
بسم الله الرحمن الرحيم.
اللهم احفظنا من شرٍ يأتي في ثوب المحبة،
ومن خيانةٍ تسكن في بيتٍ ظنناه أمانًا،
ومن يدٍ أمسكنا بها مطمئنين، ثم اكتشفنا أنها كانت أول من يدفعنا للسقوط.
اللهم إن خفيت عنا نوايا البشر، فلا يخفى عليك شيء.
وإن دُبرت لنا أمور في الظلام، فأخرجها إلى النور.
وإن ظن أحد أن ضعْفنا فرصة، فكن أنت قوتنا.
وإن أُغلقت في وجوهنا الأبواب، فافتح لنا بابًا لا يملك أحد أن يغلقه.
اللهم لا تجعل حاجتنا لأحد سببًا في كسرنا،
ولا محبتنا لأحد سلاحًا يُستخدم ضدنا،
ولا ثقتنا عقابًا ندفع ثمنه بقية أعمارنا.
اللهم اجبر قلب كل من خذله قريب،
وكل من اكتشف متأخرًا أن المكان الذي احتمى به لم يكن آمنًا،
وكل من وجد نفسه وحيدًا بعد أن كان يظن أن له أهلًا وسندًا.
وارزقنا الحقيقة وإن أوجعتنا،
لأن وجع الحقيقة أرحم من عمرٍ كامل نعيشه داخل كذبة.
اللهم اكشف لنا ما خفي، واحفظنا مما لا نراه، ولا تتركنا إلا في ودائعك التي لا تضيع.
آمين يا رب العالمين.
نسرين بلعجيلي
#رواية_جريمة_إسمها_زواج
#نسرين بلعجيلي
Nisrine Bellaajili
أحيانًا المصيبة مش في اللي حصل...
المصيبة في اللحظة اللي تبدأ ترجع فيها بالذاكرة للوراء،
وتكتشف إن حاجات كتير كنت فاكرها صدفة...
ما كانتش صدفة.
باب اتقفل في الوقت الصح.
شخص اختفى قبل ما تسأله.
مكان ما بقاش ليك.
وحد كنت فاكره سندك... كان بيجهز حياته من غيرك وإنت لسه مطمن له.
وساعتها السؤال ما بيبقاش:
«ليه حصل لي كده؟»
السؤال المرعب فعلًا بيبقى:
«من إمتى وهما عارفين إن ده هيحصل لي؟»
وأصعب خيانة مش إن عدوك يحفر لك حفرة...
أصعب خيانة إنك تكتشف إن الشخص اللي كان المفروض يشدك منها،
هو أول واحد عرف مكانها.
والنهارده...
سلمى مش هتكتشف بس إنها بقت لوحدها.
هتبدأ تفهم إن وحدتها...
يمكن كانت مترتبة من قبل ما تعرف إن حياتها كلها على وشك تتغير.
*الفصل العشرون*
في شقة عمر...
موبايل شويكار كان لسه في إيدها، والرسالة قدام عينيها :
«لو فاكرة إن الاثنين مليون قفلوا الموضوع، يبقى إنتِ لسه ما تعرفيش إبنك اتجوز مين.»
شويكار قرتها مرة واثنين وثلاثة، وفي كل مرة كانت الجملة تبقى أثقل. رحيم لاحظ التغيير اللي حصل على وشها.
رحيم :
ماما؟
ما ردتش، حسام قرب منها.
حسام :
في إيه؟
شويكار رفعت عينيها ببطء، بصت ناحية سلمى، البنت كانت لسه على الأرض لابسة عباية البيت الواسعة، وشها شاحب، وعينيها ثابتة على الباب اللي خالد خرج منه من ثواني، كأن عقلها لسه واقف عند جملته الأخيرةو:
"إنسي إن ليكِ أخ."
شويكار رجعت بصت للموبايل، عمر لاحظ.
عمر :
مين بعثلك؟
شويكار ما ردتش، رحيم مد إيده.
رحيم :
وريني.
لكن شويكار سحبت الموبايل ناحية صدرها، رحيم عقد حواجبه.
رحيم :
ماما؟
شويكار :
محدش يلمس التليفون.
حسام :
فيه إيه بس؟
شويكار رفعت الشاشة قدامهم، رحيم قرأ الرسالة، ملامحه اتغيرت، حسام قرب وقرأها هو كمان. ثواني من الصمت مرت.
عمر :
مكتوب إيه؟
شويكار رفعت عينيها له، وللحظة بان إنها نفسها مش عارفة تبصله بإيه : غضب؟ خيبة؟ ولا خوف من المصيبة اللي لسه ما عرفتش آخرها؟
مدت له الموبايل، عمر أخده، قرأ وثبت عينه على آخر جملة:
«إنتِ لسه ما تعرفيش إبنك اتجوز مين.»
عمر رفع عينه ناحية سلمى، سلمى ما كانتش واخذة بالها أصلًا.
عمر :
يعني إيه؟
شويكار :
أنا اللي بسألك.
عمر :
بتسأليني أنا؟!
شويكار :
أيوه إنت.
عمر ضحك بمرارة.
عمر :
ما هو واضح إن أنا آخر واحد في الشقة دي فاهم أي حاجة.
شويكار :
ما تعليش صوتك.
عمر :
أمال أعمل إيه؟!
رمى الموبايل على الكنبة بعصبية.
عمر :
من ساعة ما فُقت وأنا بلاقي مصيبة ورا مصيبة.
بص ناحية سلمى وصوته هدي رغمًا عنه.
عمر :
بنت بالشكل ده...
بص لخدهـا المجروح، وبعدين بعد عينه بسرعة.
عمر :
بيقولوا إني عملت فيها...
ما قدرش يكمل، ضغط على راسه.
عمر :
إتجوزتها وأنا مش فاهم حاجة.
رجع بص لشويكار.
عمر :
وأخوها أخذ إثنين مليون ومشي.
ثم أشار للموبايل.
عمر :
ودلوقتي حد بيبعثلك يقولك إنك مش عارفة أنا اتجوزت مين..
قرب منها.
عمر :
وأنا؟
ضرب على صدره.
عمر :
أنا أعرف إيه؟!
صوته انكسر لأول مرة.
عمر :
حد فيكم ممكن يفهمني أنا في إيه؟!
الصالة سكتت، رحيم كان الوحيد اللي عينيه ما كانتش على عمر، كانت على الرسالة. أخذ الموبايل من الكنبة، بص للرقم.
رحيم :
نفس الرقم اللي بعثلك قبل الجواز؟
شويكار :
لأ.
رحيم رفع عينه لها.
شويكار :
رقم ثاني.
حسام :
يعني فيه أكثر من شخص؟
رحيم :
أو شخص بيستخدم أكثر من رقم.
شويكار :
مش فارقة.
رحيم :
لأ، فارقة جدًا.
شويكار :
إيه اللي فارق يا رحيم؟!
رحيم لف لها.
رحيم :
إن فيه حد كان عارف بالجواز قبلنا.
سكتوا.
رحيم كمل :
حد عرف إن عمر هيتجوز، وعرف إمتى العقد هيتم تقريبًا، وعرف يبعثلك في الوقت المناسب علشان نوصل بعد ما الجواز يتم.
نسرين بلعجيلي
حسام بدأ يستوعب.
حسام :
وكمان عارف موضوع الاثنين مليون.
رحيم بص له، ثم لشويكار.
رحيم :
بالظبط.
شويكار وشها اتغير.
عمر:
يعني إيه؟
رحيم :
يعني خالد مش أكبر مشكلة عندنا.
عمر قرب منه.
رحيم :
فيه حد ثاني.
حسام :
إنت متأكد؟
رحيم :
خالد خرج من هنا من دقايق.
وأشار للموبايل.
رحيم :
والرسالة وصلت بعد ما الفلوس اتحولت.
عمر افتكر حاجة.
عمر :
المكالمة.
رحيم :
مكالمة إيه؟
عمر ضغط على عينيه.
عمر :
مش فاكر كويس...
حاول يجمع الصور.
عمر :
قبل ما كل حاجة تضيع مني، خالد كان بيكلم حد.
شويكار :
قال إيه؟
عمر :
ماعرفش.
رحيم :
حاول تفتكر.
عمر انفجر :
ما تضغطش عليا.
رحيم سكت، عمر حط إيده على راسه.
عمر :
دماغي هتنفجر.
سلمى اتحركت على الأرض، حاولت تقوم، الدكتورة قربت منها فورًا.
الدكتورة :
لأ، بالراحة.
سلمى :
أنا عايزة أمشي.
شويكار بصت لها، سلمى سندت على الكنبة وقامت بالعافية.
الدكتورة :
إنتِ محتاجة ترتاحي.
سلمى :
هرتاح في بيتي.
رحيم :
ماينفعش تروحي لوحدك بالحالة دي.
سلمى ضحكت ضحكة مكسورة.
سلمى :
لوحدي؟
بصت ناحية الباب.
سلمى :
ما أنا بقيت لوحدي فعلًا.
ولا حد عرف يرد، مسحت دموعها بسرعة.
سلمى :
أنا عايزة أروح.
شويكار قالت ببرود :
مش هينفع.
سلمى بصت لها.
سلمى :
نعم؟
شويكار :
إنتِ دلوقتي مرات عمر.
سلمى اتجمدت.
شويكار :
وفيه حد بيراقب اللي بيحصل، وعارف تفاصيل إحنا نفسنا ما نعرفهاش.
سلمى :
وأنا مالي؟
شويكار :
ممكن تكوني إنتِ المقصودة.
سلمى :
مقصودة بإيه؟
شويكار قربت منها.
شويكار :
إنتِ مين؟
السؤال نفسه كان مهينًا. سلمى عقدت حواجبها.
سلمى :
يعني إيه أنا مين؟
شويكار :
إسمك كامل.
سلمى :
وإنتِ مالك باسمي؟!
شويكار :
جاوبي.
سلمى :
مش هجاوب.
شويكار :
البنت اللي إبني اتجوزها من ساعة...
سلمى قاطعتها بحدة :
إبنك ما اتجوزنيش.
الكل سكت، حتى شويكار اتفاجئت.
سلمى دموعها نزلت، لكنها كملت :
الورقة تقول اللي تقوله، أنا ما اخترتوش وهو ما اختارنيش، أخويا ضربني علشان أوافق، وهو وافق علشان خايف من الفضيحة.
بصت لعمر، عمر نزل عينه.
سلمى :
فبلاش كل شوية تقوليلي "مرات إبني" كإن اللي حصل ده جوازة طبيعية.
شويكار :
أنا مش بتكلم عن الطبيعي.
سلمى :
وأنا مش عايزة أتكلم أصلًا.
شويكار :
وأنا عايزة أعرف مين اللي دخل عيلتي.
سلمى ضحكت وسط دموعها.
سلمى :
عيلتك؟
قربت منها خطوة.
سلمى :
أنا اللي دخلت عيلتك؟
شويكار سكتت.
سلمى :
أنا كنت جاية أنظف شقة إبنك بس، أنا ما خبطتش على باب قصرك ولا طلبت إسمكم ولا فلوسكم ولا إبنك.
صوتها بدأ يعلى.
سلمى :
أخويا هو اللي رماني هنا، وابنك...
سكتت، جسمها اترعش، ما قدرتش تكمل. عمر لف وشه بعيد. سلمى أخذت نفسها بصعوبة.
سلمى :
فلو فيه حد لازم تسأليه مين دخل حياة مين، إسألي نفسك. أنا اللي دخلت حياتكم؟ ولا إنتم اللي دخلتوا حياتي ودمرتوها؟!
شويكار اتجمدت، رحيم تدخل قبل ما المواجهة تزيد.
رحيم :
كفاية.
بص لسلمى.
رحيم :
ماحدش هيسألك حاجة دلوقتي.
شويكار :
رحيم...
رحيم :
مش دلوقتي يا ماما.
شويكار رمقته بغضب، لكنه لأول مرة ما تراجعش.
رحيم :
البنت محتاجة ترتاح، وبعدين...
بص لأمه مباشرة.
رحيم :
لو الرسالة دي صح وفيه حاجة إحنا ما نعرفهاش عنها، هنعرفها، بس مش بالطريقة دي.
شويكار سكتت.
الدكتورة قالت :
الأفضل فعلًا إنها ما تتعرضش لأي ضغط زيادة الليلة.
شويكار أخذت نفسًا عميقًا، رجعت شخصية الست اللي بتحسب كل خطوة.
شويكار :
تمام.
لفت لحسام.
شويكار :
هات العربية.
حسام :
هنروح؟
شويكار :
أيوه.
عمر رفع راسه.
عمر :
وأنا؟
شويكار بصت له طويلًا.
شويكار
: إنت هتفضل هنا.
عمر :
لوحدي؟
عينيها اتحركت ناحية سلمى، ثانية واحدة وفهم عمر.
عمر :
لأ.
شويكار :
إيه اللي لأ؟
عمر :
هي مش هتفضل هنا.
سلمى بصت له.
عمر :
شوفي لها أي مكان ثاني.
شويكار :
دي مراتك.
عمر :
وهي مرعوبة مني.
الجملة خرجت منه بصوت أعلى مما أراد، الكل سكت. عمر أشار لسلمى.
عمر :
مش شايفة شكلها كل ما أقرب منها؟
بص لسلمى، ثم بعد عينه.
عمر :
أنا مش هحبسها معايا في نفس المكان اللي...
سكت، ما قدرش يكمل. شويكار للحظة ما ردتش.
رحيم :
عمر عنده حق.
شويكار :
هتروح فين؟
سلمى ردت فورًا :
بيتي.
شويكار :
لوحدك؟
سلمى :
أيوه.
شويكار :
وأخوك؟
وش سلمى اتغير.
سلمى :
ماليش أخ.
الجملة خرجت هادية، مؤلمة وحاسمة.
شويكار فضلت باصة لها.
ثم قالت :
رحيم يوصلها.
سلمى :
مش عايزة.
شويكار :
مش بطلب إذنك.
سلمى رفعت عينيها بغضب، لكن رحيم قال بهدوء :
مش علشان أراقبك ولا علشان أفرض عليكِ حاجة، هوصلك لحد باب بيتك وأمشي.
سلمى سكتت.
الدكتورة :
وأنا أفضل أكون معاها لحد ما توصل.
رحيم :
تمام.
شويكار أخذت شنطتها، وقبل ما تتحرك بصت لعمر.
شويكار :
بكرة هنتكلم.
عمر ضحك بمرارة.
عمر :
لو لسه عندك كلام يتقال.
شويكار تجاهلت الجملة، لكن وهي ماشية ناحية الباب صوت عمر وقفها.
عمر :
ماما.
نسرين بلعجيلي
وقفت، ما التفتش.
عمر :
أنا عارف إن كل حاجة ضدي.
سكت لحظة.
عمر :
بس أنا مش مجنون.
شويكار غمضت عينيها.
عمر :
فيه حاجة حصلتلي.
رحيم بص له.
عمر :
وأنا هعرفها.
شويكار لفت له أخيرًا.
عمر كمل :
ولو خالد هو اللي عمل فيا كده، قسمًا بالله ما هسيبه.
شويكار :
الأول أعرف إنت عملت إيه.
الجملة أنهت الكلام.. وخرجت.
بعد وقت...
باب شقة عمر اتقفل، وسلمى خرجت مع الدكتورة ورحيم، وحسام أخذ شويكار للقصر.
أما عمر.. ففضل لوحده. لأول مرة من بداية الليلة، وقف في نص الصالة، بص للزجاج المكسور، للأباجورة، للموبايل الواقع، ثم...
لأوضة النوم. فضل واقف قدام بابها مش قادر يدخل، كأن الأوضة بقت مكان غريب عنه. لكن بعد لحظات.. دخل ببطء، عينيه راحت للسرير، للملاءة، للدم، للملابس المتقطعة. قرب، ركع على الأرض، رفع قطعة من هدوم سلمى وبمجرد ما لمسها، صورة ضربت دماغه.
سلمى بتصرخ :
"سيبني!"
إيده ماسكة إيدها، رجع قطعة القماش بسرعة كأنها حرقت صوابعه.
عمر :
يا رب...
حط إيده على راسه، صورة ثانية، خالد قدامه، صوته بعيد، كوباية، حباية في كفه. ثم... شيء آخر.
عمر فتح عينيه فجأة إفتكر، مش كل حاجة، لكن إفتكر جملة.
صوت خالد :
"خذ دي... هتفوقك."
عمر وقف، عينيه اتغيرت، همس :
خالد...
وفي الطريق للقصر...
شويكار كانت قاعدة جنب حسام، ساكتة، الموبايل في إيدها والرسالة مفتوحة:
«إنتِ لسه ما تعرفيش ابنك اتجوز مين.»
حسام بص لها.
حسام :
سيبي الموضوع للصبح.
شويكار :
مستحيل.
حسام :
ماما، إحنا من الصبح واقفين على رجلينا.
شويكار :
قلت مستحيل.
فتحت صورة عقد الجواز اللي صورتها قبل ما يخرجوا من الشقة، كبرت الصورة، بدأت تقرأ بيانات سلمى: إسمها، سنها، عنوانها، ثم إسم الأب.
وقفت.. مش لأن الإسم قال لها حاجة، بالعكس، ما قالش لها أي شيء.
شويكار همست :
مين إنتِ يا سلمى؟
بعد قليل...
في قصر الألفي...
باب المكتب اتفتح، رؤوف كان قاعد ورا مكتبه، أول ما شاف شويكار داخلة، قام.
رؤوف :
طمنيني.
شويكار رمت شنطتها على الكنبة.
شويكار :
أطمنك على إيه بالظبط؟
رؤوف :
عمر.
شويكار ضحكت بمرارة.
شويكار :
إبنك اتجوز.
رؤوف :
عارف.
شويكار :
لأ.
قربت منه.
شويكار :
إنت ما تعرفش حاجة.
رؤوف :
يعني إيه؟
شويكار حطت الموبايل قدامه.
شويكار :
بص.
رؤوف قرأ الرسالة، ملامحه ما تغيرتش.
رؤوف :
مين بعثها؟
شويكار :
لو كنت أعرف، كنت جيتلك ليه؟
رؤوف :
ممكن يكون أخوها.
شويكار :
أخوها أخذ إثنين مليون ومشي.
رؤوف رفع عينه لها.
رؤوف :
إثنين مليون؟!
شويكار :
ما تبدأش إنت كمان.
رؤوف :
دفعتي له إثنين مليون؟!
شويكار :
كنت عايزني أسيبه يعمل محضر لابنك في الفتره اللي هندخل المناقصة؟!
رؤوف سكت، شويكار سحبت الموبايل، فتحت صورة عقد الجواز.
شويكار :
أنا عايزة أعرف كل حاجة عن البنت دي.
رؤوف :
إسمها إيه؟
شويكار :
سلمى.
رؤوف :
سلمى إيه؟
شويكار بصت للعقد وقرأت إسمها كاملًا. وفي اللحظة دي القلم اللي كان بين صوابع رؤوف.. وقف، بس ما وقعش، ما اتكسرش، حتى وشه تقريبًا ما تغيرش، لكن شويكار كانت عارفة جوزها من سنين.
رفعت عينيها من الموبايل، بصت له، رؤوف كان ساكت.
شويكار :
مالك؟
رؤوف رفع عينه.
رؤوف :
مالي؟
شويكار :
تعرف الإسم؟
رؤوف :
لأ.
الإجابة خرجت أسرع مما ينبغي، شويكار ضيقت عينيها.
شويكار :
متأكد؟
رؤوف :
هو أنا هكذب عليكِ ليه؟
شويكار فضلت باصة له، رؤوف مد إيده للموبايل.
رؤوف :
وريني العقد.
ناولته له، قرأ بهدوء شديد، أو حاول.
شويكار :
أخوها إسمه خالد.
رؤوف ما رفعش عينه.
رؤوف :
خالد؟
شويكار :
أيوه.
رؤوف :
وأبوها؟
شويكار اتجمدت ثانية، رؤوف حس بنظرتها، رفع عينه ليها.
شويكار :
وإنت مهتم بأبوها ليه؟
رؤوف سكت ثم رجع الموبايل ليها.
رؤوف :
ما هي بقت مرات إبني، لازم نعرف أهلها مين.
منطقي، هادي، طبيعي، لكن شويكار ما ردتش فورًا.
رؤوف :
إيه؟
شويكار :
مافيش.
أخذت الموبايل.
رؤوف :
عمر فين؟
شويكار :
في شقته.
رؤوف :
والبنت؟
شويكار :
رجعت بيتها.
رؤوف :
كويس.
شويكار اتحركت ناحية الباب، لكن قبل ما تخرج، وقفت.
شويكار :
رؤوف.
رؤوف :
نعم؟
لفت له.
شويكار :
إنت فعلًا أول مرة تسمع الإسم ده؟
رؤوف إبتسم ابتسامة صغيرة متعبة.
رؤوف :
نامي يا شويكار، الليلة كانت طويلة.
فضلت باصة له ثواني، ثم خرجت. الباب اتقفل، ورؤوف فضل هادي، الابتسامة اختفت، بص للباب ثم للمكان اللي كان فيه الموبايل من ثواني، مد إيده للقلم، حاول يكمل الورق اللي قدامه، ما قدرش، ساب القلم، فتح موبايله، دخل على الأسماء.
وقف عند رقم.. فضل باصص له وقت طويل، إصبعه قرب من زر الاتصال.. لكنه ما ضغطش، قفل الشاشة، وفي اللحظة دي باب المكتب اتفتح فجأة، رؤوف رفع راسه بسرعة، كانت شويكار واقفة عند الباب. عينيها نزلت على الموبايل اللي في إيده ثم رفعتها لوشه.
شويكار :
كنت هتكلم مين؟
رؤوف سكت، وشويكار دخلت وقَفلت الباب وراها.
شويكار :
أنا سألتك سؤال يا رؤوف.
قربت منه.
شويكار :
إنت تعرف أهل سلمى منين؟
ولأول مرة من بداية الليلة، رؤوف الألفي ما عرفش يجاوب فورًا.
في الدور العلوي من القصر، حسام طلع السلم ببطء، كان مرهق، اللي شافه في شقة عمر مش راضي يطلع من دماغه.. سلمى.. شكلها.. عمر وهو واقف مش فاكر.. خالد.. الجواز.. والكارثة اللي كل دقيقة كانت بتكبر بدل ما تخلص، وقبل ما يوصل لأوضته، افتكر كلام شويكار في العربية، كانت قاعدة قدامه، وصوتها حاسم.
شويكار :
حسام.
حسام :
نعم؟
شويكار :
اللي حصل الليلة ما يطلعش بره الثلاثة اللي كانوا معانا.
حسام بص لأمه.
حسام :
يعني إيه؟
شويكار :
يعني لارا ما تعرفش.
حسام عقد حواجبه.
حسام :
دي مراتي.
شويكار :
وأنا عارفة إنها مراتك.
حسام :
يبقى طبيعي أحكيلها.
شويكار لفت له.
شويكار :
لأ، مش طبيعي لما مراتك كل كلمة بتسمعها تحكيها لأمها.
حسام :
ماما...
شويكار :
وأنا مش بتهمها بحاجة مش بتعملها، لارا بتحكي لأمها وأمها بتحكي لصاحبتها، وصاحبتها تحكي في النادي، وبكرة الصبح يبقى مجتمع القاهرة كله عارف إن عمر اتجوز في السر.
حسام رفع عينه.
شويكار كملت.
شويكار :
أنا مش ناقصة فضيحة ثانية.
حسام :
لارا مش طفلة.
شويكار :
إثبتلي.
حسام سكت.
شويكار :
ما تعرفش حاجة، لا عن سلمى، ولا خالد، ولا اللي حصل في الشقة، ولا الاثنين مليون. ولا كلمة واحدة.
حسام ما ردش.
شويكار :
فهمت؟
بعد لحظة...
حسام :
فهمت.
رجع للحاضر..
وقف قدام باب أوضته، أخذ نفس طويل وفتح. أول ما دخل عرف إنها مستنياه. لارا كانت قاعدة على طرف السرير، لسه صاحية، روبها عليها والموبايل في إيدها، وأول ما شافته، قامت.
لارا :
أخيرًا!
حسام قفل الباب وراه، لارا قربت منه بسرعة.
لارا :
حصل إيه؟
حسام بدأ يفك الساعة من إيده.
حسام :
مافيش.
لارا بصت له بعدم تصديق.
لارا :
مافيش؟
حسام :
أيوه.
لارا :
أمك تصحيك في نص الليل، وتاخذك إنت ورحيم وتجروا على شقة عمر، وترجعوا بعد الوقت ده، وتقولي مافيش؟
حسام حط الساعة على التسريحة.
حسام :
الموضوع خلص.
لارا :
موضوع إيه؟
حسام :
موضوع يخص عمر.
لارا :
ما أنا عارفة إنه يخص عمر.
قربت منه.
لارا :
عمل مصيبة جديدة؟
حسام سكت.
لارا :
إتخانق مع حد؟
ما ردش.
لارا :
إتقبض عليه؟
حسام :
لارا !!
لارا :
إيه؟
حسام :
بلاش أسئلة.
لارا ضحكت.
لارا :
بلاش أسئلة؟
حسام :
أيوه.
لارا :
أنا مراتك يا حسام.
حسام :
وعمر أخويا.
لارا :
وأنا مش غريبة عنكم.
حسام :
ما قُلتش إنك غريبة.
لارا :
أمال إيه؟
حسام مرر إيده على وشه.
حسام :
أنا تعبان، عايز أنام.
لارا وقفت قدامه تمنعه يعدي.
لارا :
أمك قالتلك ما تحكيليش؟
حسام رفع عينه لها، السؤال جه مباشر جدًا. لارا ابتسمت بسخرية لما شافت سكوته.
لارا :
قالتلك.
حسام :
ما تدخليش ماما في كل حاجة.
لارا :
أنا اللي بدخلها؟!
ضحكت بعدم تصديق.
لارا :
دي حتى في الكلام اللي بيني وبين جوزي بتدخل.
حسام :
محدش تدخل في كلامنا.
لارا :
أمال إنت ليه مش عايز تحكي؟
حسام :
لأني مش عايز.
لارا :
كذاب.
حسام ملامحه اتشدت.
لارا :
إنت عايز تحكي، بس هي قالتلك ما تحكيش.
حسام :
حتى لو قالتلي.. يمكن عندها حق.
لارا اتجمدت.
لارا :
نعم؟!
حسام بص لها.
حسام :
إنتِ فعلًا بتحكي لمامتك كل حاجة.
لارا :
إيه؟
حسام :
كل مشكلة بينا، كل حاجة تحصل في البيت، كل كلمة تقريبًا بتوصل لمامتك.
لارا :
دي أمي.
حسام :
وأنا جوزك.
لارا :
وإيه علاقة ده بده؟
حسام :
العلاقة إن مش كل اللي بيحصل بينا لازم مامتك تعرفه.
لارا :
طب وإنت؟
حسام :
مالي؟
لارا :
أمك من حقها تعرف كل حاجة؟
حسام سكت، لارا قربت منه.
لارا :
أهي دي بقى المشكلة، أمي لما أعرفها حاجة تبقى نمامة، لكن أمك لما تدخل في حياتنا تبقى خايفة علينا.
حسام :
أنا ما قُلتش كده.
لارا :
بس ده اللي بتعمله!
حسام أخذ نفس.
حسام :
وبعدين على فكرة، طريقة كلامك مع أمي تحت كانت غلط.
لارا بصت له كأنها ما سمعتش صح.
لارا :
إنت بجد جاي تحاسبني دلوقتي؟
حسام :
أنا مش بحاسبك.
لارا :
لأ، بتحاسبني.
حسام :
أنا بقولك إنك عليتي صوتك عليها.
لارا :
وهي ما بتعليش صوتها عليا؟
حسام :
دي أمي.
لارا ضحكت.
لارا :
الجملة السحرية.
حسام :
لارا...
لارا :
"دي أمي." طيب وأنا مين؟
حسام :
مراتي.
لارا :
حلو.. يبقى لما أمك تقلل مني تقف مع مراتك.
حسام :
هي ما قللتش منك.
لارا اتصدمت.
لارا :
ما قللتش مني؟!
حسام :
إنتِ كمان استفزتيها.
لارا :
يعني أنا الغلطانة؟
حسام :
أنا ما قُلتش كده.
لارا :
ما إنت عمرك ما بتقول حاجة كاملة.
حسام :
يعني إيه؟
لارا قربت منه.
لارا :
يعني طول عمرك واقف في النص، لا معايا، ولا ضدها، لا بتقول لأمك لأ، ولا قادر تقولي أنا معاكِ.
حسام :
علشان الدنيا مش حرب بينك وبين أمي.
لارا :
بالنسبة لها آه. كل واحدة تدخل حياة واحد من ولادها، تبقى عدوة.
حسام :
ما تتكلميش عن أمي بالشكل ده.
لارا :
شُفت؟
حسام :
شُفت إيه؟
لارا :
مجرد ما جبت سيرتها اتحولت.
حسام :
علشان بتغلطي فيها.
لارا :
وأنا لما هي تغلط فيا بتتحول كده؟
حسام سكت، لارا استنت ثانيتين.
لارا :
رد.
حسام :
مش هنتخانق دلوقتي.
لارا :
لأ، هنتخانق، لأنك طول عمرك بتهرب من النقطة دي.
حسام :
أنا بهرب؟!
لارا :
أيوه، إنت ماعندكش شخصية قدام أمك.
الجملة وقفت حسام مكانه، ملامحه اتغيرت.
حسام :
إنتِ قُلتٍ إيه؟
لارا :
اللي سمعته.
حسام :
خذي بالك من كلامك.
لارا ضحكت بسخرية.
لارا :
الله.. حتى دي بتقولوها زي بعض.
"خذي بالك من كلامك."
"خلي بالك من أسلوبك."
"ماما قالت."
"ماما شايفة."
"ماما قررت."
حسام :
كفاية.
لارا :
لأ، مش كفاية. إنت عارف ليه سفريتنا اتلغت؟ علشان ماما قالت، عارف ليه إحنا عايشين في القصر؟ علشان ماما قالت، عارف ليه دلوقتي واقف قدام مراتك ومش قادر تقولها أخوك عمل إيه؟ علشان ماما قالت.
حسام صرخ.
حسام :
علشان فيه مصيبة.
لارا سكتت. حسام نفسه أدرك إنه قال أكثر مما كان عايز. عينين لارا اتغيرت.
لارا :
مصيبة إيه؟
حسام لف وشه، لارا قربت.
لارا :
حسام، عمل إيه عمر؟
حسام :
ولا حاجة.
لارا :
إنت لسه قايل مصيبة.
حسام :
إنسي اللي قُلته.
لارا :
مستحيل.
مسكت دراعه.
لارا :
عمر عمل إيه؟
حسام شال إيدها.
حسام :
قُلتلك الموضوع مش بتاعي أحكيه.
لارا :
ولا أمك قالتلك ما تحكيش؟
حسام :
الاثنين.
لارا اتجمدت.
حسام :
أيوه، أمي قالتلي ما أحكيش، وأنا مقتنع إني ما أحكيش، مش كل قرار آخذه يبقى علشان شويكار هانم أمرتني.
لارا :
بس الغريب إن قراراتك دايمًا بتيجي مطابقة لأوامرها.
حسام :
يمكن لأنها مش غلط في كل حاجة زي ما إنتِ مصممة تصوريها.
لارا :
وأنا غلط في كل حاجة؟
حسام :
ما قُلتش دا.
لارا :
طب مرة واحدة.. مرة واحدة بس يا حسام اختارني.
حسام بص لها.
لارا :
مش بقولك اختار بيني وبين أمك، إختار إنك تبقى جوزي قبل ما تبقى إبنها.
حسام سكت ولارا فضلت مستنية، لكن سكوته طال. ضحكت بمرارة.
لارا :
عارف؟ حتى دلوقتي مش قادر.
لفت ناحية السرير.
حسام :
لارا.
ما ردتش.
حسام :
ما تكبريش الموضوع.
وقفت، لفت له ببطء.
لارا :
أنا اللي بكبر الموضوع؟
قربت منه مرة ثانية.
لارا :
أمك قررت إحنا نعيش فين، نسافر إمتى، نرجع إمتى. وإنت دلوقتي حتى الكلام اللي بيني وبينك لازم هي توافق عليه الأول، وبعدين أنا اللي بكبر الموضوع؟
حسام :
إنتِ بتخلطي كل حاجة ببعض.
لارا :
لأ.. أنا لأول مرة شايفة كل حاجة واضحة.
حسام :
شايفة إيه؟
لارا بصت له مباشرة.
لارا :
إني متجوزة راجل.. لسه ما خرجش من بيت أمه.
حسام اتجمد.
لارا كملت :
يمكن عشان كده هي رفضت الشقة، مش علشان خايفة عليك، علشان عارفة إنك لو خرجت من القصر، يمكن في يوم تعرف إن ليك شخصية بعيد عنها.
حسام :
كفاية يا لارا.
لارا :
الحقيقة وجعتك؟
حسام :
قُلت كفاية.
صوته علا، لارا سكتت ثانية واحدة، وبعدين هزت راسها.
لارا :
أهو قدرت تعلي صوتك.
إبتسمت بمرارة.
لارا :
بس للأسف، عليا أنا.
حسام اتصدم من الجملة، لارا أخذت مخدة من السرير.
حسام :
بتعملي إيه؟
لارا :
هنام في الأوضة الثانية.
حسام :
لارا، بلاش حركات أطفال.
لارا لفت له.
لارا :
وأنا مش هنام جنب راجل شايف إن مراته طفلة، لكن أمه هي الوحيدة اللي دايمًا عندها حق.
فتحت الباب.
حسام :
لارا.
وقفت من غير ما تلف، حسام قال بنبرة أخف.
حسام :
ما تكلميش مامتك الليلة.
لارا لفت له، نظرتها وحدها قالت إنه اختار أسوأ جملة ممكن يقولها.
لارا :
حتى وأنا زعلانة منك عايز تتحكم هكلم مين؟
حسام :
مش بتحكم فيكِ، أنا بطلب منك.
لارا :
ما تقلقش، مش هحكيلها مصيبة عمر، لأني أصلًا ما أعرفهاش.
سكتت لحظة وبعدين قالت.
لارا :
بس مشكلتي مع جوزي، دي تخصني أنا.
نسرين بلعجيلي
وخرجت. الباب اتقفل وحسام فضل واقف مكانه، مرر إيده على شعره بعصبية وبص للباب، لأول مرة بدأ يفهم إن الليلة اللي دمّرت حياة عمر ممكن تكون بدأت تهز بيته هو كمان.
وفي الممر.. لارا مشت كام خطوة، وقفت، بصت للموبايل اللي في إيدها، إسم أمها كان قدامها، إصبعها وقف فوق زر الاتصال ثواني.. ثم قفلت الشاشة، لكن الغضب في عينيها ما اختفاش، لأن لارا للمرة الأولى ما كانتش زعلانة من شويكار وحدها، كانت زعلانة من الراجل اللي اختارته لأنه كلما وُضع بين زوجته وأمه... كان يختار الصمت، والصمت أحيانًا بيهد بيوت أكثر من الخيانة.
في حي شعبي بعيد عن عالم الألفي تمامًا، العربية وقفت في شارع ضيق. رحيم بص من الشباك، محلات مقفولة، نور أصفر ضعيف، غسيل متعلق بين البلكونات وأصوات ناس لسه صاحية رغم تأخر الوقت.
سلمى كانت قاعدة ورا، الدكتورة جنبها. من ساعة ما خرجوا من شقة عمر تقريبًا ما نطقتش. رحيم بص لها في المراية.
رحيم :
وصلنا؟
سلمى رفعت عينيها بصعوبة، بصت للشارع.
سلمى :
أيوه.
الدكتورة :
متأكدة إنك هتبقي كويسة لوحدك؟
سلمى :
أيوه.
لكن صوتها نفسه ما كانش مقنع، فتحت باب العربية، رحيم نزل في نفس اللحظة، سلمى بصت له.
سلمى :
حضرتك نازل ليه؟
رحيم :
هوصلك.
سلمى:
مافيش داعي.
رحيم :
فيه.
سلمى :
أنا عارفة بيتي.
رحيم :
وأنا عارف إنك من ساعة كنتِ بتنـزفي.
سلمى :
بقيت أحسن.
رحيم :
وأنا هوصلك لحد الباب.
سلمى بدأت تتضايق.
سلمى :
والله ما محتاجة.
رحيم قفل باب العربية.
رحيم :
وأنا والله مش هسيبك في الشارع لوحدك بالحالة دي.
سلمى بصت له، كان واضح إنه مش هيتراجع.
سلمى :
براحتك.
الدكتورة قالت :
وأنا هستناكم في العربية، ولو تعبتِ تنادوني فورًا.
سلمى هزت راسها ومشت، رحيم وراها، دخلوا حارة أضيق، وبعدين حارة ثانية، رحيم بدأ يبص حواليه باستغراب. سلمى وقفت قدام عمارة قديمة، رحيم رفع راسه.
رحيم :
هنا؟
سلمى :
أيوه.
دخلت، السلم ضيق، النور ضعيف. سلمى بدأت تطلع.
رحيم :
الأسانسير فين؟
سلمى بصت له، رغم كل اللي فيها كانت هتضحك تقريبًا.
سلمى :
أسانسير إيه؟
رحيم سكت وكمل وراها، دور.. إثنين.. ثلاثة، لحد ما وصلوا لآخر السلم، رحيم كان مستني تفتح باب شقة، لكن سلمى كملت ناحية سُلّم صغير طالع للسطح. رحيم وقف.
رحيم :
رايحة فين؟
سلمى :
البيت.
رحيم بص فوق
رحيم :
البيت فوق السطح؟
سلمى :
أيوه.
طلع وراها، وأول ما وصل.. وقف، مكان صغير جدًا، أوضة مبنية فوق السطح، قدامها مساحة بالكاد تتسمى طرقة، باب خشب قديم، شباك صغير. رحيم بص للمكان ثم لسلمى، هي قالت ببساطة.
سلمى :
إتفضل.
رحيم ما اتحركش، في دماغه كلمة واحدة :
بيت؟ ده بالنسبة لعالمه ماكانش حتى أوضة خدم، لكن بالنسبة ليها.. كان بيت، مكان بتقفل بابه عليها وتنام فيه، وتصحى منه كل يوم علشان تروح تنظف شقة أخوه.
رحيم حس بشيء ثقيل في صدره، وقبل ما يقول حاجة سلمى وقفت. الباب كان مفتوح، عقدت حواجبها.
سلمى :
غريبة.
قربت، ومن الداخل جاء صوت حركة. سلمى دفعت الباب واتجمدت، الأوضة كانت متكركبة، الدولاب مفتوح، مرتبتها مرفوعة، شنط على الأرض، وست غريبة واقفة قدام الدولاب بتلم هدوم سلمى وتحطها في أكياس.
سلمى صرخت :
إنتِ بتعملي إيه؟!
الست اتخضت.
الست :
يا ساتر!
سلمى دخلت.
سلمى :
مين إنتِ؟!
الست :
أنا...
قبل ما تكمل صوت راجل جه من وراهم.
صاحب البيت :
الحمد لله إنك جيتي.
سلمى لفت.
سلمى :
عم صابر؟
الراجل قرب.
صاحب البيت :
كنت محتار هنعمل في حاجتك إيه.
سلمى بصت له بعدم فهم.
سلمى :
حاجتي مالها؟
صاحب البيت :
خالد ما قالكيش؟
إسم خالد وحده خلى قلبها يقبض.
سلمى :
قاللي إيه؟
صاحب البيت :
إنه ساب البيت.
سلمى ما فهمتش.
سلمى :
ساب إيه؟
صاحب البيت :
البيت دفع اللي عليه وقاللي إنه مش عايزه ثاني.
سلمى فضلت باصة له، رحيم قرب خطوة.
سلمى :
إمتى؟
صاحب البيت :
النهارده.
سلمى :
النهارده إمتى؟
صاحب البيت فكر.
صاحب البيت :
من كام ساعة كده، قبل المغرب تقريبًا.
سلمى شحبت، قبل المغرب؟ يعني.. قبل اللي حصل في شقة عمر، قبل الجواز، قبل الاثنين مليون.
قلبها بدأ يدق أسرع.
سلمى :
لأ.
هزت راسها.
سلمى :
أكيد حضرتك فاهم غلط، ده بيتي أنا كمان.
صاحب البيت :
يا بنتي خالد قاللي إنكم ما بقيتوش عايزينه.
سلمى :
هو مين علشان يقولك كده لوحده؟!
الراجل اتوثر.
صاحب البيت :
يا سلمى، أنا مالي بمشاكلكم؟ أخوكِ دفع الحساب وقال هتسيبوا المكان.
سلمى :
وأنا أروح فين؟!
الصوت خرج منها مكسور، صاحب البيت سكت، سلمى أشارت للست.
سلمى :
وهي بتعمل إيه في هدومي؟!
صاحب البيت :
بنلمهالك.
سلمى :
ليه؟!
صاحب البيت :
علشان الناس الجديدة داخلة.
سلمى اتجمدت.
رحيم :
ناس جديدة؟
صاحب البيت بص له لأول مرة باهتمام.
صاحب البيت :
أيوه يا بيه. الحمد لله ربنا رزقني بسرعة بحد يأجر المكان.
رحيم بص حواليه، أوضة صغيرة، حمام بالكاد ظاهر بابه في الركن، سقف منخفض وشباك صغير. وبص للراجل.
رحيم :
حضرتك بتسمي ده... بيت؟
صاحب البيت اتضايق.
صاحب البيت :
وماله البيت يا بيه؟ ناس عايشة وبتسترزق.
رحيم أدرك وقع كلامه، سكت فورًا، بص لسلمى، كانت واقفة وسط أكياس هدومها، حياتها كلها تقريبًا محطوطة في كيسين بلاستيك.
سلمى قربت من حاجتها، لمست طرحة كانت مرمية فوق المرتبة وبصت لصاحب البيت.
سلمى :
خالد قاللك حاجة ثانية؟
صاحب البيت :
لأ.
وبعدين افتكر.
صاحب البيت :
آه.. قال لو جيتي تسألي عليه، هو مش راجع هنا ثاني.
سلمى رفعت عينيها.
سلمى :
قال كده؟
صاحب البيت :
أيوه.
سلمى سكتت، رحيم قرب منها.
رحيم :
سلمى.
ما ردتش.
رحيم :
تعالي ننزل.
سلمى :
إستنى.
لفت لصاحب البيت.
سلمى :
بوسي فين؟
صاحب البيت :
بوسي مين؟
سلمى :
صاحبتي بنت خالتي فوزيه .
صاحب البيت
معرفش
رحيم :
إنتِ تعرفي مكانها؟
سلمى هزت راسها، وفجأة اتحركت ناحية الباب.
رحيم :
سلمى!
نزل وراها.
بعد دقائق وصلوا لبيت ثاني في نفس المنطقة، سلمى كانت ماشية أسرع من قدرتها.
رحيم :
بالراحة.
ما سمعتش، وصلت للباب، خبطت، مرة واثنين، وثلاثة.
سلمى :
يا خاله فوزيه.
مافيش رد، خبطت أقوى.
سلمى :
بوسي.
باب الشقة اللي جنبها اتفتح، ست كبيرة طلعت.
الجارة :
بتدوري على مين؟
سلمى لفت لها.
سلمى :
بوسي.
الجارة :
مشيوا.
سلمى حسّت إن الأرض اتحركت.
سلمى :
مين اللي مشيو؟
الجارة :
بوسي وأمها.
سلمى :
مشيوا فين؟
الجارة هزت كتفها.
الجارة :
ماعرفش.
سلمى :
إمتى؟
الجارة :
النهارده.
رحيم كان واقف ورا سلمى وعينيه بدأت تتغير. سلمى قربت من الست.
سلمى :
لو سمحتِ، مين أخذهم؟
الجارة :
أخوكِ.
سلمى اتجمدت.
الجارة :
خالد جه بعربية، لم حاجتهم، وأخذ بوسي وأمها ومشيوا.
سلمى :
خالد؟
الجارة :
أيوه.
سلمى :
قال رايحين فين؟
الجارة :
لأ، بس كانوا مستعجلين أوي.
سلمى رجعت خطوة، رحيم مد إيده تلقائيًا يسندها، سلمى بعدت عنه.
سلمى :
لأ...
رحيم :
سلمى، إنتِ تعبانة.
سلمى :
لأ.
بدأت تحرك راسها.
سلمى :
لأ... لأ...
بصت ناحية بيت بوسي، ثم ناحية الحارة، ثم لرحيم.
سلمى :
هو كان عارف.
رحيم عقد حواجبه.
رحيم :
مين؟
سلمى :
خالد.
رحيم :
عارف إيه؟
سلمى بدأت تجمع الأحداث بصوت مسموع.
سلمى :
ساب البيت قبل المغرب، نقل بوسي وأمها، خلّى صاحب البيت يأجر مكاني، وبعدين...
صوتها اختنق، افتكرت خالد وهو يجبرها تفضل في شقة عمر، خالد وهو يضربها علشان توافق على الجواز، الإثنين مليون.
"انسي إن ليكي أخ." إيدها راحت لبقها.
سلمى :
يا نهار أسود...
رحيم :
سلمى؟
بصت له، الرعب الحقيقي ظهر في عينيها.
سلمى :
دي ما كانتش صدفة.
رحيم سكت.
سلمى :
أخويا كان مرتب إنه ما يرجعنيش البيت.
الكلمة خلت رحيم نفسه يتجمد.
سلمى :
قبل ما يحصل أي حاجة كان شايلني من حياته.
دموعها نزلت.
سلمى :
كان عارف إني مش هرجع.
رحيم :
إستني، إحنا لسه ما نعرفش..
سلمى مسكت راسها.
سلمى :
لأ.. أنا فاهمة، أخيرًا فاهمة.
نفسها بدأ يضيق.
سلمى :
الشقة.. الجواز.. الفلوس.. بوسي.. البيت.. كل حاجة.
رفعت عينيها لرحيم وقالت برعب.
سلمى :
أنا اتعملتلي مؤامرة.
رحيم اتجمد، سلمى رجعت خطوة، الدنيا قدام عينيها بدأت تسود.
رحيم :
سلمى؟
حاولت تتكلم لكن صوتها ما خرجش، جسمها مال، رحيم لحقها قبل ما تخبط في الأرض.
رحيم :
سلمى!
شالها بين إيديه، صرخ ناحية آخر الحارة.
رحيم :
يا دكتورة.
وفي نفس اللحظة موبايل سلمى وقع من إيدها على الأرض، الشاشة نورت، رحيم لمحها، رسالة جديدة من رقم مجهول. إنحنى بسرعة أخذ الموبايل، فتح الشاشة وقرأ، وتغير وشه.
الرسالة كانت من أربع كلمات فقط :
«خالد ما خططش لليلة دي لوحده.»
رحيم ثبت عينه عليها، ثم بص لسلمى المغمى عليها بين إيديه، وفي اللحظة دي رحيم فهم حاجة واحدة بس:
سلمى ما كانتش ضحية ليلة خرجت عن السيطرة، حد اختارها، وحد اختار عمر، والاثنين اتحطوا في طريق بعض لسبب لسه محدش فيهم يعرفه..
وإلى هنا ينتهي الفصل العشرون... 🖤
واضح إن اللي حصل ماكانش صدفة، وإن خالد ماكانش لوحده...
بس السؤال: مين كان معاه؟ وليه اختاروا عمر وسلمى تحديدًا؟
مستنية توقعاتكم في التعليقات.....
يتبع.....