رواية جمعية حب الفصل الخامس والاربعون 45 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل الخامس والاربعون 45 بقلم شمس محمد بكري


|| استدلال النتائج بكل بشاعةٍ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||

 اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________

كيف الحال اليوم سيدي الغريب؟..
أتعلم أين أنا؟ أنا بالتحديد في قعر النار
 لا لا، ليس كما تظُن أنتَ
فأنا لا لم أمت وأُحاسب لا تقلق
لكن أنا هُنا في نيران ظُلم البشر، النيران التي أوقدوها في قلبي وألقوا عليَّ لوم استنزاف الأحطاب في الأخير، أتعلم شيئًا؟ بين ساعةٍ وساعةٍ أُخرىٰ تبدل خلالهما حرفٌ فقط، هذا الحرف حولني من العفيفة الطاهرة، للساقطة العاهرة
 وبين الساعتين ضاع عُمرٌ كنت قضيته في خدمة قبيلتي..
آه يا سيدي الغريب،
 كيف أخبرك أن قبيلتي التي أضنيت عمري لأجل حمايتها وضاع عُمري لأجل تدفئتها، 
في نهاية الأمر اتهموني بسرقة الأحطاب التي كنت أقطع المدينة كل يومٍ سيرًا على قدميَّ لأجل إشعالها وبث الدفء لهم
كيف أخبرك أن حتى بعد موتي، طمعوا في جثماني لأجل حماية أنفسهم الدنسة من ذئاب قبيلتهم.

   <"هذه القبيلة تتهمك بالعُهر وأنتَ أشرف أمثالها">

نقطة واحدة فاصلة تنهي الحكاية..
نقطة وفقط توشي أن الختام أسوأ وأبشع مما نحسب ونظن.
ففي الحقيقة إن المرء قد يواجه من أحبتهِ أقسى وأبشع ما يُخيل له من أعداءه، وكأن هؤلاء الذين تتباهىٰ بهم اليوم
في الغدِ هم درسك الأكثر صعوبة في الفهم قبل الحلِ..

_فين ورد عرفه الزيني؟.

خرجت من أحد أفراد رجال الشرطة فانتبهوا له جميعًا مترقبين القادم فيما تحرك والدها له ينطق بنبرةٍ مُلتاعة أكل خلالها القلق قلبه وفتته:

_أنا والدها وهي للأسف لسه خارجة من العمليات، أؤمر حضرتك.

_معانا أمر ضبط وإحضار بتهمة سرقة دهب من شقة المدعوة "خيرية عبدربه منصور القشاش".

نزل بحديثه كما الصاعقة الكهربية فوق رؤوس الجميع، وهذا بالتقريب ما يُسمي بالموت وخراب الديار معًا، فهم حتى بعدما فعلوه في حقها لم يكتفوا بذلك، بل بحثوا وفندوا كل الطرقات التي تقتلها بغير شفقةٍ، وعلى مدار اليوم بأكملهِ وحتى نهايته هي تقتل من عائلةٍ حاربت لأجل سلامهم..

اندفع "أدهـم" كما الأسير المُكبل الذي يهرب من سُلطة الجنود وهدر بغضبٍ لم يستطع أن يحويه كثيرًا داخل صدره:

_نعم !! أمر ضبط وإحضار إزاي يعني مش فاهم؟ أختي اللي سيادتك جاي تقبض عليها دي خيرية وابنها واعتدوا عليها وسقطوها ونزفت وكانت هتروح مننا فيها، وكمان بيتهموها بالسرقة؟ دا إيه الفُجر دا؟.

كان صياحه عاليًا تهتز له الأرجاء بسبب صداه العالي، وقد تحرك "طاهر" يسأل بثباتٍ وبهيبةٍ زلزلت كيان من يقف في مواجهته:

_ممكن أعرف أمر الضبط والإحضار دا بناءً عليه؟.

شمله الشاب بنظرة مُقللة أقرب للسُخرية وسأله يتشدق بنزقٍ:

_ممكن أعرف سيادتك بتتكلم بصفتك إيه؟.

لم يجاوبه "طاهر" شفهيًا، بينما أخرج بطاقته التعريفية التي تحمل بياناته ورتبته الحربية في جهاز القوات المسلحة، وقد تبدلت معالم وجه الشاب لكنه نطق بثباتٍ يحفظ به القوانين عن ظهر قلبه:

_احترامي لحضرتك بس أنا بطبق القانون، وحضرتك عارف إن جهاز الشرطة مالهوش علاقة بأي أجهزة تانية، فيه بلاغ متقدم ضد المدعوة "ورد عرفه الزيني" من حماتها وأخو جوزها المدعو "خلف مُرسي العباسي" وأنا هنا بطبق القانون.

تدخل فجأةً من بين الجميع "عرفه" يهدر بقلب أبٍ فتته الوجع:

_وهو القانون إنك تيجي لواحدة بين الحيا والموت علشان تقبض عليها؟ دا أنهي قانون دا أنا مش فاهم؟ طب ما أنا عاوز حق بنتي، عاوز حقها وحق ابنها اللي راح هدر، واللي عمل فيها كدا هو بنفسه اللي راح يقدم البلاغ؟ طب أجيب حقها منين أنا؟.

اقترب منه "طاهر" يُهديء روعه ثم تولى الحديث بقوله:

_شوف يابني أنا هعتبرك شاب مكافح بحق ربنا بيطبق شغله بكل ضمير، بس أنا ليا تصرف تاني، وأنا اللي هتعامل بشكل شخصي، وموضوع المحضر دا أنا هتعامل فيه، أظن يعني مفيش حد في وضعي دا هيكدب ولا يهرب.

هو مُحق فرتبته لا يُستهان بها، هو رجلٌ ذو مكانةٍ مرموقة، يشغل رتبة لواءٍ بالقواتِ المُسلحة، كما إنه يشغل منصبًا إداريًا في إحدى هيئة القوات، كما أنه تولى فترة تدريبات بداخل الكلية رفعت من قدرهِ وشأنهِ.

انزويا كلاهما ليتحدث هو مع الشاب بصورةٍ أكثر ودية وأخذ منه بعض التفاصيل التي احتاجها لفهم الأمور ومسراها، وبعد رحيل الشرطة تحرك هو يقف بجوار ابنه وهمس له بخفوتٍ:

_اللي اسمه خلف دا مش سهل هو وأمه، راح يسبق بالمحضر علشان تبقى كلمة العيلة هنا قصاد محضره، واللي عرفته كمان إن بقى فيه اتهام زنا ودي قضية تانية، ومعنى إن المحضر يتحرك بالسرعة دي معناه إنهم أكيد دفعوا فلوس أو عملوا حاجة.

توسعت عينا "غسان" بشراسةٍ وغامت نظراته بضياعٍ فيما تنهد "طاهر" وهو يلمح "عـرفه" مقتربًا منه فبدل ملامحه لأخرىٰ أكثر دبلوماسيةً وإذ بالآخر ينطق بضياعٍ:

_هما لسه عاوزين ياخدوها؟ أنا ممكن أشوف حد من معارفي في السوق لو..

_لو إيه بس يا عرفه هو أنا غريب عنك؟ دي بنت أخويا وماتقلش غلاوة عن غسان عندي، خليك معاها هي ووالدتها وأنا هتصرف وأشوف حل وأعرف المحضر دا اتعمل إزاي بالسرعة دي وبناءً على إيه؟ ماتقلقش محدش هيعرف يعمل حاجة فيها، ولا يقرب منها، كفاية أوي اللي حصل لحد كدا.

أومأ له بضياعٍ ثم التفت وطأطأ "عـرفه" رأسه للأسفل وهو يشعر بالقهر، وأبدًا لن يكفيه أي شيءٍ نظير حق ابنته، حتى دم "منتصر" سيكون هذا أبخس ما قد يثأر به لابنته. عاد أدراجه حيث زوجته التي كانت تجلس بحالة صدمة، لا تصدق أن كل شيءٍ انهار فوق رأسها، الحُلم الوردي تحول لكابوسٍ أسودٍ قاتمٍ، ابنتها الوحيدة وفرحتها الأولى تنازع في الداخل لأجل التمسك بالحياة بعدما كرهتها الحياة ولفظتها خارج حدودها كما يُلفظ الإنسان خارج حدود موطنه فوق قاربٍ متهالكٍ..

في الداخل حيث غرفة "حلمي"..

زادت نوبة زوجته أكثر، استغرق الأمر قرابة ساعةٍ متواصلة وهي ساقطة في بئر النوبة، كانت تهزي بكلماتٍ غير مفهومة، ضرباتها تتعالىٰ بغير هُدىٰ وعيناها تبرقان بشدةٍ من فرط الخوف، كانت واحدة غير المعتادة، هذه النوبة اللعينة هو يكرهها أكثر من كرهه لزوجة أبيه، يكرهها أكثر من كرهه لعطلة الأحد بداخل السوق، بل يكرهها أكثر من كرهه للكسر الذي يصيب قطع الرخام والسيراميك داخل معرضه..

وقتها أقسم لها أنه حي، أقسم ورفع صوته وجمدَّ نبرته كي تنتبه له وأضاف بقوةٍ ينتشلها من ضياعها:

_أنا أهو قدامك يا لمار بصيلي، فوقي وبصيلي شوفي أنا مين.

صوته ينازع كي يصلها، بل ويحاول أن يخترق ثباتها حتى نجح واستقرت بعينيها تبصره هو، تلتقطه هو وتنظر في وجههِ فتتيقن أنه صاحب القلب المعروف، بكت بمجرد رؤيته وصرخت باكيةً، كانت تتمسك به حتى تنهد هو وظل يحاول جهد استطاعته أن يحتويها حتى هدأت وغاصت في نومٍ مقلقٍ..

تركها تنام في عناقهِ وهي تضم خصره بيديها وظل يربت بكفه الحُرة فوق رأسها، حجابها سقط عنها وكشف خصلاتها الشقراء الناعمة، تنهد وحاول أن يخفيه ثم رفع كفها يُلثم باطنه بحنوٍ، ثم مسد ببنان أنامله فوق جبينها المقبوض نتيجة خوفها.

وجدها تتململ في وضعها فمد كفه يُساندها حتى اعتدلت بلهفةٍ وكأن آخر ما تتذكره هو الخبر الذي وصلها، فاندفعت تبحث عنه وكأنها هربت من كابوسٍ مروعٍ للتوِ، وحين تلاقت الأعين ببعضها همست بخوفٍ كأنها لازالت بداخل الكابوس:

_أنتَ كويس؟ لسه موجود معايا صح؟.

حرك رأسه موافقًا لها بإيماءةٍ بسيطة ثم ابتسم لها فوجدها تلتقط أنفاسها الضائعة ثم أضافت بضياعٍ:

_روحي كانت هتتسحب مني أول ما عرفت، عقلي طار وقولت خلاص كدا دي نهايتي أنا كمان، تصدق أنا ما أعرفش لبست إزاي ولا نزلت إزاي ولا جيبت فلوس منين، تقريبا فلوس الغاز اللي كانت على الترابيزة هي دي اللي خدتها وطلعت أجري بيها، طب والله لأقطعها بأيدي بنت الل….

سحقت أسنانها ببعضها بغيظٍ من "أشجان" فيما ضيق جفونه وانتابته الريبة في الأمرِ فسألها باهتمامٍ بلغ أشده عليه:

_هي مين دي؟ ومين قالك اللي حصل وعرفك علشان تيجي بالوضع دا وتبقى بين الحيا والموت كدا، أنتِ كنتِ هتروحي مني.

أطبقت جفونها ثم زفرت بقوةٍ وأضافت تجاوبه:

_لما كلمتني وصوتك كان مخنوق حسيت إن فيه حاجة، كنت قلقانة عليك وحاسة إنك مش كويس، قولت أكلمك لحد ما ترجع زي ما بعمل كل مرة وأفضل معاك، بس لاقيتك مش بترد، كلمت المعرض ردوا عليا قالولي إنك ماروحتش لسه، بقيت قاعدة هموت من القلق لما اتأخرت، كلمت باباك قولت يمكن قعدتوا مع بعض ماردش عليا، فجأة موبايلي رن برقم الزفتة اشجان، منها لله بقى.

_قالتلك إيه؟.

سألها بثباتٍ كأنه يتأهب لافتعالِ كارثةٍ مع الأخرى، فجاوبته هي بوجلٍ وقلقٍ من غضبه وهي تُقلد الأخرىٰ:

_قالتلي هو أنتِ يا سنيورة مادريتيش باللي حصل؟ جوزك اتخانق في الشارع مع نسايبكم ودبحوه، قطعوله رقبته والله أعلم هو حي ولا لأ، بيقولوا قطع النفس ومات، وقتها بقيت كأني أنا المدبوحة، بقيت بجري من غير ما أحس ومش فاكرة غير اسم المستشفى لما قالتهولي، وقفت تاكسي واديته كل الفلوس وجيت جري على هنا، الحمدلله ربنا كرمني لما شوفتك بخير، كنت هاروح وراك لو حصلك حاجة.

ابتسم لجُملتها الأخيرة وكأن هذا ما يعنيه فقط من الخطاب السابق، اقترب منها ولثَّم جبينها بحنوٍ وامتنانٍ أنها موجودة لأجل خاطره، وقد ضمها بحنوٍ ومسح فوق عنقها، لكن السؤال الذي شغل عقله كان كما أرق الجيران في جُنح الليلِ، فهمس مستفسرًا:

_بس هي أشجان قالتلك كدا ليه؟ إيه الهدف يعني إنها تخليكِ توصلي للي حصل دا وتخضك بكلامها؟ أكيد مش صدفة، هي فاهمة كويس أوي هي بتعمل إيه وبتوصل إيه وإزاي.

كانت "لمار" تعلم وتوقن الهدف، وقد ارتجلت عيناها النظر بعيدًا عنه لكنه فطن لذلك؛ فسأل بلهفةٍ:

_أنتِ عارفة صح؟ عارفة هي قالت كدا ليه؟.

_تقريبًا آه، هي في الأغلب عارفة وضعي وعارفة بيحصلي إيه لو خوفت أو اتخضيت، علشان كدا قالت اللي قالته ليا علشان أخاف والله أعلم بقى باللي هيحصلي، ممكن أنزل في وشي، ولا عربية تخبطني، كان فيه مليون احتمال كلهم أبشع من بعض.

خُيل له ما تتحدث عنه فتنهد معبرًا عن ضيقٍ يسكنه، هو صدقًا لا يعرف من أين أتت تلك الحرباء وسكنت في بيتهم، منذ متى وهي تبخ سمها في حياته، دمرت منذ المجيء للبيت كل شيءٍ في وجهتها، هي الخطر الأكبر على حياتهِ كما كانت هي الخطر الأكبر على أمه..

طُرِق الباب عليهما فاعتدلت "لمار" تفتحه بينما هو تأهبت حواسه حتى وجد والده يطل عليه بعدما تخطى زوجته واقترب منه يسأله بعاطفةٍ أبوية لم تكن باستطاعته كي يخفيها:

_طمني عليك دلوقتي؟ لو بقيت كويس شوية هخليهم يجهزوك وأروحك أحسن من القعدة هنا، حوار المحضر اللي الدكتور صمم يتعمل خلصته مع عمك "عوض" وهو هيتصرف، وعرفته يجيب ابن **** اللي اسمه خلف ويرميه في الحجز، بس للأسف بقى..

ترك حديثه بدون تكملةٍ حتى استحوذ على تركيزه فسأله بلهفةٍ قلقة:

_للأسف إيه؟ حصل إيه تاني؟.

وزع "عزام" نظراته بينهما وبالأخص "لمار" التي كانت عيناها شاخصتين نحوه هو فجاوب بقلة حيلة:

_ابن خيرية راح عمل محضر سرقة دهب من أمه لـ "ورد" علشان كلامها يكون قصاد كلامه ويكون هو سبق بالمحضر قبل ما هما هنا يعملوله المحضر، شكل الموضوع مش سهل والدنيا مش هتعدي على خير معاهم، عمومًا خرج نفسك من الموضوع دا، إحنا مالناش دعوة، أديك كنت هتروح فيها في غمضة عين.

قبل أن يرد عليه "حلمي" تدخلت هي "لمار" تتشدق بنزقٍ:

_محضر سرقة لـ ورد !! من مين؟ من خيرية الجعانة هي وابنها؟ ويوم ما حد يمد أيده ويسرقها تبقى ورد اللي تأكل عيلتهم كلها؟ تصدقوا كدا اتنين هيفوقوني عليهم؟ أشجان وخيرية لو حطيتهم تحت أيدي والله ما هسمي على **** منهم هما الاتنين.

اندلعت كما ألسنة اللهب بغير هدى ولهذا السبب تحديدًا يكرهها "عزام" هي فتاة قوية مندفعة لا تخشى شيئًا ولا تهاب أحدًا، هي دومًا عنيفة وتلجأ للعنفوان والغضب وابنه يترك لها المجال تفعل ما ترغب، لذا أرشقها بنظرةٍ نارية بينما هي لتوها تذكرت أمر "ورد" فاستأذنت من زوجها وخرجت تهرول للخارج.

خرجت تبحث بعينيها عن عمتها وبمجرد أن لمحتها هرولت لها وضمتها بقوةٍ فتمسكت بها "ربـاب" كأنها وسيلة نجاتها ثم أطلقت العنان لصرخةٍ شقت حنجرتها وانهارت باكيةً في عناق الأخرى التي احتوتها واحتوت صرخاتها وكأنها جدارٌ يصلُح للاتكاء عليه رُغم أنه يقوم فوق الرُكام..
____________________________________

   <"حتى في حُزني وقهري كان قلبي يهفو لأجلك أنتِ">

الحُب هو ذاك الشيء المُضيء لأجلك وسط كل العتمةِ حولك..
هو الشيء الذي يجعلك تُبصر أمانًا من وسط مخاوفك، أن توقن أن الضرر الذي يصيب العالم حتى يكاد يحرقه سوف تُثلجه لك نظرة عين ممن أحببت، الحُب هو ذاك الشيء الذي يجدي من بين ضرر كل العالم..

كان في المشفىٰ وسط الجميع لكنه عقله بدأ ينشغل بنصفه الآخر، بدأت تُراوضه بعض الخيالات القاسية بشأنها وهي وحيدة هناك في الشقة غريبة عن هذه المدينة، وأخوه في حالٍ غير الحال، لم يترك موضع "ورد" ولم يبرح محله، بل بقى مكانه لأجلها، كان "أدهـم" يقف بثباتٍ والنار تغلي فيه، عيناه تنطقان بالشرِ، ولا عزاءٍ له أو للعالم فيما ينتويه..

أحس بظل أحدهم يقترب فرفع عينيه الحمراوين بجمرٍ ملتهبٍ ليجد "سُليمان" يجاوره ويهمس بخفوتٍ له:

_قبل ما أدخل على هنا منتصر كان بيكلمني..

تأهبت حواسه كأنه أسدٌ وخرج من محبسه وسط غدر الأدغالِ، فيما تابع صديقه الهمس رُغم تباين النظرة وحدتها:

_مكانش يعرف حاجة وتقريبًا حد من الحارة عندهم كلمه بس ماقلوش بالظبط اللي حصل وهو كان بيسألني، أنا ماعرفتش أرد عليه بس أظن كدا لازم يعرف ولازم ييجي.

فند حديثه وفسره ليأتيه الرد زاعقًا كما رعد السماء:

_مايعرفش يعني إيه؟ مايعرفش إن مراته كانت هتموت على أيد أخوه وبين الحيا والموت دلوقتي؟ مايعرفش إنها كانت هتتحرم من أمومتها ويشيلوا الرحم؟ ولا من دمها اللي خلص وفضي من جسمها؟ مايعرفش إن أهله اللي مراته شالتهم طول السنتين راحوا يعملوا محضر سرقة علشان يكسروا عينينا ومانقدرش نعملهم محضر نجيب حقها؟ تصدق أنا لو فيا نار منهم قيراط، أنا النار جوايا منه ٢٤ قيراط.

ربت رفيقه فوق فخذه وهدأ ثورة غضبه وأضاف بعقلانيةٍ:

_أهدا وأنا معاك وشوف اللي عاوز تعمله هتلاقيني في ضهرك بس أنتَ شايف الوضع عامل إزاي، عمتك وجوزها بيعتبروك ابنهم الكبير، وحال آدم صعب أوي وباين إنه مش في وعيه غير لما هي تفوق، ربنا يخرجها بخير من اللي هي فيه ويقويها على البلاء دا.

أطبق "أدهـم" جفونه وأغمضها فعادت صورتها تضربه في عقله، تمُر عليه فيزيد قلقه عليها، أي ظُلمٍ هذا الذي يُجحفها به؟ انسلت من بين الجميع يحاول الوصول لها فوجدها هاتفته أكثر من عشرين مرة خلال لحظاتٍ متفرقة، والغريب أنه غادرها منذ ما يقارب الخمس ساعات !! خُيل له أن أحدهم استغل غيابه وذهب ليضرها هي، أو هي نفسها قد تخشىٰ الشقة بدونهما.

حاول أن يتصل بها لكنها لم تكن تجاوب عليه، وهذا ما أسقط فؤاده أرضًا، انتابه القلق وساورته الشكوك لأجلها، خشىٰ عليها كثيرًا الدنيا في غيابه، لأنه على درايةٍ كافية بحياة الغاب وألاعيبها، لذا بحث عن أخيه وبمجرد أن وجده اقترب ينبس بخفوتٍ مترددٍ:

_أنا هاروح أتطمن على عُـلا علشان مش عارف أوصلها، وإحنا سايبينها من بدري لوحدها ومهما كان هي غريبة عن القاهرة وماتعرفش فيها حاجة ولا حد، مش هتأخر أنا هتطمن عليها بس وأجيب فلوس وارجع تاني.

انتبه له "آدم" وامتن بنظراته على هذه المشاعر الغالية المقدسة لأخته وأومأ موافقًا وقبل أن يتحرك أخوه نطق يوقفه بصوتٍ مقتولٍ:

_انصفني أنتَ في عُـلا يا أدهم، بلاش تكسرني فيها.

كانت الجملة شاقة على الناطق وعلى السامع، كلاهما أحس بثقلها عليه كأنها حجرٌ يُجر من فوق الجبال ويُرمى فوق صدريهما، وقد ناظره "أدهـم" بملامح مبهمة لكنها معروفة رُغم ذلك، ملامح تُناطح صارخةً لأجل الثأر ورُغم هذا تقطع وعدًا بالتنفيذ، ربت فوق ظهر أخيه بصمتٍ ثم تحرك من جوارهِ.

في الشقة كان الخوف أكلها وهي عاجزة عن الحراك والوصول لهم، هي حتى لا تعرف أسماء المناطق هنا في القاهرة، ولا تعلم إلى أي أرضٍ وصل رُكابهم، لو كانت في الاسكندرية كانت نزلت وبحثت ومشطت المدينة بأكملها، لكنها تعجز لأن هذه هي القاهرة التي تقهر القريب منها قبل الغريب، لكنها لجأت لأمانها الدائم، اتصلت برفيقتها "رحمة" التي أتتها على عُجالةٍ، لم تخيب أملها وأتت تقضي معها ساعات وحدتها وتؤنسها..

حتى تثاءبت "رحمة" وبدأت تنعس فطلبت منها "عُـلا" بندمٍ من رؤيتها هكذا ناعسة ومُتعبة:

_ياريتني ما قولتلك تيجي، قومي طيب نامي جوة.

فرقت الأخرى جفونها وقالت بعدما تثاءبت مرة أخرى:

_خلاص بقى صدعتيني، يا أبويا على زنك يا عُـلا.

مطت "عُـلا" شفتيها بيأسٍ وعادت تفكر في الغائبين، تفكر في ماذا حدث معهم، حتى حين أتى "يحيى" رفقة ابنته وسأل عن سبب الصرخات هي عجزت عن الجواب لأنها لم تعرف، نظرت في وجه صديقتها التي كانت تحمل حاسوبها تكمل بعض الأعمال، وحمدت ربها أنها أتت لها، وقد لمحتها الأخرى فنطقت بقوةٍ لا تنفك عن طباعها:

_لو لسه ماخلصتيش تأمل فيا تعالي خديني صورتين.

ابتسمت "عُـلا" مرغمة عن أنف ضياعها وقالت مفسرةً:

_بفكر لو أنتِ مش معايا هيكون الوضع إيه؟ سواء هنا أو اسكندرية كنتِ ولسه معايا وبخاف من غيرك، وبحمد ربنا إنك هنا معايا دلوقتي علشان كان زمان عقلي هيطير من الخوف وأنا غريبة مش عارفة حاجة.

ابتسمت "رحمة" لها ولوهلةٍ تأثرت فسألتها بصوتٍ مملوءٍ بالشجنِ:

_بتحبيني أوي كدا يعني؟.

_أوي فوق ما تتخيلي، أنتِ أختي اللي ربنا رزقني بيها.

توسعت بسمة "رحمة" أكثر وأضافت بذات الملامح العاطفية قولًا لا يناسب ملمح وجهها وضي عينيها المتأثرتين:

_طب ما تقومي تكسبي ثواب فيا وتعمليلي كوباية قهوة خليني أفوقلك.

خطفت "عُـلا" وسادة وضربتها بها فجأةً فضحكت الأخرى وأرسلت لها قبلة في الهواء، بينما "عُـلا" تحركت وخطفت هاتفها معها خطفًا سريعًا كي تهاتفه مرة أخرىٰ لعله يستجيب فيُجيب، لكن صوت جرس الشقة صدح عاليًا يكسر الصمت، فاعتدلت بالخارج "رحمة" وعدلت حجابها، بينما خرجت "عُـلا" تفتح الباب للطارق بعدما تبينت من الشاشة المتواجدة خلف الباب..

سبقتها اللهفة تدفعها كي تفتح له بينما هو تعلقت عيناه بها على الفور، لقد أخذ الاطمئنان عليها مجرد حُجةٍ لكنه كان يريد أن يجيء إليها، أراد أن ينكفيء بضعفٍ على كتف أحدهم فهداه عقله لها هي، وبمجرد أن لمحها استطاع أن يُحرر أنفاسه، تلك هي مشاعره الصادقة حتى وإن لم يُخبر أحدًا بها وإن كانت هي بذات نفسها، ضمها لعناقه واستطاع أن يتنفس بينما هي سألته بصوتٍ محمومٍ إثر الفوضى التي أحدثها بها:

_أنتَ كويس يا أدهـم؟ طمني عليكم.

ابتعد عنها يطالعها بضياعٍ، نظراته تائهة ولا يعرف طريقًا غير هُنا؛ تحديدًا في عينيها الوهاجتين بإنعكاس رؤيته، أخرج زفرة قوية مشتتة ونطق معبرًا عن حقيقة مشاعره:

_محدش فينا كويس، ادعيلنا يا عُلا نبقى بخير كلنا.

انتقلت لها على الفور مشاعره بكل آلامها، أحست بالوجعِ تلقائيًا بينما هو ولج الشقة فلمح "رحمة" تقترب منهما وحينها توقف فجأةً فنبست "عُـلا" بصوتٍ مُرتبكٍ كأنه لم تعرف كيف يكون الثبات قط:

_أنا، أنا لما لاقيتكم اتأخرتوا وأنا ماعرفتش أوصلكم كلمت رحمة تيجي تقعد معايا وتشوف طريقة تخليني أوصل ليكم.

التفت ينظر في وجهها فلمح الإحراج يأكل وجهها بنهمٍ حتى كسته الحُمرة وخُيل له أن هذه هي دماء أكلها، وحينها نطق وهو يوجه كلماته لزوجته:

_كويس إنك عملتي كدا علشان أنا وآدم هناك بين نارين، وبعدين البيت بيتك مش محتاجة إذن مننا علشان حد ييجي، وخليكم مع بعض هنا أحسن علشان أكون متطمن، دا بعد إذن أستاذة رحمة طبعًا.

حركت "رحمة" رأسها توميء له ثم نطقت أخيرًا بثباتٍ:

_أنا معاها متقلقش، المهم ورد أخبارها إيه دلوقتي؟ وإيه اللي حصلها علشان مافهمتش من عُـلا حاجة.

والسؤال هنا فتح كل الجروح النازفة فيه، هو لم يرْ ما حدث لها لكنه أيضًا لا يحتاج للرؤيةِ، يكفيه ما وجده على وجه "آدم" ليعلم ما حدث، طال صمته، وزاد قهره، وجال أكثر فيه حزنه، لكنه تنهد بأسىٰ ونطق بانكسارٍ:

_أخو جوزها ضربها وأجهضها وبيتهمها إنه لقى واحد معاها في الشقة، وهي كانت هتروح فيها ولسه الله أعلم بيها وبحالها.

شهقت "عُـلا" وفرغ فاهها بينما "رحمة" فتوحشت عيناها بنظراتٍ غاضبة، تأهبت بانفعالاتها وهي تسأله باهتمامٍ:

_إزاي يعني؟ وأنتوا ليه ماعملتوش محضر بالواقعة دي علشان تبثتوا حقها وتربوه الحيوان دا؟.

تشكلت السخرية التهكمية فوق ملامحه ونطق بنزقٍ:

_تاخدي الكبيرة بقى؟ أمه راحت عملت ليها محضر سرقة دهب من الشقة علشان يبقى محضر قصاد محضر وتبقى هي اللي سابقة علشان لو جينا نعمل حاجة، كأنها كانت معاشرة عصابة مش بشر، وأدينا مستنيين نشوف حل.

زادت نظراتها قسوةً وبدأت الدماء تغلي في رأسها، هي تعلم الكثير من هذه القضايا، بل هي صُلب وعُمق دراستها ومجالها، حتى في سنوات دراستها بكلية الحقوق كانت دومًا تتفاعل مع هذه القضايا على عكس غيرها، حتى أصبحت هي قضية ضمن القضايا التي كانت تخشاها..

صدح صوت هاتف "أدهـم" ينتشلها من شرودها فتابعت لهفته حين وقف يجاوب على المتصل بصوتٍ ملتاعٍ قلوقٍ:

_طمني يا عمو طاهر وصلت لحاجة؟ المحضر معمول فعلًا؟.

جاء الرد المختنق من عمهِ بقوله آسفًا:

_للأسف فيه محضر معمول فعلًا، وشكلهم دفعوا جامد علشان يخلصوا الحوار، بس مش دي المشكلة، المشكلة إن المحضر دا لازم خيرية تروح تتناول عنه قبل ما يروح النيابة، علشان كدا هتبقى قضية كبيرة ومش سهلة.

_قضية إيه؟ هو المحضر مكتوب في إيه؟.

سأله "أدهـم" باندفاعٍ وغضبٍ أعميا بصره وبصيرته إلا عن الانتقام فقال الآخر مُفندًا ومُردفًا بأسفٍ:

_مكتوب في المحضر إن فيه دهب اتسرق من شقة خيرية ولما اتحرك خلف علشان يطلع يشوفه في الشقة عندها لقى معاها واحد ولقى معاه الدهب، كدا دول قضيتين مش قضية، سرقة والقضية التانية زنا للأسف، وكدا الموضوع هيكبر وهيبقى فيه تدخل من الطب الشرعي وتحاليل علشان نثبت آخر حدوث للعلاقة الزوجية وبراءة شرف.

توسعت عينا "أدهـم" وفرغ فاههِ وأحس بسكينٍ ينغرس في قلبه باستمرارٍ حتى كاد أن يتمزق، أغلق الهاتف واعتصره في قبضتهِ بينما "عُـلا" اقتربت منه تسأله بقلقٍ عن مقصد الحديث الذي تفوه به، فوجدته يخبرها بكل أسفٍ، كان مهمومًا ومكسورًا ولمرتها الأولى تراه بهذا الضعف، لطالما كان قويًا وعاقلًا منذ أن التقته..

بينما "رحمة" تدخلت تقول بلهفةٍ:

_لازم الست دي تتنازل عن المحضر وساعتها يتقال إن مفيش حاجة من دي حصلت، أي كدبة بقى تقولها هي، وبعدين هو مين اللي كان في الشقة دا؟ ودخل إزاي؟ يعني محدش شاف شباك مفتوح؟ باب مكسور؟ أي حاجة تخليه يدخل الشقة بالطريقة دي؟.

نطقت "رحمة" وانتبه "أدهـم" كأنها هي التي تنير عقله بحديثها، وقد لمحته وهو ينتبه فأضافت بلهفةٍ:

_أستاذ أدهـم أنا تخصصي أصلًا القضايا من النوع دا، أهل الزوج بيعملوا كدا وسيلة ضغط علشان الزوجة ماتشتكيش منهم وتتحول لقضية رأي عام وتشهير، وعلى ما الست تقدر تثبت حقها يكون شرفها اتلطخ وسمعتها باظت، وللأسف إحنا وسط ناس مابيعترفوش بالشرف غير في عرض الست بس.

كانت "عُـلا" تقف بصمتٍ لكنها مقهورة، هي أيضًا كانت تتعرض للطعنِ في شرفها وعرضها ومن أفراد عائلتها أنفسهم قبل الآخرين، لذا هي تشعر بمدى ضياعهم جميعًا وبمدى هول الأحوال، بينما "أدهـم" فغادر مرة أخرى بعدما ودع زوجته وتركها رفقة صاحبتها لعله يستطع أن يفعل أي شيءٍ..

-كان يشعر كأنه يركض لاهثًا 
لكن قدماه غرستا في الوحلِ
وحين وصل لموطنه منعوه من الدخول 
لأنه مملوءٌ بالروثِ !!
لكنه العالم الذي لم ينتبه أنه رثٌ خرب..
____________________________________

     <"أم المُجرم تُقسم للقبيلة بشرفها وطيبة وليدها">

الساحر الشرير القابع في أضاحي القبيلة لا يعلم..
هو حقًا لا يعلم 
أن النور الساطع هُناك هو احتراق القلوب التي أحرقت أهلها
 ولا يعلم أن سرب الطيور الحُرة هاجرت المدينة بعد هدم مرفأها، ولا يعلم أن الفتى الذي يركض لوالديه لم يكن سعيدًا وإنما كان يركض خوفًا من وحشٍ يتربص له..
الساحر الشرير لا يعلم شيئًا، لكنه يظن ونتيجة ظنه يحقد.

في دُكنة الليلٍ شديد الغسقِ تحركت بجسدها البدين بقدر ما سمحتا لها قدماها ونبشت تسحب هاتفها من فوق الجارور ثم وسعت خُطاها للغرفة وأغلقت الباب وجلست على طرف الفراش تطلب رقم ابنها، وحين جاوب همست هي بحنقٍ من بين أسنانها:

_أنتَ فين يا زفت؟ مش قولتلك تخليك معايا على تليفون؟ المهم أنا نزلت عملت زي ما قولتلي، روحت للأمين الزفت بتاعك، يخربيته حانوتي سحب مني عشرة الاف جنيه حار ونار في جتته، وقالي هيعمل المحضر والبلاغ وكل حاجة، ولو حد جه يعمل حاجة ليك هيبقى حقك، لأنه رد شرف، أنتَ متأكد يا خلف إن المحضر دا هيمشي؟.

زفر هو على الجانب الأخير وترك سيجاره الملفوف حول المخدر الذي يتعاطاه ثم نطق بنفاذ صبرٍ من قلقها وتوترها:

_ياما الله يباركلك حلي عني وبطلي خوفك دا، هو أنا يعني اتبليت عليها؟ ولا قدام الكل الواد خرج من البيت جري وعريان؟ ياما أنا شوفت شكلهم مع بعض دمي فار، حاضنها في الصالة وهي لابسة اللي كنتِ شايفاه دا، دمي فار ولما جريت عليهم ضربني وخلع، وجاي حلمي بسلامته يعملي فيها راجل؟ يلا هو ابن مين صحيح.

تنهدت هي وظلت تستغفر ربها كي يرفع عنهم هذا البلاء، بينما هو فرفض مبدأ الهرب من البيت وترك الحارة، يرى نفسه رجلًا ذي شرفٍ ونذعة رجولية خالصة تُلزمه أن يثأر لرجولته ورجولة أخيه، لذا اتصل بأحد معارفه بنقطة الشرطة التابعة للقسمِ، وهو الذي أخبره عن عمل المحضر وكيفية كتابته بحبكةٍ صحيحة كي لا يُتهم هو في أي شيءٍ..
وفي طرفة عينٍ حول الجاني ليصبح مجنيًا عليه
ودم الضحية راح سدىٰ وتمت إراقته هباءً..

كان يجلس فوق سطح بيت خاله الذي اقترب منه وسأله عن آخر التحديثات في الموضوع فأخبره عن المحضر الذي قامت أمه به وحينها نطق خاله بعدما زفر بقوةٍ:

_والله يابني دي حاجة غريبة أوي، البت طول عمرها زي الشمعة المنورة، سمعتها بيضا زي الجنيه الدهب وكفاية مقابلتها لينا وذوقها وفتحها لشقتها وخيرها علشان نبات، غريبة أوي حكاية إنها مرافقة واحد دي، بس حتى لو دا حصل كان واجب عليك تسترها، تسكت وتشوف حل مع أخوك وهو يتصرف، يطلقها ويسيبها لحال سبيلها وربنا يهدينا جميعًا، لكن تفضح عرض واحدة وقدام الناس؟ دي كبيرة أوي في حقك دي.

_يعني كنت عاوزني أسكت يا خال وأنا عارف إن فيه واحد فوق عندها؟ عاوزني أفضل ساكت وأنا عارف إنها جايبة راجل في شقة أخويا المتغرب علشانها وطافح الدم؟ طب تصدق إني كنت طالع وبتمنى أكون أنا اللي غلطان مش هي؟.

حين اندفع ورد بهذه الكلمات سأله خاله بغير فهمٍ:

_وهو أنتَ يابني عرفت منين إن دا عندها؟.

سحب كوب الشاي يرتشف منه ثم نطق بحقدٍ ملأ ملامحه حين انبثق من جدار قلبه المتصدع:

_كنت قاعد على القهوة بعد ما رجعت من الشغل، لاقيت دا عمال يحوم في الشارع ويتصل بالموبايل وعينه مش مفارقة البيت، قولت يمكن غلطان في العنوان ويمكن يكون واحد بيحب مروة بنت عمي وهيخطبها وفضلت متابعه، بضرب بعيني أبص ألاقيلك مروة جوة الصيدلية، يبقى بيكلم مين بقى يا خال؟ شوية ولاقيته لف بالماكنة بتاعته ورجع تاني دخل البيت علطول، يادوب على ما طلعت وجيبت المفتاح دخلت وشوفتهم مع بعض بعيني دي في الصالة، ماحسيتش بنفسي غير وأنا بضربها وأجيبها من شعرها.

ضرب خاله كفيه ببعضهما وزفر يائسًا وظل يردد الاستغفار ويطلب من ربه الستر دنيا وآخرة، يدعو متضرعًا بستر البشر جميعًا وألا ينتهي مصيرهم بكشف سترهم ونهاية رصيدهم منه، رُغم أنه لا يعلم الحقيقة ولا يدرك اليقين ولا يستسلم للشكِ لكنه يعلم أن الأمر لم يكن بهذه البشاعةِ..

في شقة "خيرية" جلست هي بعيدًا عن مرأىٰ عين زوجها، تتحاشىٰ التواجد معه حتى لا يظل يؤنبها هي وابنها على ما حدث، كانت عيناها شاخصتين في اللاشيءِ تفكر في القادم لأنها تتصف بالجُبنِ والخسةِ في الطباع، ولأنها لم تُنجب فتاةٍ فهي تحسب نفسها آمنة من الكسرِ والعار..

صدح صوت الهاتف في يدها برقمٍ جعل دقاتها تتهاوىٰ بغير تعقل، كأنها طالبٌ يجلس في انتظار النتيجة الأخيرة وبمجرد الاتصال هوىٰ فؤادها، أحست بالأرض تميد بها وتمنت لو ماتت قبل أن تُجيب، لكنها حسمت أمرها، لن تتهرب منه، فتواصلت معه هاتفيًا لتجده يصرخ بنفاذ صبرٍ:

_مش معقول يا ماما !! كل دا بتصل بيكم محدش بيرد عليا وسايبني مش فاهم إيه اللي حصل ولا عارف مالكم، ومالها ورد جرالها إيه؟ وليه مش بتردوا عليا؟.

عضت شفتها تكظم غيظها وهي تضرب فخذها بقلقٍ وصوت دبيب قدمها علا أكثر وهي تهزها فوق الأرض بعنفٍ، وحينها نطقت ببكاءٍ:

_ماكنتش عاوزة أرد عليك علشان ماكسركش، كنت خايفة عليك.

جوابها زاده لوعةً، زادت نيرانه فسأل بغضبٍ:

_يعني إيه تكسريني؟ هو حصل إيه لكل دا؟.

_شوف بقى علشان ماترجعش تلوم علينا، أخوك كان بيجيب حقك وحق شرفك، عمل اللي عمله دا علشانك أنتَ، علشان ماترجعش تلومه أنه سكت على اللي حصل وشافه بعينه وهي بتمرمغ شرفك، دخل الشقة لقاها في حضن واحد عريانين، الدم غلي في راسه نزل فيها ضرب وطردها برة البيت.

هي لا تتحدث، بل هي تطعن وتستمر في الطعن..
هذه لم تكن مجرد حقيقة أو حتى خبرٍ تخبره به كما صيحات النشرة الجوية، أو قرارٍ وزاري بشأن الطقس، هي تخبره عن موتٍ غير رحيمٍ، تطعن وتستمر في الطعن ورُغم يقينها أنه ينزف لكنها لم ترحمه بل أكملت ببكاءٍ وقهرٍ:

_خلت سيرتنا على كل لسان والحارة كلها مالهاش سيرة غيرنا وغير فضيحتنا، وكمان عاوزين يعملوا محضر لأخوك، قدام الكل الواد نزل يجري عريان من البيت والكامرات في الحارة جايباه، ولا عمرنا كنا نصدق إنها تعمل كدا بس طلع كلام الناس صح، اللي تتحرم من جوزها بتوقع أي راجل.

_أنتِ بتقولي إيه؟ ورد مين دي؟ مراتي أنا؟ دي أشرف من الشرف نفسه، أنا عندي أخون نفسي ولا يمكن أخوِن ورد، أكيد فيه حاجة غلط، مستحيل يكون زي ما فهمتوا، وإزاي خلف يمد أيده عليها؟ يضربها ليه أصلًا؟ وعرف منين وإزاي؟ أنتوا بتقولوا إيه؟ أكيد فيه حاجة غلط.

بكت أكثر وكان البكاء منها مدرارًا، بكت بقهرٍ لأجله ولأجل صرخات روحه فأضافت بمزيدٍ من العواطف التي أوضحت كسرًا بالغ الأثر في حق قلوبهم:

_حقك تقول كدا وماتصدقش كمان، بس والله دا اللي حصل، علشان كدا ماكنتش عاوزة أرد عليك، بس أنا هريحك، هجيب الفيديو اللي في الحارة وابتعهولك، وأخوك بعدما كان بيدافع عن شرفك وحقك بقى مجرم، صدقني يابني والله أخوك كان بيدافع عنك وعن شرفك، خاف على سمعتك، خاف على اسمك وهي بتوسخه في الوحل ومش هاممها حد، أنا مايهمنيش غيرك أنتَ دلوقتي والله.

انحدرت العبرات من عينيه وحاول أن يتنفس، حاول أن يصل لهم ويعبر الحدود اللعينة التي تفصله عنهم، تمنى لو لم يغترب حتى يستطع أن يقترب، فل الحديث عنه وفرت الكلمات كأنه أُميٌ يجهل الفصاحة والكلامِ، ارتمى فوق المقعد يضم رأسه بكلا كفيهِ بهزيمةٍ، ليس لأنه تعرض للخيانةِ، بل لأنه بعيدٌ عن موطنه الذي أمسىٰ كما ساحة حربٍ في ليلٍ مُعتمٍ..
والحقيقة مخبوءة خلف ستارٍ من الأكاذيب المُتضافرة بجديةٍ..

-فالحقيقة له الآن كما شمس غربت 
وغطتها الغمام السوداء..
فمتى تستطع شمس الحقيقة؟ 
ومن ذا الذي أخفى شعاع الحق؟.
____________________________________

          <"أنا للحق لا أملك حقًا في حقي هذا">

لكل ليلٍ نهارٌ يتبعه..
هكذا تسير الحياة وفق نظامٍ وضعه الخالق ورتب به الكون..
ومن هُنا تكون الحياة وتسير وفق نظامها الصحيح
أن لا شيءٍ يدوم للأبدِ؛ بل التغيير هو الشيء الوحيد الثابت في هذه الحياة، لكن من وسط هذه التغييرات حقائق قاسية تنكشف؛ حيثُ يصبح مصدر أمانك هو بذاته مصدر خوفك واضطرابك..

في مدينة الغردقة صباحًا..

كان "مُراد" بغرفتهِ يتحضر للخروج من البيت ويتجهز، وقد وقف يُهندم هيئته ويراقب نفسه بعدما هجر الخمر مرة أخرى ويرى أثر القرار بينًا هكذا، لكنه كان أكثر من راضٍ عن نفسه، بدأ الغمام ينجلي من فوق عينيه خاصة بعد مواجهة الأمس بينه وبينها، ولذلك هو يبدأ من جديد..

طُرق باب غرفته فتحرك يفتحه وهو يوقن أن الصغير يريد أن يذهب معه، لكن فوجيء حين وجد أمه تبتسم له بارتباكٍ ملحوظٍ، فرغ فاهه لوهلةٍ ثم تنهد ونطق بهدوءٍ:

_محتاجة حاجة يا ماما؟.

حركت رأسها نفيًا وأضافت بملامح بشوشة مشرقة:

_جيت أتطمن عليك علشان وحشتني أوي وكنت حابة أتطمن عليك، أنتَ كويس يا مُراد؟ قلبك بخير؟.

لا يعلم هل سؤالها قاسيًا عليه أم أنه حقًا لم يعد يحتمل أي نوعٍ من هذه الأحاديث، لذا استنكر السؤال بينه ونفسه لكنه حمحم يرسم ثباتًا جديدًا عليهِ ثم أضاف يجاوب بكياسةٍ كاذبة:

_كويس الحمدُ لله، أنتِ بخير؟ صحتك أحسن دلوقتي؟.

كان برد السؤال بسؤالٍ ثانٍ غيره كي لا يضطر للجواب صدقًا، لكنها لو لم تفهمه هو تفهم من؟ لو لم تفهم صغيرها وتنتبه لجرحه على من تنتبه؟ لذا ولجت وأغلقت الباب ثم سألته بترقبٍ:

_سيبك مني أنا، خلينا فيك أنتَ يا مُراد وقولي حاسس بإيه؟ قولي مالك وإيه اللي فيك، علشان خاطري قولي وخليك معايا أنا جايالك وعاوزة أكون معاك، هتلاقي مين غيري تقوله اللي فيك؟.

جاهد كي يخفي عنها نيرانه التي تفتح هي أبوابها على مصراعيها لكنها اقتربت منه وضمت مرفقه بربتةٍ حنونة منها وتوسلته بالجواب لعله يخرج ما في قلبه، بينما هو بمجرد نظرة عينٍ في وجه أمه تبدلت ملامحه كُليًا، تلاشى الجمود عنه وسقط القناع الذي كان يرتديه فوجدها ترفع كفها وتُربت فوق وجنته وحينها نطق بقهرٍ تزامنًا مع سقوط وانحدار عبراته:

_أنا روحي ضاعت مني، توهت ومش عارف أرجع تاني.

كان مقهورًا وهو يجاوبها، لم يستطع أن يجد وصفًا مناسبًا بصدقٍ غير التوهان، رُبما هو تائهٌ ولم يجد الطريق بعد، رُبما هو عن نفسه غائبٌ ولم يعرف الموعد قط، 
وقد يكون في نفسه غريبٌ ولا يعرف متى يعرف الشخص الذي يسكن فيه، هو حقًا ميتٌ لكن الظاهر في الحقيقة أنه شخصٌ حي..

ضمته أمه لعناقها بقوةٍ فتشبث بها لأول مرةٍ وهو يترك العنان لكل مشاعره القاسية أن تنفلت منه تركها تخرج لعلها هي السبب في غيابه عن ذاته، لكنه مجروحٌ من مصدر أمانه، جُرحَ من الشخص الذي كان يخشى الجروح أن تمسه ذات يومٍ، جُرِح من المكان الذي جاهد كي يحميه..

في الغرفة الثانية الخاصة بشقيقه الأكبر كان ابنه يجلس فوق فخذه وهو يُطعمه بعد وصلة دلالٍ على أمه التي صرخت منه حتى تدخل "يُسري" وحمله وأجلسه وأطلق أمره الصارم بحدةٍ:

_هي كلمة واحدة بس، يا يقعد يفطر كويس يا مفيش خروج النهاردة طول اليوم ومفيش مراد ولا حتى الجاردن تحت، يا يفطر يا مفيش حاجة من دي تحصل.

اضطر ابنه آسفًا لتناول الطعام بأكمله، حتى الحليب تجرعه بعد مهادنات مع والده، وقد انتهى ثم هرول راكضًا للخارج حتى ضحك "يُسري" بيأسٍ منه فيما اقتربت زوجته وجلست بقربه ثم مدت يدها لعنقه تغويه بلمساتٍ ناعمة جعلته يُبصرها وهو يسألها بثباتٍ:

_بلاش الطريقة دي، هاتي اللي عندك.

لونت ملامحها بصدمةٍ وافتعلت الحزن منه بقولها تعاتبه:

_كدا برضه؟ وبعدين هو إيه اللي عندي؟ أنتَ بس وحشتني.

طبعت لثمة ناعمة فوق وجنته بعد جملتها فضيق جفونه ونطق بتهكمٍ وهو على يقينٍ من ظنونه بشأنها:

_أقسم بالله كدا اتأكدت إن فيه حاجة، قولي بس عاوزة إيه؟.

أطلقت زفرة قوية ثم ابتعدت عنه تسأله بضجرٍ:

_مين الست اللي لاقيت الكارت بتاعها دي؟ وإيه علاقتك بيها وماتستفزش فيا بطريقتك الباردة وتقولي حبيبتي القديمة وكلامك دا، ريحني علشان أنا التفكير مش سايبني في حالي، ريحني والله ما هضايقك، أنتَ بتروح لدكتورة نفسية؟.

يا الله هل هذا ما توصلت إليه في النهاية؟ حسنًا على كلٍ أفضل من الحقيقة التي يخفيها هو، لذا تنهد مُخرجًا خيبة أمله بشكلٍ درامي لا يثير الشكوك في صدقه وأضاف:

_آه بروح لدكتورة نفسية، خلاص ارتاحتي؟.

_طب ليه؟ إيه اللي حصل؟.

سؤالها بدا غريبًا فرفع حاجبيه وسألها مستنكرًا باندفاعٍ:

_إيه اللي حصل؟ قصدك إيه اللي ماحصلش، أختي الوحيدة ماتت غرقانة وخرجت بأبشع شكل في الدنيا، وتوأمها ضاع وبقى خمورجي، وصاحب عمري الوحيد متهم في قتلها وهرب هو وبنته، وابويا وعمي قاطعوا بعض، ومراتي وابني بعدوا عني، ومطلوب مني أشوف الشغل وأمشيه وأشيل مسؤولية الكل، وكمان أبقى أب وابن وأخ وصاحب وحبيب لناس كل واحد فيهم مش معايا أصلًا، دا أنتِ تحمدي ربنا إني ماشديتش سطرين هيروين.

توسعت عيناها من طريقته بينما هو زفر باختناقٍ ثم مسح وجهه ونطق بتكلفٍ كأن الكلمات ثقيلة بقدر الحجر فوق قلبه:

_حقك عليا بس أنا والله بحاول وهي خربانة فوق دماغي، أنتِ مش متخيلة الوضع عامل إزاي معايا، أنا يا ولاء بجري في سكة مالهاش أول من آخر، وماعرفش نتيجة اللي بعمله هتكون إيه بس مجبور إني أفضل أحاول علشان ميتقالش عليا إني قصرت في حاجة، وبرضه كله هيترمي عليا أنا.

لاحظت هي أنه يحتاج لفرصة واحدة يتحدث فيها عن نفسه وعن الذي يخفيه في قلبه، يتحدث عن الشيء الذي يثقل روحه فيمنعه من الطير بحريةٍ، لذا اقتربت مرة أخرى وفرقت ما بين ذراعيها ثم همست له بحنوٍ ورفقٍ على روحهِ:

_تعال يا يُسري، تعال.

ضمته بين ذراعيها كأنه صغيرها، جعلته يحتمي فيها ويلتجيء إليها دون حديثه عن حاجته إليها، رمى ثقل رأسه بين أحضانه كأنه يتخلص من قُنبلةٍ موقوتة سوف تنفجر، وبدلًا من خوفها تلقفتها هي بين ذراعيها، ضمته تبثه الأمان المفقود من صُلب روحه، مسدت بكفها فوق خصلاته حتى وجدته يزيد من تمسكه بها وكأنها هي وسيلة النجاة الوحيدة له قبل أن يغرق في الطوفان..
____________________________________

  <"لو كنت أعلم أن لقائك الأخير وداعي ما كنت أتيتك">

في الوداع الأخير لا يعرف أحد الطرفين أنها المرة الأخيرة..
أحدهما يُقرر الوداع ويخفي خبره ويتركه للآخر فجأةً بدون مقدمات أو إشارات حتىٰ، أحدهم يُقرر ويُطبق القرار
 والآخر يحلم ويعيش في الانتظار..
لكن إذا أدرك الطرف الآخر أن اللقاء الأخير كان وداعًا ما كان أتىٰ ليتركه ملهوفًا على رؤياه..

بداخل أروقة المشفىٰ هُنا سوف تجد العجب العُجاب، أرواح تكاد تغادر وبعض الأرواح الأخرى تعمل بكل كدٍ وجهد كي تتمسك بها، وهناك أرواح غادرت بالفعلِ وتجد البكاء والعويل يتبعانها متحرريْن من محجريهما، هنا حيث الحياة والموت في نفس الممر بذاته..

الحال لم يختلف من الأمس، بل بعض الأوضاع زادت وتطورت، حيث أصيب "حلمي" بالإعياء وارتفعت حرارته وأصابته بعض الأعراض الجانبية بسبب الجروح التي مزقت جسده، ومن حسن حظه تواجد "لمار" معه التي لم تتركه، وعاونها في رعايته بوجه الخصوص "سُليمان" الذي قضى ليله بين الرفقاء..

بينما "ورد" فهي سقطت ببئر مُظلم يُدعى غيبوبة، كارثة أتت لترحمها من قسوة استيقاظها، بينما "أدهـم" فكان يركض هنا وهناك في محاولةٍ منه لإيقاف المحضر قبل أن تتحول القضية وتكبر وتلتهم في باطنها المظلم أخته، وبين المشفى والخارج قضى ساعاته، و"آدم" لا يتركها وعمته أيضًا، يطمئن على أخته ثم يخرج يُساند عمته ثم يعود لأخته..

أما "عـرفه" فهو لم يتركها تغيب عن مرأىٰ عينيه، يجلس بقرب فراشها ويضم كفها في عناق راحتيه ويتابعها باكيًا، منذ أن ترك بلدته الأم وجاء لمصر وهي موطنه، منذ أن نال حياته هنا مع "ربـاب" بعدما قضت الحرب على أهله في غزة وهو يعتبرها كل أهله هي وزوجته، لكن هذا ليس عدلًا أن يُحرم المرء من موطنه لمرتين دونما أن يُخير..

عاد "أدهـم" للشقة يبدل ثيابه ويأخذ أي دواءٍ يسكن آلام رأسه بعدما فشل في تسكين آلام روحه، وقد وجدها تنتظره وحين رأته سألته بلوعةٍ ولهفةٍ:

_طمني ورد أخبارها إيه؟ والمحضر عملتوا إيه فيه؟.

ارتمى فوق الأريكة بقربها ونطق بصوتٍ مثقولٍ بالهمومِ:

_لسه مفاقتش، والمحضر بلف من الصبح أشوف صرفة فيه بس كله بيقولي لازم خيرية تتنازل عنه بنفسها وتقول إنها فهمت غلط والدهب دا أي حد تبعها إداه لِـ ورد تخليه عندها، علشان تخلص من غير ما تبقى قضية.

توحشت نظراتها ثم تنهدت بقوةٍ وولجت للداخل بسرعةٍ أثارت تعجبه لكنه لم يكترث، وبعد دقائق وجدها تخرج له تضبط حجاب رأسها وقالت بثباتٍ بارعٍ:

_طب قوم ويلا نروحلها.

عقد حاجبيها ونطق بانكارٍ لاستيعابه مقصدها:

_نروح فين؟ قصدك إيه؟.

_نروح للزفتة خيرية دي، بص أنا ست زيي زيها وهتكلم معاها ومش هنخسر حاجة، لكن لو أنتَ راجل وروحت هيركبوك الغلط لكن أنا ست زيي زيها وعادي، متخافش وديني هتكلم معاها بالهدوء والراحة يمكن نوصل لحل، علشان خاطر آدم حتى اللي روحه في أخته، اسمع كلامي.

ظلت تُلح عليه وهو للحق كما الغريق يتمسك بأيُما قشة تنجده، لذا وافق على مضضٍ وقرر أن يذهب بها ويتحدث هو مع "خيرية" لعله يفلح في هذا الأمر حتى يصل لما يُريد ومن ثم يرميها في الشارع هي وابنيها، صبرًا، فقط صبرًا كي يأخذ حقه منهم جميعًا..

وصل بزوجته لبيت الأخرىٰ وولجا مباشرةً لهناك وبمجرد أن فتحت لهما "خيرية" توسعت عيناها حين لمحت "أدهـم" وبجواره هذه الفتاة، بينما هو فلوهلةٍ كاد أن يقبض فوق عنقها، كاد أن يضرب بكل شيءٍ عرض الحائط لكنه تريث لأجل حقهِ..

وقد اندفعت "عُـلا" تقول بهدوءٍ نسبي:

_أنا عُـلا مرات أدهـم، وجاية في كلمتين بالهدوء وخلاص.

_كلمتين؟ كلمتين يا عالم يا حرامية يا نور يا زبالة؟ إيه مش مكفيكم اللي بنتكم خدته جايين تكلموا علينا؟ مش مكفيكم شقا الواد الغلبان وغربته جايين تاخدوا إيه تاني.

صرخت وهللت بملء صوتها تثير المشكلات وتفتعلها بذلك، بينما "أدهـم" فتمنى يضربها بقدمه يسقطها أسفل الحذاء لتكون عبرةً فيما بعد، لكن زوجته دفعتها للداخل بحركةٍ عنيفة ثم دفعتها مرة أخرى ونطقت بصوتٍ خفيضٍ:

_جايين ناخد روحك اللي مليانة ****ة وأوريكِ نجوم الليل في عز النهار وشمس الضهر، ومش بس كدا دا أنا والله العظيم ما هيفرق معايا حد وماليش حاجة أبكي عليها، يعني من الآخر روحي على كفي، ولولا العيبة وأني في مكانك كنت قلعت شعرك دا في أيدي، بس معلش ملحوقة والجايات معاكِ أكتر..

خرج "مُرسي" يدفع مقعده للخارج وحينها لمح "أدهـم" فطأطأ رأسه بخزيٍ بينما الآخر تحدث بعتابٍ قاتمٍ يقتل الروح:

_دي الأمانة يا عم مرسي؟ على آخر الزمن ورد يحصل فيها كدا منكم؟ دي ورد اللي كانت بتستخسر في نفسها اللقمة علشانكم؟ بقى دي نهاية ورد اللي رضيت بالذل والفقر علشان تراعيكم؟ دي النهاية لينا بعدما شجعناها تقف في صف ابنك وتساعده؟ تصدق بالله إني ما هيكفيني دم عيالك الاتنين قصاد حقها؟ ومنتصر عندي قبل خلف.

تدخلت "خيرية" تصرخ بنزقٍ:

_نعم ياخويا؟ هو أنتوا مش عاوزين تعترفوا بفُجر بنتكم خالص؟ أومال لو مش الواد الصايع بتاعها دا نازل عريان وبيلبس على السلم المفضوح بلا وكسة، ليكم عين ترفعوا راسكم وتبجحوا؟.

هنا وأتى دور الأنثى ترد هي بنفسها على أخرى غيرها، لذا انطلقت "عُـلا" كما الرصاصة من فوهة سلاحٍ حر ثم دفعت كتف "خيرية" ونطقت بشرٍ تتوعد لها وابنها معها أيضًا:

_خلاص براحتك، يبقى محضر قصاد محضر وكلمة منك قصاد ١٠ مني، أشق عبايتي وأرقع بعلو صوتي وأقولهم الست الناقصة اتهجمت عليا هي وابنها وسرقوا صيغتي، ولا ليه؟ أنا دلوقتي حالًا هنزل أرقع بعلو صوتي وأروح أعمل بلاغ إن ابنك الحيلة إمبارح جه اتهجم عليا وصدقيني أنا أقدرأعمل أكتر من كدا بكتير، بس أنتِ اللي ساكتة.

كانت مفاجأة من "عُـلا" التي صرخت بصوتها تنفجر في وجه "خيرية" ثم اقتربت منها بعينين اتضح الشر فيهما مباشرةً، حيث نظراتٍ حادة بقدر الشر الذي واجهته طوال الأعوام الماضية، فترى بأم عينيها كل أفراد عائلتها بالصورة نفسها، ثم تحصر "خيرية" في الصورة نفسها فأضافت بشرٍ أكبر:

_تحبي أوريكِ قلبتي وأقلبلك العاذب مالح؟ ولا أقلبلك الجنة دي جحيم فوق راسك أنتِ وابنك الصايع؟ اختاري واللي نفسك فيه مش هبخل عليكِ بيه.

بداخل المشفىٰ ولجت "تقوى" رفقة أبيها يهرولان لداخل المشفى وقد قصدا غرفة "حلمي" مباشرةً، كانت حينها "لمار" في الرواق بالخارج مع والدها الذي أتى يقف مع أفراد عائلته، وقد كان "آدم" في الغرفة نفسها مع "ورد" لم يتركها، وقد ظل يصدح صوت هاتفه وهي تنام بعيدًا عن الفوضى المحيطة بهم كأنه تُرحم من العذاب الذين يعيشون هم فيه، وقد ندم أنه طلب هاتفه من أخيه بسبب مكالمات "منتصر" التي لم تتوقف.

ولجت "ربـاب" ولمحت ابن أخيها فهمست تستجديه بقولها باكيةً بلوعةٍ مريرة فوق قلبها:

_رد عليه خلينا نخلص، هو برضه اللي بيتصل؟.

أومأ بنظراتٍ مُخيفة ثم خطف الهاتف وخرج للرواق وبمجرد خروجه وجد "منتصر" يصيح بلهفةٍ كأنه وجد بئر الماء في عمق الصحراء:

_أخيرًا رديت عليا !! ورد عاملة إيه يا آدم وحالتها إيه دلوقتي؟ وليه مش عاوزين تردوا عليا وحد يطمني عليها وإيه الكلام اللي بيقولوه دا؟ وإيه اللي حصل؟.

وأخيرًا أتى الدور له كي ينفجر فهدر فيه بعنفٍ:

_أنتَ متصل تستعبطني يا منتصر !! عامل نفسك مش داري يعني باللي حصل؟ بسيطة أقولك أنا، مراتك ..أخوك المحترم ضربها وعراها وكشف لحمها وعرضك قدام الناس ونزل ضرب فيها لحد ما أجهضت وجالها نزيف وكانت هتشيل الرحم، ومش بس كدا دا كمان لما حلمي راح يلحقها أخوك كان هديبحه وشق ضهره وأيده، عاوز تعرف إيه تاني؟ آه حالة ورد؟ بين الحيا والموت ومسألة وقت مش أكتر بعد النزيف والكسور اللي جسمها، أنا بس عاوز أفهم أنتِ محسوب على صنف الرجالة إزاي؟ اللي علمك الرجولة ماعرفكش غير رجولتك وأنتَ الأوضة معاها بس؟ لكن تبقى راجلها اللي بيحميها دي أنا ماشوفتهاش من وش أهلك، بأمارة أمك اللي راحت عملت محضر سرقة دهب لأختي واتهمتها بالسرقة علشان مانقدرش نعمل محضر إحنا كمان، تصدق أنتوا عيلة صنفكم زبالة يا منتصر !!.

لم يُمهد له لأنهم لم يمهدون له كارثة أخته، هم اعتدوا وهو يعتدي بمثل ما اعتدوا، هو لا يرحم كما لم يُرحم، لا يتهاون كما لم يتهاونوا معه، هو ترك كل الأسباب له وأوضح النتائج لعله يستدل بنتيجةٍ واحدة فقط من النتائج المتواجدة نصب عينيهم بكل بشاعةٍ.

#يُتَبَع
#جمعية_حب
#الفصل_الخامس_وأربعون

                ________________

_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.



_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات...



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة