
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم احفظنا من خذلان من ظنناهم سندًا،
ومن قسوة من احتمينا بهم،
ومن يدٍ تمسك بأيدينا أمام الناس ثم تتركنا وحدنا حين نحتاجها.
اللهم لا تجعل ضعفنا بابًا يستغله أحد،
ولا وجعنا ثمنًا يقبضه غيرنا،
ولا سترنا صفقة تُباع وتُشترى.
اللهم إن ضاقت بنا الدنيا حتى ظننا أننا وحدنا،
فذكّر قلوبنا أنك لا تترك عبدًا لجأ إليك.
وإن ظلمنا أحد، فأظهر لنا الحقيقة ولو بعد حين،
وإن خذلنا قريب، فارزقنا عوضًا لا نشعر معه بمرارة ما فقدناه.
اللهم اجبر القلوب التي انكسرت في صمت،
واحفظ كل من نام وفي قلبه وجع لا يعرفه أحد سواك،
وارزقنا من بعد الخوف أمانًا،
ومن بعد الخذلان سندًا،
ومن بعد الظلم عدلًا،
ومن بعد كل نهاية ظننا أنها كسرتنا... بداية تليق بصبرنا.
اللهم امين
*الفصل التاسع عشر*
في شقة عمر...
السؤال خرج من شويكار بهدوء، لكن الهدوء ده كان أخطر من أي صريخ.
شويكار :
إيه اللي حصل هنا قبل ما تتجوزوا؟
ولا حد رد.
عينيها اتحركت في الشقة ببطء، المأذون واقف ولسه أوراقه في إيده، خالد ناحية الباب، حسام ورحيم وراها.
وعمر...
واقف قدامها كأنه اتقفش في جريمة هو نفسه مش فاكر تفاصيلها، لكن عينين شويكار ما وقفتش عند إبنها، راحت لسلمى، البنت كانت واقفة بعيد، هدومها متغيرة على عجل، لكن شكلها وحده كان كفاية يقول إن الليلة ما كانتش طبيعية، شعرها مبعثر، شفايفها مجروحة، خدها عليه أثر واضح ووشها شاحب بطريقة خوفت شويكار رغم إنها حاولت ما تبينش.
شويكار رجعت بعينيها لعمر.
شويكار :
أنا سألت سؤال.
عمر فتح بقه.
عمر :
ماما...
شويكار :
إيه اللي حصل للبنت؟
عمر سكت، رحيم بص لأخوه، حسام قرب خطوة.
حسام :
عمر؟
عمر مرر إيده على وشه.
عمر :
أنا...
وسكت.
خالد كان بيراقب، عارف إن دي اللحظة اللي لازم يدخل فيها، لكن ما استعجلش. إستنى، ساب الصمت يخنق عمر أكثر، شويكار قربت من ابنها.
شويكار :
بصلي.
عمر رفع عينيه ليها.
شويكار :
إيه اللي حصل هنا؟
عمر :
مش فاكر.
شويكار اتجمدت.
رحيم :
يعني إيه مش فاكر؟
عمر :
يعني مش فاكر يا رحيم.
حسام :
إنت شارب؟
عمر :
لأ.
رحيم :
واخذ حاجة؟
عمر بص له، السؤال نفسه رجع له الصداع، صور متقطعة:
خالد.. الحباية.. دوخة.. وبعدها.. لا شيء واضح.
عمر :
مش عارف.
شويكار شهقت بعصبية.
شويكار :
إنت مش عارف إذا كنت واخذ حاجة ولا لأ؟!
عمر :
دماغي مش...
خالد قاطعه.
خالد :
أنا أقول لحضرتك.
الكل لف له، خالد أخذ نفس وبص لشويكار مباشرة.
خالد :
إبن حضرتك اغتصب أختي.
الصمت اللي نزل بعدها كان ثقيل. شويكار ما رمشتش، كأن الجملة اتقالت بلغة ما فهمتهاش، حسام أول واحد اتحرك.
حسام :
إنت بتقول إيه؟!
خالد رفع صوته :
بقول إبنكم اغتصب أختي.
رحيم :
وطي صوتك.
خالد :
أوطي صوتي؟!
ضحك بمرارة مصطنعة.
خالد :
ليه يا باشا؟ علشان إحنا غلابة يبقى حتى صوتنا لازم يبقى واطي؟
شويكار كانت لسه باصة لعمر.
خالد كمل :
أختي بتشتغل عنده بتنظف له شقته، بتخدمه علشان لقمة العيش، وفي الآخر...(وأشار ناحية سلمى) شوفوا عمل فيها إيه.
شويكار أخيرًا اتحركت خطوة واحدة ناحية عمر.
شويكار :
قول إنه كذاب.
عمر بص لها.
شويكار :
عمر.. قول إن الراجل ده كذاب.
عمر ما ردش، صوتها بدأ يترعش.
شويكار :
رد عليا.
عمر :
مش فاكر.
شويكار :
بطل تقول مش فاكر.
عمر :
والله مش فاكر.
شويكار :
يعني إيه؟!
عمر صرخ :
يعني صحيت لقيت نفسي في المصيبة دي.
شويكار رجعت خطوة كأن صوته خبطها، بصت لسلمى ثم رجعت له.
شويكار :
يعني ممكن تكون عملت كده؟
عمر سكت.
شويكار :
عمر...
عمر نزل عينيه.
عمر :
ماعرفش.
الجملة كسرتها، لأول مرة رحيم شاف أمه بتدور على كرسي علشان تقعد، إيدها مسكت طرف الكنبة، رحيم جري عليها.
رحيم :
ماما.
شويكار :
سيبني.
رحيم :
إنت كويسة؟
شويكار :
قلت سيبني.
لكنها قعدت، إيديها كانت بتترعش، بصت لعمر من بعيد، نظرة عمر عمره ما شافها في عينيها، مش غضب، ولا استعلاء ولا حتى لوم، كانت صدمة.
شويكار :
أنا طول عمري...
سكتت.. حاولت تاخذ نفسها.
شويكار :
طول عمري بخاف عليك من الناس.
عمر رفع عينيه لها، صوتها انكسر.
شويكار :
ما خطرش على بالي يوم إني ممكن أخاف على الناس منك.
عمر وشه اتغير.
عمر :
ماما...
شويكار :
ما تقوليش ماما.
صرختها خرجت فجأة، الكل اتخض. شويكار قامت مرة ثانية رغم رعشة جسمها.
شويكار :
إنت عملت فينا إيه؟
عمر :
أنا مش فاكر.
شويكار :
وإيه اللي مش فاكره؟! إنك بني آدم؟! إن البنت دي أمانة في بيتك؟! إنك إبن رؤوف الألفي؟! إن عندك أم وأب وإخوات؟!
عمر :
كفاية..
شويكار :
لأ مش كفاية، إنت طول عمرك بتقولي سيبيني أعيش. عايز حريتك، عايز تعمل اللي في دماغك، أهي حريتك.. بص حواليك.. أهي!
عمر قرب منها.
عمر :
إنتِ مش فاهمة حاجة.
شويكار :
فهمني.
عمر :
أنا نفسي مش فاهم.
شويكار :
يبقى اخرس.
عمر وقف، الكلمة جرحته أكثر مما توقع. شويكار بصت لسلمى، لكن قبل ما تقول حاجة، سلمى اتحركت فجأة، إيدها راحت لبطنها، حسام لاحظ.
حسام :
إنتِ كويسة؟
سلمى ما ردتش، رمشت كذا مرة، الأصوات حواليها بدأت تبعد.
رحيم :
آنسة سلمى؟
سلمى همست :
أنا...
رجليها خانتها، خالد اتحرك بسرعة.
خالد :
سلمى..
لكن قبل ما يوصل لها سلمى وقعت، عمر اتحرك غريزيًا ناحيتها، لكن أول ما قرب سلمى فتحت عينيها وشافته، جسمها كله انتفض.
سلمى :
لأ..
عمر وقف مكانه، سلمى بدأت تتنفس بسرعة.
سلمى :
ما تقربش مني.
عمر رجع فورًا، خالد ركع جنبها.
خالد :
سلمى.. بصيلي.
لكن سلمى كانت ضامة نفسها، وفجأةحسام لمح الدم، وشه اتغير.
حسام :
رحيم...
رحيم بص، وفي ثانية إختفى كل الخناق.
رحيم :
لازم دكتور.
خالد :
دكتور إيه؟
رحيم لف له.
رحيم :
مش شايفها؟!
خالد :
نوديها البيت وأنا أتصرف.
رحيم :
البيت؟! البنت بتنـزف وإنت عايز توديها البيت؟
خالد :
أنا أخوها وأنا أعرف مصلحتها.
رحيم :
واضح جدًا.
الجملة خرجت منه بحدة، خالد رفع عينه له لكن رحيم ما اهتمش، طلع موبايله، خالد وقف.
خالد :
إنت هتعمل إيه؟
رحيم :
هجيب دكتورة.
خالد :
هنا؟
رحيم :
أيوه هنا.
خالد :
ما ينفعش.
رحيم وقف عن الاتصال وبص له.
رحيم :
إيه اللي ما ينفعش؟
خالد :
البنت كفاية اللي حصل لها، مش ناقصة حد يكشف عليها ويقلب الموضوع فضيحة.
رحيم :
محدش قال فضيحة، هتيجي دكتورة هنا تفحصها، تطمن على النزيف والإصابات وتقول لنا حالتها محتاجة إيه.
خالد :
وأنا قلت...
رحيم قاطعه ببرود :
وإنت من إمتى بقيت دكتور؟
خالد سكت.
رحيم :
أختك محتاجة مساعدة، لو فعلًا خايف عليها ما تعطلنيش.
وسابه واتصل. شويكار كانت واقفة بتبص لسلمى وبعدين لعمر، وبعدين للمأذون اللي بقى نفسه مش عارف يقف فين من اللي بيسمعه. المأذون جمع أوراقه بسرعة.
المأذون :
أنا... أستأذن أنا يا جماعة.
محدش رد، خالد فتح له الباب، خرج، وأول ما الباب اتقفل شويكار اتغيرت كأن لحظة الانهيار انتهت، وطلع مكانها وجه ثاني، وجه شويكار الألفي. مسحت دمعة كانت على طرف عينها قبل ما تنزل، رفعت راسها وبصت لخالد.
شويكار :
إسمعني كويس.
خالد :
سامع.
شويكار :
اللي حصل هنا الليلة مش هيطلع بره الباب ده.
خالد ضحك بسخرية.
خالد :
نعم؟
شويكار :
سمعتني، الجواز تم وسلمى بقت مرات عمر رسمي، الجوازة دي هتفضل في السر محدش يعرف بيها، لا صحافة، لا ناس ولا حد من بره العيلتين.
خالد :
وبعد كده؟
شويكار :
بعد فترة لما الدنيا تهدى يحصل الطلاق بهدوء.
سلمى رفعت عينيها لها، عمر نفسه اتفاجئ من برود الجملة، خالد قرب من شويكار.
خالد :
يعني إيه؟
شويكار :
يعني اللي سمعته.
خالد :
يعني إبنك يعمل في أختي اللي عمله وبعدين يتجوزها كام شهر، وبعدين يرميها؟
شويكار :
ما تحرفش كلامي.
خالد :
أمال أسميه إيه؟!
شويكار :
أنا بحاول أحل المصيبة.
خالد ضحك.
خالد :
مصيبة مين يا هانم؟ مصيبة أختي ولا مصيبة إبنك؟
شويكار عينيها ضاقت، خالد ضرب على صدره.
خالد :
إحنا ناس غلابة، أختي بتشتغل في البيوت وأنا بجري على لقمة العيش، ما عندناش شركات ولا محامين ولا إسم يخلي الناس تسكت، إبنك لو خرج بكرة وقال ما حصلش مين هيصدق سلمى؟
شويكار :
محدش هيخرج يقول حاجة.
خالد :
علشان حضرتك قررتي؟
شويكار :
أيوه.
قالتها من غير تردد.
شويكار :
علشان أنا قررت.
خالد ابتسم.
خالد :
واضح إن اللي قالوه عنك صح.
شويكار :
قالوا عني إيه؟
خالد :
إن شويكار هانم لما تكون عايزة حاجة بتفتكر إن الدنيا كلها موظفين عندها.
رحيم :
خالد..
خالد :
أنا بكلمها يا باشا.
شويكار قربت منه.
شويكار :
وإنت إسمعني كويس، لو كلمة واحدة عن اللي حصل هنا خرجت، أنا مش بهددك، أنا بقولك حقيقة، هتندم.
خالد سكت ثانية، إثنين، وبعدين إبتسم.
خالد :
إثنين مليون جنيه.
حسام :
إيه؟
رحيم ثبت عينه عليه، أما شويكار فما اتحركش.
شويكار :
قُل ثاني.
خالد :
إثنين مليون جنيه.
شويكار بصت له طويلًا، وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة كلها احتقار.
شويكار :
كنت مستنية الرقم.
خالد :
رقم إيه؟
شويكار :
ثمن سكوتك.
خالد وشه اتشد.
خالد :
سكوتي؟! أنا ببيع سكوتي؟!
شويكار :
من دقيقة كنت بتتكلم عن شرف أختك، دلوقتي بقينا في اثنين مليون.
رحيم فضل ساكت بيراقب خالد. خالد أخذ نفس عميق، ولما اتكلم صوته كان مكسور بطريقة محسوبة.
خالد :
أيوه، إثنين مليون مش ثمن شرفها لأن شرف أختي مش للبيع، دول حقها. بكرة إبنك يطلقها تروح فين؟ تشتغل عند مين؟ تعيش إزاي؟ ولو حملت؟
الجملة وقعت كالقنبلة، شويكار وشها اتغير، عمر رفع راسه وسلمى غمضت عينيها بقوة.
خالد كمل :
إنتوا عندكم قصر، شركات حسابات، إسم، هي عندها إيه؟ أخوها؟
وأشار لنفسه بمرارة.
خالد :
أهو أخوها واقف قدامكم مش عارف حتى ياخذ حقها.
رحيم قال بهدوء :
بس عرفت تحدد حقها باثنين مليون بسرعة.
خالد لف له.
خالد :
علشان أنا عارف الدنيا يا رحيم بيه، الفقير لو ما ضمنش بكرة يموت النهارده.
شويكار :
وأنا لو رفضت؟
خالد سكت، وبعدين طلع موبايله، حطه قدامها.
خالد :
يبقى كل واحد ياخذ حقه بالقانون.
شويكار عينيها نزلت للموبايل.
خالد :
محضر تحقيق، كشف طبي، نيابة، صحافة والناس هي اللي تحكم.
شويكار رفعت عينيها له.
خالد :
حضرتك اختاري، الفلوس ولا الفضيحة.
عمر اندفع.
عمر :
إنت بتبتزنا..
خالد لف له.
خالد :
وإنت آخر واحد يفتح بقه.
عمر :
أنا هقتلك.
رحيم وقف بينهم.
رحيم :
عمر..
عمر :
سيبني يا رحيم.
رحيم :
قُلت اقعد.
عمر :
ده نصاب.
خالد :
أنا النصاب؟! أختي بتنـزف بسببك وإنت بتقول عليا نصاب؟!
عمر :
أنا مش فاكر إني عملت حاجة.
خالد :
وهي دي حجتك؟!
عمر :
فيه حاجة حصلتلي.
شويكار صرخت :
كفاية..
الكل سكت، بصت لعمر.
شويكار :
كلمة "مش فاكر" دي مش عايزة أسمعها منك ثاني الليلة.
عمر بص لها بصدمة.
شويكار :
لحد ما نعرف الحقيقة إنت تسكت.
عمر :
حتى إنتِ؟
شويكار :
حتى أنا إيه؟
عمر :
صدقتيه؟
شويكار بصت ناحية سلمى، البنت كانت على الأرض والدم شاهد ما تعرفش شويكار تفسره. رجعت بصت لابنها.
شويكار :
أنا مصدقة اللي شايفاه قدامي.
الجملة دخلت فيه زي السكينة، عمر نزل عينيه وسكت، لكن شويكار ما شافتش إيده وهي بتتقبض، ولا شافت النظرة اللي ظهرت للحظة في عينيه، لأنه للمرة الأولى عمر بدأ يشك في نفسه أكثر مما بيشك في خالد.
وفي الناحية التانية، خالد كان واقف ساكت، وشه بيحمل غضب أخ اتطعن في شرف أخته، لكن جواه كان بيحسب الاثنين مليون.
الجواز تم، وعيلة الألفي إبتدت تخاف.
بعد حوالي نص ساعة...
جرس الباب رن، كل اللي في الصالة بص ناحية الباب. رحيم اتحرك وفتحه، كانت الدكتورة واقفة قدامه، ست في أواخر الأربعينات، ملامحها هادية ومعاها شنطة طبية صغيرة.
رحيم :
إتفضلي يا دكتورة، آسف جدًا على الوقت.
الدكتورة: ولا يهمك، فين المريضة؟
رحيم بص ناحية سلمى، الدكتورة أول ما شافتها، ملامحها اتغيرت. سلمى كانت قاعدة على طرف الكنبة، لابسة عباية بيت بسيطة كانت بتسيبها في الشقة علشان تلبسها وهي بتنظف، العباية واسعة، لكن حتى وسعها ما قدرش يخبي رعشة جسمها، وشها شاحب وشفايفها مجروحة، وأثر القلم على خدها لسه واضح.
الدكتورة قربت منها.
الدكتورة :
إسمك إيه يا حبيبتي؟
سلمى بصت لها.
سلمى : سلمى.
الدكتورة :
أنا دكتورة نجلاء. رحيم بيه كلمني علشان أطمن عليكِ.
سلمى ما ردتش، عينيها اتحركت ناحية عمر، كان واقف بعيد، وأول ما نظراتهم اتقابلت، سلمى بعدت عينيها بسرعة.
الدكتورة لاحظت وبصت لكل الموجودين.
الدكتورة :
محتاجة أقعد معاها لوحدنا.
خالد :
أنا أخوها.
الدكتورة :
حتى حضرتك.
خالد :
بس...
الدكتورة قاطعته بهدوء.
الدكتورة :
لو سمحت أنا محتاجة أسمع منها هي، وأفحصها في خصوصية.
رحيم أشار ناحية الغرفة.
رحيم :
إتفضلي يا دكتورة.
سلمى حاولت تقوم، لكن أول ما وقفت، وشها اتلوى من الألم.ط، مسكت طرف الكنبة، الدكتورة سندتها.
الدكتورة :
بالراحة.
سلمى دخلت معاها، والباب اتقفل.
مرت عشر دقايق.. عشرين.. نص ساعة، ولا حد في الصالة تقريبًا اتكلم. عمر كان قاعد بعيد، كوعه على ركبته وإيده فوق بقه، شويكار واقفة عند الشباك، خالد رايح جاي، وحسام كان كل شوية يبص ناحية باب الغرفة، أما رحيم فكان واقف يراقب أخوه، لحد ما باب الغرفة اتفتح، الدكتورة خرجت، الكل وقف تقريبًا.
خالد :
أختي مالها؟
الدكتورة بصت له، وبعدين لعيلة الألفي.
الدكتورة :
هي محتاجة ترتاح، ومحتاجة متابعة طبية. وفي إصابات لازم تتعالج.
شويكار سألت مباشرة :
حصل اعتداء عليها؟
الدكتورة سكتت لحظة.
الدكتورة :
الفحص فيه إصابات حديثة تتوافق مع تعرضها لعنف واعتداء جنسي.
وش عمر فقد لونه، الدكتورة كملت بحزم.
الدكتورة :
لكن لازم أبقى واضحة. الفحص الطبي يقدر يوثق الإصابات ويحدد الرعاية اللي محتاجاها، لكنه لوحده ما يقدرش يقول مين المسؤول أو يحكي كل ظروف اللي حصل. ولو فيه بلاغ قانوني، الأفضل يكون فيه فحص طب شرعي رسمي في أسرع وقت.
خالد ضرب كف بكف.
خالد :
أهو.. أهو سمعتوا.
شويكار ما بصتش له، عينيها كانت على عمر.
حسام :
والنزيف؟
الدكتورة :
موجود، ولازم نتابعه، لو زاد أو حصل دوخة شديدة أو فقدان وعي، لازم مستشفى فورًا.
رحيم :
هي في خطر؟
الدكتورة :
حاليًا حالتها مستقرة، لكن ما ينفعش نستهين بالإصابات.
عمر قام ببطء.
عمر :
ممكن أشوفها؟
الدكتورة بصت له.
الدكتورة :
هي قالت إنها مش عايزة تشوفك دلوقتي.
الجملة كانت كفاية، عمر وقف مكانه وبعدين رجع قعد من غير كلمة.
خالد :
بعد إذنك يا دكتورة، التقرير ده...
الدكتورة بصت له بحدة.
الدكتورة :
الأولوية دلوقتي للمريضة، مش لأي خلاف بينكم.
وسابتهم ودخلت ثاني عند سلمى.
رحيم فضل واقف في دماغه حاجة مش راكبة، بص لسلمى من خلال فتحة الباب للحظة، العباية اللي عليها مش هدوم خروج. رحيم عقد حواجبه، لف لخالد.
رحيم :
هدومها فين؟
خالد :
إيه؟
رحيم :
الهدوم اللي كانت لابساها قبل العباية.
خالد اتردد جزء من الثانية.
خالد :
ماعرفش.
رحيم بص لعمر، عمر ما ردش، رحيم اتحرك ناحية أوضة عمر.
شويكار :
رايح فين؟
رحيم :
أشوف حاجة.
دخل، وأول ما فتح النور، وقف. الأوضة نفسها كانت بتحكي إن مقاومة حصلت فيها، المخدة واقعة، طرف السرير متحرك من مكانه، زرار قميص على الأرض، وبالقرب من السرير كانت هدوم سلمى.
رحيم قرب، إنحنى، رفع قطعة من القماش من طرفها، كانت ممزقة، مش مجرد خياطة فكت، القماش نفسه مقطوع، رحيم سابها فورًا وعينيه اتحركت للسرير.
هناك، على الملاءة كان فيه أثر دم. إتجمد، فضل باصص له ثواني، لكن ما حاولش يفسره طبيًا، كان كفاية بالنسبة له إنه يشوف الدم مع الهدوم المقطوعة وآثار الفوضى علشان معدته تتقلب. سمع صوت وراه، عمر كان واقف عند الباب، شاف أخوه، وبعدين شاف اللي في إيده، وعينه راحت للسرير. عمر وقف مكانه.
رحيم قال بصوت منخفض :
الهدوم دي بتاعتها؟
عمر ما ردش.
رحيم :
بسألك.
عمر :
ماعرفش.
رحيم :
بطل تقول ماعرفش.
عمر رفع عينيه له.
عمر :
عايزني أقولك إيه؟ أكذب عليك وأقول فاكر؟ أنا مش فاكر يا رحيم.
رحيم أشار للغرفة.
رحيم :
طب بص، بص حواليك، الهدوم مقطوعة، الدم على السرير، البنت بره مش قادرة تقف على رجليها، والدكتورة بتقول إن فيه إصابات متوافقة مع اعتداء.
عمر بدأ يتنفس أسرع، صور رجعت تضرب في دماغه، سلمى وهي بتصرخ، إيده ماسكة دراعها، صوت القماش وهو بيتقطع، زجاج بيتكسر،وبعدين...
فراغ.
عمر رجع بظهره للحيط.
عمر :
يا رب...
رحيم كان غضبان، لكن لما شاف وش أخوه غضبه اتلخبط. عمر
بص له بعينين مليانين رعب.
عمر :
أنا عملت كده؟
رحيم ما عرفش يرد.
عمر :
رحيم.. أنا بسألك، أنا.. عملت كده؟
رحيم قال من بين سنانه :
أنا ماعرفش حصل إيه في الأوضة دي، لكن اللي شايفه قدامي كارثة.
وفي اللحظة دي صوت شويكار جه من وراهم.
شويكار :
إبعد.
الاثنين لفوا، كانت واقفة عند الباب، دخلت، عينيها وقعت على الهدوم المقطوعة ثم على الفوضى،ثم على أثر الدم فوق الملاءة، وشها إبيض.
عمر :
ماما...
شويكار رفعت إيدها.
شويكار :
ما تقربش مني.
عمر اتجمد، شويكار فضلت باصة للسرير وبعدين قالت بصوت مبحوح.
شويكار :
أنا ربيتك على إيه يا عمر؟
عمر :
والله ما أعرف حصل إيه.
شويكار لفت له فجأة.
شويكار :
بس هي عارفة.
وأشارَت ناحية الصالة.
شويكار :
البنت اللي بره عارفة، الدكتورة عارفة إنها اتأذت، وأنا شايفة بعيني هدومها ودمها، إنت الوحيد اللي مش عارف؟!
عمر :
أنا مش باكذب.
شويكار :
يا ريتك كنت بتكذب.
سكتت.. دموعها لمعت لأول مرة.
وقالت :
كان هيبقى أرحم من إني أبص في عين إبني وألاقيه فعلًا مش عارف هو عمل إيه.
ومن خارج الغرفة...
كان خالد واقف سامع كل كلمة. وعلى وشه ظهر الحزن اللي المفروض أخ موجوع يظهره، لكن أول ما محدش كان باصص له، طرف شفايفه اتحرك بابتسامة صغيرة.
كل دليل في الشقة كان بيتكلم لصالح الحكاية اللي هو عايزهم يصدقوها.
شويكار فضلت واقفة في أوضة عمر، عينيها على السرير، على الهدوم المقطوعة وعلى آثار ليلة كانت تتمنى لو تقدر تمسحها من الوجود كله. لكن شيئًا فشيئًا دموعها اختفت، رعشة إيديها هديت، وظهرها اتفرد.
رحيم عرف النظرة دي، شويكار الأُم كانت انهارت من شوية، دلوقتي رجعت شويكار الألفي.
لفت ناحية الصالة.
شويكار :
خالد.
خالد رفع عينه.
خالد :
نعم يا هانم؟
شويكار خرجت من الأوضة، وقفت قدامه.
شويكار :
قلت إثنين مليون؟
خالد سكت لحظة.
خالد :
أيوه.
حسام بص لأمه.
حسام :
ماما...
شويكار رفعت إيدها.
شويكار :
محدش يتدخل.
رحيم :
إنتِ ناوية تعملي إيه؟
شويكار ما بصتش ليه، عينيها فضلت في عين خالد.
شويكار :
هتاخذهم.
خالد نفسه اتفاجئ من سرعة الرد، لكن أخفى ده فورًا.
شويكار :
وفي المقابل، من اللحظة اللي الفلوس تدخل حسابك، اللي حصل الليلة يموت هنا.
خالد :
وأختي؟
شويكار :
مرات إبني، هتفضل هنا مؤقتًا ومحدش يعرف بالجوازة، لا جيران، لا صحافة، لا أصحاب ولا حتى حد من العيلة مش موجود هنا، وبعد فترة لما الموضوع يهدى هي وعمر يتطلقوا.
خالد :
وحقوقها؟
شويكار :
الاتنين مليون مقابل إن الموضوع كله يتقفل، وسلمى نفسها مش هتترمي في الشارع.
خالد إبتسم ابتسامة صغيرة، شويكار شافتها.
شويكار :
عاجبك؟
خالد :
مش موضوع عاجبني، أنا عايز أضمن حق أختي.
شويكار :
ما تقلقش، واضح إنك بتعرف تضمن حقوقك كويس.
خالد فهم الإهانة لكنه بلعها، طلع موبايله.
خالد :
تمام، أديكِ رقم الحساب.
رحيم بص له بعدم تصديق.
رحيم :
مستعجل أوي.
خالد :
آه.
رحيم :
أختك جوه عند الدكتورة بعد كارثة، وأول حاجة في دماغك دلوقتي التحويل؟
خالد لف له.
خالد :
علشان لو خرجت من هنا بكلام بس، بكرة حضرتك تقول ماعرفكش، لكن الفلوس لما تدخل الحساب أعرف إن فيه اتفاق.
رحيم عينيه ضاقت، الكلام ما عجبوش. لكن شويكار قالت :
إبعث الرقم.
خالد بعثه، شويكار أخذت موبايلها، عملت مكالمة قصيرة.
شويكار :
عايزة تحويل إثنين مليون على الحساب اللي هبعتثهولك حالًا.
،،،،،،،،
أيوه دلوقتي.
قفلت.
حسام :
ماما، إنتِ واعية للي بتعمليه؟
شويكار :
جدًا.
حسام :
ده إبتزاز.
شويكار :
وأنا بادفع ثمن غلطة إبننا قبل ما تدفع العيلة كلها ثمنها.
عمر رفع راسه.
عمر :
غلطة؟
ضحك بمرارة.
عمر :
خلاص حكمتِ؟
شويكار لفت له.
شويكار :
اللي شُفته في أوضتك يكفيني الليلة.
عمر سكت.
شويكار :
وبعدين نحاسب، دلوقتي أنا بحمي البيت.
عمر :
البيت ولا الإسم؟
شويكار بصت له. لكن قبل ما ترد موبايل خالد أصدر صوت، خالد نزل عينه للشاشة، رسالة من البنك، قرأها واتسعت ابتسامته للحظة قبل ما يخفيها. شويكار كانت بتراقبه.
شويكار :
وصلوا؟
خالد رفع عينه.
خالد :
وصلوا.
شويكار :
كويس.
قربت منه.
شويكار :
من اللحظة دي، لو سمعت إسم عمر أو سلمى أو اللي حصل هنا على لسان أي بني آدم، الاتفاق انتهى.
خالد :
ما تخافيش.
شويكار :
أنا ما بخافش منك.
خالد ابتسم.
خالد :
وأنا أخذت حقي.
صوت ضعيف خرج من وراه.
سلمى :
حقك؟
الكل لف، كانت واقفة عند باب الأوضة، الدكتورة وراها، العباية الواسعة عليها.، وشها شاحب وإيدها ماسكة في الباب علشان تقدر تقف.
سلمى كانت باصة لخالد.
سلمى :
إنت أخذت فلوس؟
خالد سكت.
سلمى :
فلوس إيه؟
محدش رد، سلمى بصت لشويكار، ثم رحيم وبعدين رجعت لأخوها.
سلمى :
خالد... إنت أخذت فلوس على إيه؟
خالد حط الموبايل في جيبه.
خالد :
حقك.
سلمى :
حقي؟!
خالد :
أيوه.
سلمى :
ومين قالك إني عايزة فلوس؟!
خالد :
ما تبدأيش.
سلمى قربت منه بالعافية.
سلمى :
رجعهم.
خالد ضحك.
سلمى :
بقولك رجع الفلوس.
خالد :
وإنتِ مالك؟
سلمى اتصدمت.
سلمى :
مالي؟! مش بتقول حقي؟ يبقى رجعه أنا مش عايزة منهم حاجة.
خالد :
خلاص، إعتبريهم حقي أنا.
سلمى بصت له كأن حد ضربها، عمر رفع عينه لخالد، رحيم ملامحه اتغيرت، حتى شويكار فضلت باصة له باحتقار.
سلمى :
حقك في إيه؟
خالد :
في اللي جرالي بسببك.
سلمى :
جرالك إنت؟!
خالد قرب منها.
خالد :
أيوه، أنا من النهارده بقيت أمشي ورايا فضيحة أختي.
وأشار ناحيتها.
خالدو:
حصل لها اللي حصل في بيت راجل كانت بتشتغل عنده.
سلمى دموعها بدأت تتجمع.
سلمى :
إنت اللي سبتني هنا.
خالد :
إخرسي.
سلمى :
إنت اللي أجبرتني أفضل.
خالد :
قُلت اخرسي.
الدكتورة اتحركت ناحيتها، لكن سلمى رفعت إيدها، ما كانتش عايزة حد، كانت عايزة إجابة واحدة.
سلمى :
هتسيبني؟
خالد بص لها، وللحظة كل التمثيل اللي كان بيعمله قدام عيلة الألفي اختفى. رجع خالد اللي هي تعرفه، البارد، القاسي.
خالد :
أيوه.
سلمى شهقت.
خالد :
من النهارده إنسي إن ليكِ أخ.
الصالة كلها سكتت.
سلمى :
خالد...
خالد :
إنتِ بقيتِ عار وفضيحة ليا.
سلمى رجعت خطوة كأن الكلمة كانت أقوى من أي ضربة أخذتها منه في حياتها.
خالد :
إنت دلوقتي مرات عمر بيه.
وأشار لعمر.
خالد :
سلكي أمورك مع جوزك.
سلمى :
إنت بتبيعني؟
خالد :
سميها زي ما تسميها.
سلمى :
أخذت إثنين مليون وسبتني؟
خالد :
أخدت حقي.
سلمى :
حقي أنا ولا حقك؟!
خالد ما ردش، لف ناحية الباب.
سلمى :
خالد!
فتح الباب، صوتها انكسر.
سلمى :
بالله عليك ما تسبنيش.
خالد وقف ثانية واحدة، سلمى كانت مستنية يلف، حتى بعد كل اللي عمله جزء صغير جواها كان مستني أخوها، لكنه ما لفش.
خالد :
ربنا معاكِ.
وخرج.. الباب اتقفل، سلمى فضلت باصة له لفترة قصيرة، وبعدين رجليها ما شالتهاش، نزلت على الأرض، مش من النزيف المرة دي، من الحقيقة، أخوها باعها.
شويكار بصت لها، ثم لعمر.
وقالت ببرود :
خذ مراتك جوه.
عمر رفع عينيه لها، سلمى نفسها بصت لشويكار بصدمة.
شويكار :
ومن بكرة محدش يعرف إن البنت دي موجودة أصلًا.
وفي الأسانسير...
كان خالد واقف لوحده، باب الأسانسير قفل، إختفت ملامح الأخ المكسور، اإختفت العصبية واختفى الحزن، طلع الموبايل، فتح رسالة البنك مرة ثانية: تم إضافة 2,000,000 جنيه إلى حسابك.
إبتسم، ثم فتح المحادثة اللي من غير إسم.
كتب:
«الفلوس وصلت.»
الرد جه فورًا :
«كويس. خذ نصيبك وابعد.»
خالد قراها، ابتسامته اختفت.
كتب :
«أبعد؟»
ثواني، جاء الرد :
«دورك خلص.»
خالد فضل باصص للشاشة وبعدين ضحك بهدوء وكتب :
«إنت فاكر إني عملت كل ده علشان الفلوس؟»
ظهرت علامة إن الطرف الآخر بيكتب ثم اختفت.
خالد رفع عينه لانعكاسه في مراية الأسانسير وقال لنفسه :
لأ.. أنا لسه ما بدأتش.
وفي الأعلى داخل شقة عمر، موبايل شويكار اهتز، رسالة جديدة من رقم مجهول، فتحتها. وفي اللحظة اللي قرت فيها الكلام، إختفى اللون من وشها، رحيم لاحظ.
رحيم :
ماما؟
شويكار ما ردتش.
حسام :
في إيه؟
رفعت شويكار عينيها ناحية عمر، ثم بصت لسلمى ورجعت للشاشة.
الرسالة كانت بتقول :
«لو فاكرة إن الاتنين مليون قفلوا الموضوع، يبقى إنتِ لسه ما تعرفيش إبنك اتجوز مين.»
يتبع.....