ابنه الذي بانت علامات الراحة فوق ملامحه فأضاف مُكملًا:

_أنا بس جمعت طريقك بطريقه بس دا مش معناه إنه مجبور، غسـان عنده استعداد يعمل أكتر بكتير من اللي تتخيليه علشان تكوني بخير ومحدش يرفع عينه فيكِ، وعاوزك من دلوقتي تعتبري نفسك إن أنتِ اللي بنتي مش هو، هو اعتبريه الـ Bodyguard بتاعك وأنا اللي معينه ليكِ.

كتمت ضحكتها وهي تطالع زوجها الذي قال مبتسمًا بمرحٍ:

_بقى دا اسمه كلام؟ طب بالله عليك فيه Bodyguard بالحلاوة والطعامة دي؟ شوفتوا فين زيه دا قبل كدا؟.

ابتسمت له هي الأخرى حتى ردت "فريدة" تثني عليه وعلى تربية والديه له وقد تحرك "طاهر" بعدما ودعهم لأجل الذهاب لزوجته وترك ابنه رفقتهم، وقد تحركت "إسراء" بعدما أشارت لأمها لكن قبل أن تختفي مالت على شقيقتها تهمس لها:

_حاولي تتلحلحي شوية معاه الله يكرمك، محتاجين نكافأه.

ضربتها "نوف" في قدمها وهي ترسم بسمة كاذبة فوق وجهها بينما هو انتظر اختفاء أختها ثم وجه عينيه لها يسألها بهدوءٍ:

_بقيتي كويسة دلوقتي؟ أتمنى تكوني أحسن.

حركت رأسها توميء له ثم تنهدت وأضافت بثباتٍ:

_أحسن كتير الحمدُ لله، وحقيقي مهما أشكرك أنتَ وعمو طاهر عمره ما هيوفيكم حقكم، بجد أنا للحظة حسيت باليأس فجأة وقولت كل حاجة هتقلب فوق راسي، بس ماعرفش طلعت فجأة منين وحسيت بأمان غريب أوي أول ما شوفتك، اتتفست أخيرًا وبقى عندي استعداد عادي أقف في وشهم، الكلام قليل في حقك يا غسان.

توسعت بسمته واستقرت روح الحياة في عينيهِ، كأنه يطالع شروق الشمس في صُبحٍ جديدٍ من بعد ليلٍ طال عليه ومنع عنه الحياة، ولقد أجاد الاختيار حين شبهها بالشمسِ، فهي تملك طلة الشمس الأولى في كل نهارٍ، لها نفس أثر الحُرية على قلبِ السجين، طالت نظراته في وجهها وقبل أن ينطق صدح هاتفه يشق الصمت ويبتر حديث الأعين..

جاوب على الهاتف ليجد أمه تنطق بلوعةٍ وقلقٍ وصلاه عبر المكالمة:

_تعالى علشان خاطري يا غسـان وديني عند أدهـم علشان علا لوحدها هناك وأدهـم كلمته بيقولي إنه في المستشفى مع "ورد" عيلة جوزها منهم لله ضربوها وسقطوها، حاول تيجي علشان خاطري أنا مش على أعصابي من الصبح.

انتفض من مجلسه ينطق بصوتٍ هادرٍ:

_ورد !! إزاي دا؟ طب مستشفى إيه خليني أروحلهم ولا كلمي بابا زمانه قرب عليكِ خليه يروح ليهم وأنا مسافة السكة بس وهاجيلك، اجهزي أنتِ.

انتاب القلق قلب زوجته التي طالعته بخوفٍ فوجدته يسحب متعلقاته ونطق بلهفةٍ يعتذر منها بقوله:

_معلش يا نوف حقك عليا، بس ولاد خالتي حصل عندهم ظرف صعب شوية وماما لازم تروحلهم وأنا مش هينفع أسيبهم، حقك عليا والله بس خلي موبايلك مفتوح، وبالله عليكِ ماتفتحيش الباب تاني لحد، عارف إنه كان تصرف منك غصب عنك بس ركزي.

_حاضر متقلقش بس طمني وعرفني ورد مالها.

رحل من البيت في لمح البصر بينما هي نظرت في أثره بخوفٍ، بمجرد أن تحرك ليرحل أحست بقلة الحيلة لأنه غادر، هذا الغريب الذي كانت تخشى وتطلق في حقه الأقاويل، هي بنفسها الآن تشهد أنه أمسىٰ أهل القلب وكل ناسه، رحيله عنها ذكرها بغياب والدها حين كان يسافر في صغرها لبعض المأموريات داخل جهاز الحكومة، نفس الشيء يتكرر حين ابتعد "غسان" فتكررت هواجس خوفها، فماذا إذا عادوا أهل أبيها مرة أخرىٰ؟.
لا بأس، كما أتى اليوم سوف يجيء كل يومٍ..
____________________________________

 <"إحقاقًا للحقِ كنا لكم أكثر من مجرد معرفة، لكم الشرف">

بعض الناس في حياتنا لم يكونوا مجرد دروسٍ عابرة..
ولا حتى تنفعنا معرفتهم بشيءٍ،
 هم فقط أتوا ينالون شرف معرفتنا 
ومن ثم يعودون من جديد ليتحدثون عنا بكل شرٍ
لكن منذ متى وواثق الخطى ينظر خلفه
 ليتأكد من حديث العابرين عنه؟.

في شقة "يحيى" انتابت ابنته نوبة غضبٍ بعدما استمعت للصراخِ المرتفع في أرجاء البناية، وبكل أسفٍ ارتجفت وهي تركض لعناقِ أبيها تندس فيها فضمها بقوةٍ ليجدها تتمسك به وتطالع الفراغ بنظراتٍ ضائعة، كانت عيناها شاخصتين باللاشيءٍ، مذعورة برعبٍ حتى مسح فوق وجهها، وعلى عكس المعتاد طالت نوبتها حتى عادت لرُشدها، وقد جلس بقربها وحاول أن يتحدث معها، مسح فوق وجهها وهو يسألها:

_مالك يا رحيق؟ مين زعلك طيب؟ الصوت خلاص مشي ومفيش حاجة، بصي الدنيا هادية إزاي؟ أنا أهو معاكِ، تيجي تنامي في حضني شوية طيب؟ تيجي؟.

ضمها مرة أخرى لعناقهِ ومسد فوق رأسها حتى نامت، مسكينة وهي تنام بصمتٍ هكذا دون أن يصدر صوتٌ منها يعبر عن طفولتها الحُرة، لقد أذنبوا جميعًا في حقها وحق أبيها، لكنها حقًا تعاني من عدة اضطرابات نفسية مستعصية، تحتاج للكثير من الوقت كي تُعالج، حتى نوبات الذعر والصرع حين تداهمها تسلب منها حق الحرية في التنفس.

رنَّ هاتفه برقم "يُسري" فالتقطه مُسرعًا ليقول الآخر بهدوءٍ:

_وحشتني قولت أتطمن عليك، أخبارك إيه؟.

_أهو عايش.

جاوبه بهذا الضياع حتى ضحك "يُسري" ونطق بسخريةٍ:

_دا أنتَ ابن حسني جدًا، أبوك برضه بيقول نفس الجملة.

عند ذكره لوالده تنهد "يحيى" بقوةٍ ونطق بصوتٍ مقتولٍ:

_طمني عليه يا يسري هو عامل إيه؟.

نبرته أوشت بسوء حالته فجاوبه ابن عمه بصدقٍ دون أن يخفي عنه أي شيءٍ أو يواري أحوال الجميع حتى "مُراد" هو الآخر أخبره عنه وعن قصته المؤلمة، أخبره عن البيت الذي أمسى مُظلمًا وكأن الضوء لم يكن فقط بمجرد مصابيحٍ مُضاءة، النور في البيت يأتي من قلوب ساكنيها..

_خليه يعمل كدا يا يُسري علشان يفوق، مُراد مهما كان معذور بالنسبة لينا كلنا، أنا وأنتَ عارفين هو خسر إيه، خسر أغلى اتنين على قلبه يُعتبر كدا، وأنا عارف هو ومودة كانوا قريبين من بعض إزاي، زي ما أبويا وأبوك توأم وقريبين من بعض.

وهنا نطق "يُسري" بنفاذ صبرٍ يشرح وجهة نظره:

_أفهمني بس يا يحيى، هو لما يقف ويعمل كدا ويساعد في حاجة زي دي هتفتح عليه جروح كتيرة هو في غنى عنها، هو مش محتاج كل دا يعيشه تاني علشان يحس بخيبته، الموضوع مش سهل، تخيل دلوقتي تروح فرح واحدة كانت روحك فيها، يا سيدي لو هي مش نصيب هيثم دا وممكن ترجع تاني لمراد، هيبقى شعوره إيه لما يفتكر إنه حضر فرحها؟.

ضحك "يحيى" رغمًا عنه ونطق بيأسٍ يُلقي مزحة من بين يأسه طويل المدىٰ والأجل:

_يعني عاوزه يقف يغنيلها أعذريني يوم زفافك؟ يا سيدي هو حر يختار براحته، لا أنا ولا أنتَ ولا أي مخلوق غيره هو هيساعده يتحرك من اللي هو فيه دا، اسمع مني أنا.

_حاضر يا يحيى، بس لازم نشوف حل علشان ترجع تاني الغردقة، مش هتفضل أنتَ وبنتك برة كتير كدا، على الأقل تبقى جنبنا هنا وتشوف فلوسك وحقك، وتتمتع بفلوسك، لا راضي تاخدها ولا راضي تيجي تشوف حقك ولا عاوز حتى نسلمها لأبوك، أنا علشان أخلص ضميري هحطهم وديعة علشان خاطر بنتك، تبقى حاجة ليها علشان الزمن مش مضمون.

من جديد يشعر بالتخبط والضياع في أخذ قرارٍ هكذا، لكنه أيد رأي رفيقه ووافق على الحفاظ على المال لأجل ابنته، هي أحق بكل شيءٍ، أحق حتى بحياته وأنفاسه منه هو.
ولأجلها هي تُحرق ألف مدينة، 
ويغادر لأجل ضحكتها كل الأوطان
ولأجل فقط رؤياها نصب عينيه قد يهجر كل البلدان.

في مدينة الغردقة ليلًا..

فوق الجسر جلس "مُراد" عند نهايته يترك قدميه داخل المياه، ورُغم برودة الجو لكن هذه البرودة لم تجتاحه وتُطفيء نيرانه، لذا رفع رأسه يُراقب نجوم السماء الحالكة ويبتسم بسخريةٍ لأنه اشتاق للنصف العامر من كُلهِ الرث الخرب، اشتاق للجزء المضيء من روحه بعيدًا عن كله المُنطفيء..

وصله دبيب خطواتٍ خلفه بالتقريب يعرف صاحبها لكنه آثر ألا يلتفت، ظل ثابتًا بموضعهِ كأنه يتحدى نفسه، وبالفعل نجح في التحدي بقدر ما فشل في التخطي، وعندئذٍ وصله الصوت الراجف المُلَجلج يقول:

_ممكن كلمتين يا مُراد؟.

_مابقاش ليهم لازمة خلاص يا هاجر، الكلمتين بتوعك دول لا هيقدموا ولا يأخروا حاجة، وفريهم لخطيبك هو أحق بكل كلمة منك.

رد عليها بهذا الرد الذي يشبه سوطًا حادًا ينزل على الجلد يبتره من قسوته، وقد وقفت هي تستطرد أنفاسها وكذلك كلماتها فقالت بصوتٍ أقرب للبكاءِ حين اعتدل وواجهها بعينيهِ:

_أنا ماكنتش أعرف والله إنه هيعمل كتب كتابنا هنا، وماعرفش ليه هو مصمم على المكان دا وكأنه بيعاند بس معايا، بس والله مش أنا السبب، ومجيتي هنا بس..

_بس علشان تقوليلي إنك نسيتيني خلاص ومفيش حاجة تانية ممكن تخليكِ تفكري فيا، وإنك مش مستعدة يتقال عنك سابت خطيبها علشان حبيبها القديم، وياريت لو أتكرم وماجيبش سيرة اللي كان بينا قدامه، وأنا هقولك أني أصلًا مش فارقلي حاجة.

بتر حديثها حين تولى الحديث هو وخطفه من طرفها ورد به بدلًا عنها، وقد توسعت عيناها لأنه بالتقريب نطق بما كانت تنتوي نطقه، لكنه ابتسم بسخريةٍ ثم أضاف مستفسرًا:

_طبعًا مستغربة أنا عرفت منين الكلام اللي لسه كنتِ هتقوليه، بس هقولك إن مفيش حد في الدنيا دي كلها يعرفك قدي ومحدش حافظك قدي برضه، علشان كدا عارف تفكيرك هيوصلك لفين، مش دا كلامك؟.

لوهلةٍ أحست أنه يظلمها، حيث هو يتجه للعاطفة بينما هي امرأة بكل أسفٍ تستسلم للعقلانية وتترك نفسها تحت وطأتها، فنطقت ببكاءٍ:

_أنتَ ليه مصمم تطلعني الجزء الوحش في حكايتك؟ ليه مصمم تخليني أنا اللي ظلمتك؟ محدش ظلمك غير نفسك يا مُراد باللي عملته في نفسك، من واحد الناس كلها بتحلف بشطارته وحماسه وشغفه وشغله لواحد حابس نفسه بعيد عن الكل، واحد حتى مش عارف هو عاوز إيه، من وجهة نظرك أنتَ شايف إيه اللي كان ممكن أعمله؟.

توسعت عيناها وهي تُهاجمه بكل عنفٍ، ترفع عليه في ضعفه سلاحًا وهو حين كان في أقصى قوته حارب المدينة بأسرها فقط لأجلها ولأجل حُلمها، ابتسم بسخريةٍ وأضاف:

_تصدقي معاكِ حق؟ أقولك أقرب حاجة؟ لما كنت في الجامعة متعين معيد جديد وأنتِ لسه بتشتغلي على مشروع تخرجك اللي اترفض بسبب مخالفة القواعد حصل إيه، كان فيه واحد عبيط كدا اسمه مُراد صعبتي عليه، قرر يساعدك ومد إيده ليكِ وراح لحد رئاسة الجامعة علشان خاطرك أنتِ وعلشان مشروعك يتقبل وتاخدي فرصة تانية، لا قال عنك فاشلة ولا قال في حقك حاجة، مراد دا هو نفسه اللي لومتيه على فشله.

رد لها الطعنة بمثيلتها، لم يصمت ولن يفعل هكذا، رُبما تكون نسيت لكنه لن ينسى أنه قدم أفضل ما عنده لأجلها، وقد تنهدت هي ونطقت بتلجلجٍ حين أربكها حديثه:

_مكانش لوم على قد ما كان زعل علشانك، زعل على طاقتك وشغفك وشغلك اللي كنا بنسعى علشانه شهور وأيام، مكانش لوم بس كان حسرة على جهد تعبنا فيه، ولما جيتلك لاقيتك مش عاوزني، لاقيتك أصلًا مستغني عني، قولت يمكن لما أسيبك شوية تفوق ولما….

_لما إيه؟ هـا !! لما تمشي وأنا في وضعي دا كدا هاكون أحسن يعني؟ لما تسيبيني وأنا في عز جرحي ووجعي كدا هاكون كويس؟ مشيتي وخلفتي وعدك إنك معايا ومكملة، وجاية وأنا ميت تلومي عليا إني مش عارف أعيش؟ بتلومي في مين؟ رجعتي بعد قد إيه؟ شهور تانية من غيرك، لاقيتي إيه؟ واحد سكران مش شايف قصاده، ساب كل حاجة ورمى الدنيا ورا ضهره، طبيعي مايليقش بيكِ، يليق إزاي بالباشمهندسة؟ لازم نشوف حد مناسب، حد مايكونش عنده صداع وقرف وحزن وغم فوق دماغنا، حد تفكيره عملي، لاغي عواطفه خالص.

أخرج هو كل الحديث المكبوت في صدره منذ أن رحلت عنه، منذ أن أنسلت كفها عن كفه وتركته وحده يعاني كل شيءٍ وعلى رأسهم الخوف، حين تركته وحيدًا صريع الأذىٰ من الدنيا والفراق، لذا هو تركها تلك المرة باكيةً وحين مر بقربها نطق بتهكمٍ مريرٍ:

_مبروك يا عروسة، بس حاولي المرة دي تحلي خلافاتك بدري بدري، بلاش تخسري دا كمان، ولا عاوزة الناس تقول الباشمهندسة اللي مافيهاش غلطة باظ ليها جوازتين؟.

كان يعلم نقطة ضعفها، يعلم أنها تخشى كلام الناس وكثرة التراهات التي يتناولوها بين بعضهم، يدرك تمام الإدراك أنها تهاب الفشل وسيرته، وتخشى النظرة الواطئة من المجتمع، وبدا وكأنه انتزع سيفها من قلبه ويضربه بقلبها، ثأر أخيرًا لنفسه ليكتب في نهاية قصته، أقسى نهاية وأقسىٰ فراقِ..
وقد كان أبلغ الأوصاف في حالتهما يقول:

-مثلك أنتِ يبدو كأمنيةٍ يستحيل تحقيقها..
كما الذي يعشق نجوم السماء
 لكن ما باله بها؟
 فهل بعشقه لها فقط سوف ينالها؟ 
____________________________________

<"تلك الجريمة أولًا كانت في حق الإنسانية، ماذا عن حقي">

بعض الجرائم حين تُرتَكب يعتبرونها الناس شنيعة في حق الإنسانية، مثل الذين يصرخون لأجل الدفاع عن حق هرة صغيرة بالطريق، وهم بذواتهم من يتجاهلون الإنسان الذي يصرخ من قوة الظُلم، فالأولى هي جريمة في حق الإنسانية،
 لكن ماذا عن حقي أنا كإنسانٍ؟.

بداخل المشفىٰ خرجت "ورد" أخيرًا من غرفة العمليات بعد إنقاذ الرحم من الاستئصال، كان الحل الأخير بعد عودة النزيف وقد تبرع تلك المرة والدها لأجلها، حالتها كانت في غاية الصعوبة، وأمر إنقاذها بدا مرهقًا على الطاقم الطبي، وقد عاد "آدم" ووقف لكن بحالٍ غير الحال..

تلك المرة عيناه بدتا كما الجمر المشتعل، كأن كل أحطاب البلدة تحترق في مُقلتيهِ، وقف بضياعٍ حتى لمحها فوق الفراش المدولب فهرول مع هرولة والديها، لمحها فاقدة للوعي والحس والإدراك، وتذكر ما رآه في الشاشة فعادت النيران تشتعل، وقد لمحه "غسـان" فاقترب يجاوره وقال يعلن تضامنه معه:

_بكرة هاجيبلك قرار خلف، واجيبهولك لحد عندك كمان.

_الحاجة الوحيدة اللي هتخليه حي هي إني أموت وروحي تطلع.

نطقها بصوتٍ قاتمٍ وكأنه أقسم على الثأر لنفسه، وقد زاد الضجيج فجأةً بصياح "لمار" التي ركضت وهي تنادي زوجها ببكاءٍ وخوفٍ، أمام الجميع نادته فانتبه لها كلًا من "آدم" و "أدهـم" وقد عرفت الخبر عن طريق زوجة والده التي اتصلت "لمار" بها حين فشلت في الوصول إليه؛ لتخبرها الأخرىٰ بما حدث وبمكان المشفىٰ أيضًا الذي أخبرها به "عزام".

هرولت لهناك بغير وعيٍ ولا معينٍ، وقد أخبرتها الأخرى بمعلومةٍ مغلوطة والله وحده من يعلم نيتها، فهي قالت لها أنهم ذبحوه وقطعوا عنقه، ووقتها أصاب الجنون عقل "لمار" خوفًا على رفيق روحها، حتى من عجزها لم تطلب مجيء والدها وكأنها لم تعترف بدوره في الحياةِ..

كادت أن تسقط أمام الناس فاندفع "أدهـم" وأسندها هو أولًا، وجدها تبكي وهي تنظر في وجهه وسألته ببكاءٍ:

_حلمي فين؟ هو عايش صح؟ حلمي كويس؟.

لهفتها وصرختها وبكاؤها كلها أشياء تؤكد له أن ما بينها وبين "حلمي" تخطى الحب، هي لم تكن مجرد زوجة أو حتى شريكة حياة، هي تبكي كأنها على وشك فقد حياتها، عادت تهزي بانهيارٍ وترطن بحديثٍ غير مفهومٍ فتدخل "عزام" ينطق بجمودٍ لها:

_بطلي حركاتك دي وأسكتي مش ناقصين تفرجي الناس علينا.

حدجه "أدهـم" بحدةٍ بينما هي فلم تنتبه أصلًا لحديثه، هي في عُمق نوبتها وفي حالة غيابٍ تامٍ لرُشدها ووعيها، فأخذت ترطن بالحديث المبهم قصده حتى هدر فيها حماها وهو يتهمها بالتمثيل، لكن قبل أن ينطق "أدهـم" ويُدافع عنها، خرج "حلمي" ووقف يردع والده بقوله:

_أنتَ بتكلمها كدا ليه؟ وبتعلي صوتك عليها ليه؟.

نظر والده في وجهه بخوفٍ منه لأنه يعلم إلى أين تصل وقاحة ابنه، لكن "حلمي" تجاهله واقترب منها ثم ضمها لعناقه بقوةٍ، ضمها وضغط على رأسها وهمس لها بصوته يعيدها لوعيها:

_أنا أهو قدامك يا لمار، أنا كويس متخافيش ومعاكِ أهو، أنا كويس والله، بصيلي كدا طيب.

حثها بصوته الذي تحفظه عن ظهر قلبٍ، رفعت عينيها بخوفٍ تواجهه ثم بدأت تبحث في عنقه عن الدم، تستبين إن كان حيًا أم فارق الحياة، تتأكد أنه معافى من الشرِ والذبحِ، وحين تيقنت ضمته برعبٍ وهلعٍ وخوفٍ وبكت بصراخٍ وقد داهمتها النوبة مرة أخرىٰ، تكومت في عناقه كما الجنين فظل يهديء روعها، كل ذلك تابعه "أدهـم" بدهشةٍ لكن "عزام" طلب من ابنه بهدوءٍ:

_مراتك شكلها أعصابها تعبانة من الخضة، خدها وأدخل جوة علشان جروحك السلك لسه جديد وكدا هيتفك، ادخل يلا.

التفت بها "حلمي" يواريها عن الأعين كافة، يعلم أن هذه هي البوادر فقط من النوبة، وإذا ابتلعتها الدوامة لن يستطع توقفها، أغلق الغرفة تحسبًا لأسوأ الظروف ثم جلس بها وهي في عناقهِ تبكي وتستفسر عنه وتُناديه رُغم تواجده معها وجلوسها في عناقهِ وأمانه يحاوطها..

عند باب المشفى الخارجي توقفت سيارة "سُليمان" الذي احتكت بالأسفلتِ أسفل منها وقبل أن يخرج من السيارة صدح صوت الهاتف برقم "منتصر" فخطف الهاتف يجاوب بلهفةٍ ليقول الآخر ملتقطًا أنفاسه وسائلًا بلهفةٍ:

_هو في إيه عندك يا سليمان بالظبط؟ محدش بيرد عليا ومش عارف أوصل لحد، حد من الحارة كلمني بيقولي مراتك تعبانة وبكلم ورد مابتردش وكلهم محدش بيرد عليا، في إيه حصل لكل دا؟.

عقد "سُليمان" حاجبيه وسأله مستنكرًا بقوله:

_أنتَ عاوز تقنعني إنك ماتعرفش حاجة خالص؟.

_أعرف منين بس؟ أنا يادوب لسه مخلص الشيفت دلوقتي وبكلم مراتي في التليفون لاقيتها مش بترد عليا، ومش عارف أوصل لحل، واللي كلمني دا من الحارة كان زميلي من بدري بس مالناش كلام مع بعض كتير، تعرف توصل ليهم وتطمني طيب؟.

التزم "سُليمان" الصمت لأنه حقًا لأول مرةٍ يشعر بفداحة الأمرِ، لذا كذب على الآخر أنه في الطريق إليهم ثم أغلق الهاتف، وعند نزوله من السيارة وجد سيارة شرطة يترجل منها بعض رجال الشرطة بمختلف الرُتبِ والمكانات، لحق بهم للداخل فتحدث أحدهم ينطق بثباتٍ:

_فين ورد عرفه الزيني؟.

انتبهوا له فتحرك والدها له ينطق بنبرةٍ مُلتاعة:

_أنا والدها وهي للأسف لسه خارجة من العمليات، أؤمر حضرتك.

_معانا أمر ضبط وإحضار بتهمة سرقة دهب من شقة المدعوة "خيرية عبدربه منصور القشاش".

نزل بحديثه كما الصاعقة الكهربية فوق رؤوس الجميع، وهذا بالتقريب ما يُسمي بالموت وخراب الديار معًا، فهم حتى بعدما فعلوه في حقها لم يكتفوا بذلك، بل بحثوا وفندوا كل الطرقات التي تقتلها بغير شفقةٍ، وعلى مدار اليوم بأكملهِ وحتى نهايته هي تقتل من عائلةٍ حاربت لأجل سلامهم..

#يُتَبَع
#جمعية_حب
#الفصل_الرابع_وأربعون

                ________________

_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.


_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات...




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة