رواية جريمة إسمها زواج الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم نسرين بلعجيلي


رواية جريمة إسمها زواج الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم نسرين بلعجيلي 


بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم إنا نسألك سترًا لا ينكشف، وقلبًا لا يكسره ما أخفته الأيام، ونورًا نهتدي به حين تختلط علينا الحقيقة بالخوف.


اللهم إن كان في ماضينا وجع دفناه ولم يندمل، فاشفه، وإن كان فيه حق ضاع، فرده إلى صاحبه، وإن كانت هناك حقيقة أخفاها الزمن، فأظهرها في وقتها من غير أن يكون ظهورها سببًا في ظلم جديد.


اللهم كن مع كل إنسان يحارب نفسه في صمت، ومع كل قلب يحاول الهروب من وجع لا يعرف كيف يواجهه، وخذ بيد من وقف على أول طريق يؤذيه قبل أن يضيع فيه.


اللهم أعن كل من قال: «أنا عايز أعيش»، وهو لا يعرف من أين يبدأ، وافتح له بابًا من حيث لا يحتسب، وارزقه القوة ليختار نفسه وحياته من جديد.


واحفظ يا رب بيوتنا من الأسرار التي تهدمها، ومن الكذب الذي يأكل الثقة بين أهلها، ولا تجعل الماضي أقوى من حاضرنا، ولا أخطاءنا أقوى من رحمتك.


واجعل لنا بعد كل خوف أمانًا، وبعد كل ضيق فرجًا، وبعد كل حقيقة موجعة قوة نقدر بها أن نكمل.


آمين يا رب العالمين. 




#جريمة_إسمها_زواج




بقلم نسرين بلعجيلي Nisrine Bellaajili




البيوت مش بس بتحفظ أسرار أصحابها...


ساعات بتحفظ حاجات أصحابها نفسهم حاولوا ينسوها.


صورة في درج قديم.


اسم عدى من سنين.


كلمة سمعتها صدفة وافتكرت إنها مالهاش معنى.


وش اتغير للحظة، وما فهمتش وقتها ليه.


وبعد عشرين سنة...


تفصيلة صغيرة ممكن ترجع كل حاجة.


لكن مش كل اللي بيحاول ينسى بيهرب من الماضي.


فيه واحد بيهرب من نفسه.


وواحدة بتحاول ترجع لنفسها.


وبنت بتحلم بحياة أكبر من اللي عاشتها، من غير ما تعرف إذا كان الحلم ده هيبقى نصيبها ولا وجعها.


ووسط كل ده...


بيت كبير حافظ أسرار ناس كتير.


يمكن أكتر حتى مما أهله متخيلين.


والنهارده... واحد من الأسرار القديمة بدأ يصحى.


نسرين بلعجيلي


Nisrine Bellaajili




*الفصل التاسع والعشرون*




البيوت تحفظ أسرار أصحابها...


في البيوت الكبيرة، الخدم ما بيحتاجوش يتجسسوا علشان يعرفوا إن فيه حاجة غلط، البيوت نفسها بتتكلم، مش بالكلام، بالتفاصيل.. طبق الفطار اللي يرجع للمطبخ زي ما طلع، باب مكتب يتقفل بعنف في نص النهار، فنجان قهوة يتطلب مرتين، وفي المرتين يبرد من غير ما صاحبه يلمسه، ست البيت اللي عمرها ما سمحت لحد يشوفها ضعيفة، ترجع من المستشفى والكل يتعامل معاها كأن مجرد ارتفاع صوت ممكن يرجعها له ثاني، إبن يغيب، إبن ثاني يبقى عصبي، والثالث يفضل ماسك تليفونه كأنه مستني منه خبر مش عايز يسمعه.


أما رب البيت.. فالسكوت عنده ساعات بيقول أكثر من الكلام. وده بالظبط اللي كانت أمينة واخذة بالها منه.




المطبخ الكبير في قصر الألفي كان أكثر مكان صاحي في البيت من بدري، صوت الماية، ريحة القهوة، صينية الفطار، صوت سعاد وهي بتفتح وتقفل الدواليب، وأمينة واقفة قدام الرخامة بتحضر الغدا بدري بنفس النظام اللي اتعودت عليه من أكثر من عشرين سنة. كانت إيديها بتشتغل لوحدها تقريبًا، لكن عقلها.. كان في مكان ثاني.


سعاد حطت صينية الفطار على الرخامة بقوة زيادة شوية، أمينة رفعت عينيها.


أمينة : 


-مالك؟




سعاد بصت ناحية الصينية كأنها هي اللي مزعلاها.


سعاد : 


-رجعت زي ما هي.




أمينة : 


-مين؟




سعاد : 


-الست شويكار.




رفعت الغطا عن الطبق، الأكل تقريبًا ما اتلمسش.


سعاد : 


-من ساعة ما رجعت من المستشفى وهي بتاكل لقمتين وتقوم. وبعدين لو سألناها تقول أنا كويسة.




أمينة رجعت تكمل اللي في إيدها.


أمينة : 


-طول عمرها كده.




سعاد : 


-لأ.




قالتها سعاد بسرعة خلت أمينة تبصلها. سعاد قربت الصينية منها وبدأت تفضي الأطباق.


سعاد : 


-طول عمرها قوية، آه. وطول عمرها لو تعبت تخبي، آه. بس المرة دي البيت كله مش طبيعي.




أمينة ما علقتش، كانت عارفة إن سعاد لما تبدأ كلام، السكوت أحيانًا أحسن طريقة تخليها تخلص كل اللي عندها. وفعلًا، سعاد كملت.


سعاد : 


-حسام بيه ومراته من امبارح كل واحد في ناحية. لارا هانم طلبت القهوة في أوضتها وما نزلتش، رحيم بيه كل شوية داخل خارج، عمر بيه أصلًا محدش عارف هو فين...




توقفت وهي بتعد على صوابعها.


سعاد : 


-ورؤوف بيه...


نسرين بلعجيلي 


هنا فقط، حركة إيد أمينة بطلت، سعاد لاحظت.


سعاد : 


-أهو.




أمينة : 


-أهو إيه؟




سعاد : 


-كل ما أجيب سيرة رؤوف بيه تعملي الحركة دي.




أمينة رفعت حاجبها.


أمينة : 


-حركة إيه يا سعاد؟




سعاد : 


-تسكني.




أمينة : 


-وأنا كنت برقص قبلها؟




سعاد ضحكت غصب عنها.


سعاد : 


-عارفة إيه اللي يجنن فيكِ؟ إنك بتعرفي تتهربي من الكلام كأنك ما سمعتيش السؤال.




أمينة : 


-وأنتِ عارفة إيه اللي يجنن فيكِ؟




سعاد : 


-إيه؟




أمينة : 


-إنك بتسألي في اللي مالكيش فيه.




سعاد فتحت بُقها باعتراض مصطنع.


سعاد : 


-يا سلام! بعد العمر ده كله بقينا إحنا مالناش دعوة؟




أمينة : 


-أيوه.




سعاد : 


-ده إحنا اللي عِشنا معاهم أكثر من ناس من عيلتهم.




الجملة خرجت عادية، لكنها وقفت في عقل أمينة، عِشنا معاهم أكثر من ناس من عيلتهم، ودي كانت الحقيقة.


أمينة دخلت القصر وهي لسه شابة، شافت حسام وهو طفل، وشافت عمر وهو يجري في الممرات، وشافت رحيم وهو يكبر أسرع من سنه، شافت شويكار قبل ما يبقى الشيب مستخبي تحت صبغة غالية، وشافت رؤوف.. قبل الكرسي، قبل المرض، قبل ما الهدوء يبقى أكثر حاجة ظاهرة فيه، شافت البيت أيام كان فيه ضيوف أكثر، واجتماعات أكثر، ورجال أعمال يدخلوا مكتب رؤوف ويخرجوا بعد ساعات، بعضهم فضل، بعضهم اختفى، وبعض الأسماء اختفت معاهم.




سعاد كانت بتتكلم، لكن أمينة ما بقتش سامعاها، لأن عقلها رجع سنين طويلة، سنين لدرجة إن تفاصيل اليوم نفسه راحت منها، كان شتا؟ يمكن. كانت متأكدة إن الجو كان برد، لأنها فاكرة إيديها وهي ماسكة صينية القهوة كانت ساقعة. كانت جديدة في البيت وقتها، جديدة لدرجة إنها كانت لسه بتخاف تدخل مكتب رؤوف من غير ما تخبط مرتين.


وقفت قدام الباب، رفعت إيدها علشان تخبط، لكنها سمعت صوت من الداخل، مش صوت رؤوف وحده، كان فيه راجل ثاني. الصوت كان عالي، مش خناقة واضحة، لكن الكلام اللي بيتقال لما اثنين بيحاولوا يفضلوا محترمين رغم إن الاحترام بينهم خلص.


أمينة ما كانتش ناوية تسمع، لكن إسم اتقال.. إسم راجل.. إسم كامل تقريبًا. ما فهمتش وقتها هو مين، ولا علاقته برؤوف إيه، ولا ليه بعد الإسم مباشرة صوت رؤوف اتغير. هي ما سمعتش بقية الكلام لأنها خبطت، وبعد ثوانٍ الباب اتفتح، الراجل اللي كان جوه خرج بسرعة، أمينة ما شافتش وشه كويس، كل اللي فاكراه ظهره وخطواته. وبعدها دخلت بالصينية، رؤوف كان واقف جنب مكتبه، أصغر، أقوى. واقف على رجليه، لكن لأول مرة من يوم ما بدأت الشغل في البيت، شافت في عينيه حاجة ما توقعتهاش.. الخوف. مش خوف على فلوس، ولا شركة، ولا صفقة، كان نوع ثاني، الخوف اللي بيظهر على وش الإنسان لما يحس إن حاجة دفنها ممكن تطلع.




صوت سعاد رجعها فجأة.


سعاد :


أمينة!




انتفضت أمينة انتفاضة خفيفة، سعاد بصت لها باستغراب.


سعاد : 


-أنا بكلمك بقالي شوية.




أمينة : 


-سمعاكِ.




سعاد : 


-لأ، ما كنتيش سمعاني.




أمينة مدت إيدها للسكينة، لكن سعاد حطت إيدها عليها قبل ما تمسكها.


سعاد : 


-إنتِ كنتِ سرحانه في إيه؟




أمينة رفعت عينيها لها، سنين الخدمة علمتها حاجات كثير، منها إن فيه فرق بين الكذب.. والسكوت. هي ما حبتش الكذب، فاختارت السكوت.


سعاد : 


-إنتِ عارفة حاجة عن رؤوف بيه؟




أمينة : 


-أنا أعرف حاجات عن البيت ده أكثر مما أحب أعرف.




الجملة خلت ابتسامة سعاد تختفي.


سعاد : 


-يعني إيه؟




أمينة سحبت إيدها بهدوء.


أمينة : 


-يعني لما تعيشي في بيت أكثر من عشرين سنة، طبيعي تشوفي وتسمعي حاجات.




سعاد : 


-زي إيه؟




أمينة : 


-زي حاجات ما تخصناش.




سعاد زفرت.


سعاد : 


-رجعنا لنفس الكلام.




أمينة : 


-لأن دي الحقيقة.




وبدأت تقطع من جديد، لكن بعد ثوانٍ، قالت من غير ما تبص لها :


-أصعب حاجة مش السر اللي تعرفيه يا سعاد.




سعاد انتظرت.


أمينة : 


-أصعب حاجة نص السر.




سعاد : 


يعني؟




أمينة : 


-يعني تسمعي كلمة من عشرين سنة، وتفضلي عمرك كله مش عارفة كانت مهمة ولا لأ.




سعاد ثبتت عينيها عليها، أمينة أدركت إنها قالت أكثر مما كانت ناوية، فابتسمت ابتسامة صغيرة وحاولت تقفل الباب اللي فتحته بنفسها.


أمينة : 


-سيبك مني. طلعي الفطار لحبيبة قبل ما تصحى وتقول علينا جوعناها .




لكن سعاد ما اتحركتش.


سعاد : 


-إيه الكلمة اللي قُلتِ ؟




أمينة رفعت عينيها ببطء.


أمينة : 


-قُلتلك نص السر وحش.




سعاد : 


آه.




أمينة : 


-وأوحش منه إنك تحاولي تكمليه من دماغك.




سعاد فهمت الرسالة، شالت الصينية، وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب.


سعاد : 


بس رؤوف بيه اليومين دول فكرك بالحاجة القديمة دي، صح؟




أمينة ما ردتش، وسعاد خرجت. فضلت أمينة وحدها، صوت السكينة رجع، لكن أبطأ، وفي عقلها.. رجع الإسم القديم واضح بصورة أزعجتها.


الغريب مش إنها افتكرته، الغريب إنها عمرها ما نسيته أصلًا.




في نفس الصباح، وفي بيت أبعد كثير عن فخامة قصر الألفي، كانت مريم واقفة قدام دولابها للمرة الثالثة. الدولاب ما كانش فيه اختيارات كثير أصلًا، كام طقم للشغل، فساتين بسيطة، طرحات مترتبة فوق بعض، شنطة بتستعملها من سنتين، وحذاء كانت مأجلة تغييره للشهر اللي جاي علشان الشهر ده فيه فاتورة كهربا أعلى من الطبيعي، ودواء لأمها، ومصاريف ما بتخلصش. ومع ذلك كانت واقفة محتارة، شالت طرحة بيج حطتها على كتفها، بصت للمراية، شالتها، طلعت واحدة ثانية، ومن وراها، صوت أمها خلّاها تقف.


أمها : 


-دي الرابعة ولا الخامسة؟




مريم لفت بسرعة.


مريم : 


-إنتِ واقفة من إمتى؟




أمها كانت متسندة على الباب وبتبتسم.


أمها : 


-من الطرحة الثانية.




مريم : 


-ماما!




أمها : 


-مالك؟ أنا قلت حاجة؟




مريم رجعت الطرحة مكانها بعصبية مصطنعة.


مريم :


-أنا بس بشوف إيه اللي ماشي على اللبس.




أمها : 


-آه.




مريم : 


-آه إيه؟




أمها : 


-ولا حاجة.




مريم : 


-أنا عارفة الـ«ولا حاجة» بتاعتك دي.




أمها ضحكت ودخلت الأوضة، قعدت على طرف السرير، وبصت لبنتها وهي بتحاول تتظاهر إن الموضوع عادي، لكن الأم ما احتاجتش تسأل، البنت اللي كانت بتلبس أول حاجة تقع إيدها عليها علشان تلحق المواصلات، بقت تقف قدام المراية، والبنت اللي كانت ترجع تحكي عن حبيبة، بقت وسط الكلام تجيب سيرة أبو حبيبة أكثر مما تجيب سيرة حبيبة نفسها.


مرة تقول :


«رحيم بيه كان قلقان عليها أوي.»


ومرة :


«رحيم بيه ما بيحبش حد يعلي صوته قدامها.»


ومرة:


«هو شكله عصبي، بس معاها بيتغير.»


نسرين بلعجيلي 


كلها جمل صغيرة، لكن الأم تعرف إن الحب أحيانًا ما يدخلش البيت بإعلان، يدخل في الحكايات، ويبان في تكرار إسم واحد وسط الكلام.


أمها : 


-هو متجوز؟




إيد مريم توقفت وهي بتظبط طرف الطرحة.


مريم : 


-مين؟




ابتسامة أمها اتسعت.


أمها : 


أنا قلت إسم حد؟




مريم إحمر وشها.


مريم : 


-ماما، والنبي.




أمها : 


-خلاص.




قامت، لكن مريم نفسها هي اللي وقفتها.


مريم :


-مراته ماتت.




رجعت أمها تبص لها، مريم حاولت تقولها عادية.


مريم : 


-يعني... علشان إنتِ سألتي.




أمها : 


-وعنده بنت.




مريم : 


-حبيبة.




خرج الإسم منها بسرعة وبحب. أمها لاحظت، مريم قعدت قدام المراية، وفجأة راحت الخفة من وشها.


مريم : 


-أنا عارفة إنتِ بتفكري في إيه.




أمها : 


-أنا ما فكرتش بصوت عالي.




مريم : 


-بس أنا عارفة.


نزلت عينيها وكملت : 


-فرق كبير.




الأم ما قالتش «آه»، لأن بنتها مش محتاجة حد يفكرها، هي شايفة الفرق كل يوم بين البيت الصغير اللي لو الثلاجة باظت فيه الشهر كله يتلخبط، والقصر اللي فيه أوضة ضيوف أكبر من شقتهم، بين أمها اللي تحسب ثمن الدوا، وعيلة تقدر تجيب دكتور للبيت في نص الليل.


مريم : 


-أنا مش طمعانة فيه.




قالتها فجأة.


أمها : 


-أنا ما قلتش كده.




مريم : 


-بس الناس هتقول.




لفت لها.


مريم : 


-لو في يوم حصل أي حاجة، أول حاجة هتتقال إني بصيت لفلوسه.




أمها سكتت.


مريم : 


-وأنا مش هكذب وأقول الفلوس مش مهمة.




بصت حواليها، للحائط اللي الدهان بدأ يتقشر من ركنه، لفاتورة الكهرباء فوق الكومود، الجزمه اللي محتاجة تتغير.


مريم : 


-مهمة.




ثم ابتسمت بحزن بسيط وقالت : -أنا طول عمري بحلم أبطل أحسب.




أمها :


-تحسبي إيه؟




مريم : 


-كل حاجة.




بدأت تعد على أصابعها.


مريم : 


-هنجيب اللحمة الأسبوع ده ولا نستنى؟ الدوا يكفي لآخر الشهر؟ لو الجزمة باظت أجيبها دلوقتي ولا بعد القبض؟ لو نفسي في حاجة... أجيبها ولا يمكن نحتاج الفلوس في حاجة أهم؟




صمتت، ثم قالت :


-أنا نفسي يوم أصحى وما يبقاش أول حاجة في دماغي: معايا كام؟




أمها نظرت لها طويلًا.


مريم : 


-بس لو كان رحيم بيه واحد غني وقليل الأدب، ما كنتش بصيت له.




هنا لأول مرة ظهر الإسم واضح بينهم.. رحيم.. مريم نفسها حست به فخفضت صوتها.


مريم : 


-أنا شفته مع بنته يا ماما.




إبتسمت من غير ما تقصد.


مريم : 


-الناس كلها بتخاف منه شوية، حتى أنا في الأول كنت بخاف أتكلم قدامه، بس حبيبة لما بتعيط...




توقفت وهي تستعيد الصورة.


مريم : 


-بينزل لها على الأرض.




أمها ظلت ساكتة.


مريم :


-مش بيقول لها «بطلي عياط»، ما بيزعقش علشان تسكت، يقعد قدامها ويستنى.




رفعت عينيها لأمها.


مريم : 


-عارفة يعني إيه راجل عنده شغل وفلوس ومشاكل وعيلة زي دي كلها، ومع ذلك عنده وقت يقعد على الأرض علشان يسمع بنت عندها أربع سنين؟




إبتسامة صغيرة ظهرت على وِش أمها، دلوقتي فهمت، الموضوع ما بقاش إعجاب برجل وسيم أو غني، بنتها بدأت تتعلق بصورة حياة كاملة، راجل، طفلة أحبتها، بيت ما تخافش فيه من آخر الشهر، وأمان بالشكل الذي تحلم به، وده كان بالظبط اللي خوّف الأم، مش لأن رحيم سيئ، لكن لأن الأحلام الكبيرة، لما تتعلق بشخص مايعرفش أصلًا إنك بتحلم به، ممكن تكسر القلب من غير ما يكون الشخص نفسه عمل أي حاجة.


أمها : 


-وهو؟




إبتسامة مريم اختفت.


مريم : 


-هو إيه؟




أمها : 


-شايفك؟




السؤال دخل في المكان اللي مريم كانت بتحاول ما تبصش ناحيته، سكتت، وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا.


مريم : 


-مش عارفة.




أمها : 


-يبقى خذي بالك من قلبك.




مريم : 


-أنا مش بعمل حاجة غلط.




أمها : 


-الحب نفسه مش غلط.




قربت منها وعدلت لها طرف الطرحة وكملت : 


-بس ما تعلقيش سعادتك على باب واحد لسه ما تعرفيش هيتفتح لك ولا لأ.




مريم ما ردتش، بعد ما أمها خرجت، فضلت قاعدة قدام المراية، فتحت شنطتها، طلعت النوتة اللي بتكتب فيها كل حاجة تخص حبيبة، مواعيد نومها، أكلها، الكلمات اللي بتخوفها، ملاحظات الدكتورة نادية. فتحت صفحة جديدة، فضل القلم فوق الورقة شوية، وبعدين كتبت :


«أخليه ياخذ باله مني.»




قرأت الجملة، قلبها دق أسرع. كتبت تحتها :


«ما أبقاش بالنسبة له مريم بتاعة حبيبة وبس.»


ثم :


«أخليه يعرفني أنا.»




توقفت، وفكرت، وبعدين كتبت :


«أخلي حبيبة تتعلق بيا أكثر.»




بمجرد ما شافت الجملة، اتضايقت، شخبطت عليها مرة واثنين لحد ما اختفت.


مريم : 


-لأ.


قالتها لنفسها.


مريم : 


-حبيبة مالهاش دعوة.




وكتبت جنب الشخبطة :


«حبيبة برا الموضوع.»




ارتاحت لأن حبها لحبيبة حقيقي، وحتى لو رحيم عمره ما شافها، الطفلة ما ينفعش تبقى طريق إليه. قفلت النوتة ثم فتحتها مرة أخيرة، وفي آخر الصفحة، كتبت :


«ولو ما حبنيش؟»




المرة دي ما عرفت تكتب تحتها إجابة.




أما عمر...


فكان عنده سؤال مختلف تمامًا، هو إمتى بقى الهروب أسهل من المواجهة؟ كان قاعد في عربية يوسف، رأسه مسنودة للخلف، وعينيه مفتوحة رغم إنه يتمنى لو يقدر يقفلها.


الحياة بره... 


القاهرة ماشية، إشارات، عربيات، ناس راجعة من شغلها، واحد واقف يشتري قهوة، بنت بتضحك وهي ماسكة تليفونها، حياة عادية، وعمر كان يبص لها من خلف الزجاج ويحس إنها تخص ناس ثانية، ناس ما صحيتش في يوم واكتشفت إن فيه ساعات كاملة من حياتها اختفت، ناس ما شافتش نفسها في فيديو وهي بتعمل حاجة عقلها رافض يرجعها، ناس ما وقفتش قدام ست مكسورة بسببها وسمعتها تقول :


«إنت شفت الفيديو... وأنا عشته.»


رفع إيده وضغط على عينيه. هو رجع، المرة دي ما يقدرش يقول خالد، ما يقدرش يقول حد دس له حاجة، ما يقدرش يقول ما كنتش عارف. كان عارف هو بيدور على إيه، يمكن ما كانش عارف بالظبط إيه اللي هياخذه، لكن كان عارف النتيجة اللي عايزها: السكوت، خمس دقايق بس من غير سلمى، من غير الفيديو، من غير سؤال :


أنا عملت إيه؟


المصيبة إن الخمس دقايق خلصوا، وكل حاجة رجعت. بس رجعت ومعاها حاجة جديدة.. عار.. عار مختلف، لأنه المرة الأولى كان يقدر يكره خالد، المرة دي مافيش حد يكرهه غير نفسه.


يوسف كان سايق من غير ما يتكلم، وعمر بدأ يكره صمته.


عمر : 


-قُل حاجة.




يوسف ما بصش له.


يوسف : 


-عايزني أقول إيه؟




عمر : 


-أي حاجة، إشتم، زعق، قُلي إني رجعت لنفس الزفت اللي كنت فيه.




يوسف : 


-إنت عارف إنك رجعت.




عمر : 


-ما أنا عارف.




يوسف : 


-يبقى مش محتاجني أقولها.




عمر لف له بعصبية.


عمر : 


-الصمت ده مستفز.




يوسف : 


-وأنا مش موجود علشان أريحك.




الجملة ضربته، يوسف أخيرًا بص له للحظة.


يوسف : 


-أنا صاحبك علشان أساعدك تعرف الحقيقة، مش علشان أختار لك الحقيقة اللي تريحك.




عمر رجع بوشه للشباك، عدت ثوانٍ.


يوسف : 


-إنت كنت عايز تموت؟




عمر لف له بسرعة.


عمر : 


-لأ.




يوسف : 


-متأكد؟




عمر : 


-أيوه.




يوسف : 


-أمال كنت عايز إيه؟




عمر فتح بقه، ثم قفله. السؤال كان أصعب مما يبدو، وفي الآخر قال :


-ما كنتش عايز حاجة.




يوسف : 


-دي مش إجابة.




عمر : 


-كنت عايز...




توقف، ثم خرجت الكلمة بصعوبة.


عمر : 


-أسكت.




يوسف : 


-مين؟




عمر ابتسم بسخرية موجوعة، وأشار إلى رأسه.


عمر : 


-ده.


ثم ضرب بإصبعه على صدره.


عمر : 


-وده.




يوسف فهم، لكن فهمه ما خففش حاجة.


عمر : 


-أنا مش عايز أموت يا يوسف.




قالها بصدق، ثم أضاف بعد لحظة :


-أنا بس ساعات مش عايز أبقى صاحي وأنا عمر.




وسكت يوسف، لأن بعض الجمل ما ينفعش ترد عليها بنصيحة، والإدمان ما بيبدأش دائمًا من حب الحاجة، أحيانًا يبدأ من كراهية الإنسان للحظة اللي هو عايشها، فيطلب ساعة راحة، ثم ساعة ثانية، وبعد فترة ما يبقاش بياخذ علشان يحس بحاجة، يبقى بياخذ علشان ما يحسش. والمشكلة إن كل مرة يهرب فيها من الوجع، الوجع يفضل مكانه، لكن قدرته على مواجهته تقل.




في الفندق..


كانت سلمى في الوقت نفسه بتعمل العكس تمامًا، بتحاول تحس حتى لو الإحساس مؤلم. فتحت الستارة كلها المرة دي، النور دخل الأوضة، وقفت قدام الشباك للحظات، نفس الشباك اللي كان بالأمس مخيف، لكنها ما قربتش منه أكثر.


رجعت، رتبت هدومها، غسلت وشها، طلبت أكل، وأجبرت نفسها تاكل حتى وهي مالهاش نفس. حاجات صغيرة جدًا، لكن بالنسبة لها كانت مقاومة. بعد ما خلصت، قعدت على طرف السرير، بصت للمكان، فندق.. قبلها شقة.. قبلها بيت صغير مع خالد.. وقبل كل ده حياة ما كانتش حلوة، لكنها كانت حياتها.


إشتاقت حتى لمشاكلها القديمة، إشتاقت إنها تزعل لأن المرتب خلص، إن صاحب البيت يطلب الإيجار، إنها تصحى بدري علشان تروح تنظف بيت ناس أغنى منها، مشاكل كانت وقتها شايفاها كبيرة، دلوقتي كانت تتمنى ترجع لها. ضحكت ضحكة باهتة.


سلمى : 


-سبحان الله.


رفعت عينيها للسقف.


سلمى : 


-الواحد ما يعرفش إن مصيبته صغيرة غير لما تيجي له مصيبة أكبر منها.




ثم سكتت، وفي اللحظة دي فهمت حاجة، هي ما ينفعش تفضل مستخبية، مش من الناس بس، من الحياة كلها، هي عايزة شغل، عايزة تصحى علشان عندها ميعاد، عايزة تتعب من حاجة عادية، عايزة ترجع في آخر اليوم وتقول رجلي وجعتني من الشغل، مش قلبي وجعني من الخوف.


همست :


-أنا عايزة أعيش.




الجملة المرة دي كانت مختلفة عن :


«أنا مش هموت.»


الأولى كانت رفضًا للنهاية، أما دي فكانت أول محاولة تفكر في بداية.


رن تليفونها، رحيم، بصت للإسم وترددت ثم ردت.


سلمى : 


-أيوه؟




رحيم : 


-إزيك؟




سلمى : 


-كويسة.




سكت لحظة، ثم قالت :


-أنا عايزة أشتغل.




رحيم ما كانش متوقعها.


رحيم : 


-دلوقتي؟




سلمى : 


-مش دلوقتي حالًا، بس مش هفضل كده.




نظرت حولها.


سلمى : 


-مش هفضل قاعدة في أوضة كل يوم مستنية حد يقرر هيروح بيا فين بعدها.




رحيم سكت، وهي كملت :


-أنا عايزة أصحى الصبح علشان شغل..


ابتلعت ريقها.


سلمى : 


-مش علشان حد يحميني.




رحيم : 


-تمام.




استعدت تلقائيًا تسمع :


«أنا هتصرف.»، «هشوف لك.»، «هكلم حد.» لكن رحيم ما قالهاش. 


رحيم : 


-تحبي تشتغلي إيه؟




السؤال فاجأها، لأنه للمرة الأولى منذ وقت طويل، حد بيسألها هي عايزة إيه، مش إيه الي هو قرره ليها. سلمى ما ردتش فورًا، بس شيء صغير داخلها إتحرك، مش أمل كامل، الأمل كان كلمة كبيرة عليها دلوقتي، لكن يمكن رغبة.. رغبة إنها ترجع تمسك طرف حياتها بإيديها، حتى لو الطرف ده رفيع لدرجة إنه ممكن يفلت منها في أي لحظة.




رحيم :


-طب فكري إنتِ عايزة تشتغلي إيه، وأنا...




قاطعته بسرعة.


سلمى :


-لأ.




رحيم سكت، سلمى نفسها أدركت إن ردها خرج حاد، فهدّت صوتها.


سلمى :


-أنا مش قصدي...


أخذت نفس.


سلمى :


-بس أنا مش عايزاك تجيبلي شغل.




رحيم :


-أنا ما قلتش إني هجيب لك.




سلمى :


-كنت هتقول هساعدك.




صمت للحظة، ثم ابتسم رحيم من الناحية الأخرى ابتسامة لم ترها.


رحيم :


-كنت هقول: وأنا لو عرفت حاجة هقولك، وإنتِ تقرري.




سلمى شعرت بإحراج بسيط.


سلمى :


-آه.




رحيم :


-بس تمام. حتى دي مش هعملها.




رفعت حاجبيها.


سلمى :


-زعلت؟




رحيم :


-لأ.


ثم أضاف بهدوء :


-أنا ابتديت أفهم إن كل مرة حد يقول لك «أنا هتصرف»، أعصابك بتشد.




سلمى مت جاوبتوش، لأن الجملة أصابت مكان صحيح. طوال حياتها، كل من قال لها إنه هيتصرف، إتصرف فعلًا، لكن في حياتها هي. خالد إتصرف.. شويكار اتصرفت.. عمر وافق.. المأذون كتب.. الناس دفعت.. والناس قبضت.. وفي كل مرة كانت سلمى آخر شخص يُسأل هي عايزةإيه.




رحيم :


-دوري إنتِ. ولو احتجتِ حاجة قولي.




سلمى :


-حاضر.




وقبل ما يغلق، قالت :


رحيم؟




توقف.


رحيم :


-نعم؟




سلمى ترددت، كانت عايزة تسأله عن عمر، ماتعرفش ليه، ممكن لأنها شافت وشه في الليلة السابقة، ممكن لأن جملته لسة عالقة فيها :


«أنا خايف أفتكر... وخايف أفضل مش فاكر.»


لكن السؤال توقف على طرف لسانها، لأن مش بيخصها، أو ممكن هي بتحاول تقنع نفسها بأنه ما يخصهاش.


سلمى :


-ولا حاجة.




رحيم :


-تمام.




قفلت، وفضلت تبص إلى الموبايل


لثوانٍ، ثم حطته بعيد.


في الخارج، بعد رحيم الموبايل عن وذنه، كان واقف قدام البناية الي يسكن فيها يوسف، ما دخلش فورًا، علشان كان عنده مكالمة ثانية لازم يعملها.


بص لإسم أمه، ثم أغلق الشاشة، لأ، مش دلوقتي.


دخل البناية، كان عمر في الحمام لما وصل رحيم، يوسف فتح له الباب، وبمجرد ما دخل، عرف رحيم إن الموضوع أكبر من مجرد «غلط حصل»، مش بسبب شيء واضح، بل بسبب وش يوسف، كان وش شخص بيحاول من ساعات يقرر هل يحمي صاحبه، أم ينقذه من نفسه.


رحيم :


-فينه؟




يوسف أشار برأسه ناحية الداخل.


يوسف :


-بيستحمى.




رحيم :


-عامل إيه؟




يوسف ما ردش في الحال، قعد على الكنبة، ثم مرر إيديه على وشه.


يوسف :


-عارف إيه اللي مخوفني؟




رحيم فضل واقف.


يوسف :


-إنه هادي.




رحيم :


-مش فاهم.




يوسف رفع عينيه له.


يوسف :


-أنا أعرف عمر من وإحنا عيال، شفته سكران، شفته بيتخانق، شفته واقع، شفته بيبطل ويرجع، شفته يكذب علشان يغطي على نفسه.


سكت، وبعدين كمل :


-بس النهارده مختلف.




رحيم قعد قباله.


يوسف :


-زمان كان بياخذ علشان ينبسط.




الجملة خرجت منه بمرارة.


يوسف :


-علشان يسهر، علشان ينسى مسئولية، علشان يبقى مزاجه حلو،


ثم بص ناحية باب الحمام.


يوسف :


-النهارده أخذ علشان مش عايزيبقى هو.




الصمت نزل بينهم.


يوسف :


-ودي أخطر.




رحيم :


-ليه؟




يوسف :


لأن السهرة بتخلص.




قرب بجسمه لقدام.


يوسف :


-إنما الواحد لو بقى بيهرب من نفسه، هيهرب فين لما يصحى؟




رحيم ما لقاش جواب 


يوسف :


-المصيبة في الإدمان مش بس الحاجة اللي بياخذها يا رحيم.




رفع إصبعه ناحية رأسه.


يوسف :


-المصيبة هنا.


وبعدين ناحية صدره.


يوسف :


-وهنا.


نزل إيده.


يوسف :


-الحاجة بتدخل بعد كده بينه وبين كل بني آدم بيحبه، مراته، أمه، أخوه، صاحبه. تخليه يكذب عليهم قبل ما يعرف حتى إنه بقى بيكذب. يقول لك «آخر مرة» وهو نفسه مصدقها وقت ما بيقولها. يقول «أنا مسيطر» وهو بيخسر حتة من السيطرة كل يوم.




رحيم كان يسمعه، لكنه وقف داخليًا عند كلمة واحدة :


مراته... سلمى... البنت التي قالت له من دقايق إنها عايزة تشتغل، تعيش، تستعيد حياتها.


هل من العدل إنها تدخل دلوقتي في حياة راجل بدأ يهرب من حياته؟


رحيم :


-لازم يتعالج.




يوسف :


-آه.




رحيم :


-هكلمه.




يوسف هز رأسه :


-إنت لسه مش فاهم.




رحيم :


-إيه؟




يوسف :


-إحنا ممكن ناخذه لأحسن دكتور في الدنيا.


سكت.


يوسف :


-بس لو هو مقتنع إن الحاجة دي هي المكان الوحيد اللي بيعرف يسكت فيه دماغه، هيدور عليها ثاني.




باب الحمام اتفتح وظهر عمر، كان غير هدومه، وشه مغسول، شعره مبلول، ومن بعيد.. ممكن جدًا تقول إنه طبيعي، وده كان المرعب.


بص للاثنين.


عمر :


-حلو.




دخل وقعد.


عمر :


-عملتوا لجنة إنقاذ عمر الألفي وأنا في الحمام؟




يوسف :


-إحنا بنتكلم.




عمر :


-عني.




رحيم :


-أيوه، عنك.




عمر ضحك بسخرية.


عمر :


-وأنا موجود بالمناسبة.




رحيم :


-تمام. يبقى نتكلم معاك.




سكت عمر.


رحيم :


-لازم دكتور.




عمر :


-لأ.




رحيم :


-عمر...




عمر :


-قلت لأ.




رحيم :


-وإنت فاكر إنك هتقول لأ ونقفل الموضوع؟




عمر :


-أيوه.




رحيم :


-مش هيحصل.




إبتسم عمر، لكن عينيه ما ابتسمتش.


عمر :


-هو إحنا بقينا نسخة من أمي؟




الجملة أوقفت رحيم للحظة.


عمر :


-أنا غلطت.




رحيم :


-دي مش غلطة.




عمر :


-رجعت مرة.




يوسف :


-كل رجوع بيبدأ بمرة.




عمر لف له.


عمر :


-ممكن تبطل جمل الأفلام دي؟




يوسف :


-ممكن.


قرب شوية.


يوسف :


-لما تبطل تعامل اللي حصل كأنه سيجارة شربتها وإنت متضايق.




عمر وقف فجأة.


عمر :


-أنا مش مدمن.




خرجت الجملة عالية، سريعة، دفاعية. ثم، سكت الثلاثة، وعمر نفسه سمعها:


أنا مش مدمن.


كم شخص قالها قبله؟ وكم شخص قالها وهو بالفعل بدأ الطريق؟


يوسف ما جادلوش، وده استفزه أكثر.


عمر :


-إيه؟!




يوسف :


-ولا حاجة.




عمر :


-بصتك بتقول حاجة.




يوسف :


-إنت عايزني أقول لك إيه؟




وقف يوسف هو الآخر.


يوسف :


-إنك كويس؟




أشار إليه.


يوسف :


-إنت مش كويس.




صوت عمر انخفض.


عمر :


-أنا عارف إني مش كويس.




يوسف :


-يبقى إقبل مساعدة.




عمر :


-أنا محتاج وقت.




يوسف :


-الوقت لوحده ما بيعالجش حاجة.




عمر :


قُلت محتاج وقت.




ضرب بكفه على طرف الطرابيزة، صوت الضربة دوى في الشقة، وبعدها مباشرة، بص عمر لإيده كأنه اتفاجئ منها، ثم بص لرحيم. وفي ثانية واحدة، ظهر على وشه شيء أقرب للخوف، مش منهم، من نفسه. تراجع خطوة.


عمر :


-أنا...




ما كملش. دخل أوضة الضيوف وقفل الباب، رحيم إتحرك وراه، لكن يوسف مسك ذراعه.


يوسف :


-سيبه.




رحيم :


-أسيبه؟!




يوسف :


-دقيقتين.


بص للباب.


يوسف :


-بس ما نسيبوهش لوحده.




في قصر الألفي، كان اليوم ييهدأ، بس المطبخ لسة ما هديش. سعاد خرجت توصل حاجة لحبيبة، ومريم كانت معها، وأمينة بقيت وحدها ترتب درج من الأدراج. كانت تدور على مفارش قديمة طلبتها شويكار، فتحت درج، مافيش، ثم دولاب قديم 


ماكانش يتفتح كثير، خرجت مجموعة مفارش، وهي تسحبها، وقع شيء صغير وراها. إنحنت، كان إطار صورة قديم زجاجه مخدوش، قلبته، صورة جماعية قديمة، يمكن حفلة، أو افتتاح.


رؤوف أصغر بكثير واقف، شويكار بجانبه، مجموعة رجالة.


أمينة ابتسمت بلا اهتمام في البداية، ذكريات بيت، ثم...


توقفت، قرّبت الصورة من عينيها، راجل واقف على طرف المجموعة ملامحه ما كانتش واضحة جدًا، لكن شيء فيه، رجع لها ذكرى.. 


الصينية، مكتب رؤوف، والإسم. قلبت الإطار، على ظهر الصورة كتابة قديمة باهتة.. تاريخ.. وأسماء قليلة، مررت إصبعها فوقها، وتوقفت عند إسم.. نفس الإسم.


شهقت بخفة، وفي اللحظة نفسها دخلت سعاد.


سعاد :


-لقيت المفارش؟




أمينة قلبت الصورة على صدرها بسرعة، سعاد توقفت، بصت لإيدها.


سعاد :


-إيه ده؟




أمينة :


-ولا حاجة.




سعاد :


-صورة؟




أمينة :


-قديمة.




سعاد قربت.


سعاد :


-وريني.




أمينة :


-سعاد...


نبرة صوتها كانت كفاية.




سعاد وقفت، لأول مرة من سنين تعرفها، شافت الخوف فعلًا في عينين أمينة، مش فضول.. خوف.


سعاد :


-إنتِ كويسة؟




أمينة بصت للصورة مرة ثانية، ثم قالت ببطء :


-أنا كنت فاكرة إني ما شفتش الراجل ده.




سعاد :


-مين؟




أمينة :


-كنت فاكرة إني سمعت إسمه بس.




سعاد ما فهمتش، أمينة نفسها ما كانتش فاهمة لسة، لكن شيئ واحد أصبح واضح، الراجل ما كانش مجرد إسم إتقال في مكتب رؤوف، كان يعرف العيلة، وكان قريب بما يكفي ليقف معاهم في صورة.




رفعت أمينة الصورة، لكن قبل ما سعاد تشوفها، صوت شويكار جا من باب المطبخ.


شويكار :


-بتعملوا إيه؟




الاثنين لفوا، شويكار كانت واقفة عند الباب، نظرتها انتقلت من سعاد لأمينة، وبعدين للشيء الي هي بتحاول تخفيه.




شويكار :


-إيه اللي في إيدك يا أمينة؟




أمينة ما اتحركتش، ولأول مرة من أكثر من عشرين سنة، ما عرفتش هل من الأفضل إنها تسكت، أو تقول الي تعرفه.




في مكان آخر، كان عمر وحده في الأوضة، قاعد على طرف السرير، إيده بين شعره، والصوت برا هادي. يوسف ورحيم ما كانوش بيتكلموا، لكنه كان عارف أنهم هناك. رفع رأسه، بص لنفسه في المراية :


-أنا مش مدمن.


كررها جواه مرة واثنين، بس في كل مرة كانت تبدو أقل إقناعًا.


مد إيده ناحية جيبه، طلّع تليفونه، فتحه، قفل الشاشة، فتحه مرة ثانية، فيه رقم ما يعرفش صاحبه، الرقم اللي وصل له من الطريق.. الطريق اللي قال لنفسه إنه مش هيرجع له. فضل يبص للرقم، كان يقدر يمسحه، حركة واحدة، ضغط مطول، حذف، بس رفع صباعه، قربه من الشاشة، ثم توقف.


الشخص اللي عمره ما عاش مع مدمن ممكن يشوف اللحظة دي بسيطة، رقم تليفون يتحذف أو ما يتحذفش. لكن أحيانًا.. الإدمان ما بيبدأش في اللحظة اللي الإنسان ياخذ فيها الحاجة، بيبدأ قبلها، في اللحظة اللي يسيب فيها الباب مفتوح، علشان يمكن يحتاج يرجع.


عمر قفل الشاشة وما مسحش الرقم.




أما سلمى...


فكانت تقلب في إعلانات الوظائف على هاتفها، لأول مرة من أيام، عقلها مشغول بحاجة تخص بكرة، مش امبارح. كتبت رقم على ورقة، ثم رقم ثاني.




وفجأة.. رن جرس باب الجناح. إتجمدت إيدها، بصت للباب، محدش المفروض يجي، رحيم لو جاي كان هيتصل. قامت ببطء، ما قربتش من الباب مباشرة.


سلمى :


-مين؟




لا رد، قلبها بدأ يدق أسرع.


سلمى :


-مين؟!




ثوانٍ، ثم جا صوت راجل من الخارج.


الراجل :


-خدمة الغرف يا فندم.




بصت للطربيزة، هي ما طلبتش حاجة. 


سلمى :


-أنا ما طلبتش حاجة.




صمت، ثم الرجل :


-الطلب مدفوع يا فندم.




سلمى ما فتحتش، قربت بس بالقدر الي يسمح لها تبص من العين السحرية، عامل الفندق واقف وفي إيده باقة ورد.




سلمى قطبت.


الراجل :


-أسيبها عند الباب؟




سلمى :


-مين بعثها؟




الراجل قلب البطاقة الصغيرة المعلقة بها.


الراجل :


-مافيش إسم يا فندم.




تراجعت سلمى فورًا،


سلمى :


-خذها.




الراجل :


-حاضر.




سمعت خطواته بتبعد، فضلت واقفة مكانها، ما تعرفش ليه كانت إيديها بتترعش، يمكن مافيش حاجة، هي بس باقة وصلت بالغلط، خطأ في رقم الجناح، أي تفسير عادي، لكن حياتها مؤخرًا ما بقت تعرف التفسيرات العادية.


مدت إيدها للتليفون، وقبل ما تتصل برحيم، وصلتها رسالة من إدارة الفندق :


«نعتذر يا فندم، تم إرسال الطلب إلى جناحكم بالخطأ.»


خرج النفس من صدرها، ضحكت على نفسها ضحكة صغيرة متوترة.


سلمى :


-أنا هتجنن.


ثم جلست.




وفي قصر الألفي...


كانت شويكار لسة واقفة عند باب المطبخ.


شويكار :


-سألتك إيه اللي في إيدك يا أمينة؟




سعاد بصت لأمينة، أمينة بصت للصورة، ثم لشويكار، سنوات طويلة من الخدمة مرت في رأسها.. رؤوف وهو شاب، الراجل الغريب، الإسم، الخوف على وش رؤوف، والصورة التي ظهرت النهارده كأن الماضي نفسه قرر يطلع من الدرج.




اقتربت شويكار.


شويكار :


-أمينة؟




رفعت أمينة الصورة أخيرًا، مدتها لها، شويكار أخذتها، بصت لها. في البداية ما حصلش حاجة، مجموعة رجال.. رؤوف.. هي نفسها.. وجوه من زمن بعيد. ثم أشارت أمينة بإصبعها للراجل الواقف على الطرف.




أمينة :


-الراجل ده...




رفعت شويكار عينيها، أمينة بلعت ريقها.


أمينة :


-أنا سمعته من أكثر من عشرين سنة بيتخانق مع رؤوف بيه في المكتب.




وش شويكار بدأ يتغير.


أمينة :


-وقتها ما كنتش أعرف هو مين.




قلبت الصورة في إيد شويكار وأشارت للإسم المكتوب خلفها.


أمينة :


-بس إسمه...




قبل ما تكمل، جا صوت من خلف شويكار.


رؤوف :


-أمينة.




الصوت وحده سكت المطبخ كله. شويكار لفت ببطء، رؤوف كان عند باب المطبخ على كرسيه المتحرك، ما كانش بيبص لأمينة، كان بيبص للصورة. وشه فقد لونه، وشويكار شافته، المرة دي هي مش محتاجة إسم، ولا اعتراف، ولا ملف، لأنها عاشت مع الراجل دا عمر كامل، وتعرف وشه لما يكذب، وتعرفه لما يغضب.


لكن النظرة الموجودة في عينيه دلوقتي ماشافتهاش من سنين...


الخوف.


شويكار نزلت عينيها على صورة مرة ثانية، ثم قلبتها، قرأت الإسم بنفسها، نفسها وقف، رفعت عينيها لرؤوف.


شويكار :


-ده...




سكتت ثانية، ثم خرج الإسم كامل من بقه :


-ده أبو سلمى... مش كده؟




في آخر المطبخ، وقعت الصينية من إيد سعاد، الصوت دوّى في المكان، أمينة رفعت رأسها فجأة.. سلمى؟


الإسم نفسه ما كانتش تعرفه، بس إسم أبوها.. تعرفه.


ورؤوف ما نكرش، ما قالش نعم.


ولا قال لأ، بس فضل يبص للصورة.


وهنا فهمت أمينة إن الإسم اللي احتفظت بيه ذاكرتها أكثر من عشرين سنة، ما كانش إسم عابر، وإن البنت اللي نطقت شويكار إسمها لأول مرة قدامها.. هي بنت الراجل اللي خاف رؤوف الألفي في يوم من الأيام من مجرد ذكر إسمه.


رفعت أمينة عينيها لرؤوف.


أمينة :


-سلمى... بنت الراجل ده؟




رؤوف ماجاوبش، شويكار هي كمان ما اتحركتش، أما سعاد، فكانت تبص من واحد للثاني، مش فاهمة مين هي سلمى أصلًا.


ولأول مرة، صار في المطبخ ثلاثة أشخاص بيحمل كل واحد منهم جزء مختلف من الحكاية.


شويكار تعرف سلمى، أمينة تعرف أبوها، ورؤوف وحده يعرف إيه الي يربط الإثنين بيه.




وأهو سر جديد بدأ يفتح بابه... 


بس قبل ما أقفل الفصل، عندي عتاب صغير:


ما تقروش وتمشوا في صمت يا جماعة 


اللايك والتعليق هما اللي بيعرفوني إن الفصل وصلكم وإن تعبي فيه ما راحش في الهوا.


ولو وصلتوا لحد هنا... مستنية أعرف:


إيه أول حاجة جت في بالكم لما عرفتوا إن الراجل في الصورة هو أبو سلمى؟ 

يتبع.....



                   الفصل الثلاثون من هنا 

             لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة