رواية جريمة إسمها زواج الفصل السابع والعشرون 27 بقلم نسرين بلعجيلي


رواية جريمة إسمها زواج الفصل السابع والعشرون 27 بقلم نسرين بلعجيلي


بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم إنا نسألك سترًا لا ينكشف، وقلبًا لا يكسره ظلم، وقوة لا تهزمها الشدائد.


اللهم إن ضاقت بنا الدنيا، فلا تجعل ضعفنا بابًا يدخل منه من يريد بنا سوءًا، ولا تجعل لحظة انكسار تهدم عمرًا كاملًا.


اللهم احفظنا من شر من يراقب ضعفنا وينتظر سقوطنا، ومن يدبر لنا في الخفاء ما لا نراه، ومن يبتسم في وجوهنا وفي قلبه لنا أذى.


اللهم إن كان حولنا سر يخفي وراءه ظلمًا، فاكشفه، وإن كانت هناك حقيقة ضاعت بين الخوف والكذب والسنين، فأظهرها في وقتها، ورد لكل مظلوم حقه ولو بعد حين.


اللهم لا تجعلنا ثمنًا لأخطاء غيرنا، ولا ضحايا لقرارات لم نخترها، ولا تحمل قلوبنا فوق ما تستطيع.


وإن وصل أحد منا إلى لحظة يظن فيها أن الطريق انتهى، فافتح له بابًا لم يره، وأرسل له رحمتك قبل أن يغلبه اليأس، وذكّره أن بعد أشد الليالي فجرًا، وأن ما دام في العمر نفس... فما زالت هناك بداية أخرى.


اللهم اجبر كل قلب انكسر في صمت، واحفظ كل روح أتعبها ما لا تستطيع أن تحكيه، وردنا إليك وإلى أنفسنا ردًا جميلًا.


اللهم اجعل الحقيقة أقوى من كل كذبة، والعدل أطول عمرًا من كل ظلم، والنور قادرًا على الوصول مهما طال اختباؤه خلف الأبواب المغلقة.


آمين يا رب العالمين.




#جريمة_إسمها_زواج 




@Nisrine Bellaajili 


نسرين بلعجيلي 




*الفصل السابع والعشرون*




الجولة الأولى..


في قصر الألفي...


الصبح رجع في ميعاده، الشمس دخلت من الشبابيك الطويلة، إنعكست على أرضية الرخام اللامعة، وصوت الأطباق الخافت بدأ يطلع من ناحية المطبخ قبل ما أول فرد من العيلة ينزل.


كل حاجة تقريبًا كانت زي ما هي، الورد اتغير، السفرة اتجهزت، فنجان رؤوف اتحط في مكانه، قهوة شويكار اتعملت بالطريقة اللي بتحبها، حتى الجريدة اتحطت جنب مكانها، رغم إن محدش شافها تفتح جريدة ورق من شهور.


قصر الألفي كان عنده قدرة غريبة على إنه يكمل، ناس تتخانق، ناس تمرض، أسرار تتكشف، إبن يتجوز في ليلة محدش كان يعرف عنها حاجة، ست البيت تدخل المستشفى بقلبها، وبعد كل ده، الساعة ثمانية ونص، الفطار يتحط، كأن البيوت الكبيرة عندها رفاهية إنها تخبي الكوارث جوه الأوض وتقفل عليها الباب، وبعدين تفتح الصالة للنهار كأن مافيش حاجة حصلت. لكن اللي ما رجعش لطبيعته، كان أهل البيت نفسهم.


شويكار ظهرت عند أول السلم، وقفت لحظة، مش علشان تستريح، على الأقل ده اللي كانت عايزة أي حد يشوفها يصدقه. كانت لابسة طقم صباحي أنيق بلون هادي، شعرها متظبط، ووشها عليه طبقة خفيفة من المكياج أخفت شوية من الشحوب اللي لسه سايبه المستشفى، مافيش روب، مافيش ممرضة، مافيش خطوات مريضة مستنية حد يسندها. شويكار الألفي رجعت بيتها بالشكل اللي اختارته هي، مش بالشكل اللي المرض حاول يفرضه عليها. بدأت تنزل درجة، ثم الثانية، وعند آخر كام درجة، صدرها ضاق للحظة، إيدها شدت على الدرابزين، وقفت، أخذت نفس بطيء من غير ما تحرك ملامحها، ولما رفعت عينيها لقت رؤوف شايفها، كان تحت، على كرسيه المتحرك، ما ناداش عليها، ما اتحركش، بس عينيه كانت على إيدها الممسكة بالدرابزين. شويكار سابته فورًا، نزلت آخر درجة.


رؤوف قال :


ـ كان ممكن تفطري فوق.




عدت من جنبه :


ـ وكان ممكن ما تبدأش يومي بأوامر.




رؤوف :


ـ دي مش أوامر.




وقفت، لفت له :


ـ لما تقولها إنت، بتبقى أوامر.




رؤوف سكت لحظة وبعدين قال :


ـ الدكتور قال ترتاحي.




شويكار :


ـ وأنا خرجت من المستشفى مش من عقلي.




رؤوف :


ـ محدش قال كده.




شويكار :


ـ يبقى وفر قلقك.




نظرت لكرسيه للحظة، ثم رجعت لعينيه :


ـ عندنا كلام أهم النهارده.




عرف تقصد إيه، لكن ما ردش، إتحرك بكرسيه ناحية غرفة الطعام، وشويكار مشيت قدامه. ومن أول الصبح كان واضح إن رجوعها للقصر ما كانش رجوع مريضة لبيتها، كان رجوع صاحبة المكان بعد معركة خسرت فيها جولة. والمشكلة إن شويكار ما كانتش بتعرف تخسر وتسكت.


غرفة الطعام كانت هادية، حسام موجود، لارا قدامه، رحيم واقف ناحية الشباك بيقلب في موبايله، وحبيبة كانت قاعدة على كرسيها جنب مريم.


مريم كانت منحنية ناحية الطفلة بتقطع لها قطعة توست صغيرة :


ـ دي بس.




حبيبة هزت رأسها :


ـ كبيرة.




مريم بصت للقطعة اللي أصغر من صباعها :


ـ كبيرة؟!




حبيبة هزت رأسها بجدية، مريم قسمت القطعة نصفين :


ـ كده؟




حبيبة فكرت :


ـ ممكن.




مريم ابتسمت :


ـ الحمد لله إن المفاوضات نجحت.




حبيبة ضحكت، وكان قدام مريم فنجان شاي وطبق صغير. من ساعة ما بدأت تهتم بحبيبة، بقت ساعات تقعد جنبها وقت الأكل علشان تشجعها من غير ما تحول الوجبة لمعركة، حسام اتعود، رحيم ما كانش عنده مشكلة، لارا أصلًا ما كانتش مهتمة ورؤوف أكثر من مرة شافها وما قالش حاجة. لكن شويكار.. وقفت عند مدخل غرفة الطعام وعينيها راحت مباشرة لمريم، ما بصتش للفطار، ولا لحسام، ولا حتى لحفيدتها أول حاجة، بصت للكرسي ولمريم الجالسة عليه. مريم حسّت بالنظرة قبل ما ترفع رأسها، ابتسامتها اختفت تدريجيًا :


ـ صباح الخير يا هانم.




شويكار ما ردتش التحية فورًا، دخلت، وصلت لحد السفرة وبعدين سألت :


ـ إنتِ قاعدة هنا ليه؟




مريم ارتبكت :


ـ أصل حبيبة ما كانتش عايزة تاكل، فكنت...




شويكار :


ـ وأنا سألتك حبيبة بتاكل ولا لأ؟




سكتت مريم، رحيم رفع عينيه عن الموبايل، حسام بص لأمه، لارا فضلت ساكتة، لكنها بدأت تتابع.


مريم قالت :


ـ لأ يا هانم.




شويكار أشارت للكرسي :


ـ أمال قاعدة هنا ليه؟




مريم قامت نصف وقفة :


ـ أنا آسفة، أنا...




شويكار قالتها بمنتهى الهدوء :


ـ مكانك مع الخدم.




الكلمة وقفت مريم تمامًا، ما كانتش عالية، ومافيهاش شتيمة، لكن يمكن لو شويكار صرخت فيها كان هيبقى أهون، لأنها قالتها كأنها بتصحح حاجة بديهية، كرسي اتحط في المكان الغلط وهي بترجعه مكانه.


