رواية جريمة إسمها زواج الفصل الثلاثون 30 بقلم نسرين بلعجيلي


رواية جريمة إسمها زواج الفصل الثلاثون 30 بقلم نسرين بلعجيلي



بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم إنا نسألك راحة للقلب بعد تعبه، وأمانًا للنفس بعد خوفها، ونورًا يكشف لنا ما خفي عنا دون أن يكسرنا ظهوره.


اللهم اشفِ كل قلب يحمل وجعًا لا يعرف كيف يحكيه، وكل روح تحارب في صمت، وكل إنسان يهرب من نفسه لأنه لا يعرف كيف يواجهها.


اللهم لا تجعل أخطاء الماضي سجنًا لأصحابها، وارزقنا شجاعة الاعتراف، وقوة الإصلاح، وحكمة معرفة الفرق بين الندم وتحمل المسؤولية.


واسترنا بسترك الجميل، واحفظ بيوتنا وأهلنا، ولا تجعل سرًا قديمًا يهدم حاضرًا بُني على الحب.


اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأظهر الحقيقة في وقتها، وارزقنا القوة لتحملها.


آمين يا رب العالمين. 




#جريمة_إسمها_زواج 




بقلم نسرين بلعجيلي Nisrine Bellaajili


أصعب الحروب مش اللي بنخوضها مع الناس...


أصعبها اللي بتحصل جوانا، وإحنا ساكتين.


لما العقل يقول لك إنك بأمان، لكن جسمك يفضل خايف.


لما تحاول تنسى، فتكتشف إن النسيان مش قرار.


ولما تفضل سنين تهرب من حاجة وجعتك، لحد ما تكتشف إنك ما كنتش بتهرب منها... كنت بتهرب من نفسك.


وفيه أسرار بنفتكر إن الزمن دفنها، لكنها ما بتتدفنش فعلًا.


بتفضل مستخبية في كلمة ما اتقالتش، في نظرة اتفهمت متأخر، في صورة قديمة، وفي خوف مالوش تفسير...


لأن الزمن ممكن يغيّر ملامحنا، ويهدي وجعنا، ويخلينا نكمل حياتنا...


بس فيه حاجات الزمن ما بيموتهاش.




*الفصل الثلاثون*




حاجات الزمن ما بيموتهاش...




عدّى شهر، شهر كامل من وقت ما حاجات كثير اتقلبت في حياة عيلة الألفي، وحاجات أكثر فضلت واقفة مكانها كأن الزمن نفسه مش عارف يعمل معاها إيه.


شهر كان كفاية إن شويكار ترجع الشركة من ثاني، تقعد على كرسيها، تمسك ملفاتها، تدخل اجتماعاتها، وتتكلم بنفس النبرة اللي الموظفين حافظينها. اللي يشوفها وهي داخلة الصبح، لابسة بدلتها، شنطتها في إيدها، والسكرتيرة ماشية وراها بتقول لها مواعيد اليوم، عمره ما يتخيل إن الست دي من شهر واحد بس كانت واقعة على أرض مكتبها والناس حواليها مش عارفين قلبها هيستحمل ولا لأ. بس شويكار كانت طول عمرها بتعرف تعمل كده، تعرف تخبي تعبها جوه هدوم غالية، وتخبي خوفها ورا صوت ثابت، وتخبي مشاكل بيتها ورا إسم كبير مكتوب على واجهة شركة، بس فيه حاجة واحدة ما عرفتش تخبيها من نفسها الشهر ده.. الصورة.


كانت قاعدة في مكتبها، قدامها ملف المفروض إنها بتراجعه من أكثر من ربع ساعة، قلبت صفحة، رجعت لها، قرأت أول سطر، وبعدين لقت نفسها، للمرة اللي ما تعرفش عددها، بتفتح درج مكتبها. الصورة كانت جواه، خرجتها وحطتها قدامها، فضلت باصة لها شوية:


رؤوف.. هي.. مجموعة من رجال الأعمال.. والراجل اللي بقى مجرد النظر لوشه كفاية يرجع نفس السؤال لدماغها، أبو سلمى. الغريب إن أول ما أمينة طلعت الصورة، شويكار ما قالتش إنها عمرها ما شافته، لأنها شافته فعلًا، كانت فاكرة الليلة، عشاء عمل كبير اتعمل في القصر من سنين طويلة، وقتها رؤوف كان لسه بيتحرك على رجليه، والشركة كانت في مرحلة مختلفة تمامًا عن دلوقتي. كان فيه ناس كثير داخلة طالعة من البيت، رجال أعمال، مستثمرين، ناس جاية من بره مصر، وناس رؤوف كان بيتعامل معاهم فترة ويختفوا بعدها من حياتهم. والراجل ده كان واحد من الوجوه اللي فضلت في ذاكرتها بشكل باهت، مش علشان عمل حاجة تلفت نظرها، بالعكس، علشان بالنسبة لها وقتها كان مجرد ضيف، سلم عليها، قعد على السفرة، إتكلم مع الموجودين، وضحك مرة أو مرتين وخلاص. وفي ذاكرة شويكار، دي كانت أول مرة تشوفه فيها، ما كانتش تعرف إنه دخل بيتها قبل الليلة دي، ما كانتش تعرف إنه دخل مكتب جوزها، وما كانتش تعرف إن صوته فضل عالق في دماغ ست كانت وقتها لسه بنت صغيرة جاية تشتغل عندهم.


مررت شويكار صباعها على طرف الصورة، ومن غير ما تحس، رجعت بذاكرتها لليلة اللي أمينة طلعتها فيها. بعد ما سعاد وأمينة خرجوا من المكان، شويكار ما سابتش الموضوع يعدي، دخلت ورا رؤوف مكتبه وقفلت الباب، كانت الصورة في إيدها، حطتها قدامه من غير مقدمات.


شويكار :


-الراجل ده مين؟




رؤوف بص للصورة، ما احتاجش يسألها بتتكلم عن مين، وده كان أول شيء ضايقها.


رؤوف :


-أمينة قالت لك اللي تعرفه.




شويكار :


-أنا مش بسأل أمينة.




أشارت للصورة وكملت :


-بسألك إنت.




رؤوف :


-واحد كنت أعرفه من زمان.




شويكار فضلت باصة له :


-واحد؟




رؤوف :


-آه.




شويكار :


-يعني إيه واحد؟




رؤوف :


-يعني واحد كان موجود في السوق وقتها، واتعاملنا كام مرة.




شويكار :


-اتعاملتوا في إيه؟




رؤوف :


-شغل يا شويكار.




شويكار :


-شغل إيه؟




رؤوف بدأ يضايق :


-أنا مطلوب مني أفتكر كل صفقة عملتها من أكثر من عشرين سنة؟




لكن شويكار ما اتحركتش، هي عارفة رؤوف، عارفة لما يكون فعلًا مش فاكر، وعارفة لما يكون عايز اللي قدامه يزهق من السؤال.


شويكار :


-أنا فاكرة الراجل ده.




المرة دي رفع عينه لها.


شويكار :


-كان عندنا في عشاء شغل.




رؤوف :


-ممكن.




شويكار :


-مش ممكن، أنا فاكرة.




سحبت الصورة ناحيتها وأشارت لنفسها فيها.


شويكار :


-كنت واقفة هنا.


وبعدين أشارت له :


-وإنت هنا.


وبعدين لأبو سلمى.


شويكار :


-وهو كان موجود مع الضيوف.




رؤوف :


-طيب؟




شويكار :


-دي كانت أول مرة أشوفه فيها.




رؤوف :


-والمطلوب؟




شويكار سكتت لحظة وبعدين قالت :


-المطلوب أعرف إزاي أمينة سمعته بيتخانق معاك في مكتبك قبل كده وأنا ما أعرفش أصلًا إنه كان بيدخل بيتي.




رؤوف اتنفس ببطء.


رؤوف :


-يمكن جه مرة وإنتِ مش موجودة.




شويكار :


-يمكن؟




رؤوف :


-آه، يمكن.




شويكار :


-إنت كمان مش فاكر؟




رؤوف :


-شويكار، بنتكلم عن حاجة من عشرين سنة.




شويكار :


-بس إنت افتكرت إنه مات.




سكت.. وهنا رجعت الجملة اللي قالتها له وقتها تدق في دماغها، هي ما كانتش قالت له إن الراجل مات، كل اللي قالته إن ده أبو سلمى، ومع ذلك رؤوف كان بيتكلم عنه كراجل انتهى من الدنيا من زمان. 


شويكار قربت منه وقتها وقالت :


-إنت عرفت منين إنه مات؟




رؤوف :


-ما عرفتش.




شويكار :


-إنت لسه قايلها.




رؤوف :


-قلت غالبًا مات. لو كان عايش كان ظهر.




شويكار :


-ظهر لمين؟




رؤوف :


-إيه التحقيق ده؟




شويكار :


-لجوزي.




رؤوف :


-وأنا جاوبتك.




شويكار :


-لأ، إنت من ساعة ما شفت الصورة وإنت بتجاوبني على كل سؤال بسؤال ثاني.




رؤوف :


-لأنك بتدوري على مشكلة مش موجودة.




شويكار ضحكت وقتها، مش ضحكة فرح، كانت الضحكة اللي بتطلع منها لما حد يحاول يقنعها إنها ما شافتش حاجة هي شايفاها بعينيها.


شويكار :


-المشكلة موجودة يا رؤوف.




رؤوف :


-فين؟




شويكار :


-في وشك.




سكت. وهي كملت :


-من أول يوم قريت إسم أبو سلمى ووشك اتغير.




رؤوف :


-وإنتِ بنيتِ حكاية كاملة على وشي؟




شويكار :


-لأ.




مسكت الصورة وقالت :


-على وشك، وعلى الصورة، وعلى أمينة، وعلى اهتمامك بسلمى من أول ما عرفت إسم أبوها.




رؤوف :


-أنا ما أعرفش سلمى.




شويكار :


-وأنا ما قلتش إنك تعرفها.




وسكتت.


كان فيه لحظة صغيرة بينهم، لحظة شويكار شافت فيها إنه فهم إنه اتسرع، لكن رؤوف رجع هادي بسرعة.


رؤوف :


-أنا تعبان يا شويكار.




شويكار :


-وأنا مش هسألك ثاني النهارده.




رؤوف :


-كويس.




شويكار :


-بس ما تفتكرش إني نسيت.




أخذت الصورة، وقبل ما تخرج وقفت عند الباب.


شويكار :


-أنا طول عمري كنت فاكرة إن الراجل ده دخل بيتنا مرة واحدة.




بصت له وكملت :


-واضح إن فيه حاجات حصلت في بيتي وأنا آخر واحدة عرفت بيها.




وخرجت.


ومن يومها.. رؤوف ما فتحش الموضوع، ولا شويكار فتحته معاه بشكل مباشر، لكنها ما سابتهوش، كانت بتسأل أمينة مش كل يوم. شويكار أذكى من إنها تخوف الست لدرجة تخليها تقفل تمامًا، مرة وهي في المطبخ، مرة وهي طالعة من أوضة حبيبة، ومرة نادتها بحجة حاجة في الأكل، وبعدها دخلت في الموضوع فجأة. وفي كل مرة، أمينة كانت تقول نفس الكلام.


أمينة :


-والله يا هانم ما أعرف حاجة.




شويكار :


-طب سمعتِ إيه؟




أمينة :


-ما افتكرش.




شويكار :


-بس افتكرتِ الإسم.




أمينة :


-الإسم علق في دماغي.




شويكار :


-ليه؟




أمينة :


-ما أعرفش.




شويكار :


-كان بييجي البيت كثير؟




أمينة :


-ما أعرفش.




شويكار :


-شفتيه مع رؤوف كام مرة؟




أمينة :


-والله ما أعرف.




ومع كل «ما أعرفش» شويكار كانت تشك أكثر، وأمينة كانت تخاف أكثر، لأن الحقيقة إن أمينة نفسها ما كانتش عارفة هي خايفة من إيه، هي ما عندهاش سر كبير، ما شافتش جريمة، ما تعرفش إيه اللي كان بين رؤوف والراجل، وما تعرفش أصلًا ليه مجرد ذكره بعد كل السنين دي عمل كل ده، لكنها كانت تعرف حاجة واحدة، رؤوف خاف، شافته خايف زمان، وشافته خايف يوم الصورة، وأمينة عاشت عمرها كله في بيوت ناس أغنى وأقوى منها، واتعلمت حاجة مهمة جدًا :


لما صاحب البيت يخاف من سر.. الخادم اللي يعرف نصه لازم يخاف هو كمان.




في نفس اليوم..


كانت أمينة خارجة من القصر بدري شوية، سعاد كانت حطت لها شوية أكل في علبة، وأمينة فضلت تضحك عليها وتقول لها إنها رايحة بيتها مش مهاجرة. خرجت من الباب الجانبي، شنطتها على كتفها والعلبة في إيدها. كانت ماشية ناحية الشارع لما سمعت :


رؤوف :


-أمينة.




وقفت، قلبها اتقبض قبل حتى ما تلف. استدارت، رؤوف كان على كرسيه المتحرك قريب من العربية، والسواق واقف جنبه.


أمينة :


-خير يا رؤوف بيه؟




رؤوف بص للسواق.


رؤوف :


-إستناني عند العربية.




السواق بعد كام خطوة، أمينة فهمت فورًا إن الموضوع مش صدفة.


رؤوف :


-مستعجلة؟




أمينة :


-آه شوية، عندي مشوار.




رؤوف :


-مش هعطلك.




إبتسمت ابتسامة صغيرة متوترة.


أمينة :


-خير؟




رؤوف ما لفش ولا دار :


-شويكار سألتك عن الراجل اللي في الصورة؟




أمينة حاولت تخلي وشها طبيعي.


أمينة :


-سألتني.




رؤوف :


-كام مرة؟




أمينة :


-ماعدتش فاكرة.




رؤوف رفع حاجبه وقالها :


-بسرعة نسيتي؟




أمينة :


-ما أنا كبرت يا بيه.




رؤوف ما ابتسمش، أمينة عرفت إن الهزار مش هينفع.


رؤوف :


-قلتِ لها إيه؟




أمينة :


-اللي أعرفه.




رؤوف :


-اللي هو؟




أمينة :


-إني ما أعرفش حاجة.




رؤوف :


-بس إنتِ عرفتيه.




أمينة :


-عرفت الصورة لما شفت الإسم.




رؤوف :


-وسمعتيه في مكتبي.




أمينة :


-من زمان.




رؤوف :


-سمعتِ إيه؟




أمينة سكتت.


رؤوف :


-أنا بسألك يا أمينة.




أمينة :


-وأنا والله قلت لحضرتك، ما افتكرش.




رؤوف :


-إنتِ افتكرتِ إسم راجل من أكثر من عشرين سنة ومش فاكرة قال إيه؟




أمينة :


-الإسم غير الكلام يا بيه.




رؤوف :


-إزاي؟




أمينة :


-ما أعرفش.




وسكتت.. رؤوف فضل باصص لها، وأمينة بدأت تتمنى أي حد يخرج من باب القصر، سعاد، حارس، حتى الجنايني، أي حد يخلي الوقفة دي تخلص، لكن محدش خرج.


رؤوف :


-بصي يا أمينة...




أمينة قاطعته بسرعة، وباحترام :


والله يا رؤوف بيه لو كنت أعرف حاجة كنت قلت.




رؤوف :


-لشويكار؟




السؤال وقفها، أمينة رفعت عينيها له :


-هو فيه حاجة ما تتقالش لشويكار هانم؟




رؤوف ما ردش وأمينة حسّت إن السؤال أصاب مكانًا ما كانش المفروض تقرب منه. نزلت عينيها بسرعة.


أمينة :


-قصدي... هي مرات حضرتك.




رؤوف :


-عارف.




أمينة :


-وأنا ماليش في مشاكل البيت.




رؤوف :


-محدش قال إن فيه مشاكل.




أمينة :


-وأنا ما قلتش إن فيه.




المرة دي بصوا لبعض، كل واحد فيهم عارف إن الثاني بيختار كلامه.


رؤوف :


-أنا عايز أعرف بس إنتِ فاكرة إيه.




أمينة :


-ولا حاجة.




رؤوف :


-أمينة.




أمينة :


-نعم؟




رؤوف :


-الراجل ده... يوم ما كان عندي في المكتب...




سكت، وأمينة انتظرت.


رؤوف :


-شفتيه وهو خارج؟




السؤال خضها، مش علشان عندها إجابة، لكن علشان لأول مرة فهمت إن رؤوف مش خايف بس من اللي سمعته، هو عايز يعرف هي شافت إيه.




أمينة هزت رأسها :


-مش فاكرة.




رؤوف :


-مش فاكرة ولا ما شفتيش؟




أمينة :


-بعد العمر ده كله اثبث لحضرتك إزاي؟




رؤوف سكت، أمينة بدأت تتحرك.


أمينة :


-عن إذنك، هتأخر على المشوار.




رؤوف :


-إستني.




وقفت ثاني.


رؤوف :


-هو قال لك حاجة؟




أمينة :


-مين؟




رؤوف :


-هو.




أمينة :


-هيقول لي أنا إيه يا بيه؟ أنا كنت واحدة داخلة بصينية قهوة.




رؤوف :


-يعني ما كلمكيش؟




أمينة :


-لأ.




رؤوف :


-ولا سألِك عن حاجة؟




أمينة :


-لأ.




رؤوف :


-ولا إداكي حاجة؟




هنا.. أمينة سكتت، مش لأنها افتكرت إنه اداها حاجة، لكن لأن السؤال نفسه خوّفها. رؤوف انتبه لسكاتها.


رؤوف :


-أمينة؟




رفعت عينيها له.


أمينة :


-هو حضرتك خايف إني أعرف إيه؟




الصمت اللي جه بعدها كان تقيل، ثقيل لدرجة إن أمينة ندمت على السؤال أول ما خرج من بقها، لكن خلاص، إتقال. رؤوف فضل باصص لها، وأمينة لأول مرة من سنين طويلة شافت نفس النظرة، مش نظرة رؤوف بيه، ولا صاحب القصر، ولا الراجل اللي كبر وتعب وقعد على كرسي، نفس نظرة الشاب اللي شافته زمان واقف في مكتبه بعد ما الراجل خرج، نظرة واحد خايف إن حد يكون شاف حاجة ما كانش المفروض يشوفها.


أمينة نزلت عينيها وقالت :


-عن إذنك يا بيه.




المرة دي رؤوف ما وقفهاش. مشيت خطوة واثنين وثلاثة، ولما بعدت عنه بما يكفي، أخذت نفس طويل كأنها كانت حابساه من أول ما ناداها، لكن حاجة واحدة فضلت تلف في دماغها طول الطريق.. رؤوف ما سألهاش:


«إنتِ تعرفي إيه؟»


هو تقريبًا كان بيسألها :


«إنتِ تعرفي قد إيه؟»


والفرق بينهم كان مرعب.




أما رؤوف، ففضل مكانه يتابعها بعينيه لحد ما اختفت، وبعدها فقط رجع ناحية العربية، لكن قبل ما السواق يفتح له الباب، رفع عينه ناحية شبابيك القصر، شباك أوضة شويكار كان مقفول، فضل باصص له ثواني وكأنه لأول مرة من أكثر من عشرين سنة بدأ يحس إن الماضي اللي دفنه كويس أوي، عرف طريق الرجوع.




نسرين بلعجيلي 




وفي مكان ثاني..


الشهر اللي فات ما كانش سهل على عمر، يمكن اللي يشوفه من بره يقول إنه اتحسن، بقى بينام أكثر من الأول، رجع ياكل، بطل يمشي في الشقة طول الليل بنفس العصبية، حتى شكله رجع قريب من عمر اللي الناس تعرفه، لكن يوسف كان عارف إن الشكل مش كل حاجة، لأنه فيه أيام عمر كان بيصحى فيها عادي جدًا، وأيام ثانية كان يقعد بالساعات من غير ما يقول كلمة، وفيه ليالي يوسف كان يصحى فيها على صوت حركة في الصالة، يخرج يلاقي عمر قاعد لوحده في الظلمة. وفيه مرة دخل عليه الحمام الصبح، ولقاه واقف قدام المراية بيعيط، مش انهيار، ولا صراخ، دموع ساكتة نازلة على وشه، وعمر نفسه كأنه مش واخذ باله منها. يوسف ما سألوش وقتها، رجع وقفل الباب. وفي مرة ثانية، عمر هو اللي قال له فجأة :


-أنا تعبت.




يوسف :


-عارف.




عمر :


-لأ... إنت مش عارف.




يوسف :


-يبقى خليني أعرف.




لكن عمر سكت، وبعدها بيومين لأول مرة، وافق يروح لدكتور نفسي، مش علشان رحيم طلب، ولا علشان أمه، ولا علشان يوسف زن عليه، يمكن علشان هو نفسه بدأ يخاف من الحاجة اللي بتحصل جواه.


عيادة الدكتور كانت هادية زيادة عن اللزوم، عمر كره هدوءها من أول ما دخل.. كرسيين.. مكتب بسيط.. مكتبة.. وشهادات كثيرة متعلقة على الحيطان كأن الدكتور محتاج يقنع اللي داخل إنه فاهم.


قعد عمر قدامه وهو حاطط رجل على رجل. ومن أول عشر دقايق كان واضح إنه ندم إنه جه.


الدكتور كان في أواخر الأربعينات، صوته هادي، وما كانش مستعجل ياخذ منه إجابة. فضل يسمعه، وعمر حكى، مش كل حاجة، لكن حكى أكثر مما كان متخيل إنه هيحكي، حكى إنه صحي في يوم لقى نفسه متجوز، حكى عن سلمى، عن خالد، عن اللي اتقال له إنه حصل، عن الفيديو وعن إنه شاف نفسه فيه وما عرفش الراجل اللي كان شايفه، حكى عن الحاجة اللي خالد إداهاله، وعن إنه مش فاكر، وسكت وقت طويل قبل ما يعترف بحاجة ثانية.


عمر :


-وبعدها رجعت أخذت بإرادتي.




الدكتور ما اتغيرش وشه وسأله :


-ليه؟




عمر ضحك بمرارة :


-هو ليه كل الناس بتسأل السؤال ده؟




الدكتور :


-ممكن الناس تسأله علشان تحكم


عليك.


سكت.


الدكتور :


-أنا بسأله علشان أفهمك.




عمر بص بعيد وقال :


-كنت عايز دماغي تسكت.




الدكتور :


-وسكتت؟




عمر :


-شوية.




الدكتور :


-وبعدين؟




عمر :


-رجعت.




الدكتور :


-إيه اللي رجع؟




عمر رفع عينيه له.


الدكتور :


-دماغك؟




عمر :


-كل حاجة.




الدكتور هز رأسه بهدوء وقال :


-يبقى اللي أخذته ما حلش المشكلة.




عمر :


-أنا ما قلتش إنه حلها.




الدكتور :


-بس رجعت له.




عمر اتضايق :


-أنا عارف أنا عملت إيه.




الدكتور :


-أنا مش بحاسبك.




عمر :


-حاسس إني في محكمة من ساعة ما صحيت من الليلة دي.




الدكتور :


-مين القاضي؟




عمر سكت.


الدكتور :


-سلمى؟




ما ردش.


الدكتور :


-أخوك؟




عمر فضل ساكت.


الدكتور :


-والدتك؟




هنا، عمر رفع عينه له، حركة صغيرة، لكن الدكتور لاحظها، ما علقش عليها فورًا. قلب الورقة اللي قدامه وقال :


-حكيتلي كثير عن شويكار هانم.




عمر :


-أمي.




الدكتور :


-عارف.




عمر :


أمال بتقول إسمها كده ليه؟




الدكتور :


-لأنك إنت اللي كل مرة بتتكلم عنها بتقول شويكار هانم.




عمر اتسند لورا وقال :


-دي طريقتي.




الدكتور :


-من إمتى؟




عمر :


-مش فاكر.




الدكتور :


-وأنت صغير كنت بتناديها كده؟




عمر ما ردش الدكتور سابه شوية وبعدين قال :


-عمر.. إنت خرجت من القصر إمتى؟




عمر :


-من زمان.




الدكتور :


-ليه؟




عمر :


-كنت عايز أعيش لوحدي.




الدكتور :


-ليه؟




عمر :


-هو لازم الواحد يبقى عنده مأساة علشان يسيب بيت أهله؟




الدكتور :


-لأ.




قالها ببساطة وبعدين كمل :


-بس لما واحد يسيب بيت كبير، مريح، فيه أهله، وبعدها يبدأ يعيش بطريقة كل اللي حواليه شايفينها تمرد...




سكت لحظة.


الدكتور :


-أنا من حقي أسأل هو كان بيتمرد على إيه.




عمر :


-على التحكم.




الدكتور :


-تحكم مين؟




عمر إبتسم بسخرية وقال :


-إنت عارف الإجابة.




الدكتور :


-عايز أسمعها منك.




عمر :


-أمي.




الدكتور :


-كانت بتتحكم في إيه؟




عمر :


-كل حاجة.




الدكتور :


-زي إيه؟




عمر :


-كل حاجة يعني كل حاجة.




الدكتور :


-دراستك؟




عمر :


-آه.




الدكتور :


-شغلك؟




عمر :


-آه.




الدكتور :


-علاقاتك؟




سكت عمر.


الدكتور :


-إختياراتك؟




عمر :


-قُلتلك كل حاجة.




الدكتور فضل ساكت، وعمر بدأ يحرك رجله بعصبية، الدكتور لاحظ.


الدكتور :


-إنت متضايق.




عمر :


-لأ.




الدكتور :


-رجلك بتقول غير كده.




عمر وقفها فورًا، الدكتور ما ابتسمش.


الدكتور :


-إنت خرجت من القصر علشان تبعد عن سيطرة والدتك...




عمر :


-آه.




الدكتور :


-وبعد ما خرجت عملت حاجات كثير تعرف إنها هتوجعها.




عمر بصله.


الدكتور :


-صح؟




عمر :


-أنا كنت بعيش حياتي.




الدكتور :


-ممكن.




سكت.


الدكتور :


-وممكن كمان جزء منك كان عايزها تشوف.




عمر :


-تشوف إيه؟




الدكتور :


-إنها ما بقتش تقدر تتحكم فيك.




عمر ما ردش.


الدكتور :


-السهر، الشراب، العلاقات، إنك تبعد عن الشركة، إنك ترفض القصر، كل مرة هي تشدك ناحية، إنت تجري الناحية الثانية.




عمر :


-يعني أنا جاي لك علشان تقولي عندي مشاكل مع ماما؟




الدكتور :


-لأ.




مال لقدام شوية.


الدكتور :


-أنا بحاول أفهم حاجة أهم.




عمر :


إيه؟




الدكتور :


-إنت لما بتأذي نفسك بتكون عايز تأذي مين؟




عمر ثبت عينيه عليه.


الدكتور :


-نفسك؟




سكت.


الدكتور :


-ولا شويكار هانم؟




وش عمر اتغير، مش كثير، لكن كفاية.


عمر :


-أنا مش بأذي حد.




الدكتور :


-إنت رجعت لمادة عارف إنها ممكن تدمرك.




عمر :


-مرة.




الدكتور :


-مش مهم العدد دلوقتي.




عمر :


-مهم بالنسبة لي.




الدكتور :


-ليه؟




عمر :


-علشان أنا مش مدمن.




الدكتور :


-أنا ما قلتش إنك مدمن.




الجملة وقفته.


الدكتور :


-إنت اللي قلتها.




عمر سكت.


الدكتور :


-وأنا مش مهتم دلوقتي أحط لك إسم، أنا مهتم أفهم إنت بتعمل إيه بنفسك وليه.




عمر :


-قلتلك علشان أنسى.




الدكتور :


-لأ.




هز رأسه.


الدكتور :


-إنت بنفسك قلت إنك أصلًا مش فاكر الجزء اللي نفسك تعرفه.




سكت.


الدكتور :


-يبقى إنت مش بتحاول تنسى اللي حصل.




عمر بصله.


الدكتور :


-إنت بتحاول تهرب من إحساسك تجاه اللي حصل.




الصمت نزل بينهم.


الدكتور :


-وفيه فرق كبير.




عمر نزل عينيه.


الدكتور :


-إنت قلت لي إنك لما شفت الفيديو، أكثر حاجة خوفتك إنك ما عرفتش نفسك.




عمر :


-آه.




الدكتور :


-بس أنا مش مقتنع إن دي أول مرة إنت ما تعرفش نفسك فيها.




رفع عمر عينيه بسرعة، الدكتور شافها، والمرة دي ما كملش، ساب الجملة بينهم. عمر كان ممكن يسأله يقصد إيه، ما سألش، كان ممكن يضحك، ما ضحكش، كان ممكن يتعصب، حتى دي ما عملهاش، بس وشه اتقفل، وإيده اللي كانت مرتاحة على ذراع الكرسي اتقبضت.


الدكتور لاحظ كل ده.


الدكتور :


-حصلت حاجة في القصر يا عمر؟




عمر :


-لأ.




الإجابة خرجت بسرعة زيادة.


الدكتور :


-وأنت صغير؟




عمر :


-قلت لأ.




الدكتور :


-مراهق؟




عمر :


-مافيش حاجة.




الدكتور :


-بينك وبين والدتك؟




عمر وقف.


عمر :


-إحنا جايين نتكلم عن اللي حصل دلوقتي، مش ننبش في طفولتي.




الدكتور ما طلبش منه يقعد، قال بهدوء :


اللي حصل دلوقتي ما بدأش دلوقتي.




الجملة خلته يثبت مكانه.


الدكتور :


المادة اللي رجعت لها جديدة في الليلة دي؟




عمر :


-لأ.




الدكتور : 


-الهروب جديد؟




عمر ما ردش.


الدكتور :


-الغضب من والدتك جديد؟




سكت.


الدكتور :


-كرهك للقصر جديد؟




ولا كلمة.


الدكتور :


-إحساسك إن حياتك مش بتاعتك جديد؟




وهنا فقط بص له عمر، نظرة مختلفة، والدكتور عرف إنه لمس حاجة، لكن عمر ما قالش. فضل واقف ثواني وبعدين رجع قعد، من غير ما حد يطلب منه.


الدكتور ما ضغطش أكثر، كتب حاجة صغيرة في الورقة، وبعدين قفل الملف.


الدكتور :


-مش لازم تقول لي النهارده.




عمر :


-مافيش حاجة أقولها.




الدكتور :


-تمام.




قالها بمنتهى الهدوء، وده ضايق عمر أثتر من لو كان جادله. مرت ثواني، وبعدين الدكتور غير الموضوع.


الدكتور :


-سلمى أخبارها إيه؟




عمر رفع رأسه.


عمر :


-ما أعرفش.




الدكتور :


ما تعرفش؟




عمر :


-يعني أعرف إنها كويسة.




الدكتور :


-مين قال لك؟




عمر :


-رحيم.




الدكتور :


-آخر مرة شفتها إمتى؟




عمر سكت وهو بيفكر.


عمر :


-من فترة.




الدكتور :


-بتتكلموا؟




عمر :


-لأ.




الدكتور :


-هي بتتابع مع حد؟




عمر :


-حد إيه؟




الدكتور :


-طبيب نفسي.




عمر عقد حواجبه وقال :


-ما أعرفش.




الدكتور :


-ليه؟




عمر :


-وأنا هعرف منين؟




الدكتور :


-لأنها زوجتك.




وش عمر اتقفل :


-ما تدخلش الورقة دي في الكلام.




الدكتور :


-أنا ما بتكلمش عن الورقة.




عمر :


-أمال؟




الدكتور :


-بتكلم عن المسؤولية.




عمر :


-مسؤوليتي عن إيه؟




الدكتور سكت لحظة قبل ما يرد. :


-إنت حكيت لي إن البنت تعرضت لاعتداء.




عمر نزل عينه.


الدكتور :


-حكيت لي إنها شافت الفيديو.




إيده اتقبضت.


الدكتور :


-وحكيت لي إنها بتخاف منك.




عمر :


-عارف.




الدكتور :


-طيب إنت متخيل إن كل ده بيختفي لو إنت بعدت عنها؟




عمر :


-على الأقل مش هتشوفني.




الدكتور :


-يمكن ده اللي محتاجاه دلوقتي.




رفع عمر عينه له.


الدكتور :


-أنا مش بقول لك روح لها، ولا بقول لك أقعد جنبها، ولا حتى بقول لك تكلمها، لو وجودك بيسبب لها خوف، لازم تحترم المسافة اللي هي تطلبها.




عمر :


-أمال بتقول إيه؟




الدكتور :


-بقول إنك ما ينفعش تعتبر إن علاجك إنت هو كل الحكاية.




سكت.


الدكتور :


-سلمى كمان محتاجة رعاية نفسية.




عمر ما ردش.


الدكتور :


-ومش علشان هي ضعيفة، علشان اللي حصل لها كبير، فقدت الإحساس بالأمان، أخوها خان ثقتها، بيتها راح، إتجوزت في ظروف هي ما اختارتهاش، واتعرضت لصدمة جسدية ونفسية، وفوق كل ده، بقى فيه تسجيل للحظة من أسوأ لحظات حياتها.




عمر بلع ريقه.


الدكتور :


-دي حاجات ممكن تخلي الإنسان يخاف من النوم، من الأبواب، من اللمس، من الأصوات، من إنه يبقى لوحده، أو حتى من إنه يبقى وسط الناس.




عمر قال بصوت واطي :


-هي بتقفل الباب.




الدكتور :


-إيه؟




عمر سكت لحظة.


عمر :


-كل مرة بتتأكد إن الباب مقفول.




الدكتور ما علقش بسرعة، وبعدين قال :


-بالنسبة لك الباب مجرد باب.




سكت.


الدكتور :


-بالنسبة لها ممكن يكون الفرق بين إنها تحس إن جسمها ومكانها تحت سيطرتها، أو لأ.




عمر بص للأرض، ولأول مرة إفتكر صوت المفتاح، إفتكر سلمى وهي بتبعد عنه، إفتكر نظرتها، وافتكر جملتها :


«إنت شفت الفيديو... وأنا عشته.»




عمر :


-أنا أعمل إيه؟




السؤال خرج منه واطي، من غير عصبية، من غير سخرية.


الدكتور :


-أول حاجة؟




عمر رفع عينه، الدكتور كمل :


-ما تحاولش تخليها تسامحك علشان إنت ترتاح.




الجملة وجعته.


الدكتور :


-وما تطلبش منها تطمنك إنك مش وحش.




سكت.


الدكتور :


-دي مش وظيفتها.




عمر :


-وأنا ما طلبتش.




الدكتور :


-خليك فاكر ما تطلبش.


ثم كمل :


-لو هي عايزة علاج، يتوفر لها، لو عايزة تبعد، تبعد، لو عايزة تعرف الحقيقة، تساعد إنها تعرفها، ولو فيه مسؤوليات قانونية أو مادية عليك تجاهها...


سكت.


الدكتور :


-تتحملها من غير ما تستخدمها علشان تشتري رضاها.




عمر :


-يعني أفضل مسؤول عنها وأنا حتى مش عارف أنا عملت فيها إيه؟




الدكتور :


-يمكن بالذات علشان إنت مش عارف.




عمر بصله.


الدكتور :


-عدم تذكرك مش بيلغي اللي هي فاكراه.




نزل عمر عينه.


الدكتور :


-ومش معنى إنك كنت في حالة غير طبيعية إن ألمها بقى أقل.




عمر :


-أنا عارف.




الدكتور :


-كويس.


ثم سكت شوية وقال :


-وفي نفس الوقت...




رفع عمر عينه.


الدكتور :


-تحمل المسؤولية مش معناه تعاقب نفسك.




عمر ما فهمش.


الدكتور :


-لأن عندي إحساس إنك بدأت تعمل الاثنين نفس الحاجة.




عمر :


-إزاي؟




الدكتور :


-كل ما تحس بالذنب بتأذي نفسك وكل ما تأذي نفسك تقول لنفسك إنك بتدفع ثمن اللي حصل.




سكت وبعدين كمل :


-بس لو إنت فعلًا عايز تتحمل مسؤوليتك تجاه سلمى، لازم تفضل صاحي.




عمر ثبت عينيه عليه.


الدكتور :


-مش غايب، مش سكران، مش تحت تأثير حاجة تخليك تهرب من نفسك..صاحي.. حتى لو الحقيقة وجعتك.




سكت لحظة.


الدكتور :


-لأن البنت دي دفعت ثمن غيابك مرة، ما ينفعش تدفعه ثاني.




عمر ما ردش، لكن الجملة فضلت مكانها، ويمكن لأول مرة من شهر عمر ما فكرش في اللي أخذه باعتباره حاجة تخليه ينسى، فكر فيه بشكل ثاني، كحاجة ممكن ترجع تخليه، يغيب. والغياب المرة دي ما بقاش يخوفه على نفسه بس، بقى فيه شخص ثاني دفع ثمنه قبل كده. لكن رغم كل الكلام اللي قاله للدكتور، ورغم كل الكلام اللي سمعه، كان فيه سؤال واحد الدكتور قرب منه وعمر قفل الباب في وشه فورًا :


ليه خرج من القصر أصلًا؟ وليه كان كل ما شويكار تحاول تقربه منها، يعمل حاجة تبعده أكثر؟


وليه مجرد سؤال :


«إنت بتأذي نفسك، ولا بتأذي أمك؟» خلى وشه يتغير بالشكل ده؟


الإجابة كانت موجودة، عمر عارفها، وشويكار يمكن تعرف جزء منها، لكن لحد اللحظة دي، ولا واحد فيهم كان مستعد يقولها.




وفي الوقت اللي عمر كان بيحاول لأول مرة يفهم هو بيهرب من إيه، كان فيه حد ثاني بقاله شهر كامل بيحاول يتعلم إزاي يعيش وهو خايف: "سلمى."


رحيم ما كانش كلمها من فترة، في الأول كان بيتصل كل يومين تقريبًا، يسألها محتاجة حاجة؟ الأوتيل كويس؟ فيه مشكلة؟ وبعدين الدنيا سحبته، حبيبة، الشركة، أزمة شويكار، عمر، والموضوع اللي كل يوم كان بيطلع له منه طرف جديد.


وفجأة.. إكتشف إنه أكثر من أسبوع عدى من غير ما يكلم سلمى، مسك موبايله واتصل، رن مرة، إثنين، وثلاثة، مافيش رد، قفل. إستنى دقيقتين واتصل ثاني، برضه مافيش. كان ممكن يقول إنها نايمة، أو خرجت، أو مش عايزة ترد، لكن حاجة ضايقته، خصوصًا إنه عارف إن سلمى مش من النوع اللي بيتجاهل مكالمة من غير سبب. فتح رقم الفندق، إتصل بالاستقبال، عرّف نفسه وسأل عنها. الموظف في الأول كان متحفظ، وده طبيعي، لحد ما رحيم قال إن الحجز أساسًا معمول عن طريقه، وإنه محتاج بس يطمن إنها بخير.


الموظف :


-مدام سلمى موجودة يا فندم.




رحيم :


-كويسة؟




الموظف اتردد، رحيم لاحظ وسأله :


-فيه إيه؟




الموظف :


-والله يا فندم أنا ما أقدرش أتكلم عن خصوصية النزلاء.




رحيم :


-أنا مش بسألك بتعمل إيه. بسأل هل هي كويسة ولا لأ.




سكت الموظف لحظة وبعدين قال :


-حضرتك ممكن تتواصل معاها مباشرة.




رحيم :


-أنا اتصلت ومش بترد.




الموظف :


-ثواني أوصل حضرتك بالريسبشن المسؤول عن الدور.




إنتظر رحيم ثواني بسيطة، لكن إحساسه إن فيه حاجة غلط زاد. جاله صوت موظفة ثانية.


رحيم :


-مساء الخير، أنا رحيم الألفي بسأل عن مدام سلمى اللي في الجناح...




الموظفة عرفتها فورًا.


الموظفة :


-أيوه يا فندم.




رحيم :


-هي كويسة؟




الموظفة سكتت.


رحيم :


-أنا بسأل سؤال واضح.




الموظفة :


-هي... موجودة في الأوضة يا فندم.




رحيم :


-بتنزل؟




الموظفة :


-مش كثير.




رحيم :


-يعني إيه مش كثير؟




الموظفة :


-تقريبًا مش بتنزل خالص.




رحيم اعتدل في قعدته.


رحيم :


-من إمتى؟




الموظفة :


-بقالها فترة.




رحيم :


-والأكل؟




الموظفة اترددت :


-طلبات الأكل بتترجع ساعات زي ما هي.




رحيم :


-يعني إيه بتترجع زي ما هي؟




الموظفة :


-يعني ساعات بتطلب حاجة بسيطة وما بتاكلهاش، وساعات ما بتطلبش أصلًا.




رحيم حس الدم سخن في وشه.


رحيم :


-وإنتوا سايبين واحدة بقالها أيام ما بتنزلش من أوضتها ومش بتاكل ومحدش بلغني؟!




الموظفة اتوترت.


الموظفة :


-يا فندم إحنا فندق، وما نقدرش نتدخل في خصوصية النزيل طالما ما طلبش مساعدة، ومدام سلمى بترد لما بنخبط عليها...




رحيم :


-أنا رقمي عندكم.




الموظفة :


-عارفة يا فندم، بس ما كانش عندنا سبب طبي أو حالة طوارئ تسمح لنا...




رحيم قاطعها بعصبية :


-طيب خلاص.




قفل، فضل ثانيتين باصص للموبايل، وبعدين قام. بعد أقل من ساعة كان في الفندق. دخل بخطوات سريعة، وسأل عليها. موظفة الاستقبال عرفته.


رحيم :


-كلميها.




الموظفة :


-حاضر يا فندم.




اتصلت بالجناح، مافيش رد، إتصلت ثاني، وبعد وقت ردت سلمى.


الموظفة :


-مدام سلمى، أستاذ رحيم الألفي موجود تحت وعايز يشوف حضرتك.




صمت.


الموظفة بصت لرحيم، وبعدين قالت :


-بيقول إنه هيفضل مستني.




رحيم مد إيده.


رحيم :


-هاتيهالي.




أخذ السماعة.


رحيم :


-سلمى؟




مافيش رد، لكنه كان سامع نفسها.


رحيم :


-أنا عارف إني قصرت.




سكت.


رحيم :


-وبقالي فترة ما اتصلتش بيكِ، وأنا آسف.




جاله صوتها ضعيف :


-أنا كويسة.




رحيم :


-لأ.




سلمى :


-رحيم...




رحيم :


-مش هطلع لك.


سكتت.




رحيم :


-ومش هدخل أوضتك من غير إذنك.




سكت لحظة.


رحيم :


-إنزلي بس خمس دقايق.




سلمى :


-مش عايزة أشوف حد.




رحيم :


-تمام.




ما ضغطش فورًا، وبعدين قال :


بس أنا مش همشي وأنا عارف إنك مش بتاكلي ومش بتطلعي من الأوضة.




إتغير نفسها.


سلمى :


-مين قال لك؟




رحيم :


-مش مهم.




سلمى :


-أنا باكل.




رحيم :


-طيب إنزلي قوليها لي في وشي.




سكتت.


رحيم :


-خمس دقايق يا سلمى.




وبعدين أضاف بسرعة :


-تحت. وسط الناس. مش هطلع لك.




عدت ثواني، وبعدين قفلت. رحيم ما عرفش دي موافقة ولا رفض. قعد في ركن بعيد في اللوبي، خمس دقايق، عشر دقايق، خمستاشر، بدأ يقتنع إنها مش هتنزل، وبعدين باب الأسانسير اتفتح، رفع عينه، واتجمد.. سلمى كانت خارجة منه، لابسة هدوم واسعة بسيطة، شعرها مربوط بسرعة، وشها باهت، وتحت عينيها هالات غامقة ما كانتش موجودة بالشكل ده آخر مرة شافها، وخست بشكل واضح.


رحيم قام، لكن ما اتحركش ناحيتها، سابها هي تقرر المسافة. سلمى قربت، وقفت قدامه.


سلمى :


-أهو نزلت.




رحيم ما عرفش يقول إيه للحظة، سلمى لاحظت نظرته.


سلمى :


-ما تبصليش كده.




رحيم:


-ببص لك إزاي؟




سلمى :


-كإني عيانة.




رحيم :


-إنتِ مش كويسة.




سلمى :


-أنا كويسة.




رحيم :


سلمى...




سلمى:


قُلت كويسة.




صوتها علي في آخر كلمة، كام شخص في اللوبي بصوا ناحيتهم. سلمى أخذت بالها، وشها اتوتر أكثر، رحيم أشار ناحية ركن هادي، لكنه مفتوح قدام الناس.


رحيم :


-نقعد؟




قعدت، هو قعد قدامها، ما قعدش جنبها. فضل بينهم ترابيزة كاملة.


رحيم :


-أنا آسف.




سلمى :


-على إيه؟




رحيم :


-إني ما اتصلتش.




سلمى :


-عادي.




رحيم :


-مش عادي.




سلمى :


-عندك حياتك.




رحيم :


-وإنتِ؟




ضحكت ضحكة صغيرة غريبة.


سلمى :


-أنا إيه؟




رحيم :


-عندك حياة؟




السؤال سكتها، بصت ناحية باب الفندق، ناس داخلة، ناس خارجة، راجل شايل شنطة، ست ماسكة إيد بنتها، موظف بيضحك مع نزيل، الحياة ماشية عادية جدًا، وسلمى كأنها بتتفرج عليها من ورا إزاز.


رحيم :


-إنتِ ليه مش بتنزلي؟




سلمى :


-مش عايزة.




رحيم :


-والأكل؟




سلمى :


-مش بجوع.




رحيم :


-من إمتى؟




سلمى :


-ما أعرفش.




رحيم :


-بتنامي؟




السؤال ده بالذات عمل حاجة فيها. رحيم شافها، صوابعها اللي كانت فوق بعضها اتحركت.


سلمى :


-آه.




رحيم :


-سلمى.




سلمى :


-إيه؟




رحيم :


-بتنامي؟




فضلت باصة قدامها وبعدين قالت :


-مش بعرف.




رحيم :


-ليه؟




ما ردتش.


رحيم :


-كوابيس؟




سلمى هزت رأسها :


-مش بس...


سكتت شوية.


سلمى :


-أنا بخاف أنام.




رحيم ما اتكلمش، سابها تكمل براحتها.


سلمى :


-كل ما أغمض عيني...


بلعت ريقها.


سلمى :


-أسمع صوت في الطرقة.




رحيم :


-صوت إيه؟




سلمى :


-أي صوت.




بصت له.


سلمى :


-أي حاجة... واحد ماشي، باب بيتفتح، الأسانسير يقف في الدور، عربية التنظيف تعدي، حد يتكلم، حتى صوت مفتاح في باب أوضة ثانية...




صوتها بدأ يترعش.


سلمى :


-بحس إن حد جاي عندي.




رحيم ما تحركش.


سلمى :


-أفضل باصة للباب، أقول لنفسي مافيش حاجة، أقول ده فندق، فيه ناس، فيه كاميرات، فيه أمن.




صمتت.


سلمى :


-بس جسمي ما بيصدقنيش.




الجملة وجعت رحيم، سلمى رفعت إيديها، كانوا بيرتعشوا فعلًا.


سلمى :


-شوف.




بص لإيديها.


سلمى :


-أنا ببقى عارفة إن مافيش حد. فاهم؟




رحيم :


-فاهم.




سلمى :


-لأ، مش فاهم.




بدأت دموعها تنزل.


سلمى :


-أنا عارفة بعقلي إن مافيش حد.




مسحت دمعة بعصبية وكملت :


-بس أول ما أسمع خطوة برا، جسمي كله بيقولي إهربي.




نزلت دمعة ثانية.


سلمى :


-أهرب فين؟




صوتها انكسر :


-أنا أصلًا جوه أوضة مقفولة.




رحيم نزل عينه لحظة، مش عارف يقول لها إيه.


سلمى :


-بقيت أحط الكرسي ورا الباب.




رفع عينه لها.


سلمى :


-عارفة إنه غباء.




رحيم :


-مش غباء.




سلمى :


-بحطه كل ليلة.




سكتت.


سلمى :


-وبعدين أفضل قاعدة على السرير، ساعات للصبح، ولو نمت، باصحى مفزوعة وأبص على الباب.




مسحت وشها وقالت :


-أنا تعبت.




الجملة خرجت صغيرة جدًا كأنها أول مرة تسمح لنفسها تقولها.


سلمى :


-أنا تعبت أوي.




رحيم حس إن أي كلمة مواساة هيقولها هتبقى سخيفة، ما قالش «هتبقي كويسة»، ما قالش «إنسي»، ولا قال «الوقت هيعالج». قال :


-إنتِ محتاجة مساعدة.




سلمى ضحكت وسط دموعها.


سلمى :


-كل الناس بتقول لي كده.




رحيم :


-المرة دي مش قصدي فلوس ولا شقة.




بص لها.


رحيم :


-قصدي حد متخصص يساعدك.




سلمى :


-دكتور نفسي؟




رحيم :


-آه.




سلمى :


-علشان أنا مجنونة؟




رحيم :


-لأ.




قالها فورًا.


رحيم :


-علشان اللي حصل لك مش قليل.




سلمى سكتت.


رحيم :


-وعلشان مش لازم تعيشيه لوحدك.




خرج رحيم من الفندق وهو غضبان، مش من سلمى، ولا حتى من الفندق زي ما كان من ساعة، كان غضبان من نفسه، ومن عمر، ومن خالد، ومن كل واحد شارك في إن بنت كانت أكبر مشكلة في حياتها من شهرين إنها تدفع إيجار بيتها، تبقى النهارده خايفة تنام علشان صوت خطوات في طرقة فندق.


ركب عربيته، لكن ما شغلهاش، طلع موبايله واتصل بعمر.




عمر رد بعد شوية :


-أيوه؟




رحيم :


-إنت فين؟




عمر :


-عند يوسف.




رحيم :


-كنت عند سلمى.




الصمت جه من الناحية الثانية فورًا.


عمر :


-مالها؟




رحيم :


-إنت آخر مرة كلمتها إمتى؟




عمر :


-هي مش عايزة تشوفني.




رحيم :


-ما سألتكش عايزة تشوفك ولا لأ.




عمر :


-أمال؟




رحيم :


-سألتك آخر مرة عرفت أخبارها إمتى؟




عمر سكت.


رحيم :


-البنت بقالها فترة ما بتطلعش من أوضتها.




عمر اعتدل في مكانه.


عمر :


-يعني إيه؟




رحيم :


-يعني مش بتاكل كويس، مش بتنام، بتخاف من أي صوت في طرقة الفندق.




عمر :


-إيه؟




رحيم :


-بتحط كرسي ورا الباب بالليل يا عمر.




مافيش رد.


رحيم :


-سمعتني؟




عمر :


-آه.




رحيم :


-بتحط كرسي ورا الباب علشان خايفة حد يدخل عليها.




عمر قفل عينه، وصوت الدكتور رجع في دماغه :


«بالنسبة لها ممكن يكون الفرق بين إنها تحس إن جسمها ومكانها تحت سيطرتها... أو لأ.»




عمر :


-أنا أعمل إيه؟




رحيم :


-تتحمل مسؤوليتك.




عمر :


-يعني؟




رحيم :


-تنزل الشركة.




عمر اتفاجئ :


-إيه علاقة الشركة؟




رحيم :


-علاقتها إنك لازم ترجع تعيش.




عمر :


-أنا مش...




رحيم قاطعه :


وتبطل قعدة يوسف وتتابع علاجك وتشتغل، وتواجه المصيبة اللي حصلت بدل ما كل واحد فينا شايل حتة منك وإنت قاعد تتفرج.




عمر :


-وبعدين؟




رحيم سكت لحظة.


رحيم :


-وتعيش مع سلمى.




عمر قام من مكانه فورًا.


عمر :


-إنت اتجننت؟!




رحيم :


-لأ.




عمر :


-إنت سامع نفسك؟!




رحيم :


-سامع.




عمر :


-البنت بتخاف من صوت خطوات في طرقة وإنت عايز تحطها في شقة معايا؟!




رحيم :


-عايز أحطك قدام مسؤوليتك.




عمر :


-دي مش مسؤولية، دي عقاب ليها.




رحيم :


-يبقى اتعلم ما تبقاش عقاب.




الجملة سكتت عمر لحظة.


عمر :


-لأ.




رحيم :


-عمر...




عمر:


-قُلت لأ.




رحيم :


إسمعني.




عمر :


-مش هعيش معاها.




رحيم :


-إنت جوزها.




عمر :


-غصب عنها.




صوته علي :


-جوزها غصب عنها وغصب عني.




رحيم :


-بس اللي حصل حصل.




عمر :


-وعلشان حصل أكمّل عليها؟!




رحيم :


-مين قال لك تقرب منها؟




عمر :


-مجرد وجودي هيخوفها.




رحيم :


-يبقى خلي وجودك يبطل يخوفها.




عمر :


-إزاي؟!




رحيم :


-ماعرفش.




علي صوت رحيم هو كمان.


رحيم :


-بس حاول مرة في حياتك تصلح حاجة بدل ما تهرب منها.




عمر سكت.


رحيم :


-شقة كبيرة، أوضة ليك وأوضة ليها، كل واحد له مساحته، مفتاح أوضتها معاها هي لوحدها، ما تدخلش عليها، ما تلمسهاش، ما تقربش منها إلا لو هي سمحت.




عمر :


-وهي أصلًا هتوافق؟




رحيم :


-دي أهم نقطة.




سكت.


رحيم :


-لو قالت لأ، يبقى لأ.




عمر :


-يبقى الموضوع خلص.




رحيم :


-لأ، ما خلصش.




عمر :


-يعني هتجبرها؟




رحيم :


-أنا ما قلتش كده.




صوت رحيم هدي شوية :


-أنا هعرض عليها حل وهي تختار.




عمر :


-وأنا بقول لك لأ.




رحيم :


-وإنت اختيارك مش إنك تختفي.




عمر :


-رحيم...




رحيم :


الدكتور قال لك إيه النهارده؟




عمر سكت، رحيم كان عارف من يوسف إنه راح.


رحيم :


-قال لك اهرب؟




مافيش رد.


رحيم :


-قال لك أقعد عند يوسف لحد ما سلمى تتعالج لوحدها وإنت تتعالج لوحدك وكل واحد يعمل نفسه إن الثاني مش موجود؟




عمر :


-إنت ما تعرفش قال إيه.




رحيم :


-طيب قُلي.




عمر ما ردش.


رحيم :


-أنا مش بقولك روح حبها، ولا بقولها تسامحك، ولا بقولكم مثلوا دور زوجين.




سكت.


رحيم :


-أنا بقول لك اتحمل مسؤولية وجودك في حياتها.




عمر :


-وهي لو شافتني كل يوم هتفتكر.




رحيم :


-هي أصلًا فاكرة كل يوم.




الجملة نزلت عليه ثقيلة.


رحيم :


-إنت فاكر إن الفندق مخليها تنسى؟




عمر سكت.


رحيم :


-هي لو وافقت، إنت هتعيش معاها بالشروط اللي تخليها آمنة، ولو قالت لك ما تبصليش، ما تبصلهاش، ولو قالت ما تكلمنيش، ما تكلمهاش، ولو قفلت بابها عليك، تفضل واقف بره.




عمر :


-مش قادر.




رحيم :


-حاول.




عمر :


قُلتلك مش قادر.




رحيم :


-وأنا بقول لك هي كمان مش قادرة.




سكتوا الاثنين، وبعدين رحيم قال بهدوء :


-بس الفرق إن هي ما اختارتش أي حاجة من اللي حصلت لها.




وقفل.


عمر فضل واقف والموبايل في إيده، يوسف كان في المطبخ، سمع جزء من المكالمة، لكن لما خرج، ما سألوش. بص لعمر بس.


عمر :


-ما تبصليش كده.




يوسف :


-ما قلتش حاجة.




عمر :


-عينيك قالت.




يوسف :


-عيني ما بتتكلمش.




عمر :


-من إمتى؟




يوسف ابتسم ابتسامة خفيفة، لكن عمر ما ابتسمش. راح ناحية الشباك.


عمر :


-عايزني أعيش معاها.




يوسف فهم فورًا مين.


يوسف :


-وهي عايزة؟




عمر :


-لسه هيسألها.




يوسف :


-يبقى نستنى إجابتها.




عمر لف له.


عمر :


-إنت شايف ده طبيعي؟




يوسف :


-لأ.




عمر :


-أمال؟




يوسف :


-مافيش حاجة في اللي إحنا فيه طبيعية يا عمر.




سكت.


يوسف :


-بس لو هي وافقت...




عمر :


-أنا مش هوافق.




يوسف :


-ليه؟




عمر بصله كأنه السؤال مستفز.


عمر :


-إنت بتسألني ليه؟




يوسف :


-آه.




عمر :


-علشان بتخاف مني.




يوسف :


-وإنت؟




عمر :


-أنا إيه؟




يوسف :


-بتخاف من نفسك؟




عمر ما ردش، أخذ مفاتيحه.


يوسف :


-رايح فين؟




عمر :


-ألف بالعربية.




يوسف :


-عمر...




عمر :


-مش رايح أجيب حاجة.




فهم يوسف قصده.


عمر :


-بس محتاج أبقى لوحدي.




يوسف :


إرجع.




عمر :


-هرجع.




رجع بعد حوالي ساعة، فتح باب شقة يوسف، دخل وهو بيخلع الجاكيت.


عمر :


-يوسف؟




مافيش رد، دخل أكثر وبعدين وقف، كان فيه حد قاعد في الصالة، ظهرها مستقيم، شنطتها جنبها، ووشها جامد بالشكل اللي عمر حافظه كويس..شويكار.


عمر قفل الباب وراه.


عمر :


-إنتِ بتعملي إيه هنا؟




شويكار :


-مستنياك.




عمر :


-عرفتِ منين إني هنا؟




شويكار :


-هو ده المهم؟




عمر :


-بالنسبة لي آه.




شويكار :


-يوسف سمح لي أدخل.




عمر :


يوسف فين؟




شويكار :


-نزل.




فهم فورًا إن يوسف سابهم لوحدهم عمدًا عمر رمى المفاتيح على الترابيزة.


عمر :


-لو جاية علشان تقنعيني أرجع القصر، وفري كلامك.




شويكار :


-مش جاية علشان القصر.




عمر :


أمال؟




شويكار بصت له.


شهر كامل، ويمكن دي أول مرة يقعدوا فيها قدام بعض بالشكل ده، من غير مستشفى، من غير رحيم، من غير رؤوف، من غير حد يفصل بينهم.


شويكار :


-شكلك أحسن.




عمر ضحك بسخرية.


عمر :


-دي مقدمة لإيه؟




شويكار :


-لازم كل كلامي يبقى وراه حاجة؟




عمر :


-آه.




الكلمة طلعت أسرع مما توقع، وشويكار اتوجعت منها، بس ما بينتش.


شويكار :


-رحت للدكتور؟




عمر بص لها.


عمر :


-مين قال لك؟




شويكار :


-مش مهم.




عمر :


-طبعًا.




شويكار :


-إيه اللي طبعًا؟




عمر :


-مافيش حاجة في حياتي بتفضل ليا.




شويكار :


-أنا أمك.




عمر :


-وده بيديكِ الحق تعرفي كل حاجة؟




شويكار :


-لما إبني بيضيع من قدامي، آه.




عمر :


-أنا مش بضيع.




شويكار :


-إنت ضايع من سنين يا عمر.




الجملة خلت الجو يتغير.


عمر :


-لو جاية تتخانقي، أنا تعبان.




شويكار :


-وأنا مش جاية أتخانق.




عمر :


-أمال جاية ليه؟




شويكار أخذت نفس، وبعدين قالت :


-علشان أصلح غلطة.




عمر ابتسم بسخرية :


-أنهي واحدة فيهم؟




شويكار تجاهلت :


-أنا فكرت الشهر اللي فات كثير.




عمر :


-مبروك.




شويكار :


-ممكن تسمعني من غير سخافة؟




عمر :


-قولي.




شويكار :


-الجوازة دي لازم تنتهي.




عمر ما فهمش في الأول، أو يمكن فهم، بس عقله رفض يستوعب بسرعة.


عمر :


-جوازة إيه؟




شويكار :


-جوازك من سلمى.




سكت.


شويكار :


-طلقها.




عمر فضل باصص لها.


شويكار :


-الموضوع من البداية غلط، لا إنت اخترتها، ولا هي اختارتك، واللي حصل بينكم مستحيل يتبني عليه بيت.




عمر :


-كملي.




شويكار :


-نديها مبلغ محترم.




عمر ما اتحركش.


شويكار :


-يكفيها تبدأ حياة جديدة، بيت، شغل لو عايزة، أي حاجة تحتاجها.




عمر :


-قرشين يعني؟




شويكار :


-ما تقللش من كلامي.




عمر :


-أنا؟




ضحك.


عمر :


-أنا اللي بقلل؟




شويكار :


-أنا بحاول أحل الموضوع.




عمر :


-بفلوس؟




شويكار :


-بالطريقة الواقعية.




عمر:


-يعني أطلقها...


وأشار بإيده كأنه بيرمي حاجة.


عمر :


-ونرمي لها قرشين.




شويكار :


-أنا ما قلتش نرمي.




عمر :


-بس ده قصدك.




شويكار :


-قصدِي إن كل واحد يرجع لحياته.




عمر بص لها كام ثانية وبعدين سأل :


وهي ترجع لأنهي حياة؟




شويكار سكتت.


عمر :


-بيتها اللي أخوها سابه؟ ولا أخوها اللي باعها؟ ولا شغلها اللي راحت منه؟ ولا جسمها اللي بقى يخاف من صوت باب بيتفتح؟




شويكار :


-عمر...




عمر :


-تعرفي إنها بتحط كرسي ورا باب أوضة الفندق قبل ما تنام؟




اتغير وش شويكار، واضح إنها ما كانتش تعرف.


عمر :


-أنا عرفت النهارده.


سكت لحظة.


عمر :


-وبعد كل ده إنتِ جاية تقولي لي نديها فلوس وتمشي؟




شويكار :


-وأنت عايز إيه؟




عمر :


-ماعرفش.




شويكار :


-تحبها؟




عمر اتصدم من السؤال.


عمر :


-إيه؟




شويكار :


-سؤال واضح.




عمر :


-إنتِ مجنونة؟




شويكار :


-يبقى مافيش سبب يخليك تكمل الجوازة.




عمر :


-وهي لو مش عايزة الطلاق؟




شويكار :


-هتوافق.




عمر :


-عرفتِ منين؟




شويكار :


-لأن أي واحدة مكانها هتوافق.




عمر :


-مش إنتِ اللي تقرري مكانها.




شويكار سكتت، وعمر نفسه انتبه للجملة بعد ما قالها، من شهر واحد كان يمكن هو أول واحد يتكلم عنها كأنها مشكلة لازم تتحل، دلوقتي لأول مرة كان بيدافع عن حقها هي في القرار.




شويكار :


-إنت رافض تطلقها؟




عمر :


-أنا ما قلتش كده.




شويكار :


-أمال بتقول إيه؟




عمر :


-بقول نسألها.




شويكار :


-ولو قالت لأ؟




عمر سكت.


شويكار :


-لو سلمى قالت لك إنها عايزة تفضل مراتك، هتعمل إيه؟




عمر ما جاوبش، وشويكار قامت، أخذت شنطتها.


شويكار :


-فكر.




إتحركت ناحية الباب، لكن عمر قال :


-ماما.




وقفت.. الكلمة نفسها وقفتها لأن عمر ما قالهاش من وقت طويل، ما التفتتش فورًا، عمر كان واقف وراها وشه متغير.


عمر :


-إنتِ عايزة أطلق سلمى علشان اللي حصل لها؟




شويكار لفت له.


عمر :


-ولا علشان عرفتِ هي بنت مين؟




الصمت وقع بينهم فجأة، وشويكار لأول مرة من ساعة ما دخلت الشقة ماعرفتِش ترد بسرعة. عمر شافها، شاف اللحظة الصغيرة اللي عينيها اتحركت فيها بعيد عنه، وقتها بس، فهم إن السؤال اللي رماه من غير ما يكون متأكد أصاب مكانه.


قرب خطوة.


عمر :


-إنتِ عرفتِ حاجة عن أبوها؟




شويكار :


-عمر...




عمر :


-إيه علاقة أبو سلمى بأبويا؟




وشويكار فضلت ساكتة، لكن قبل ما ترد موبايلها رن، بصت للشاشة، رقم مش متسجل، كانت هتقفله، لكن رسالة وصلت في نفس اللحظة، فتحتها، وشها اتغير.


عمر :


-فيه إيه؟




ما ردتش، قرب منها، شويكار قفلت الشاشة بسرعة.


عمر :


-مين؟




شويكار :


-محدش.




عمر :


-وريني.




شويكار :


-عمر، إبعد.




لكن قبل ما تحط الموبايل في شنطتها، وصلت رسالة ثانية، والمرة دي ظهر جزء منها على الشاشة، عمر لحق يقرأ سطر واحد بس :


«لو عايزة تعرفي رؤوف خبّى عنك إيه طول السنين دي...»




شويكار رفعت عينيها لعمر، وعمر بص لها، وفي ثانية واحدة بقى موضوع طلاق سلمى أصغر سؤال في الأوضة، لأن الرسالة كملت :


«إسأليه مين كان آخر واحد شاف أبو سلمى حي.»




واضح إن الماضي قرر يرجع بنفسه... 


بس السؤال دلوقتي:


ليه رؤوف خايف من أبو سلمى للدرجة دي؟


مستنية تحليلاتكم، وممنوع حد يقرأ ويهرب في صمت 

يتبع...


           الفصل الواحد والثلاثون من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة