
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم إنا نستودعك أنفسنا وأهلنا وأحبابنا، فاحفظنا بعينك التي لا تنام، واكفنا شر ما نعلم وشر ما لا نعلم.
اللهم إن كان حولنا من يُظهر لنا الخير ويُخفي لنا الشر، فاكشفه لنا قبل أن يصل أذاه إلينا، وإن كان في طريقنا أمر لا نرى عاقبته، فاختر لنا ولا تخيّرنا، واصرف عنا ما يؤذينا وإن تعلقت به قلوبنا.
اللهم لا تجعل ثقتنا في أحد بابًا لكسرنا، ولا طيبتنا طريقًا لاستغلالنا، ولا ضعفنا لحظةً يستقوي بها علينا أحد.
اللهم احفظنا من تدبير البشر حين يسوء التدبير، ومن خيانة القريب، ومن غدر الصديق، ومن شر يأتي في ثوب النصيحة والمساعدة.
وإن ضاقت بنا الطرق، فافتح لنا طريقًا من عندك، وإن عجزنا عن رؤية الحقيقة، فأرناها بنورك، وإن أحاط بنا الخوف، فاجعل لنا من لطفك أمانًا.
واجبر قلوبًا لا يعلم وجعها إلا أنت، واشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وارزق كل من يقرأ كلماتي أمنية طال انتظارها، وخبرًا جميلًا يغير يومه وحياته إلى أجمل مما تمنى.
اللهم آمين يا رب العالمين. 🤲❤️
أحيانًا...
المصيبة ما بتيجيش فجأة.
بتدخل حياتنا خطوة خطوة.
إشارة صغيرة نتجاهلها...
إحساس غريب نقول يمكن إحنا بنتوهم...
شخص قلبنا مش مطمن له، لكن عقلنا يفضل يدور له على ألف عذر.
لحد ما تيجي اللحظة اللي نفهم فيها إن إحساسنا من البداية كان صح...
بس بعد فوات الأوان.
سلمى شايفة حاجة محدش غيرها شايفها.
شايفة هدوء خالد اللي مش مطمنها.
شايفة نظراته.
شايفة اهتمامه الغريب بعمر.
وشايفة إن وجودها الليلة دي في شقة عمر...
مش صدفة.
لكن المشكلة مش في إنها عرفت إن فيه مصيبة جاية.
المشكلة...
هل لسه عندها وقت توقفها؟
_الفصل السادس عشر_
في شقة عمر...
فضل عمر واقف مكانه، والحباية مستقرة في كف إيده، عينيه عليها وعقله، رغم الصداع اللي كان بيضرب في راسه، متعلق بكلام سلمى :
"بلاش يا عمر بيه."
رفع عينه وبصلها، كانت واقفة قدامه، وشها متغير، وعينيها فيها خوف أكبر من مجرد خوف على واحد عنده صداع.
عمر:
مالك؟
سلمى فتحت بقها.
سلمى :
أنا...
لكن خالد دخل بينهم بسرعة.
خالد :
يا عم مالك مركز معاها كده ليه؟ البت موسوسة من وهي صغيرة.
سلمى بصت له بحدة.
سلمى :
أنا مش بكلمك.
خالد :
وأنا أخوكِ وبقولك إهدي.
سلمى :
وأنا قلت لعمر بيه ما ياخذش منك حاجة.
عمر حط إيده على جبينه وضغط عليه، صوتهم الاثنين كان بيزود الصداع.
عمر :
بس بقى...
سلمى سكتت.
عمر :
دماغي مش مستحملة صوت.
خالد قرب منه.
خالد :
خذها وهترتاح.
عمر بص للحباية مرة تانية.
سلمى :
عمر بيه...
عمر رفع إيده ناحيتها.
عمر :
سلمى، لو سمحتي، بس.
نسرين بلعجيلي
الجملة وقفتها. فضلت باصة له وهي حاسة إن فيه حاجة بتحصل قدامها، وحاسة أكثر إنها الوحيدة اللي شايفاها، لكنها مش عارفة تثبتها. عمر أخذ كوباية المية من على الترابيزة، وسلمى عينيها اتسعت.
سلمى :
بلاش...
لكن عمر كان خلاص عايز يخلص من الصداع ومن الكلام، ومن اليوم كله. وبعدها رجع بظهره للكنبة وغمض عينيه.
خالد بص له، وبعدين بص لسلمى، إبتسامة صغيرة جدًا عدت على وشه، صغيرة لدرجة إن عمر ما شافهاش، لكن سلمى شافتها وقلبها انقبض.
مرت كام دقيقة، خالد قاعد بمنتهى الهدوء، عمر ساكت وسلمى واقفة بعيد، رافضة حتى تدخل المطبخ، كل تركيزها كان على أخوها.
بعد شوية، عمر فتح عينيه، بص حواليه كأنه بيحاول يركز، وبعدين حط إيده على راسه.
عمر :
أنا...
خالد :
مالك؟
عمر حاول يقوم، لكن جسمه ما ساعدوش. رجع قعد ثاني.
سلمى اتحركت ناحيته فورًا.
سلمى :
عمر بيه؟
عمر :
أنا دايخ.
سلمى لفت لخالد.
سلمى :
إنت اديته إيه؟!
خالد :
يا بنتي مسكن.
سلمى :
مسكن إيه اللي يخليه كده؟
خالد :
هو أصلا راجع مهدود.
عمر حاول يفتح عينيه كويس.
عمر :
خالد...
خالد قرب منه.
خالد :
أنا هنا يا باشا.
عمر :
وديني...
وسكت.راسه مالت لورا.
سلمى :
عمر بيه..
خالد مسكه قبل ما جسمه يميل.
خالد :
إهدى يا عم.
وبص لسلمى.
خالد :
بدل ما إنت واقفة تتفرجي، إفتحي باب أوضته.
سلمى :
أنا هطلب له دكتور.
خالد رفع عينه ليها بسرعة.
خالد :
دكتور إيه؟
سلمى :
مش شايف حالته؟
مدت إيدها للموبايل، لكن خالد مسك إيدها، سلمى بصت له.
سلمى :
سيبني.
خالد بص في عينيها.
خالد :
قُلتلك إفتحي باب الأوضة.
سلمى :
إنت اديته إيه يا خالد؟
ملامح خالد اتشدت.
خالد :
سلمى.. ما تخلينيش أتعصب عليكِ، إفتحي الباب.
سلمى فضلت باصة له لحظة وبعدين بصت لعمر، كان شبه غايب عن الدنيا، الخوف دخل قلبها أكثر، لكنها اتحركت ناحية الأوضة وفتحت الباب، خالد سند عمر ودخله، أما سلمى فوقفت عند باب الأوضة وعينيها ما فارقتش أخوها، لأن إحساس واحد كان مسيطر عليها، خالد ما جاش هنا علشان يساعد عمر، خالد كان مستني اللحظة دي من قبل ما يدخل الشقة.
وفي شركة الألفي...
كانت شويكار قاعدة في مكتبها من بعد الظهر، قدامها فنجان قهوة برد من غير ما تقرب له، وملفات مفتوحة على المكتب، لكن عينيها ما كانتش شايفة ولا رقم فيهم، كانت متعصبة من نفسها ومن ولادها، من عمر بالتحديد. كل ما تفتكر اللي حصل الصبح في الاجتماع، تحس إن دمها بيغلي من جديد. رجعت بظهرها للكرسي وسرحت.
من كام ساعة...
كانت قاعة الاجتماعات الكبيرة مليانة بمديري الإدارات، رحيم قاعد في أول الترابيزة قدامه اللابتوب ومجموعة ملفات، حسام على الناحية الثانية، بيتابع الأرقام اللي قدامه، وعمر كان قاعد بعيد شوية، ساكت، لكن من أول ما شويكار دخلت القاعة عرف إن اليوم مش هيعدي على خير.
دخلت بخطوات ثابتة، الكل وقف تقريبا.
شويكار :
صباح الخير.
ردوا عليها، قعدت على رأس الترابيزة كأنها لسه صاحبة القرار الأول والأخير في المكان. رحيم رفع عينه لها.
رحيم :
خير يا ماما؟
شويكار :
خير إن شاء الله. أنا طلبت الاجتماع ده علشان واضح إن فيه حاجات كثير في الشركة محتاجة تتظبط.
عمر بص لحسام، حسام لاحظ نظرته لكنه تجاهلها. شويكار فتحت الملف اللي قدامها.
شويكار :
أولا، المشروع الجديد، أنا شُفت الميزانية اللي اتحطت له، وفيه مصاريف كثير مش مقتنعة بيها.
رحيم :
الميزانية اتراجعت أكثر من مرة.
شويكار :
اتراجعت من مين؟
رحيم :
مني.
شويكار :
وأنا بقول تتراجع ثاني.
رحيم سكت، شويكار كملت بمنتهى الثقة :
وثانيا، المناقصات الجاية مافيش عرض يطلع من الشركة قبل ما يعدي عليا.
حسام :
حتى العروض اللي رحيم بيعتمدها؟
شويكار بصت له.
شويكار :
قلت مافيش عرض يطلع قبل ما أشوفه.
عمر كان ساكت، لكن رجله بدأت تتحرك بعصبية تحت الترابيزة.
شويكار :
حسام، السفرية اللي كنت طالبها تتأجل.
حسام عقد حواجبه.
حسام :
سفرية إيه؟
شويكار :
باريس.
حسام :
دي مش سفرية شغل أصلا.
شويكار :
عارفة.
حسام :
أمال دخلها إيه في الاجتماع؟
شويكار :
لأن عندنا شغل، ولارا ممكن تستنى.
حسام أخذ نفس طويل، رحيم تدخل بسرعة.
رحيم :
ماما، خلينا في الشركة.
شويكار :
ما أنا في الشركة.
وبعدين بصت لعمر.وسكتت ثانيتين. عمر رفع عينه ليها.
شويكار :
أما إنت...
عمر ابتسم ابتسامة صغيرة.
عمر :
كنت مستني دوري.
رحيم بص له.
رحيم :
عمر.
عمر :
إيه؟ ساكت أهو.
شويكار تجاهلت طريقته.
شويكار :
من بكرة هتبقى موجود الساعة ثمانية ونص.
عمر :
ليه؟
شويكار :
يعني إيه ليه؟
عمر :
يعني شغلي بيبدأ تسعة.
شويكار :
أنا عايزاك هنا ثمانية ونص.
عمر :
وأنا هاجي تسعة.
سكتت القاعة. واحد من المديرين نزل عينه في الورق بسرعة. شويكار بصت لعمر.
شويكار :
إحنا بنتناقش؟
عمر :
ما هو واضح إننا مش بنتناقش، إنتِ بتدي أوامر.
شويكار :
وأوامري في الشركة طول عمرها بتتنفذ.
عمر :
يمكن دي المشكلة.
رحيم رفع عينه له.
رحيم :
عمر، مش قدام الموظفين.
عمر :
هو أنا اللي جبت الموظفين؟
بص لأمه.
عمر :
هي اللي عاملة اجتماع عائلي وسط الشركة.
شويكار :
خلي بالك من طريقتك.
عمر ضحك.
عمر :
أهو ده اللي وحشني:
"خلي بالك."
"إعمل."
"ما تعملش."
"روح."
"تعالى."
"أقعد."
"قوم."
شويكار :
عمر!
عمر :
نعم يا ماما؟
شويكار :
إنت رجعت الشركة علشان تشتغل، مش علشان تعمل فيها بطل.
عمر :
وأنا شغال.
شويكار :
لأ، إنت لسه بتتعامل مع المكان كإنك جاي تزورنا، يوم تيجي بدري ويوم تتأخر، مرة تمسك ملف، ومرة تختفي. الشركة مش لعبة على مزاجك.
عمر :
وأنا ما قلتش إنها لعبة.
شويكار :
أمال، إثبت.
عمر :
أثبت لمين؟
شويكار :
ليا.
عمر ضحك، لكن المرة دي ضحكته كانت مستفزة.
عمر :
وأنا ليه أثبتلك حاجة؟
شويكار اتجمدت.
شويكار :
لأن دي شركة العيلة.
عمر :
مش شركتك لوحدك.
شويكار :
وأنا اللي حافظت عليها لما كان أبوك عاجز حتى إنه ينزلها.
رحيم ضرب القلم على الترابيزة.
رحيم :
ماما..
شويكار سكتت، لكن الكلمة كانت خرجت، عمر بص لها طويلًا، حسام اتعدل في قعدته، شويكار حاولت ترجع للملفات.
شويكار :
أنا بتكلم عن الشغل.
عمر :
لأ، إنتِ طول عمرك مش بتتكلمي عن الشغل بس، إنتِ بتتكلمي عن حياتنا كلها كأنها جزء من الشركة.
شويكار :
إيه الكلام الفاضي ده؟
عمر :
مش فاضي. رحيم اتجوز مين، حسام يسافر إمتى، وأنا أصحى الساعة كام، وكل واحد فينا يعمل إيه، حتى حبيبة...
سكت فجأة، ملامح رحيم اتغيرت، وعمر نفسه عرف إنه لمس جرح لسه مفتوح. شويكار بصت له.
شويكار :
ما تدخلش حبيبة في الكلام.
عمر :
ليه؟ علشان المرة دي النتيجة ظهرت قدامك؟
شويكار :
عمر..
عمر :
إيه؟ مش ده اللي حصل؟ إنتِ طول عمرك فاكرة إنك أدرى من كل الناس، حتى لما الناس دي تبقى أصحاب حياتهم.
شويكار قامت من مكانها.
شويكار :
أنا عملت كل حاجة في حياتي علشانكم.
عمر قام هو كمان.
عمر :
وإحنا طلبنا منك إيه؟!
الصوت دوى في القاعة، الكل سكت. عمر كان وشه أحمر من العصبية.
عمر :
حد فينا طلب منك تتحكمي في كل نفس بناخذه؟ حد طلب منك تختاري لنا حياتنا؟ حد طلب منك تفضلي واقفة فوق دماغنا لحد ما بقينا رجالة ولسه مستنيين موافقتك؟
شويكار :
أنا أمك.
عمر :
بالظبط
أمي، مش مديرتي، مش صاحبتي ومش مالكة حياتي.
شويكار قربت منه.
شويكار :
أنا لو كنت سيبتك تعمل اللي إنت عايزه من زمان كنت ضعت.
عمر إبتسم بمرارة.
عمر :
هو أنا ما ضعتش؟
السؤال سكتها، حتى رحيم بص لأخوه، عمر كمل بصوت أهدى.
عمر :
إنتِ فاكرة إن علشان الواحد لسه بيتنفس، يبقى ما ضاعش؟
شويكار عينيها اتحركت على وشه، للحظة بان عليها الوجع، لكن كالعادة غطته بالغضب.
شويكار :
ما تلعبش دور الضحية معايا.
عمر ضحك.
عمر :
عارفة، دي بالظبط مشكلتك، إن أي وجع مش على مزاجك بتسميه دلع، وأي اعتراض بتسميه تمرد، وأي حد يقولك لأ، يبقى جاحد.
أخذ ملفه من على الترابيزة.
رحيم :
عمر، أقعد.
عمر :
مش قادر يا رحيم.
حسام :
إستنى نخلص الاجتماع.
عمر بص لأمه.
عمر :
أنا خلصت.
شويكار
: لو خرجت من الباب ده وإحنا بنتكلم، ما تلومش غير نفسك.
عمر وقف، الجملة رجعته سنين لورا، نفس النبرة، نفس التهديد، نفس الإحساس إنه طفل واقف قدام أمه ومستني يعرف العقاب. لكن المرة دي لف لها.
عمر :
هو ده اللي أنا بحاول أقولهولك من الصبح، أنا مش خايف من عقابك ثاني.
وخرج.
الباب اتقفل وراه بعنف.
إنتهى الفلاش باك...
شويكار رجعت للحاضر على صوت خبط خفيف على باب مكتبها، لكنها ما ردتش، فضلت عينيها ثابتة قدامها. أكثر جملة كانت بتلف في دماغها ما كانتش إهانة عمر، ولا صوته العالي، ولا خروجه قدام الموظفين، كانت جملة واحدة:
"هوأنا ما ضعتش؟"
لأول مرة شويكار سألت نفسها سؤال عمرها ما سمحت له يدخل دماغها :
يمكن سيطرتها اللي كانت طول عمرها بتسميها حماية ما حمتش ولادها زي ما كانت فاكرة. يمكن كانت واحدة من الحاجات اللي كل واحد فيهم بيحاول يهرب منها بطريقته.
الخبط على الباب اتكرر، شويكار فاقت من شرودها.
شويكار :
أدخل.
الباب اتفتح، وكان حسام. دخل بهدوء، وقفل الباب وراه، شويكار بصت له.
شويكار :
خير؟
حسام :
كنت ماشي قلت أشوفك قبل ما أروح.
شويكار :
ماشي بدري ليه؟
حسام بص في ساعته.
حسام :
بدري؟ الساعة عدت سبعة يا ماما.
شويكار بصت للساعة كأنها ماخذتش بالها إن الوقت عدى. حسام قرب وقعد قدامها، فضل ساكت شوية.
شويكار :
عايز تقول إيه يا حسام؟
حسام :
ولا حاجة.
شويكار :
لأ، إنت لما بتقعد ساكت بالشكل ده بيبقى عندك كلام.
حسام إبتسم.
حسام :
ما هو لو اتكلمت هتزعلي.
شويكار :
قول.
حسام : اللي حصل النهارده ماكانش لازم يحصل.
شويكار ملامحها اتشدت.
شويكار :
عمر هو اللي غلط.
حسام :
عمر غلط لما علا صوته، بس إنت كمان غلطتِ.
شويكار :
وأنت كمان جاي تحاسبني؟
حسام :
مش بحاسبك.
شويكار :
أمال؟
حسام :
بحاول أفهمك.
شويكار ضحكت بسخرية.
شويكار :
تفهمني أنا؟
حسام :
آه يا ماما، يمكن لأن كل واحد فينا بقاله سنين بيحاول يفهمك وإنت مش عايزة تسمعي.
شويكار بصت له.
حسام :
إنت بتحبينا أنا عارف، ورحيم عارف، وعمر عارف، بس المشكلة إن حبك ساعات بيخنق.
شويكار :
حب إيه اللي يخنق؟
حسام :
لما يبقى لازم نعيش بالطريقة اللي إنت شايفاها صح، لما كل قرار ناخذه لازم يعدي عليكِ، لما حتى غلطنا مش من حقنا نغلطه لوحدنا.
شويكار :
وأقف أتفرج عليكم وإنتوا بتضيعوا حياتكم؟
حسام :
يمكن.
شويكار اتفاجئت.
حسام كمل :
يمكن ساعات لازم تقفي تتفرجي، تنصحي، تحذري، لكن تسيبي الواحد فينا يختار.
شويكار :
حتى لو اختياره غلط؟
حسام :
حتى لو غلط، علشان لما يقع يعرف يقوم، إنما إحنا طول عمرنا لو وقعنا نلاقيكِ واقفة فوق دماغنا بتقولي :
"ما أنا قلت."
شويكار :
يعني أنا بقيت وحشة؟
حسام :
ماحدش قال كده.
شويكار :
أمال إيه؟ رحيم منعني أقرب من بنت ابني، وعمر واقف قدام الموظفين يقولي إني ضيعته، وإنت داخل دلوقتي تقولي إني بخنقكم، فضل مين؟ أبوك؟ ولا هو كمان مستني دوره؟
حسام تنهد.
حسام :
ماما، إنت ليه بتسمعي الكلام كأنه هجوم؟ يمكن إحنا مش بنحاربك، يمكن إحنا بس عايزين مساحة.
شويكار سكتت، حسام قام وقبل ما يتحرك شويكار قالت :
هو عمر راح فين؟
حسام :
مش عارف، خرج من الشركة من بدري.
شويكار :
كان تعبان؟
حسام :
كان متعصب، وبعدين هو أصلا من الصبح كان بيشتكي من صداع.
شويكار رفعت عينيها ليه بسرعة.
شويكار :
صداع؟
حسام :
آه، قُلتله يروح يكشف، قالي من قلة النوم.
شويكار :
كلمه.
حسام ضحك.
شويكار :
بتضحك على إيه؟
حسام :
لسه مخلصين كلام عن السيطرة.
شويكار :
يا ابني أنا بقولك أخوك تعبان.
حسام :
وهكلمه بس علشان أنا عايز أطمن عليه، مش علشان حضرتك أصدرتِ أمر.
شويكار رمقته بنظرة حادة، حسام ضحك.
حسام :
تصبحي على خير يا شويكار هانم.
شويكار :
إمشي يا حسام.
Nisrine Bellaajili
خرج وهو مبتسم، وأول ما الباب اتقفل، ابتسامتها الصغيرة اختفت. بصت للموبايل قدامها، اترددت، مدت إيدها وبعدين سحبتها، إفتكرت كلامه: "مساحة." الكلمة نفسها كانت مستفزة بالنسبة لها، إيه يعني مساحة؟ دول ولادها. فضلت قاعدة دقيقة كاملة تحارب نفسها، وفي الآخر مسكت الموبايل، فتحت إسم عمر، لكن قبل ما تضغط اتصال، وقفت. إفتكرت آخر نظرة في عينه قبل ما يخرج :
"أنا مش خايف من عقابك ثاني."
قفلت الشاشة، وحطت الموبايل مكانه وقالت لنفسها :
براحتك يا عمر.
وبعد ثانيتين قالت بصوت أخفض :
بس طمني عليك يا ابني.
في نفس الوقت، وبعيدا عن الشركة، كان عمر بالفعل في شقته، لكن الصداع اللي خرج بيه من عند أمه ماكانش هو المشكلة الحقيقية دلوقتي. كان ممدد على السرير وعيونه شبه مقفولة وأنفاسه ثقيلة، وخالد واقف عند طرف السرير يراقبه، سلمى عند الباب وشها شاحب.
سلمى :
خالد، هو ماله؟
خالد :
قُلتلك تعبان.
سلمى :
ده مش تعب عادي.
خالد :
وإنت بقيتي دكتورة؟
سلمى :
أنا هطلب له دكتور.
لفت علشان تخرج، لكن صوت خالد وقفها.
خالد :
ولا دكتور ولا زفت.
سلمى لفت له.
سلمى :
ليه؟
خالد :
علشان الراجل محتاج ينام.
سلمى :
إنت اديته إيه؟
خالد ما ردش، قرب من عمر وعدل له المخدة، عمر تمتم بكلام مش مفهوم، سلمى قربت خطوة.
سلمى :
عمر بيه؟
ما ردش.
سلمى :
عمر بيه.. سامعني؟
خالد :
سيبيه.
سلمى بصت لأخوها، خالد كان هادي زيادة عن اللزوم وده بالذات هو اللي خوفها.
سلمى :
أنا همشي.
خالد رفع عينه ليها.
خالد :
هتمشي فين؟
سلمى :
البيت.
خالد :
لأ.
سلمى :
يعني إيه لأ؟
خالد :
يعني هتفضلي هنا.
سلمى :
وأفضل هنا ليه؟
خالد :
علشان عمر بيه تعبان.
سلمى بصت له بعدم تصديق.
سلمى :
وإنت مالك أصلا إذا كنت هفضل ولا لأ؟
خالد قرب منها.
خالد :
لو الراجل صحي محتاج مية، محتاج حاجة، مين هيبقى معاه؟
سلمى :
إنت.
خالد ابتسم.
خالد :
أنا عندي مشوار.
سلمى :
وأنا مالي؟
خالد :
إنت شغالة عنده.
سلمى :
شغلي خلص وأنا ماشية.
تحركت ناحية الباب، لكن خالد وقف قدامها.
سلمى :
وسع.
خالد :
قُلت هتفضلي.
سلمى :
وأنا قُلت لأ.
نظراتهم اتقابلت، وسلمى لأول مرة حست إن كل الشكوك اللي كانت عندها بتتحول لخوف حقيقي. خالد مال ناحيتها وقال بصوت منخفض :
إسمعي الكلام المرة دي يا سلمى وبلاش تخليني أزعلك.
سلمى :
إنت ناوي على إيه؟
خالد ابتسم.
خالد :
أنا؟ ولا حاجة.
رجع ناحية عمر وسلمى فضلت مكانها تراقبه، تراقب كل حركة، كل نظرة، وكل ثانية بتعدي كانت بتأكد لها إن وجودها في الشقة الليلة دي مش صدفة، وإن خالد من البداية كان عايزها تفضل هنا. سلمى فضلت واقفة مكانها عينيها عليه، وخالد لف ناحية عمر، قرب منه وبص في وشه، عمر كان شبه غايب، جفونه ثقيلة ونفسه بطيء.
خالد نده عليه :
عمر بيه؟
عمر حرك راسه حركة بسيطة.
خالد :
سامعني؟
طلع منه صوت مش مفهوم، سلمى قربت بسرعة.
سلمى :
كفاية يا خالد، الراجل مش واعي.
خالد بص لها.
خالد :
هاتي مية.
سلمى :
مية إيه؟
خالد :
يا سلمى هاتي كوباية مية.
سلمى اتنفضت من صوته، بصت لعمر وبعدين خرجت ناحية المطبخ، خالد إستنى، فضل سامع خطواتها وهي بتبعد، ولما اتأكد إنها دخلت المطبخ، إيده راحت لجيبه، طلع علبة صغيرة، فتحها، وفي اللحظة دي سمع صوت سلمى من بعيد.
سلمى :
خالد..
قفل إيده بسرعة، مية ساقعة ولا دافية؟
خالد :
إنْجزي، هاتي أي حاجة.
رجع بصلها من مكانه، واستنى ثواني، صوت الدولاب اتفتح، خالد رجع بسرعة لعمر، طلع حقنة صغيرة، قرب منه، عمر فتح عينه بالعافية، شاف خالد قدامه، لكن حتى ملامحه ماكانش قادر يركز فيها.
عمر تمتم :
إيه... ده؟
خالد قرب منه أكثر.
خالد :
حاجة تخليك ترتاح يا باشا.
عمر حاول يحرك إيده لكن جسمه كان أثقل من إنه يقاوم. وخلال ثواني، خالد خلص، خبى كل حاجة بسرعة وعدل كم عمر، ورجع وقف مكانه كأنه ماحصلش حاجة.
دخلت سلمى بالكوباية.
سلمى :
خذ
خالد أخذها منها وحطها على الكومود.، سلمى بصت له باستغراب.
سلمى :
ما إنت طلبتها ليه؟
خالد :
خلاص، نام.
سلمى بصت لعمر وبعدين لخالد.
سلمى :
أنا مش مرتاحة.
خالد :
وإنت من إمتى بترتاحي أصلا؟
سلمى :
ما تهزرش.
خالد اتحرك ناحية الباب.
سلمى :
رايح فين؟
خالد :
قُلتلك عندي مشوار.
سلمى جريت وراه.
سلمى :
وأنا؟
خالد :
إنت هتفضلي.
سلمى :
خالد، والله ما هقعد هنا لوحدي.
خالد وقف، لف لها وبصلها نظرة طويلة، غريبة، لدرجة إنها سكتت لوحدها، وبعدين قرب منها.
خالد :
سلمى...
سلمى :
إيه؟
خالد رفع إيده، وللحظة افتكرت إنه هيضربها، لكن الغريب إنه حط إيده على راسها. سلمى اتجمدت، خالد عمره ما عملها ولا حتى وهي صغيرة. إبتسم لها.
خالد :
خلي بالك من نفسك.
سلمى بعدت راسها عن إيده بسرعة.
سلمى :
إنت مالك؟
خالد ضحك.
خالد :
مالي؟
سلمى :
بتتكلم كده ليه؟
خالد :
مافيش.
فتح باب الشقة، سلمى مسكت دراعه.
سلمى :
خالد.
لف لها.
سلمى :
إنت مخبي عني إيه؟
إبتسامته اختفت ثانية ورجعت.
خالد :
تصبحى على خير يا أختي.
خرج.. سلمى فضلت واقفة عند الباب بتبص وراه لحد ما باب الأسانسير قفل عليه. رجعت للشقة وقفلت الباب. سندت ظهرها عليه، قلبها كان بيدق بطريقة مش مريحة، بصت ناحية أوضة عمر، سكون، ولا صوت، ولا حركة. قالت لنفسها :
أول ما ينام كويس همشي.
لكنها ما كانتش تعرف إن عمر ماكانش نايم.
جوه الأسانسير، خالد كان واقف لوحده، الأرقام بتنزل قدامه: سبعة، ستة، خمسة.. طلع موبايله، فتح محادثة ماكانش عليها إسم، كتب كلمتين :
«كله تمام.»
الرد جه أسرع مما توقع :
«متأكد؟»
خالد بص لانعكاس وشه في مراية الأسانسير وابتسم وكتب :
«المرة دي مافيش رجوع.»
وصل الأسانسير للدور الأرضي، الباب اتفتح، خرج خالد وفي اللحظة نفسها، فوق في الشقة، سلمى سمعت صوت حركة جوه أوضة عمر، رفعت راسها.
سلمى :
عمر بيه؟
مافيش رد، قربت خطوة.
سلمى :
حضرتك كويس؟
صوت حاجة وقعت على الأرض، سلمى اتخضت، جريت ناحية الأوضة، إيدها وصلت للمقبض، لكنها وقفت.
من الناحية الثانية كان فيه صوت أنفاس ثقيلة، متقطعة وغريبة. سلمى بلعت ريقها.
سلمى :
عمر بيه...؟
ثانية، إثنين، ثلاثة، وفجأة، المقبض اتحرك من الناحية الثانية. سلمى سحبت إيدها ورجعت خطوة، والباب بدأ يتفتح ببطء..
وهنا نقف... عند الباب وهو بيتفتح.
تفتكروا إيه اللي مستني سلمى ورا الباب؟
وخالد فعلًا نفّذ خطته... ولا لسه الأسوأ جاي؟
وعندي عتاب صغير بس
القراءات حلوة، لكن التفاعل مش على قدها. تعليق أو توقع منكم بيفرق معايا جدًا وبيحمسني أكمل وأنزل أسرع.
مستنية توقعاتكم... الفصل الجاي مش سهل.
يتبع.....