مريم حسّت بسخونة طلعت في وشها، عينيها اتحركت ناحية رحيم غصب عنها، وفي اللحظة اللي شافته باصص لها، إتمنت إنها ما بصتش، الإحراج تضاعف. هي عارفة إنها بتشتغل عندهم، وعمرها ما تخيلت نفسها واحدة من العيلة، ولا دخلت السفرة علشان تتساوى بحد، كانت قاعدة علشان حبيبة، لكن قدام رحيم تحديدًا، الجملة وجعتها. 


حبيبة مسكت إيدها :


ـ مريم تقعد هنا.




شويكار بصت لحفيدتها :


ـ مريم مش هتمشي يا حبيبة.




حبيبة :


ـ أمال ليه تقوم؟




شويكار :


ـ علشان كل واحد في البيت له مكان.




رحيم قال :


ـ ماما، هي قاعدة علشان حبيبة.




شويكار لفت له :


ـ هو أنا بكلمك؟




رحيم :


ـ لأ، بس...




شويكار :


ـ يبقى ما تدخلش.




رحيم سكت ثانية، ثم قال :


ـ طريقة الكلام مش لازمة.




عينيها ضاقت :


ـ في بيتي أنا اللي أحدد إيه اللي لازم وإيه اللي مش لازم.




رؤوف دخل خلفها في اللحظة دي، سمع آخر جملة، بص لمريم الواقفة ثم لشويكار، فهم إن حاجة حصلت، لكن مريم ما استنتش حد يدافع عنها، سحبت إيدها بهدوء من إيد حبيبة، وانحنت ناحيتها :


ـ أنا هبقى هناك، أهو شايفاني.




حبيبة زعلت :


ـ لأ.




مريم ابتسمت لها رغم الإحراج :


ـ كلي إنتِ بس، وأنا مش همشي بعيد.




شالت طبقها وفنجانها، واحدة من الخادمات اتحركت ناحيتها :


ـ هاتي يا مريم.




مريم هزت رأسها :


ـ لأ، أنا هاخذهم.




ومشت.. مرت جنب رحيم، ما بصتلوش، وده كان أصعب من لو بصت. رحيم تابعها بعينه، وبعدين لف لأمه.


ـ إرتحتِ؟




شويكار جلست في مكانها :


ـ جدًا.




رحيم :


ـ كويس.




شويكار :


ـ عندك اعتراض؟




رحيم :


ـ عندي.




رفعت عينيها :


ـ إحتفظ بيه.




رؤوف قال :


ـ الصبح لسه بدري يا جماعة.




شويكار أخذت فنجان القهوة :


ـ وأنا ما بدأتش أصلًا.




رؤوف بص لها، وعرف إن الجملة مش عن مريم.




في المطبخ..


مريم دخلت وهي شايلة طبقها وفنجانها، حاولت تدخل كأن مافيش حاجة حصلت، لكن الخدم كانوا سمعوا. في البيوت الكبيرة، الأخبار مش محتاجة حد ينقلها، نبرة صوت واحدة في الصالة كفاية توصل المطبخ. سعاد كانت بتحط أطباق في الحوض، بصت لمريم، ثم بعدت عينيها بسرعة علشان ما تحرجهاش أكثر، واحدة ثانية عملت نفسها مشغولة، لكن أمينة كانت قاعدة عند الترابيزة الصغيرة في آخر المطبخ، قدامها شاي ورغيف وجبنة، بصت لمريم وقالت :


ـ تعالى.




مريم هزت رأسها :


ـ هحط الحاجة وأطلع لحبيبة.




أمينة :


ـ حبيبة قاعدة مع أبوها.


وسحبت الكرسي اللي جنبها :


ـ أقعدي كلي لقمتين.




مريم اترددت :


ـ أنا مش جعانة.




أمينة بصت للطبق :


ـ وأنا مش شايفة.




مريم ما قدرتش تمنع ابتسامة صغيرة، قعدت، حطت طبقها قدامها، ثواني عدت من غير كلام، وبعدين سعاد حطت قدامها كوباية شاي.


مريم قالت :


ـ عندي شاي.




سعاد بصت للفنجان :


ـ ده بتاعهم.




ثم أشارت للكوباية :


ـ جربي ده.




مريم أخذت رشفة، عينيها اتفتحت :


ـ الله.




أمينة ضحكت :


ـ إيه؟




مريم :


ـ ثقيل.




أمينة :


ـ ما هو الشاي يا يبقى شاي يا بلاش منه.




مريم أخذت رشفة ثانية :


ـ أنا بحبه كده أصلًا.




أمينة :


ـ أمال بتشربي المية الصفرا اللي فوق ليه؟




مريم ضحكت :


ـ كنت مكسوفة أقول إني عايزاه ثقيل.




أمينة :


ـ مكسوفة من الشاي؟




مريم :


ـ من كل حاجة تقريبًا هنا.




قالتها وهي بتضحك، لكن بعد آخر كلمة، ضحكتها هديت، أمينة فهمت، ما قالتش «ما تزعليش»، وما قالتش «شويكار هانم طبعها كده»، بس قطعت جزء من الرغيف وحطته في طبق مريم وقالت :


ـ كلي.




مريم بصت لها :


ـ أنا عندي.




امينة :


ـ ده أحلى.




مريم جربته :


ـ فعلًا.




وبعدها الكلام بدأ لوحده، سعاد عندها بنت بتدرس تجارة، عم جابر عنده ولدين، واحد في الخليج، واحدة من العاملات عندها بنت مخطوبة ومحتارة في جهازها. مريم لأول مرة كانت قاعدة معاهم مش بصفتها البنت اللي جاية ورا حبيبة، بدأت تسأل، تضحك، تحكي لهم عن أمها وإنها بتعمل الشاي أثقل من أمينة نفسها.


أمينة اعترضت :


ـ مستحيل.




مريم ضحكت :


ـ والله.




أمينة :


ـ يبقى هاتيها وأنا أحكم.




ضحكت مريم من قلبها، والإحراج اللي دخلت بيه بدأ يخف. الغريب إن جملة شويكار اللي كانت مقصودة علشان ترجعها لمكانها، فتحت لها مكان ثاني ما كانتش تعرف إنه موجود. بصت لأمينة، الست الكبيرة، كان فيها شيء يطمن، يمكن طريقتها، يمكن عمرها، يمكن لأنها الوحيدة اللي ما بصتش لمريم بشفقة،


سألتها :


ـ إنتِ بقالك كثير هنا يا دادة أمينة؟




أمينة :


ـ كثير.




مريم :


ـ يعني قد إيه؟




أمينة فكرت :


ـ أكثر من عشرين سنة.




مريم اتفاجئت :


ـ يا نهار أبيض.




أمينة ضحكت :


ـ مالك؟ شايفاني مومياء؟




مريم :


ـ لأ والله.


ثم قالت بحماس :


ـ بس كده إنتِ عرفتيهم وهم صغيرين.




أمينة :


ـ بعضهم.




مريم :


ـ وعرفتِ القصر قبل ما يبقى بالشكل ده؟




أمينة :


ـ آه.




مريم سندت ذقنها على إيدها :


ـ يبقى إنتِ عارفة أسرارهم كلها.




الجملة كانت هزار، مريم قالتها وضحكت، لكن أمينة ما ضحكتش فورًا، عينيها راحت للحظة ناحية باب المطبخ ثم رجعت لمريم :


ـ محدش يعرف أسرار حد كلها يا بنتي.




مريم :


ـ بس عشرين سنة مش قليل.




أمينة أخذت رشفة من الشاي :


ـ ساعات تعيشي مع بني آدم أربعين سنة...


وسكتت لحظة وكملت :


ـ وتكتشفي إن فيه حتة منه عمرك ما دخلتيها.




مريم عقدت حواجبها :


ـ بتتكلمي عن مين؟




أمينة ابتسمت :


ـ بتكلم عن الدنيا.




سعاد قالت من بعيد :


ـ ما تسمعيش منها، أول ما تشرب الشاي تقلب حكيمة.




ضحكوا، مريم ضحكت معاهم، لكن عينيها فضلت على أمينة، ما تعرفش ليه حست إن الست ما كانتش بتتكلم عن الدنيا.




بعد الفطار.. لارا كانت أول واحدة قامت، حسام كان لسه بيشرب آخر رشفة قهوة لما قالت له :


ـ هنخرج النهارده؟




حسام بص لها :


ـ مش عارف.




لارا :


ـ يعني؟




حسام :


ـ عندي شغل.




قبل ما تكمل، دخل واحد من العاملين وفي إيده ملف أسود :


ـ حسام بيه، الملف اللي حضرتك طلبته.




حسام أخذه، شويكار عرفت الملف من غير ما تسأل، نظرتها استقرت عليه ثانيتين وبعدين قالت :


ـ وصل؟




حسام :


ـ أيوه.




رؤوف حط فنجانه، رحيم فهم، لارا بصت ليهم :


ـ فيه إيه؟




حسام قال :


ـ شغل.




الرد كان سريع زيادة عن اللزوم، لارا لاحظت :


ـ شغل إيه؟




شويكار قامت :


ـ حسام.


ثم بصت لرحيم :


ـ إنت كمان.


وأخيرًا لرؤوف :


ـ المكتب.




ولا كلمة زيادة. لارا بصت لجوزها :


ـ وأنا؟




شويكار حتى ما التفتتش ليها :


ـ الموضوع يخص الشركة.




حسام وقف، لارا ابتسمت :


ـ أكيد.


الابتسامة كانت باردة :


ـ الشركة لما يكون فيها سفر واحتفالات نبقى عيلة، ولما يبقى فيها مشكلة تبقى «تخص الشركة».




حسام :


ـ لارا، مش وقته.




لارا :


ـ ولا مرة بيبقى وقته.




شويكار كانت بالفعل خرجت، رؤوف إتحرك وراها، رحيم مشي، حسام وقف لحظة قدام مراته، لكن لارا قالت :


ـ روح.




حسام :


ـ نتكلم بعدين.




لارا :


ـ طبعًا.




سكتت ثم كملت :


ـ بعدين ده المكان اللي بتحطوا فيه كل حاجة في البيت ده.




حسام ما ردش ومشي، لارا فضلت لوحدها على السفرة، أما حبيبة فكانت باصة ناحية المطبخ ومستنية مريم ترجع.




باب مكتب شويكار اتقفل، أربع أشخاص فقط: شويكار.. رؤوف.. حسام.. رحيم.. والملف الأسود.


المكتب كان عالم شويكار الحقيقي، هنا ما كانش فيه حبيبة تقول لها إنها وحشة، ولا لارا تسأل ليه مش محسوبة من العيلة، ولا خدم، ولا أطباء، هنا كل شيء له رقم، عقد.. توقيع.. قرار.. ولما قعدت خلف مكتبها، حتى المرض بدا كأنه شيء تركته خارج الباب.


حسام حط الملف قدامها، شويكار ما فتحتهوش :


ـ جاهز؟




حسام :


ـ أيوه.




شويكار :


ـ راجعه المحامي؟




حسام :


ـ مرتين.




شويكار :


ـ ومجلس الإدارة؟




حسام :


ـ مستني التوقيع.




شويكار :


ـ والخسارة؟




حسام سكت، رفعت عينيها ليه :


ـ سألتك الخسارة كام؟




قال الرقم، ما اتحركش في وشها شيء، بس أصابعها اتحركت مرة واحدة فوق سطح المكتب، رحيم لاحظ، رؤوف كمان. شويكار فتحت الملف، قلبت أول صفحة، الثانية، الثالثة، كل صفحة كانت بتقراها ببطء، مش لأنها محتاجة تفهم، هي عارفة كل كلمة فيه، كانت بتقرأه كأنها بتودع حاجة.. شهور من المفاوضات.. سفر.. اجتماعات.. أرقام.. ليالٍ ما نامتش فيها.. مكالمات وهي في البيت.. خناقات مع حسام.. تعديلات في عروض الأسعار.. علاقات استخدمتها.. إسم بنته خلال ثلاثين سنة.. وكل ده.. هينتهي بتوقيع واحد.


وصلت للصفحة الأخيرة، القلم كان جنبها، ما مدتش إيدها له.


قال رحيم :


ـ ماما...




رفعت عينيها ببطء، فسكت، قالت :


ـ مستعجل؟




رحيم :


ـ لأ.




شويكار :


ـ باين عليك.




رحيم :


ـ إحنا اتفقنا.




ضحكت :


ـ إحنا؟




سكت رحيم، بصت لحسام :


ـ وإنت متفق؟




حسام :


ـ القرار صعب، بس لازم.




شويكار :


ـ لازم.




كررت الكلمة، وبعدين بصت لرؤوف :


ـ وهو كمان لازم؟




رؤوف :


ـ أيوه.




هزت رأسها ببطء :


ـ جميل.




سحبت القلم، لكنها ما وقعتش، حطته بين أصابعها وقالت :


ـ قبل ما أمضي، عايزة أقول لكم حاجة.




ولا واحد رد.


شويكار رجعت بظهرها للكرسي :


ـ إنتوا الثلاثة النهارده مبسوطين من نفسكم.




حسام :


ـ محدش مبسوط.




شويكار :


ـ ما تقاطعنيش.




سكت، كملت :


ـ إنت...


وأشارت لحسام.


ـ شايف نفسك العاقل، الراجل اللي بيحسب الخسارة والسمعة ومجلس الإدارة.


انتقلت عينيها لرحيم :


ـ وإنت شايف نفسك صاحب الضمير. طول الوقت بتجري تنقذ حد، حبيبة، عمر، سلمى، أي حد في البيت يقع رحيم لازم يبقى أول واحد يمد إيده.




رحيم قال :


ـ دي حاجة وحشة؟




شويكار ابتسمت :


ـ الوحش إنك صدقت إن ده بيديك الحق تقرر بدل غيرك.




ملامحه اتشدت، ثم بصت لرؤوف، وسكتت أطول ثم قالت :


ـ أما إنت...




رؤوف :


ـ كملي.




شويكار :


ـ إنت أخطر واحد فيهم.




حسام بص لأبوه، شويكار كملت :


ـ لأنهم ولادي، ممكن أزعل منهم، ممكن أكره قراراتهم، ممكن أعاقبهم، وفي الآخر أعرف إنهم ولادي.


مالت للأمام :


ـ لكن إنت جوزي.


سكتت..


ـ والراجل اللي عشت معاه العمر ده كله المفروض يبقى آخر واحد يعرف نقطة ضعفي ويستخدمها ضدي.




رؤوف :


ـ أنا ما استخدمتش حاجة ضدك.




شويكار ضحكت :


ـ الشركة.




رؤوف :


ـ الشركة مش نقطة ضعفك.




شويكار :


للـ لأ؟


نظرت حواليها :


ـ دي عمري.




رؤوف :


ـ وعمر إبنك.




شويكار :


ـ ما تلعبش بالكلام معايا.




رؤوف :


ـ دي الحقيقة.




شويكار :


ـ الحقيقة؟




وضعت القلم، وقامت :


ـ تحب الحقيقة يا رؤوف؟




إتحركت من خلف المكتب :


ـ الحقيقة إنك لما مرضت، إنت ما اديتنيش شركة.


وقفت أمامه وكملت :


ـ إنت رميت في حجري جثة.




حسام:


ـ ماما...




شويكا :


ـ أسكت.




نبرتها خلت حسام يسكت فعلًا، رجعت لرؤوف :


ـ شركة مديونة، بنوك، موردين، شيكات، عمال مستنيين مرتباتهم، وسمعة كانت بتقع.




وضربت بإصبعها على صدرها :


ـ وأنا اللي شلتها.




رؤوف :


ـ ما أنكرتش.




شويكار :


ـ بس النهارده افتكرت تقول «أنا اللي كتبتها لك».


ضحكت بسخرية :


ـ يا سلام.


لفت ناحية حسام ورحيم :


ـ سمعتوا أبوكم؟


ثم رجعت له :


ـ بعد ما بقت تستاهل، بعد ما بقى عندها إسم، بعد ما بقى الناس يتمنوا يدخلوا من بابها، إفتكر إنها كانت بتاعته.




رؤوف قال بحدة :


ـ ما قُلتش إنها بتاعتي دلوقتي.




شويكار اقتربت :


ـ قولت ترجعها.


سكت :


ـ ودي أسوأ.




رؤوف :


كنت بحاول أحمي عمر.




شويكار :


ـ على حسابي.




رؤوف :


ـ على حساب مناقصة.




ملامحها تغيرت :


ـ ما تقولش «مناقصة» كأنك بتتكلم عن ورقتين.


صوتها ارتفع :


ـ أنا كبرت في الشركة دي، ولادك كبروا وأنا فيها.




رؤوف :


ـ ولادنا.




سكتت، بصت له وبعدين ابتسمت ابتسامة قاسية :


ـ لأ.




رؤوف اتفاجئ. قالت :


ـ النهارده بالذات.. ولادك.




رحيم :


ـ ماما.




لفت له :


ـ إيه؟ زعلت؟




رحيم :


ـ الكلام مالوش لازمة.




شويكار :


ـ ليه؟


قربت منه :


ـ علشان الحقيقة لما تبقى مش على مزاجك مالهاش لازمة؟




رحيم :


ـ مش دي الحقيقة.




شويكار :


ـ أمال إيه الحقيقة؟




رحيم :


ـ إننا كلنا بنحاول ننقذ عمر.




شويكار :


ـ وأنا مش أمه؟




رحيم :


ـ ما قلتش كده.




شويكار :


ـ لكن إنتوا إتصرفتوا كإني عدوه.




حسام :


ـ لأنك كنتِ رافضة الانسحاب.




لفت له فورًا :


ـ وإنت من إمتى صوتك يعلى عليا في مكتبي؟


حسام سكت :


ـ لأ، كمل.




حسام :


ـ ماما...




شويكار :


ـ كمل يا حسام بيه.




نزل صوته :


ـ أنا ما عليتش صوتي.




شويكار :


ـ كويس.


قربت منه وكملت :


ـ خليه دايمًا واطي وإنت بتكلمني هنا.




رحيم قال :


ـ إنتِ بتعاقبينا علشان اختلفنا معاكِ؟




شويكار لفت له :


ـ لأ.




رحيم : 


ـ أمال بتعملي إيه؟




ابتسمت :


ـ باعرفكم حدودكم.




الصمت نزل، شويكار رجعت خلف المكتب، جلست، مسكت القلم :


ـ حسام.




حسام :


ـ نعم؟




شويكار :


ـ من النهارده أي قرار مالي فوق الحد اللي هحدده، ما يعديش من غير توقيعي.




حسام عقد حواجبه :


ـ بس أنا...




شويكار :


ـ سمعتني؟




حسام :


ـ أيوه.




شويكار :


ـ قُل حاضر.




حسام ثبت عينه فيها ثواني وقال :


ـ حاضر.




شويكار :


ـ شاطر.




الكلمة استفزته، بان على وشه، لكنها انتقلت لرحيم :


ـ وإنت.




رحيم :


ـ أنا مالي بالشركة؟




شويكار :


ـ بالظبط.


سكت، كملت :


ـ خليك فاكرها.




رحيم فهم :


ـ يعني؟




شويكار :


ـ يعني من النهارده ما تدخلش في قرار يخص الشركة وبعدين تقولي أنا بحمي العيلة.




رحيم :


ـ ولو القرار يخص عمر؟




شويكار :


ـ تيجي لي.




رحيم :


ـ ولو إنتِ المشكلة؟




ابتسامتها اختفت ثواني، ثم رجعت :


ـ ساعتها جرب توقف قدامي ثاني.




رحيم :


ـ ده تهديد؟




شويكار :


ـ لأ.


مالت ناحية المكتب :


ـ وعد.




ثم بصت لرؤوف :


ـ وإنت...




رؤوف :


ـ مستني.




شويكار :


ـ ممتاز.. من النهارده كل ورقة ملكية، كل عقد، كل تنازل، كل توكيل اتعمل من يوم ما الشركة خرجت من إسمك ودخلت إسمي...


سكتت وبعدين قالت :


ـ كله هيتراجع.




رؤوف عقد حواجبه :


ـ ليه؟




شويكار :


ـ علشان أتأكد إن الحاجة اللي قضيت عمري ببنيها ما فيهاش مفتاح في جيبك تفتح وقت ما تحب.




رؤوف :


ـ ما عنديش مفتاح.




شويكار :


ـ هعرف بنفسي.




رؤوف :


ـ إنتِ ما بقيتيش واثقة فيا؟




ضحكت، المرة دي من قلبها تقريبًا، لكن الضحكة كانت مرة :


ـ السؤال جه متأخر ثلاثين سنة.




رؤوف سكت، شويكار فتحت صفحة التوقيع، وقبل ما تمضي قالت :


ـ إنتوا عايزين التنازل؟




حسام :


ـ أيوه.




رحيم ما ردش، رؤوف قال :


ـ أيوه.




شويكار هزت رأسها.


ـ خذوه.




ووقعت.... الحبر مر فوق الورق في ثانيتين، شهور كاملة انتهت في ثانيتين. حطت القلم، دفعت الملف ناحية حسام :


ـ مبروك.




حسام ما مدش إيده فورًا :


ـ على إيه؟




شويكار :


ـ كسبتوا.




رحيم:


ـ محدش كسب.




شويكار بصت له :


ـ غلط.


سكت وهي كملت :


ـ النهارده إنتوا كسبتوا أول جولة.




رؤوف قال :


ـ مافيش جولات يا شويكار.




رفعت عينيها له :


ـ بقى فيه.




رؤوف :


ـ أنا مش داخل حرب معاكِ.




شويكار :


ـ مش لازم توافق.


قامت :


ـ الحرب مش عقد علشان الطرفين يمضوا.




رؤوف وشه قسى.


حسام قال :


ـ إنتِ بتحولي موضوع عائلي لمعركة.




شويكار بصت له :


ـ لأ يا حسام، إنتوا اللي دخلتوا مكتبي.


وأشارت للملف.


ـ وحطيتوا خسارتي قدامي، وأبوكم حط الشركة على الترابيزة.(ثم أشارت لرؤوف.) وقال لي اختاري.


سكتت :


ـ وأنا اخترت.




رؤوف :


ـ إخترتِ إبنك.




شويكار :


ـ لأ.




الثلاثة بصولها.


قالت :


ـ إخترت ما أخليش حد غريب يقرر إمتى أخسر إبني.


ثم ابتسمت ببرود وكملت :


ـ لكن خسارتي أنا...


نظرت لهم واحد واحد :


ـ دي هتتحاسَبوا عليها.




حسام :


ـ إحنا أولادك يا ماما، مش موظفين عندك.




شويكار ردت فورًا :


ـ يبقى اتصرفوا كأولادي قبل ما تقفوا قصادي كخصوم.




الجملة أسكتته، ثم نظرت لرحيم :


ـ وإنت ما تبصليش بنظرة الضمير دي.




رحيم :


ـ أنا ما...




شويكار :


ـ عارفة النظرة.


قربت منه :


ـ خليها ليوم تحتاج تحاسب نفسك.




رحيم :


ـ على إيه؟




شويكار :


ـ الأيام هتقول.




ثم وصلت لرؤوف، وقفت أمام كرسيه وقالت :


ـ أما حسابك إنت...




رؤوف رفع عينيه لها :


ـ مالي؟




شويكار :


ـ مختلف.




رؤوف :


ـ علشان الشركة؟




شويكار :


ـ الشركة؟


ابتسمت :


ـ الشركة دلوقتي أصغر مشكلة بيني وبينك.




رؤوف فهم فورًا، حسام ورحيم انتبهوا، شويكار قالت :


ـ أنا من يوم ما سلمى دخلت البيت وأنا شايفة حاجات.




رؤوف :


ـ إيه علاقة سلمى؟




شويكار :


ـ أهو.




رؤوف :


ـ أهو إيه؟




شويكار :


ـ استعجلت تسأل.




رؤوف سكت، شويكار اقتربت أكثر :


ـ سألت عنها، دافعت عنها، أصريت إنها ترجع القصر، ولما قلت «البنت دي» صححت لي: «إسمها سلمى».




رؤوف:


ـ وده دليل على إيه؟




شويكار :


ـ لو كانوا دول بس؟




سكت، ملامحه اتغيرت قليلًا، شويكار شافته :


ـ لكن لما إسم أبوها اتقال...


توقفت ثم قالت :


ـ وشك عمل نفس اللي بيعمله دلوقتي.




رؤوف:


ـ إنتِ بتتوهمي.




شويكار :


ـ أنا؟




ضحكت :


ـ أنا ممكن أغلط في ناس كثير.


وانحنت قليلًا ناحيته :


ـ لكن مش فيك.


سكت كملت :


ـ أنا حافظاك يا رؤوف، حركة عينك، إيدك لما تتوتر، سكوتك لما تكذب.




إيد رؤوف، من غير ما يقصد، شدت على ذراع الكرسي، عينيها نزلت عليها، ثم رفعت عينيها له، إبتسمت :


ـ أهو.




رؤوف ساب ذراع الكرسي متأخر، شويكار قالت :


ـ أنا هعرف.




رؤوف :


ـ تعرفي إيه؟




شويكار :


ـ إنت تعرف أبو سلمى منين.




الصمت اللي نزل على المكتب خلّى حسام يبص لأبوه مباشرة، رحيم كمان.


رؤوف قال :


ـ ما اعرفوش بالشكل اللي إنتِ متخيلاه.




شويكار ما ردتش فورًا، وبعدين قالت :


ـ دي أول غلطة حقيقية تعملها النهارده.




رؤوف :


ـ إيه؟




شويكار :


ـ أنا ما قلتش إني متخيلة شكل معين.




سكت، حتى حسام فهمها، شويكار كملت :


ـ إنت اللي قلت «بالشكل اللي إنتِ متخيلاه».




رؤوف عينيه اتغيرت، شويكار ابتسمت :


ـ يعني تعرفه.




رؤوف :


ـ شويكار...




شويكار :


ـ خلاص.


رفعت إيدها :


ـ ما تجاوبش، أنا ما بقيتش عايزة إجابة منك.




رؤوف :


ـ أمال عايزة إيه؟




شويكار :


ـ الحقيقة.




رؤوف :


ـ ودي مش هتاخديها مني؟




شويكار :


ـ لأ.


سكتت :


ـ هاخذها من حد ما عندوش سبب يكذب عليا.




رؤوف :


ـ خلي بالك وإنتِ بتفتحي الماضي.




شويكار وقفت :


ـ ليه؟




رؤوف :


ـ لأن فيه حاجات...


تردد.




شويكار :


ـ حاجات إيه؟




رؤوف :


ـ عدى عليها عمر.




شويكار :


ـ وأنا كمان عدى عليا عمر.




رؤوف:


ـ مش كل حاجة قديمة لازم تتفتح.




شويكار نظرت له طويلًا، وبعدين قالت :


ـ تعرف إيه أكثر حاجة غبية قلتها النهارده؟




رؤوف :


ـ إيه؟




شويكار :


ـ الجملة دي.


اقتربت منه :


ـ لأن قبلها كنت شاكّة.




رؤوف :


ـ دلوقتي...




إبتسامتها اتسعت قليلًا :


ـ بقيت متأكدة.




حسام قال :


ـ متأكدة من إيه؟




شويكار لفت له :


ـ إن أبوكم مخبي حاجة.




رؤوف :


ـ ما دخليش الولاد بينا.




رجعت له بسرعة :


ـ إنت اللي دخلتهم.


وأشارَت للملف :


ـ أول ما استخدمتهم علشان تضغط عليا.


ثم قالت ببرود :


ـ ومن النهارده يا رؤوف...




رؤوف :


ـ إيه؟




شويكار :


ـ ما تعتبرنيش مراتك اللي مستنية منك اعتراف.


سكتت :


ـ إعتبرني خصمك.




رؤوف:


ـ إنتِ مجنونة.




شويكار ضحكت :


ـ ممكن.


فتحت باب المكتب، ثم لفت لهم :


ـ بس فيه حاجة واحدة عمري ما كنتها.




رؤوف :


ـ إيه؟




شويكار :


ـ سهلة.




خرجت، الباب اتقفل خلفها، الممر كان فاضي، مشيت خطوات ثابتة، واحدة، إثنين، ثلاثة، وعند أول زاوية، وقفت، إيدها راحت للحائط، صدرها ضاق، غمضت عينيها، النَفَس اللي رفضت تاخذه قدامهم خرج الآن متقطعًا، ثواني، بس ثواني، ما نادتش خادمة، ما نادتش حسام، ولا رحيم وبالتأكيد، ما نادتش رؤوف. إستنت لحد ما جسمها هدي. فتحت عينيها، بصت للفراغ قدامها، هي مضت، تنازلت، خسرت المناقصة، ولأول مرة من سنين طويلة، اتجبرت شويكار الألفي تعمل حاجة ما كانتش عايزاها. كان المفروض تحس بالهزيمة، لكن اللي جواها ما كانش هزيمة، كان غضب، والغضب عند شويكار عمره ما فضل مجرد إحساس. رفعت رأسها، عدلت هدومها وبدأت تمشي، وفي عقلها كان فيه إسمين فقط، رؤوف، و... أبو سلمى.




أما في المطبخ، بعيد عنها بأمتار قليلة، كانت مريم قاعدة جنب دادة أمينة تضحك على حكاية قديمة عن القصر، ولا مريم تعرف إن الست اللي بدأت ترتاح لها سمعت من سنين إسم أبو سلمى، ولا شويكار تعرف إن أول باب هتدور عليه علشان تدخل ماضي جوزها، موجود بالفعل تحت سقف بيتها.




نسرين بلعجيلي 




في شقة يوسف، كان الهدوء مختلف، مش هدوء راحة، هدوء واحد بيحاول ما يعملش صوت علشان الشخص اللي قدامه ما ينفجرش. عمر كان قاعد على طرف الكنبة من أكثر من عشر دقايق بنفس الوضع، كوعيه على ركبته، إيديه متشابكة ورأسه منحني بينهم.


يوسف خرج من المطبخ، حط كوباية مية قدامه، وقعد على الكرسي المقابل، ما سألوش للمرة العاشرة مالك، لأنه عارف من امبارح وعمر مش طبيعي، ما نامش غير ساعات متقطعة، كل ما يغمض عينه، يصحى، كل ما يسكت، يحط إيده على دماغه، وكل شوية يقوم يتمشى في الشقة من غير هدف ويرجع يقعد.


يوسف :


إشرب شوية مية.




عمر ما ردش، يوسف سابه، ثواني عدت وبعدين عمر رفع إيده وضغط بأصابعه على جانبي رأسه.


عمر :


دماغي هتنفجر.




يوسف :


من إنك ما نمتش.




عمر :


مش عايز أنام.




يوسف :


بقالك يومين بتقول نفس الجملة.




عمر رفع رأسه، عينيه كانت حمرا مش من حاجة أخذها، من قلة النوم ومن شيء ثاني يوسف يعرفه كويس، القلق.


عمر :


كل ما بنام بشوفها.




يوسف سكت، عمر رجع ضغط على رأسه.


عمر :


حتى وأنا صاحي بقيت بشوفها.




يوسف :


مين؟




عمر ضحك ضحكة قصيرة :


إنت عارف مين.




سكت لحظة.


عمر :


وشها لما شافتني عند الباب.




يوسف ما ردش.


عمر :


الخوف اللي كان في عينيها.


بلع ريقه.


عمر :


أنا عمري ما شُفت حد يبصلي كده.




يوسف :


عمر...




عمر :


حتى الناس اللي كرهتني ما بصتليش كده.




رفع رأسه وكمل :


هي كانت خايفة مني يا يوسف.




يوسف :


وأنت لازم تستحمل ده دلوقتي.




عمر بص له.


يوسف :


مش قصدي أعذبك. بس لو إنت فعلًا عايز تعرف الحقيقة وتصلح أي حاجة تقدر تصلحها، ماينفعش كل ما الحقيقة توجعك تهرب منها.




عمر قام فجأة، يوسف تابعه بعينيه، عمر بدأ يمشي، خطوتين ورجع، فتح إيده وقفلها، يوسف لاحظ الحركة، لاحظها من بدري، لكن المرة دي ما تجاهلهاش.




يوسف:


عمر.




ما ردش.


يوسف :


بصلي.




عمر وقف، لكن ما بصلوش، يوسف قام.


يوسف :


إنت محتاج إيه؟




عمر :


ولا حاجة.




يوسف :


كذاب.




عمر لف له بعصبية :


قُلت لك ولا حاجة.




صوته ارتفع، وبعدها مباشرة سكت كأنه هو نفسه اتفاجئ من حدته. يوسف ما اتحركش، عمر مسح وشه.


عمر :


أنا آسف.




يوسف :


إنت مش محتاج تعتذرلي. إنت محتاج تقول لي إيه اللي بيحصل.




عمر :


مافيش حاجة بتحصل.




يوسف :


أنا أعرفك من قبل ما إنت تعرف تعمل نفسك كويس.




إقترب منه.


يوسف :


إنت جسمك هنا...


وأشار لرأسه.


يوسف :


-ودماغك في حتة ثانية.




عمر :


-عايزها تسكت.




يوسف :


-مين؟




عمر ضرب بإصبعه على رأسه.


عمر :


-دي.




سكت ثم قال بصوت أخفض :


-عايز دماغي تسكت خمس دقايق بس.




الجملة خوفت يوسف، مش لأنه أول مرة يسمعها، بالعكس، لأنه سمع شبهها من عمر زمان، في أيام كانوا الاثنين فاكرين إنها انتهت.




يوسف :


-تعالى ننزل.




عمر :


-فين؟




يوسف :


-أي مكان، نمشي، نقعد في كافيه، نروح للدكتور، نعمل أي حاجة.




عمر هز رأسه :


-مش عايز.




يوسف :


-طيب أفضل معاك.




عمر :


-وأنا مش عايزك تفضل معايا.




يوسف :


-دي بقى مش هاخذ فيها رأيك.




عمر بص له، للحظة، إبتسامة صغيرة كادت تظهر، لكنها ماتت قبل ما تكمل.


عمر :


-أنا داخل آخذ دش.




يوسف فضل باصص له، عمر دخل ناحية الغرفة، يوسف انتظر دقيقة، إثنين، ثم سمع صوت باب. مش باب الحمام، باب الشقة. يوسف قام بسرعة.


يوسف :


-عمر!




فتح الباب، الممر كان فاضي، عمر نزل الجراج وهو تقريبًا بيجري، ما كانش عارف هو رايح فين، لكن كان عارف إنه لازم يخرج. ركب عربيته، قفل الباب، وحط إيديه على الدركسيون، نفسه كان سريع، طلع موبايله، فتح الأسماء، وقف عند إسم واحد: "خالد." فضل باصص للإسم، هو نفسه ما عرفش ليه بيتصل بيه، يمكن علشان خالد آخر شخص فاكره قبل ما الدنيا تتقطع في دماغه، يمكن علشان عايز يسأله هو اداله إيه، يمكن علشان جزء قديم ومريض جواه فاكر إن خالد يعرف يجيب الحاجة اللي تسكت رأسه. ضغط اتصال، إنتظر، الهاتف مغلق. جرب ثاني، مغلق. عمر رمى الموبايل على الكرسي جنبه.


عمر :


إبن الكلب.




شغّل العربية وخرج، على مسافة منه عربية ثانية خرجت بعده بدقائق، لا قريبة تكشف نفسها، ولا بعيدة تضيعه، الشخص اللي جواها ما اتصلش بعمر وما حاولش يقرب منه، كل اللي عمله إنه فتح موبايله وكتب رسالة قصيرة :


-«خرج لوحده.»




الرد جه بعد لحظات :


-«خليك وراه.»




مافيش إسم، ومافيش سؤال، كأن الشخص في الطرف الثاني كان مستني اللحظة دي.


عمر ساق وقت طويل من غير ما يحس بالطريق، عدى إشارات، شوارع، ناس، أصوات، وكل ده كان بيمر من حواليه كأنه بيتفرج عليه من وراء زجاج. الصداع زاد، وفي الآخر اضطر يركن، وقف في مكان جانبي بعيد عن الزحمة، سكت العربية، رجع رأسه للخلف، غمض عينيه، لكن أول ما غمضها، شاف سلمى واقفة عند باب الشقة، وشها اتغير أول ما شافته :


-«إنت... جبته هنا ليه؟»




فتح عينيه بسرعة.


عمر :


كفاية.




ضغط بإيده على عينيه، لكن الصوت الثاني جه :


-«إنت شفت الفيديو... وأنا عشته.»




عمر :


كفاية.




ثم الصوت الثالث :


-«أنا مش مسامحاك.»




ضرب الدركسيون بكف إيده.


عمر :


-قلت كفاية.




سكت، نفسه كان عالي، وبعدين خبط خفيف على زجاج العربية، عمر اتفزع، رفع رأسه، راجل واقف بره، ملامحه عادية جدًا لدرجة إن عمر لو شافه بعدها بيوم يمكن ما يفتكروش. عمر نزل الزجاج مسافة صغيرة.


عمر :


عايز إيه؟




الراجل بص له ثانيتين وبعدين إبتسم.


الراجل :


-واضح إنك محتاج مزاج.




عمر اتجمد، بص له.


عمر :


-إيه؟




الراجل:


-سمعتني.




عمر:


-إنت تعرفني؟




الراجل هز كتفه :


-لازم؟




عمر فضل باصص له، في أي يوم ثاني كان ممكن يقفل الزجاج ويمشي، يمكن يشتمه، يمكن ينزل يضربه، لكن النهارده، الجملة دخلت من الباب الوحيد اللي كان مفتوح جواه، عايز دماغه تسكت.


عمر :


عندك إيه؟




ابتسامة الراجل اتسعت قليلًا :


-حاجة جديدة.




عمر:


-إسمها إيه؟




الراجل :


الإسم مش مهم.


ثم قال بثقة :


-آخر حاجة نازلة السوق.




عمر سكت، وعقله، للحظة أخيرة، حاول يرجعه، يوسف، الفيديو، سلمى، خالد، الليلة اللي ما بيفتكرهاش، كلهم كانوا أسباب كفاية إنه يقفل الزجاج، لكن الغريب إنهم نفسهم كانوا السبب اللي خلاه ما يقفلوش.


بعد وقت...


كانت العربية لسه واقفة مكانها، لكن عمر ما بقاش بالشكل اللي كان عليه قبلها، الصداع ما اختفاش بمعجزة، والحقيقة ما اتمسحتش، وسلمى ما اختفتش من ذاكرته، لكن كل حاجة بقت أبعد كأن حد وطّى صوت العالم. عمر سند رأسه على الكرسي، غمض عينيه، ولأول مرة من يومين ما حاربش علشان يفتحهم.


الموبايل كان في إيده، فتح إسم يوسف، ضغط إتصال، يوسف رد من أول رنة :


-إنت فين؟!




عمر سكت.


يوسف :


-عمر.




عمر :


-تعالى خذني.




يوسف سكت، نبرة صوته وحدها كانت كفاية.


يوسف :


-إنت عملت إيه؟




عمر بص قدامه :


-ولا حاجة.




يوسف :


عمر، بصلي...


سكت يوسف لما افتكر إنه مش قدامه، ثم قال بسرعة :


-قُلي إنت فين.




عمر بعت له موقعه.


يوسف :


ما تسوقش.




عمر ضحك ضحكة هادية غريبة :


-مش هسوق.




يوسف :


وإوعى تتحرك من مكانك.




عمر :


حاضر.




يوسف قفل، وعمر رمى الموبايل جنبه، غمض عينيه، العربية اللي كانت بتراقبه فضلت في مكانها البعيد، الشخص جواها شاف الراجل يبعد عن عربية عمر وشاف عمر ما اتحركش، فتح موبايله، كتب :


-«تم.»




الرد اتأخر ثواني ثم ظهر :


-«خلاص. إبعد.»




شغّل عربيته ومشي. لما يوسف وصل، عرف من أول ما شاف عمر إن اللي كان خايف منه حصل. فتح باب العربية.


يوسف :


-عمر.




عمر فتح عينيه ببطء، إبتسم :


-إتأخرت.




يوسف ما ردش، مد إيده وأخذ مفتاح العربية من غير ما يسأله، عمر ما اعترضش، وده خوّفه أكثر.


يوسف :


-إنزل.




عمر :


-أنا كويس.




يوسف :


-إنزل يا عمر.




عمر خرج، وقف للحظة كأنه بيجمع نفسه، يوسف مسكه من ذراعه علشان يثبته، عمر بص لإيده ثم لوشه.


عمر :


-ما تخافش.




يوسف :


-أنا مش خايف.




لكن صوته فضحه، عمر إبتسم :


-كذاب.




يوسف قرب منه :


-إنت أخذت حاجة؟




عمر سكت.


يوسف :


-بصلي.




عمر بعد عينيه، وهنا يوسف عرف، ما احتاجش اعتراف، ولا إسم ولا دليل، كل اللي احتاجه إن صاحبه لأول مرة من سنين رفض يبص في عينه.


يوسف :


-إنت رجعت؟




عمر فضل ساكت، يوسف شد على ذراعه.


يوسف :


-أنا بسألك... إنت رجعت؟




عمر رفع عينيه أخيرًا والابتسامة اللي كانت على وشه اختفت.




عمر :


-أنا ما كنتش عايز أرجع.




يوسف :


-أمال عملت كده ليه؟




عمر سكت فترة وبعدين قال :


-علشان أنسى.




يوسف بص له بوجع.


يوسف :


-تنسى إيه يا عمر...




صوته هدي.


يوسف :


-وإنت أصلًا مش فاكر؟




عمر عينيه اتحركت بعيد، وسلمى رجعت قدامه للحظة، لكن المرة دي صوتها كان بعيد، بعيد جدًا.


عمر :


-مش بحاول أنسى اللي عملته.




بلع ريقه وكمل :


-أنا بحاول أنسى...




سكت، ثم رفع عينيه ليوسف.


عمر :


-إني ممكن أكون الشخص اللي عمله.




يوسف ما لاقاش حاجة يقولها، فتح باب عربيته وساعده يركب، لكنه قبل ما يقفل الباب، بص ناحية الشارع، ماكانش فيه حد ولا عربية واقفة، ولا الراجل اللي خبط على الزجاج، ولا الشخص اللي كان بيراقب من بعيد. الشارع رجع عادي جدًا، وده كان أكثر شيء مخيف فيه، لأن عمر كان فاكر إنه اختار يرجع لوحده، ويوسف كان فاكر إن صاحبه وقع في لحظة ضعف، ولا واحد فيهم كان يعرف إن فيه حد من بعيد كان مستني اللحظة اللي عمر يضعف فيها، وكل اللي عمله، إنه حط الحاجة في طريقه.




الإسكندرية...


البحر كان قريب، قريب لدرجة إن بوسي كانت شايفة جزء منه من شباك العربية وهي قاعدة جنب خالد، لكنها ما بصتلوش غير مرة واحدة، طول الطريق كانت باصة لقدام، ساكتة، وإيدها كل شوية تطلع ناحية خدها، وبعدين تقف قبل ما تلمسه. الجرح اتقفل، الألم نفسه بقى أخف، لكن العلامة هي اللي فضلت، خط على جانب وشها لسه لونه مختلف عن باقي بشرتها، وكل مرة تبص في المراية تحس إنها مش شايفة جرح، شايفة الليلة كلها، خالد، خوفها والسكينة.


من ساعة ما اتجوزها وهي كانت مستنية اليوم ده، هو وعدها، قال لها إنه هيوديها لأحسن دكتور، وإن وشها هيرجع زي الأول، ويمكن أحسن، العربية وقفت قدام مركز جلدية وتجميل معروف. خالد نزل، لف ناحية بابها وفتحه.


خالد :


-يلا.




بوسي فضلت مكانها، خالد بص لها وقال :


-مالك؟




بوسي :


-خايفة.




ملامحه لانت قليلًا.


خالد :


-من إيه؟




بوسي بصت له :


-تقول مافيش حاجة تتعمل.




خالد :


-مافيش الكلام ده.




بوسي :


-إنت عارف؟


نسرين بلعجيلي 


خالد :


-عارف إن الفلوس بتعمل كل حاجة.




بوسي ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها ما علقتش لأنها بدأت تعرف إن خالد مؤخرًا بيتكلم عن الفلوس بطريقة مختلفة، من يوم ما بقى عنده منها كثير.


الدكتورة كانت ست في منتصف الأربعينات، هادية، ما وعدتش بوسي بمعجزة، وده أول شيء خلا بوسي تثق فيها. قربت منها تحت إضاءة قوية، فحصت العلامة من أكثر من زاوية، وسألتها الجرح حصل إمتى، وهل حصل إلتهاب، وهل كان عميق.


بوسي كانت بتجاوب، وخالد واقف بعيد.


الدكتورة :


-الخبر الكويس إن فيه حاجات نقدر نعملها.




بوسي رفعت عينيها بسرعة.


بوسي :


-يعني هيروح؟




الدكتورة ما جاوبتش بالكلمة اللي بوسي كانت مستنياها :


-أنا ما بحبش أقول لمريض إن ندبة هتختفي مية في المية، هدفي إن شكلها يتحسن جدًا وتبقى أقل وضوحًا.




إبتسامة بوسي اختفت قليلًا، الدكتورة لاحظت.


الدكتورة :


-بس حالتك مش ميؤوس منها خالص.




بوسي :


-هحتاج عملية؟




الدكتورة رجعت بصت للجرح.


الدكتورة :


-ممكن نحتاج تنقيح جراحي للندبة، لكن مش معنى إنك جيتي النهارده إني هدخلك عملية بكرة.




خالد قرب وسأل :


-ليه؟




الدكتورة بصت له :


-لأننا بنتعامل مع ندبة في الوجه، مش بنسابق الزمن. لازم أشوف الجرح وهو بيستقر، وبعدها أحدد أنسب توقيت وأنسب طريقة.




بوسي :


-والعملية بتعمل إيه؟




الدكتورة شرحت لها ببساطة إن الهدف لو اختاروا التدخل الجراحي هو تحسين شكل الندبة وإعادة إغلاقها بطريقة تجميلية أدق، وإن النتيجة ممكن تحتاج متابعة وعلاجات إضافية بعد كده حسب استجابة جلدها.




بوسي :


-يعني ممكن أحتاج ليزر كمان؟




الدكتورة :


-ممكن. وممكن ما نحتاجش، الحكم بعد ما أشوف تطور الندبة.




خالد ما كانش مهتم بالتفاصيل قد اهتمامه بحاجة واحدة.


خالد :


-التكلفة كام؟




بوسي بصت له.


الدكتورة :


-لو احتجنا مراجعة جراحية بالشكل اللي أنا متوقعاه، احسب تقريبًا خمسة وعشرين ألف للعملية نفسها، لكن الرقم النهائي بيتحدد بعد تقييم الحالة والخطة كاملة.




بوسي فتحت عينيها.


بوسي :


خمسة وعشرين ألف؟!




خالد ما رمش حتى :


-مافيش مشكلة.




بوسي لفت له.


خالد :


-إعملي اللي محتاجاه.




الدكتورة :


-أنا مش هعمل حاجة لمجرد إن الميزانية موجودة، هنعمل اللي الحالة محتاجاه فقط.




خالد :


-وأنا عايز أحسن نتيجة.




بوسي كانت باصة له، خمسة وعشرين ألف جنيه؟ من فترة مش بعيدة خالد كان ممكن يقعد أسبوع يحسب ألف جنيه هتطلع منين، دلوقتي الرقم عدى عليه كأنه ثمن عشا.


بوسي :


-خالد.




بصلها، بوسي :


-إنت معاك الفلوس دي كلها منين؟




الصمت جه سريع، لكنها شافته لحظة واحدة اتغيرت فيها عينه، ثم ابتسم.


خالد :


-إنتِ ناسية إن جوزك بقى راجل غني؟




بوسي :


-أنا بتكلم جد.




خالد :


-وأنا كمان.




بوسي :


-منين؟




خالد قرب منها، وعدل طرف شعرها بعيد عن ناحية الجرح.


خالد :


-إنتِ مالك؟




بوسي سكتت.


خالد :


-كل اللي يهمك إن وشك يرجع زي ما كان.




بوسي فضلت باصة له :


-والفلوس...




إبتسم.


خالد :


-سيبيها عليا.




لكن وهي خارجة معاه من العيادة، الجملة ما ريحتهاش، لأن بوسي كانت تعرف منين جه جزء من الفلوس، من سلمى، أو بالأصح، من الثمن اللي خالد قبضه بعد ما ساب أخته في بيت عمر الألفي، ولأول مرة، وهي ماشية جنب جوزها سألت نفسها سؤال ما حبتش إجابته: 


"لو خالد قدر يحوّل مصيبة أخته لفلوس، هي نفسها تساوي كام عنده؟"




وفي القاهرة...


كانت سلمى قاعدة لوحدها، الجناح الفندقي كان هادي، أهدى مما تحتمل. من يوم ما كل حاجة حصلت، بقت تكره الهدوء، لأن الزحمة بتشغلها، صوت الناس يشغلها، التلفزيون يشغلها، حتى صوت العربيات تحت الشباك كان أرحم. لكن لما كل حاجة تسكت، دماغها تبدأ تتكلم، وسلمى بقت تخاف من دماغها.


كانت قاعدة على الأرض جنب السرير، مش فوقه، ضامة رجليها لصدرها، لابسة هدوم واسعة وشعرها مربوط بسرعة، قدامها شنطة مفتوحة، لكنها ما كانتش بتحضرها، هي فتحتها من ساعة تقريبًا ونسيت أصلًا كانت عايزة تعمل إيه. بصت حواليها:


سويت كبير، سرير كبير، ستائر ثقيلة، حمام رخام، تكييف، أكل تقدر تطلبه في أي وقت، أمان، ده المفروض إسمه أمان.


ضحكت ضحكة صغيرة خرجت وسط العياط وقالت لنفسها :


-أمان.




مسحت دموعها، لكنها نزلت ثاني.


سلمى :


-أنا حتى ما بقيتش عارفة يعني إيه أمان.




بصت للباب، مقفول. قامت راحت له، جربت القفل، مقفول. رجعت خطوتين وبعدين رجعت جربته ثاني، مقفول. عارفة إنه مقفول، هي اللي قفلته لكن عقلها مابقاش يصدق الحاجة من مرة واحدة. رجعت قعدت وبصت لإيديها، نفس الإيدين اللي كانت من أسابيع بتغسل أرض شقة عمر، تلم هدومه، ترتب حاجاته، وتستنى آخر الشهر علشان تقبض كام جنيه توديهم البيت. كانت فاكرة إن دي أصعب حياتها، يا ريتها كانت تعرف.


سلمى :


-أنا كنت زعلانة من إيه؟




شهقة خرجت منها.


سلمى :


-كنت زعلانة إن الفلوس قليلة؟




ضحكت وهي بتعيط :


-كنت زعلانة إني بخدم في بيوت الناس؟




مسحت وشها :


-يا ريتني فضلت خدامة طول عمري.




الجملة كسرتها، غطت وشها بإيديها وعياطها المرة دي ما كانش هادي، كان عياط واحدة فضلت ماسكة نفسها أيام لحد ما جسمها نفسه تعب من التمثيل.


سلمى :


-يا ريتني ما دخلت البيت ده.




نفسها اتقطع.


سلمى :


-يا ريتني ما عرفتك يا عمر.




سكتت، وبعدين همست :


يا ريتني ما سمعت كلامك يا خالد.




وهنا، العياط اتحول، ما بقاش خوف بس، بقى وجع.


سلمى :


-أنا عملت لك إيه؟




قالتها كأن خالد قدامها :


-أنا عملت لك إيه علشان تعمل فيا كده؟




رفعت وشها :


-أنا أختك.




الجملة خرجت ضعيفة.


سلمى :


-أنا أختك يا خالد.




حطت إيدها على صدرها.


سلمى :


-كنت فاكرة لو الدنيا كلها رمتني إنت ما ترمنيش.




ضحكت بمرارة.


سلمى :


-طلعت إنت أول واحد رماني.




افتكرت الباب، خالد واقف عنده وهي بتترجاه :


«بالله عليك ما تسبنيش.»


وهو ما لفش.


«ربنا معاكِ.»




سلمى غمضت عينيها :


حتى ما بصتش وراك.




هزت رأسها.


سلمى :


-أنا كنت بترجاك.




دموعها نزلت أكثر.


سلمى :


-عمري ما اترجيت حد بالشكل ده.




ثم افتكرت الفلوس، الاثنين مليون.


سلمى :


وبعتني.


سكتت ثم كملت :


-أخذت ثمني ومشيت.




رفعت عينيها ناحية المراية المقابلة، صورتها كانت بعيدة، صغيرة وسط الغرفة الكبيرة. قامت ببطء، وقفت قدامها، فضلت باصة لنفسها.


سلمى :


-دي مرات عمر الألفي.




ضحكت.


سلمى :


حلو الإسم؟




مسحت دمعة.


سلمى :


-مدام عمر الألفي.




قالتها بسخرية :


-عندها سويت في فندق.




سكتت.


سلمى :


-وعندها ناس بتحرسها.




سكتت ثانية.


سلمى :


-وجوز غني.




شهقة قطعت الجملة.


سلمى :


-بس ما عندهاش بيت.




حطت إيدها على المراية.


سلمى :


-ولا أخ.




صوتها بدأ يختفي :


-ولا صاحبة.




افتكرت بوسي، اختفت، ولا حتى عارفة هي فين.


سلمى :


-ولا حياة ترجع لها.




بعدت إيدها عن المراية وبصت لنفسها كأنها بتشوف واحدة ثانية.


سلمى :


-أنا مين دلوقتي؟




مافيش إجابة.


سلمى :


-لو طلعت من هنا أروح فين؟




سكتت.


سلمى :


-بيتي راح، خالد راح، بوسي راحت، شغلي راح، إسمي اتربط بواحد أنا بخاف منه.


نسرين بلعجيلي 


نفسها بدأ يسرع.


سلمى :


-ولو فضلت...




بصت للباب.


سلمى :


-أستنى إيه؟ الفيديو؟ حد يبعث جزء ثاني؟ حد يشوفني؟ حد يهددني؟ عمر يظهر؟ خالد يرجع؟ شويكار تقرر إنها عار على إسمهم؟




سلمى رفعت إيديها على ودانها.


سلمى :


-كفاية.




لكن عقلها ما سكتش.


سلمى :


-كفاية.




قامت تمشي في الغرفة.


سلمى :


-أنا تعبت.


لفت.


سلمى :


-أنا والله تعبت.




وقفت في نص السويت.


سلمى :


-أنا ما طلبتش حاجة من حد.




صوتها علي :


-سمعتوني؟!




ولا حد سمع.


سلمى :


-أنا ما طلبتش قصر.




شهقة.


سلمى :


-ولا فلوس. 




شهقة ثانية.


سلمى :


ولا عمر الألفي.




بكت.


سلمى :


أنا كنت عايزة أعيش بس.




الجملة الأخيرة خرجت صغيرة، أصغر من كل اللي قبلها.


سلمى :


كنت عايزة أعيش...




وسكتت طويلًا وبعدين كأنها سمعت الكلمة لأول مرة:"أعيش."


رفعت رأسها، بصت ناحية الشباك الكبير، الستارة كانت مفتوحة، القاهرة تحتها مليانة أنوار، ناس ماشية، عربيات، حياة كاملة مكملة من غير ما تعرف إن فيه بنت فوق، في جناح فندق غالي، حاسة إن الدنيا كلها انتهت.


سلمى مشيت ناحية الشباك، خطوة، ثم خطوة، وقفت قدامه، دموعها بطلت للحظة، بصت لتحت وبعدين همست :


-هو ليه الواحد لازم يكمل؟




السؤال خرج هادي جدًا، وده كان أخطر من العياط. الموبايل رن خلفها، ما لفتتش، رن مرة ثانية، فضلت مكانها، الثالثة، بصت لانعكاس الموبايل في المراية :


رحيم..


ما ردتش، المكالمة انتهت. رجع اتصل، سلمى مدت إيدها ناحية الستارة وسحبتها، إختفت المدينة، الغرفة بقت أغمق، الموبايل رن للمرة الخامسة وبرضه ما ردتش.


وبعد دقائق، في مكان ثاني، رحيم كان باصص للشاشة، خمس مكالمات، ولا رد. إتصل للمرة السادسة:مغلق.


ملامحه اتغيرت، قام بسرعة.


وفي الجناح، كان الموبايل مرمي على الأرض والغرفة ساكتة والستارة مقفولة.


وسلمى...


ما كانتش في المكان اللي كانت قاعدة فيه من دقائق.


يتبع...




اللهم في نهاية هذا الفصل، نسألك ألا تترك قلبًا وحيدًا في أشد لحظات ضعفه.


اللهم من وقف على حافة اليأس، فرده إليك ردًا جميلًا، ومن أرهقته الحياة حتى ظن أنه لا يستطيع أن يكمل، فأنزل على قلبه سكينة تقول له إن الغد قد يحمل ما لم يستطع اليوم أن يراه.


اللهم لا تجعل وجعنا سببًا في ضياعنا، ولا أخطاءنا سلاسل تقيد أعمارنا، وافتح لنا بعد كل باب أُغلق بابًا أرحب منه.


اللهم احفظنا من خيانة القريب، ومن مكر الخفي، ومن يد تمتد إلينا وقت ضعفنا لا لتنقذنا بل لتزيد سقوطنا.


اللهم إن كانت هناك أسرار دُفنت ظلمًا، فأخرجها إلى النور، وإن كان هناك حق ضاع، فرده إلى صاحبه، وإن كان هناك مذنب يظن أن السنوات أخفت أثر ما فعل، فأرنا فيه عدلك الذي لا ينام.


واجبر يا رب من قال في سره: «أنا تعبت.»


واجبر من لم يجد أحدًا يسمعه.


واجبر من بكى وحده خلف باب مغلق.


واجبر من خانه من كان يظنه أمانه.


ولا تجعل أحدًا منا يصل إلى لحظة يسأل فيها: «ليه أكمل؟» إلا وترسل إلى قلبه ألف سبب يقول له:


لأن الحكاية لسه ما خلصتش... ولأن ربنا قادر يغيّر النهاية كلها.



آمين يا رب العالمين...



              الفصل الثامن والعشرون من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة