
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم إنا نسألك قلبًا إذا ضاقت به الدنيا لم ييأس، وإذا أثقله الوجع لم يستسلم، وإذا وقف وحيدًا أمام الحياة وجدك أقرب إليه من كل شيء.
اللهم كن مع كل قلب قال في سره: تعبت، ولم يجد من يسمعه، ومع كل إنسان يحارب معركة لا يعرف عنها أحد شيئًا.
اللهم لا تجعل ضعفنا بابًا يدخل منه من يريد بنا سوءًا، ولا تجعل خوفنا سلاحًا في يد من لا يرحم، واحفظنا من شر من يترصد لحظات انكسارنا، ومن يزرع في طريقنا ما يؤذينا ثم يقف بعيدًا يتفرج على سقوطنا.
اللهم إن كانت هناك حقيقة ضاعت بين الكذب والخوف والسنين، فأظهرها، وإن كان هناك مظلوم لا يعرف لماذا حدث له ما حدث، فرد إليه حقه، واجبر قلبه جبرًا يليق بعدلك ورحمتك.
اللهم أعن من يحاول أن ينسى وجعًا لا يُنسى، وأنقذ من يحاول الهروب من نفسه، ورد كل تائه إلى طريقه قبل أن يخسر نفسه وهو يبحث عن لحظة راحة.
ولا تجعل يا رب الماضي قبرًا نعيش داخله، ولا سرًا قديمًا يهدم حاضرنا، واكتب لنا من بعد الخوف أمانًا، ومن بعد الظلم عدلًا، ومن بعد الانكسار بداية جديدة.
آمين يا رب العالمين.
#جريمة_إسمها_زواج
@Nisrine Bellaajili
نسرين بلعجيلي
أوقات بنفتكر إن النسيان رحمة...
وإن أصعب حاجة ممكن تحصل للإنسان إنه يفضل فاكر وجع نفسه ينساه.
بس يمكن الأصعب من إنك تفتكر...
إنك تصحى في يوم وتكتشف إن فيه جزء من حياتك إنت مش فاكره، بينما شخص تاني عايش كل تفاصيله ومش قادر ينساه.
واحد نفسه ذاكرته ترحمه...
وواحد نفسه ذاكرته ترجع له.
واحد بيهرب من اللي عاشه...
وواحد بيجري ورا اللي ضاع منه.
وبين اللي فاكر واللي ناسي، بتفضل الحقيقة واقفة في النص...
لا بتواسي ده، ولا بترحم ده.
لأن بعض الذكريات بتوجع لما نفتكرها...
وبعضها بيكون أخطر لما ننساها.
لكن في الآخر، يمكن النجاة مش إننا ننسى، ولا إننا نفتكر كل حاجة...
يمكن النجاة الحقيقية إننا نتعلم نعيش بعد الحقيقة،
من غير ما نخلي اللي حصل لنا ياخد مننا باقي عمرنا.
نسرين بلعجيلي
Nisrine Bellaajili
*الفصل الثامن والعشرون*
«اللي فاكر... واللي ناسي»
سلمى ما كانتش واقفة عند الشباك، وما كانتش قاعدة على الأرض في نفس المكان اللي سابت فيه موبايلها، كانت في الحمام قاعدة على البلاط الساقع، ظهرها مسنود على حافة البانيو وضامة رجليها لصدرها، كأنها بتحاول تصغّر نفسها، تصغر أوي، لدرجة إن محدش يشوفها، لا خالد.. ولا عمر.. ولا شويكار.. ولا الراجل المجهول اللي عرف هي ساكنة فين.. ولا حتى الكاميرا اللي قدرت تدخل أكتر لحظة في حياتها كانت تتمنى لو تقدر تمسحها من ذاكرتها أصلًا.
من كام دقيقة بس، كانت واقفة قدام الشباك، وسألت نفسها سؤال خوّفها، خوّفها أوي، ولما سمعت السؤال خارج بصوتها، خافت أكثر، مش من الموت، من نفسها، من إنها وصلت لمرحلة بقت فيها الحياة نفسها سؤال محتاج إجابة. هربت من الشباك، قفلت الستارة بعنف، دخلت الحمام وقفلت الباب وراها، كأنها بتهرب من فكرة، مش من مكان، ودلوقتي كانت قاعدة على الأرض، باصة للبلاط قدامها، ساكتة، حتى العياط وقف، وده كان أغرب حاجة لأنها من أيام وهي بتعيط، بتعيط من الخوف.. من الوجع.. من خالد.. من عمر.. من نفسها. لكن دلوقتيمافيش دموع. كأن جسمها نفسه تعب، تعب من الخوف، تعب من العياط، تعب من إنه كل شوية يستعد لمصيبة جديدة قبل حتى ما القديمة تخلص، رفعت راسها شوية وبصت للمراية اللي قدامها، مكانها على الأرض ما كانش مخليها تشوف نفسها كاملة، كانت شايفة جزء من وشها بس، عين واحدة، نص جبهتها، طرف شعرها. إبتسمت ابتسامة باهتة، حتى صورتها بقت ناقصة. مدت رجليها واحدة واحدة، وبعدين قالت بصوت واطي :
-أنا كنت عايزة إيه؟
سكتت، إستنت كأن فيه واحدة ثانية قاعدة معاها في الحمام هترد عليها، بس محدش رد. حاولت تفتكر نفسها قبل كل ده، مش قبل عمر بس، قبل خالد، قبل الفلوس، قبل الجواز، قبل ما إسم الألفي يدخل حياتها ويقلبها بالشكل ده. كانت عايزة إيه؟ شقة كبيرة؟ لأ.
عربية؟ عمرها أصلًا ما فكرت فيها.
هدوم غالية؟ حتى دي ما كانتش من أحلامها.
كانت أمانيها صغيرة أوي، صغيرة لدرجة إنها دلوقتي حسّت بالقهر وهي بتفتكرها، مرتب يكفي لآخر الشهر، أوضة تقفلها عليها، هدوم جديدة تشتريها من غير ما تمسك الحاجة وتقلب التيكيت ثلاث مرات وتحسب لو اشترتها هيفضل معاها كام، يوم إجازة تنام فيه للظهر من غير ما حد يصحيها، تجيب لنفسها حاجة نفسها فيها من غير ما خالد يسألها :
دفعتِ كام؟
يمكن تتجوز في يوم، راجل عادي، بيت عادي، خناقات عادية، أطفال، فاتورة كهربا تزعل منها، تتخانق مع جوزها علشان نسي يجيب طلبات البيت، تزعل منه علشان نسي عيد ميلادها، تروح تحكي لبوسي وهي متضايقة وبوسي تقول لها إنها مكبرة الموضوع، حياة عادية.
شهقت فجأة، وحطت إيدها على بُقها لأنها لأول مرة فهمت إن أكثر حاجة وحشتها مش البيت القديم، ولا حتى أخوها، وحشتها تفاهة مشاكلها القديمة. يا ريت أكبر مصيبة في حياتها دلوقتي كانت إن المرتب خلص يوم عشرين، يا ريت كانت قاعدة في أوضتها القديمة بتتخانق مع خالد علشان فاتورة، يا ريت كانت راجعة من الشغل رجليها بتوجعها وبتشتم في المواصلات، يا ريت بوسي تدخل عليها وتقول لها إن الفستان اللي اشترته وحش، يا ريت...
نسرين بلعجيلي
بوسي... ملامحها اتجمدت، إسمها لوحده بقى يوجع، هي كمان راحت، مش عارفة راحت فين، مش عارفة ليه اختفت، ومش عارفة إذا كانت أصلًا عايزة تشوفها ولا لأ. كل الناس راحت واحد ورا التاني كأن حد كان بيفضي حياتها من الناس واحدة واحدة، لحد ما سابها واقفة في النص لوحدها. رفعت راسها ناحية السقف.
سلمى :
-أنا عملت إيه؟
صوتها اتكسر.
سلمى :
-أنا عملت لكم إيه علشان تعملوا فيا كده؟
نزلت عينيها، وعمر جه في دماغها، مجرد ما إسمه عدى جواها، جسمها كله اتشد. الصورة سبقت التفكير، إيده، صوته، وشه. الوش اللي ما كانش شبه الراجل اللي شافته بعدها واقف قدام باب الشقة. غمضت عينيها بسرعة، لأ، مش عايزة تشوف، مش عايزة تفتكر، لكن الذاكرة ما بتستأذنش، ودي كانت أكثر حاجة ظالماها، الواحد يقدر يقفل باب، يقفل موبايل، يسافر، يغير عنوانه، يختفي،لكن دماغه يقفلها إزاي؟ فين مفتاحها؟ فين الزر اللي يخليها تسكت لما هي تكون عايزة تسكت؟
فتحت عينيها وهمست :
-إنت مش فاكر.
ضحكت ضحكة قصيرة ومكسورة، وقالت :
-وأنا فاكرة.
الجملة لوحدها كانت كفاية ترجع الدموع، نزلت دمعة، وبعدها واحدة تانية.
سلمى :
-إنت كل مشكلتك إنك مش فاكر.
سكتت شوية.
وبعدين قالت :
-وأنا كل مشكلتي إني مش عارفة أنسى.
مسحت وشها بعنف، كانت متعصبة من دموعها، من جسمها، من خوفها، من إنها حتى وهي لوحدها، لسه بتعيط.
قامت من على الأرض، رجليها كانت ضعيفة من القعدة الطويلة، فمسكت في الحوض لحد ما ثبتت نفسها. وقفت قدام المراية كاملة المرة دي وبصت لنفسها، طولت أوي وهي باصة، الست اللي قدامها ما بقتش شبه البنت اللي كانت بتنظف شقة عمر، ولا البنت اللي كانت بتخاف من خالد، ولا حتى سلمى اللي كانت من كام أسبوع بس تعرف شكل بكرة.
مدت صوابعها ناحية المراية، وقبل ما تلمسها، وقفت.
سلمى :
-أنا مش هموت.
الجملة خرجت فجأة، حتى هي نفسها اتفاجئت بيها، بصت لنفسها أكثر وقالتها ثاني، بصوت أعلى :
-أنا مش هموت.
نفسها اتهز.
سلمى :
-مش علشان الحياة حلوة.
بلعت غصتها.
سلمى :
-ولا علشان أنا قوية.
سكتت وبعدين قالت :
-علشان مش هسيبكم تاخذوا دي كمان.
فضلت باصة لنفسها، ولأول مرة من أيام، ما طلبتش من الست اللي في المراية تبقى قوية، ولا طلبت منها تنسى، ولا تسامح، ولا تفهم. طلبت منها حاجة واحدة بس، تفضل موجودة، تعيش الليلة دي، وبكرة... بكرة يبقى له رب.
خرجت من الحمام، أول حاجة شافتها كان الموبايل مرمي على الأرض، الشاشة سودا. إنحنت وخذته، فتحت الشاشة، مكالمات فائتة كلها من رحيم. بصت للإسم وقت طويل، ما اتصلتش، لكن فتحت الرسائل وكتبت :
«أنا كويسة.»
فضل صباعها فوق الشاشة وبعدين زودت :
«محتاجة أبقى لوحدي شوية. ما تجيش.»
بعثت. ما عدتش ثواني وظهر إنه قراها. الموبايل رن، رحيم. بصت له، قفلت الرنة، رجع اتصل، رفضت المكالمة، وبعدها جت رسالة :
«مش هاجي. بس ردي عليا بكلمة كل فترة علشان أعرف إنك بخير.»
قرت الرسالة مرة، وبعدين مرة ثانية، كانت مستنية حاجة زيادة، سؤال : كنتِ فين؟ ليه ما رديتيش؟ بتعملي إيه؟ ليه قفلتِ الموبايل؟
لكن مافيش حاجة من دي جت، لا تحقيق، لا أوامر، لا محاولة منه يطلع لها، ولا محاولة يفتح الباب اللي هي قفلته، مجرد طلب إنه يعرف إنها لسه بخير.
حطت الموبايل على السرير، راحت ناحية الباب، جربت القفل، مرة، وقفت، وبعدين جربته ثاني، مقفول. رجعت ناحية السرير، قعدت، ما نامتش، لكنها كمان ما رجعتش للشباك، وده بالنسبة لليلة دي كان كفاية...
وفي مكان ثاني من القاهرة، كان عمر يتمنى لو راسه ترجع توجعه، الوجع كان أرحم، على الأقل الصداع حاجة عارف إسمها، حاجة يقدر يحط إيده على راسه ويقول :
أنا موجوع.
لكن الهدوء اللي دخل دماغه دلوقتي كان مرعب. كان قاعد جنب يوسف في العربية، راسه مسنودة على الإزاز، والشوارع بتعدي قدام عينيه كأنها صور مالهاش علاقة بيه. يوسف ما اتكلمش، من ساعة ما لقاه في العربية بالحالة دي، ما سألوش غير سؤال واحد :
«إنت رجعت؟»
وعمر من وقتها مش قادر يطلع الكلمة من دماغه، "رجعت"، الكلمة نفسها كانت أسوأ من أي شتيمة، لأن الرجوع معناه إنه كان هناك قبل كده، معناه إن كل السنين اللي قضاها بيقول لنفسه إن الصفحة دي اتقفلت، كانت الصفحة موجودة، هو بس ما كانش بيفتحها. بص لإيده، نفس الإيد، فتح صوابعه، قفلهم، وبعدين فتحهم ثاني. حاول يفتكر.. الراجل، الشارع، اللحظة اللي أخذ فيها القرار، كان يقدر يقول لأ، ودي أكثر حاجة كانت بتقتله.
في ليلة سلمى كان فيه خالد، حباية ما كانش عارف حقيقتها، فراغ في ذاكرته، وحاجات حصلت لجسمه ودماغه مش عارف بدأت إزاي، يقدر يقف قدام نفسه ألف مرة ويقول :
-حد عمل فيا حاجة.
لكن النهارده، مين؟ مين أجبره؟ مين مسك إيده؟ مين قال له لازم؟ محدش. الراجل عرض عليه الهروب، وهو أخذه بإرادته.
غمض عينيه، الكلمة دارت في راسه، بإرادته، فتحهم بسرعة. يوسف لاحظ حركته، لكنه فضل ساكت، عمر لف له.
عمر :
-قُلها.
يوسف ما بصلوش.
يوسف :
-أقول إيه؟
عمر :
-اللي عايز تقوله.
يوسف شد إيده على الدركسيون وقال :
-مش دلوقتي.
عمر ضحك بسخرية :
-خايف عليا؟
نسرين بلعجيلي
يوسف :
-آه.
السخرية اختفت من وش عمر، الإجابة كانت أبسط من اللي توقعه. رجع بص قدامه.
عمر :
-أنا مش خايف على نفسي.
يوسف رد بعد شوية :
-ودي المشكلة.
سكت عمر، كان المفروض يتعصب، يرد، يتخانق، لكنه ما كانش عنده طاقة حتى يعمل كده. باب شقة سلمى رجع قدام عينيه، هي واقفة وراه وهو بره. الخوف اللي ظهر في عينيها أول ما شافته، صوتها رجع :
«إنت شفت الفيديو... وأنا عشته.»
بلع ريقه، وفجأة قال :
-هي كانت صح.
يوسف بص له بسرعة ورجع بص للطريق.
يوسف :
-مين؟
عمر :
-سلمى.
وسكت، لأن مجرد ما نطق إسمها، الحاجة اللي خذها ونجحت شوية تبعد صوتها من دماغه، بطلت تشتغل. وشها رجع، صوتها رجع، رجفة جسمها لما شافته رجعت. أخذ نفس طويل.
عمر :
-أنا رُحت لها علشان أشوف بعيني إذا كانت خايفة مني.
يوسف :
-وعرفت؟
عمر هز راسه :
-آه.
سكت شوية، وبعدين ضحك ضحكة مافيهاش أي فرحة.
عمر :
-وبعد ما عرفت إنها خايفة مني، رُحت عملت إيه؟
يوسف ما جاوبش، عمر جاوب نفسه :
رُحت بقيت واحد لازم تخاف منه أكثر.
الجملة ملت العربية، يوسف أخيرًا ركن على جنب، طفى العربية، لف ناحية صاحبه لكنه ما لقاش عمر بيعيط، وده كان أسوأ، كان هادي.. هادي بطريقة تخوف، وباصص لإيديه.
عمر :
-أنا كنت عايز دماغي تسكت.
يوسف :
-عارف.
عمر هز راسه :
-لأ، إنت مش عارف.
رفع عينيه له وكمل :
-أنا من ساعة ما شفت الفيديو وأنا كل ما أقفل عيني أشوف نفسي.
صوته بدأ يتغير.
عمر :
-مش هي، أنا، الراجل اللي في الفيديو.
وقف شوية يدور على الكلام.
عمر :
-أنا ببص عليه ومش عارفه، وبعدين أبص في المراية..
وأشار لنفسه.
عمر :
-ألاقي نفس الوش.
نفسه بقى أثقل :
-إنت فاهم ده يعمل إيه في الواحد؟
يوسف ما قاطعوش.
عمر :
-أنا طول عمري عملت بلاوي، شربت، ضيعت فلوس، اتخانقت، أذيت نفسي، أذيت أمي، كسرت حاجات كتير، بس كنت عارف أنا مين. حتى وأنا زبالة، كنت عارف أنا الزبالة دي.
بلع ريقه وكمل :
-دلوقتي أنا مش عارف.
سكت وقت طويل، وبعدين خرج السؤال اللي من ساعة الفيديو وهو بيجري منه.
عمر :
-أنا لو افتكرت...
صوته وطي.
عمر :
-ممكن أكتشف إني أسوأ من اللي شفته؟
يوسف بص له، وما قالش لأ، ما قالوش مستحيل، ما قالش أي كلمة يريحه وخلاص، ولأول مرة عمر حس بالامتنان ناحيته علشان ما كذبش عليه. سند راسه للكرسي.
عمر :
-أنا خايف أفتكر.
غمض عينيه.
عمر :
-وخايف أفضل مش فاكر.
عدت ثواني، وبعدين همس :
-فقلت أنسى الاثنين.
يوسف :
واللي أخذته خلاك تنسى؟
عمر فتح عينيه، فكر وبعدين قال :
-لأ.
بص ليوسف، وكمل :
-خلاني ما أهتمش إني فاكر.
وسكتوا هما الاثنين. ودي كانت الحقيقة، الهروب ما مسحش حاجة، هو بس خلّى الكارثة تبان بعيدة شوية، لكنها كانت موجودة.. سلمى موجودة.. الفيديو موجود.. خالد موجود.. وهو موجود..
والأسوأ، إنه في المرة الأولى كان يقدر يدور على الشخص اللي زقه ناحية الهاوية، أما المرة دي كان لازم يبص لنفسه.
يوسف شغّل العربية ثاني.
يوسف :
-هنرجع البيت.
عمر ما اعترضش، وبعد لحظة قال :
-يوسف.
يوسف :
-نعم؟
عمر فضل باصص من الشباك وقاله :
-ما تقولش لحد.
يوسف ما ردش فورًا، وعمر عرف من سكوته إن الوعد مش هيطلع بسهولة.
عمر :
-خصوصًا أمي.
يوسف :
-أنا مش هوعدك بحاجة ممكن تقتلك.
عمر لف له بعصبية لأول مرة.
عمر :
-أنا مش هموت.
يوسف بص له نظرة طويلة، وبعدين قال بهدوء :
-المشكلة إن كل واحد بيرجع بيقول لنفسه الجملة دي.
عمر سكت، ورجع بوشه للشباك. وفي اللحظة دي، من غير ما يعرف ليه، افتكر سلمى، يمكن لأنها قالت لنفسها نفس الجملة الليلة دي، بس الفرق إن سلمى قالت :
«أنا مش هموت.»
علشان تتمسك بالحياة.
وعمر قالها علشان يبرر لنفسه إنه يقدر يلعب معاها.
وفي نفس المدينة، وتحت نفس الليل، كان فيه إثنين جمعهم أسوأ شيء ممكن يجمع راجل وست.
واحدة نفسها تنسى.. وواحد نفسه يفتكر.
واحدة بتحاول تتعلم إزاي تعيش بعد اللي حصل، وواحد بدأ، بإرادته يتعلم إزاي يهرب منه.
ولا واحد فيهم كان عارف إن أصعب حاجة مش إن الحقيقة تظهر، أصعب حاجة، إنهم يعرفوا يعيشوا بعدها.
وفي قصر الألفي...
الصبح دخل القصر من غير ما يستأذن حد، الشمس عدت من بين الستاير الطويلة، نزلت على الرخام، والخدم بدأوا يتحركوا من بدري زي كل يوم، بس البيت نفسه ما كانش طبيعي من ساعة ما شويكار رجعت من المستشفى، وكل واحد فيه بيتعامل كأنه ماشي جنب حاجة قابلة للكسر. سعاد تسألها كل ساعتين لو محتاجة حاجة، أمينة قللت الملح في الأكل من نفسها، حسام كل ما يشوفها يسألها أخذت الدوا ولا لأ. حتى رؤوف بقى يراقبها من بعيد أكثر ما بيتكلم. وكل ده كان بيستفزها. شويكار ما كانتش بتحب المرض، مش لأنها بتخاف منه، لكن لأنها بتكره الطريقة اللي المرض بيغير بيها نظرة الناس ليها، فجأة ما تبقاش شويكار الألفي، تبقى المريضة. واحدة لازم ترتاح، ما تتعصبش، ما تطلعش السلم، ما تشتغلش كثير، تاخذ الدوا، تنام بدري، كأن جلطة صغيرة في القلب تقدر تمسح عشرات السنين اللي قضتهم وهي اللي بتقول للناس يعملوا إيه، علشان كده نزلت الصبح لابسة كأن عندها اجتماع مجلس إدارة: بنطلون غامق، قميص أبيض، شعرها متظبط، ووشها ما فيهوش غير شحوب بسيط حاولت تخبيه.
كانت نازلة آخر درجات السلم لما صوت ضحكة طفلة وقفها، حبيبة. الضحكة كانت جاية من الصالون الصغير، شويكار لفت ناحية الصوت، ولأول مرة من أيام، بدل ما تكمل طريقها للمكتب، راحت ناحية الضحكة. وقفت عند الباب حبيبة كانت قاعدة على السجادة، قدامها بيت عرايس مفتوح، ومريم قاعدة على الأرض قصادها، والغريب إن مريم ما كانتش بتلعب بهدوء، كانت بتتخانق مع عروسة، ماسكاها من وسطها وبتحركها بعصبية مصطنعة.
مريم :
-أنا قلت لك يا مدام ما ينفعش تدخلي البيت بالجزمة.
حبيبة انفجرت من الضحك، رفعت عروسة ثانية وردت بصوت رفيع :
-ده بيتي وأنا حرة.
مريم فتحت بُقها بصدمة :
-نعم؟!
حبيبة ضحكت أكثر :
-أنا حرة.
مريم حطت إيديها في وسطها.
مريم :
-طب والله لأقول لبابي.
حبيبة ضحكت لدرجة إنها نامت على السجادة، وشويكار إبتسمت إبتسامة صغيرة أوي، صغيرة لدرجة إنها نفسها تقريبًا ما أخذتش بالها منها، لكن فيه حد خذ باله. رؤوف كان جاي من آخر الطرقة على كرسيه المتحرك، وقف بعيد شوية، وبص لشويكار وهي واقفة عند الباب، قرب منها بهدوء.
رؤوف :
-من إمتى بتتفرجي من ورا الأبواب؟
الابتسامة اختفت فورًا، لفت له.
شويكار :
-وإنت من إمتى بتراقبني؟
رؤوف :
-من زمان.
بصت له لحظة. كان ممكن الجملة تعدي عادية، لكن بعد كل اللي حصل بينهم، وبعد الأسئلة اللي بقت واقفة بينهم حتى وهما ساكتين، كلمة «من زمان» كان ليها معنى ثاني. شويكار رجعت تبص ناحية حبيبة.
شويكار :
-بقت بتضحك أكثر.
رؤوف :
-من ساعة ما مريم جت.
شويكار ما ردتش. جوه الصالون، حبيبة شافتهم، قامت بسرعة.
حبيبة :
-تيتا!
جريت ناحية شويكار، مريم قامت فورًا من الأرض، شويكار فتحت دراعها تلقائي، لكن في آخر لحظة افتكرت تحذيرات الدكتور من الإجهاد والضغط على صدرها، بس حبيبة كانت أسرع، حضنت وسطها، جسم شويكار اتشد من الألم، رؤوف أخذ باله.
رؤوف :
-حبيبة، بالراحة على تيتا.
شويكار بصت له بحدة :
-سيب البنت.
وبعدين نزلت بعينيها لحبيبة. حبيبة رفعت وشها.
حبيبة :
-إنتِ خفيتي؟
السؤال البسيط دخل في مكان جوا شويكار ما كانتش مستعدة له، مسحت على شعرها.
شويكار :
-أنا كنت عيانة يعني؟
حبيبة هزت راسها بحماس :
-آه.
مريم حاولت تخبي ابتسامتها، شويكار شافتها.
شويكار :
-فيه حاجة تضحك يا مريم؟
مريم عدلت وقفتها فورًا :
-لأ يا هانم.
حبيبة دخلت بسرعة :
-مريم قالت إن اللي بيطلع من المستشفى لازم يسمع الكلام.
رؤوف رفع حاجبه، شويكار لفت ببطء ناحية مريم، مريم اتوترت.
مريم :
-أنا كنت بكلم حبيبة يا هانم.
رؤوف كتم ضحكته، شويكار لمحته.
شويكار :
-واضح إن الموضوع مسلي جدًا.
رؤوف :
-جدًا.
شويكار رمقته بنظرة، وبعدين اتحركت ناحية الكنبة وقعدت. حبيبة جريت جابت عروسة من الأرض وحطتها في حجر جدتها.
حبيبة :
-دي إنتِ.
شويكار بصت للعروسة، كانت لابسة فستان بنفسجي وعليها تاج بلاستيك كبير.
شويكار :
-أنا؟
حبيبة :
-آه.
شويكار :
-وليه أنا لابسة تاج؟
حبيبة ردت بمنتهى البراءة :
-علشان إنتِ بتأمري كل الناس.
رؤوف انفجر في الضحك، ضحكة حقيقية، مريم عضت على شفايفها علشان ما تضحكش، حتى سعاد اللي كانت معدية بصينية وقفت ثانية ووشها احمر من كتم الضحك.
شويكار بصت حواليها.
شويكار :
-حلو أوي.
حبيبة ما فهمتش السخرية.
حبيبة :
-حلوة صح؟
شويكار رجعت بصت للعروسة.
شويكار :
-جميلة.
حبيبة رجعت بسرعة ناحية بيت العرايس، شويكار مدت إيدها تحط العروسة على الترابيزة.
حبيبة صرخت :
-لأ..
شويكار وقفت إيدها في الهوا.
حبيبة :
-إنتِ لازم تلعبي.
شويكار رفعت عينيها لرؤوف، هو كان مستمتع بالمشهد أكثر من اللازم.
شويكار :
-أنا عندي شغل.
حبيبة :
-الدكتور قال ترتاحي.
رؤوف :
-الدكتور قال ترتاحي.
شويكار :
-رؤوف.
رؤوف رفع إيديه باستسلام.
رؤوف :
-أنا مالي؟ الدكتورة الصغيرة هي اللي قالت.
حبيبة مدت لها عروسة ثانية.
حبيبة :
دي بابي.
ابتسامة شويكار هديت، بصت للعروسة.
شويكار :
-وبابي فين؟
حبيبة هزت كتفها :
-نايم.
شويكار بصت لمريم، مريم فهمت السؤال اللي ما اتقالش.
مريم :
-رحيم بيه رجع متأخر امبارح، وسعاد قالت لي أسيبه يرتاح شوية.
شويكار هزت راسها، حبيبة بدأتترتب العرايس جوه البيت، واحدة هنا، وواحدة هناك، وبعدين مسكت عروسة راجل.
حبيبة :
-وده عمو عمر.
المكان كله سكت ثانية، حتى حبيبة خذت بالها إن محدش رد، رفعت عينيها.
حبيبة :
-عمو عمر فين؟
شويكار ما عرفتش تقول إيه، رؤوف كان أول واحد يرد :
-عند صاحبه.
حبيبة :
-هو زعلان؟
رؤوف :
-شوية.
حبيبة فكرت، وبعدين خذت العروسة وحطتها جوه البيت.
حبيبة :
-خليه هنا.
شويكار تابعتها بعينيها :
-ليه؟
حبيبة :
-علشان لما حد يزعل يرجع البيت.
الجملة عدت في المكان بهدوء، لكن جوا شويكار ما عدتش بنفس الهدوء، بصت للعروسة الصغيرة.. عمر، إبنها اللي خرج من البيت من زمان قبل حتى ما يخرج منه فعلًا. إبنها اللي كانت كل مرة تحاول ترجعه بالطريقة الوحيدة اللي هي تعرفها: الأوامر، الفلوس، التهديد، الشركة، الخوف، وفجأة طفلة عندها أربع سنين لخصت الموضوع كله في جملة:
لما حد يزعل، يرجع البيت، من غير شروط، من غير تحقيق، من غير ما يقف قدام أمه الأول ويثبت إنه يستحق يدخل.
شويكار رفعت عينيها بسرعة، كأنها اتضايقت من الفكرة نفسها، وفي اللحظة دي، رحيم ظهر عند الباب، كان لسه صاحي، شعره مش مترتب، لابس قميص بسيط، وملامحه مرهقة، أول ما حبيبة شافته، كل حاجة تطثانية اختفت.
حبيبة :
-بابي.
قامت وجريت له، رحيم نزل فورًا على ركبته وفتح دراعه، حبيبة رمت نفسها عليه، حضنها بقوة ودفن وشه في شعرها.
رحيم :
-صباح الخير يا قلب بابي.
حبيبة :
-إنت نمت كثير.
رحيم :
-حقك عليا.
حبيبة بعدت وشها عنه وقالت :
-مريم قالت النهارده ساعة كاملة.
رحيم بص لمريم وسألها :
-ساعة إيه؟
مريم ابتسمت :
-ساعة حبيبة.
حبيبة أكدت :
-من غير موبايل.
رحيم :
-كمان؟
حبيبة :
-ولا شغل.
رحيم :
-طب أعمل إيه في الساعة دي؟
حبيبة بصت له كأنه سأل أغبى سؤال في الدنيا.
حبيبة :
-تلعب معايا.
ضحك.
رحيم :
-أوامرك.
شويكار كانت بتتابعه، طريقة نزوله لمستوى بنته، حضنه ليها، والطريقة اللي وشه كله اتغير بيها أول ما نادته. وبعدين خذت بالها من حاجة ثانية، مريم كانت باصة له، ما كانتش نظرة وقحة ولا طويلة، بالعكس، أول ما رحيم رفع راسه ناحيتها، مريم نزلت عينيها بسرعة وبدأت تجمع اللعب.
لكن شويكار.. قضت عمرها كله بتتعلم تقرا الناس قبل ما يتكلموا، بصت لمريم وبعدين لرحيم، وبعدين رجعت لمريم. حاجة صغيرة أوي اتحركت في دماغها، مش اتهام، ولا حتى شك كامل، مجرد ملاحظة، أخذتها وحطتها في مكانها زي ما بتعمل دايمًا.
رحيم قعد على الأرض مع حبيبة.
رحيم :
-طب مين دول كلهم؟
حبيبة بدأت تعرفه على العرايس، لحد ما وصلت لعروسة شويكار.
حبيبة :
-ودي تيتا.
رحيم شاف التاج، سكت، وبعدين رفع عينيه ناحية أمه، شويكار عرفته.
شويكار :
-لو ضحكت يا رحيم...
رحيم ما قدرش، ضحك، مريم ضحكت، رؤوف ضحك، حبيبة ضحكت علشان كلهم بيضحكوا حتى لو هي مش فاهمة السبب، وشويكار فضلت ثانيتين بتحاول تمسك نفسها، وبعدين غصب عنها ضحكت.
الصوت طلع صغير في الأول، كأنها نسيت أصلًا بتضحك إزاي، وبعدين ضحكت أكثر. رؤوف وقف ضحك للحظة وبص لها، سنين... سنين طويلة وهو عارف كل أشكال صوت مراته، غضبها، أوامرها، سخريتها، إنتصارها، حتى عياطها القليل، لكن ضحكتها بالشكل ده، كانت وحشاه، وشويكار خذت بالها إنه باصص لها، ضحكتها هديت واحدة واحدة، عينيهم اتقابلت، ولثانية، ما كانش فيه شركة، ولا مناقصة، ولا سلمى، ولا أبو سلمى، ولا سنين من الأسئلة، كانوا بس راجل وست عاشوا مع بعض عمر أكبر من الخلافات اللي بيعترفوا بيها.
رؤوف إبتسم لها، شويكار ما ابتسمتش، لكنها كمان ما بعدتش عينيها بسرعة.
حبيبة قطعت اللحظة :
-جدو يلعب.
رؤوف :
-أنا؟
حبيبة :
-آه.
مدت له عروسة راجل، أخذها.
رؤوف :
-وده مين؟
حبيبة :
-إنت.
رؤوف بص للعروسة :
-طب ليه أنا أصلع؟
رحيم انفجر في الضحك، حتى شويكار حطت إيدها على بُقها.
رؤوف :
-آه، إضحكي، إنتِ واخذة تاج وأنا واخذ واحد أصلع.
حبيبة قالت ببراءة :
-علشان جدو كبير.
رؤوف :
-شكرًا يا حبيبة.
ولأول مرة من وقت طويل، قصر الألفي كان فيه صوت ضحك، مش حفلة، مش ضيوف، مش ضحك مجاملة قدام ناس، ضحك حقيقي، ومن بعيد، أمينة وقفت عند باب المطبخ تسمعهم، إبتسمت، وبعدين عينيها راحت ناحية رؤوف. الإبتسامة هديت شوية، الماضي ما اختفاش، لسه موجود، ولسه فيه حاجات كثير مستخبية في البيت ده، بس يمكن مش لازم كل باب قديم يتفتح النهارده... النهارده كان كفاية إن البيت يتنفس.
بعد أقل من ساعة، رحيم كان لسه قاعد على السجادة، موبايله فوق الترابيزة بعيد عنه زي ما وعد حبيبة، ومريم قاعدة على طرف الكنبة، بتتفرج على اللعب وما بتدخلش غير لما حبيبة تطلب منها. رحيم كان بيحاول يركب قطعة صغيرة في بيت العرايس، وفشل للمرة الرابعة.
رحيم :
-مين اللي اخترع الحاجة دي؟
مريم ضحكت :
-واضح إن حضرتك مش بتعرف تعمل كل حاجة.
رفع راسه لها.
رحيم :
-أنا ما قلتش إني بعرف.
مريم :
-شكلك بيقول.
وقفت فجأة، عينيها اتفتحت شوية كأنها مش مصدقة إنها قالتها، رحيم رفع حاجبه.
رحيم :
-شكلي بيقول إيه؟
مريم اتلخبطت :
-ولا حاجة.
حبيبة دخلت بينهم :
مريم بتقول إنك بتزعق.
رحيم بص لمريم، مريم فتحت عينيها.
مريم :
-أنا ما قلتش،
حبيبة :
-قلتي.
مريم :
-قلت ساعات.
رحيم حاول يخبي ابتسامته.
رحيم :
-ساعات؟
مريم بدأت تجمع لعبة أصلًا مش محتاجة تتجمع.
مريم :
-يعني... حضرتك عصبي شوية.
رحيم :
-شوية؟
مريم بصت له، ولأول مرة، بدل ما تتوتر من نظرته، ضحكت.
مريم :
-مش شوية.
رحيم سكت ثانية، وبعدين ضحك، ومريم نزلت عينيها بسرعة، قلبها عمل نفس الحركة السخيفة اللي عملها قبل كده، بس المرة دي نهى ما كانتش موجودة علشان تفضحها.
أما رحيم، فهو ما شافش أكثر من بنت قدرت في أيام قليلة ترجع الضحكة لوش بنته، وده لوحده كان كفاية بالنسبة له دلوقتي، لكن من آخر الصالون، شويكار كانت شايفة المشهد كله، أخذت رشفة من قهوتها بهدوء، وبعدين قالت لنفسها :
-يا نهار أبيض.
وفي مكان تاني...
وفي الوقت اللي قصر الألفي كان عايش ساعة نادرة من الضحك، إسم الألفي جروب كان بيتقال في أماكن ثانية بنبرة مختلفة خالص، مكاتب شركات.، غرف اجتماعات، مكالمات بين رجال أعمال، وجروبات مقفولة ما بيدخلهاش غير أصحاب شركات ومستشارين ومديرين استثمار. الخبر ما خذش وقت علشان ينتشر، الألفي جروب انسحبت رسميًا من المناقصة. الجملة في ظاهرها عادية، شركة دخلت مناقصة وقررت تنسحب، بيحصل، لكن.. مش الألفي جروب.
على مدار سنين، شويكار الألفي بنت للشركة سمعة خلت مجرد وجود إسمها في أي منافسة يخلي شركات ثانية تعيد حساباتها قبل ما تدخل. وفي المناقصة دي بالذات، كان فيه أكثر من شركة درست الملف، حسبت التكلفة، جهزت أوراق، وبعدين انسحبت قبل حتى ما تقدم، مش لأن المشروع مش مربح، ولا لأنهم ما يقدروش عليه، لكن لأنهم عرفوا إن الألفي جروب داخلة.
واحد من رجال الأعمال قالها وقتها بمنتهى الصراحة :
-أنا مش هدخل مناقصة عارف من الأول إن شويكار الألفي واقفة في الناحية الثانية.
وواحد ثاني قال :
خليهم ياخذوها إحنا مش ناقصين حرب أسعار مع الألفي.
ودلوقتي.. الشركة اللي ناس خافت حتى تنافسها، خرجت بنفسها. جوه واحدة من الشركات المنافسة، كانت شاشة كبيرة معلقة على الحيطة وعليها النتيجة النهائية، إسم الشركة الفائزة ظهر. ثواني سكون، وبعدين بدأت التهاني، مصافحات، ابتسامات، موبايلات طلعت، لكن حتى الشركة اللي كسبت، فرحتها ما كانتش كاملة، لأن فيه سؤال كان واقف في نص الاحتفال :
ليه الألفي انسحبت؟
راجل في آخر الخمسينات كان واقف عند أول الترابيزة، بص للنتيجة، وبعدين قال :
-أنا عايز أفهم حاجة واحدة، هما خرجوا ليه؟
مدير المشروعات هز كتفه :
الإنسحاب رسمي يا فندم. وصل قبل إغلاق الإجراءات.
الراجل لف له :
-أنا عارف إنه رسمي. بس بسأل ليه.
محدش جاوب، راجل ثاني كان قاعد في آخر الترابيزة قال :
-يمكن العرض ما بقاش مناسب لهم.
رجل الأعمال ضحك، مش عليه، على الاحتمال نفسه :
-شويكار الألفي تقعد شهور تحارب على مناقصة، وفي آخر لحظة تكتشف إن العرض مش مناسب؟
سكت المكان وبعدين كمل :
-أنا بقالي ثلاثين سنة في السوق، شفت الألفي جروب تخسر مناقصات، شفتها تكسب شفتها تدخل حرب أسعار تخلي اللي قدامها يندم إنه دخل.
مال بجسمه لقدام وكمل :
إنما تنسحب؟
هز راسه.
رجل الأعمال : دي أول مرة أشوفها.
مدير تاني قال :
-السوق كله بيتكلم.
رجل الأعمال :
-وده اللي مش عاجبني.
واحد من الموجودين استغرب : -إحنا كسبناها. إيه اللي مش عاجب حضرتك؟
الراجل الكبير بص له :
-لما منافس كبير يقع من السباق من غير ما تعرف هو وقع ليه، ما تفرحش بسرعة.
وبص لإسم الألفي جروب اللي مكتوب جنبه :
«منسحب.»
وقال :
-إسأل الأول مين زقه؟
وفي مكتب بعيد..
كان فيه شخص واحد مش بيسأل، ولا مستغرب، ولا بيحاول يفهم، لأنه عارف الخبر قدامه، النتيجة النهائية ظهرت: الألفي جروب منسحب.
فضل باصص للكلمة ثواني وبعدين رجع بظهره للكرسي، إبتسم، لكن الابتسامة ما كانتش كفاية، ضحك ضحكة قصيرة في الأول، وبعدين أطول، كان مبسوط أكثر حتى مما كان متوقع، مش لأن شركة ثانية كسبت، لأن إسم الشركة اللي كسبت بالنسبة له ما كانش أهم حاجة، حتى المناقصة نفسها ما كانتش أهم حاجة، الأهم.. إن شويكار الألفي نفذت، الست اللي كانت متأكدة إن محدش يقدر يحركها خطوة، إتحركت، الست اللي كانت مستعدة تخسر فلوس وعلاقات وتقف قدام ولادها علشان ما تتراجعش، وقعت بإيدها وانسحبت.
لأول مرة، مش هو اللي كان مستني قرار شويكار الألفي، هي اللي اضطرت تنفذ القرار اللي اتحط قدامها. قام من مكانه، مشى ناحية الشباك، المدينة تحته ماشية عادي جدًا، عربيات، ناس، شركات بتفتح وتقفل، صفقات بتتعمل، ولا حد عارف إن كلمة واحدة ظهرت الصبح: «منسحب» كانت بالنسبة له انتصار كامل. بس أكثر حاجة كانت بسطاه، إن الخسارة ما وقفتش عند المناقصة، السوق بدأ يسأل والسؤال في عالم رجال الأعمال ساعات يبقى أخطر من الخسارة نفسها:
ليه انسحبوا؟
عندهم أزمة سيولة؟
فيه مشكلة جوه الإدارة؟
شويكار مريضة فعلًا؟
الأولاد مختلفين؟
الشركة مستقرة؟
فيه حاجة مستخبية؟
كل سؤال كان شرخ صغير، وهو ما كانش محتاج يهدم الألفي جروب بإيده، كفاية يخلي الناس تشك إن الحيطة ما بقتش قوية زي الأول. رفع الكوباية بهدوء، إبتسامته وسعت.
المجهول :
-أهو كده...
سكت شوية، وبعدين ضحك.
المجهول :
-دلوقتي بس ابتدت اللعبة تحلو.
وفي قصر الألفي...
الخبر ما احتاجش دعوة علشان يدخل البيت، كان موجود على شاشات الموبايلات، في مكالمات حسام اللي ما بطلتش، في الموظفين اللي بيتصلوا يسألوا يقولوا إيه للعملاء، وفي سكوت شويكار كل مرة تسمع إسم الشركة اللي كسبت.
أما لارا..
فكانت في أوضتها، قاعدة قدام المراية، والموبايل على ودنها، صوت أمها جه من الناحية الثانية متوتر.
والدة لارا :
-لارا، إيه اللي حصل عندكم؟
لارا بصت لنفسها في المراية وقالت :
-حصل إيه؟
والدة لارا :
-ما تعمليش نفسك مش فاهمة، أنا من الصبح عندي اتصالات، الألفي جروب انسحبت من المناقصة؟
لارا سكتت، أمها كملت :
-أبوك نفسه اتسأل عنها مرتين النهارده، ناس كانت متأكدة إن الشركة داخلة للآخر. إيه اللي حصل؟
لارا لفت ناحية الباب، مقفول، وطت صوتها.
لارا :
-والله ما أعرف.
والدة لارا :
-إنتِ عايشة في البيت ومش عارفة؟
الجملة ضايقتها.
لارا :
-ما هو ده اللي بقولولك طول الوقت يا ماما. أنا عايشة في البيت، بس أي حاجة مهمة تحصل ببقى آخر واحدة تعرف.
والدة لارا :
-وحسام؟
لارا ضحكت بسخرية.
لارا :
-حسام؟ لو الشركة ولعت قدامي هيقولي مافيش حاجة، مجرد دخان.
أمها سكتت شوية، وبعدين سألت :
-شويكار انسحبت بمزاجها؟
لارا ما ردتش على طول، افتكرت الأيام اللي فاتت، خروج حسام فجأة بالليل، رحيم، عمر، شويكار في المستشفى.، الأبواب المقفولة، الكلام اللي بيقف أول ما تدخل، وعمر... عمر بالذات.
لارا :
-أنا شاكّة إن الموضوع له علاقة بعمر.
والدة لارا :
-عمر؟
لارا :
-آه.
قامت من الكرسي وبدأت تمشي في الأوضة.
لارا :
-من كام يوم حصلت مصيبة. أنا ماعرفش إيه بالظبط، بس حسام ورحيم خرجوا في نص الليل، وشويكار راحت وراهم. وبعدها البيت كله اتقلب.
والدة لارا :
-مصيبة إيه؟
لارا :
-ما أعرفش.
وبعدين زودت بسرعة :
-بس عمر أكيد عمل حاجة.
والدة لارا :
-إنتِ متأكدة؟
لارا :
-أنا مش متأكدة من التفاصيل، بس متأكدة إن فيه حاجة كبيرة، عمر من وقتها تقريبًا مش موجود في القصر، وكل ما أسأل حسام يقفل الكلام.
أمها فضولها زاد.
والدة لارا :
-طب وشويكار دخلت المستشفى بسبب إيه؟
لارا وقفت :
-قالوا أزمة قلبية من الضغط.
والدة لارا :
-والضغط جه منين؟
لارا عضت شفايفها :
-ما هو ده اللي بحاول أفهمه.
سكتت شوية وكملت :
-وأنا شاكّة إن انسحاب الشركة له علاقة بالمصيبة اللي عمر عملها.
في نفس اللحظة مقبض الباب اتحرك، لارا ما خذتش بالها.
والدة لارا :
-يعني ممكن يكون فيه فضيحة؟
لارا أخذت نفس وقالت :
-ممكن.
الباب اتفتح، حسام دخل، وقف، لارا كان ظهرها ليه ما شافتوش.
لارا :
-أنا حاسة إنهم تنازلوا عن المناقصة علشان يغطوا على حاجة تخص عمر.
ملامح حسام اتغيرت.
والدة لارا :
-وإيه الحاجة؟
لارا :
-مش عارفة، بس اللي أعرفه إن فيه بنت دخلت في الموضوع...
ما كملتش، إيد حسام إتمدت وخذت الموبايل من إيدها، لارا شهقت ولفت.
لارا :
-إنت بتعمل إيه؟!
حسام رفع الموبايل لودنه، صوت أم لارا جه من الناحية الثانية :
-لارا؟ بنت مين؟
حسام قفل المكالمة بهدوء وحط الموبايل فوق الكومود، لارا فضلت باصة له مش مصدقة.
لارا :
-إنت اتجننت؟
حسام ما عليش صوته، وده كان أخطر.
حسام :
-إنتِ كنتِ بتقولي إيه؟
لارا :
-هات موبايلي.
مدت إيدها، حسام أخذه قبل ما توصل له.
حسام :
-بسألك كنتِ بتقولي إيه؟
لارا :
-وأنا بقول لك هات موبايلي.
حسام :
-لارا، إنتِ بتتكلمي في أسرار بيتي مع أمك؟
ضحكت بعصبية.
لارا :
-أسرار بيتك؟
قربت منه.
لارا :
-ده بقى بيتك لوحدك؟
حسام :
-ما تلفيش الكلام.
لارا :
-أنا مش بلف حاجة. أمي سألتني سؤال ورديت عليها.
حسام :
-رديتي عليها بإيه؟ إن عمر عمل مصيبة؟ وإن الشركة انسحبت علشانه؟ وإن فيه بنت؟
لارا سكتت، حسام أشار ناحية الباب.
حسام :
-إنتِ عارفة لو الكلام ده خرج بره القصر ممكن يعمل إيه؟
لارا :
-أنا قلت لأمي.
حسام :
-وأمك هتقول لأبوك.
لارا :
-وأبويا مش واحد من الشارع.
حسام :
-وده بالظبط اللي يخوف.
صوته علي، لارا اتصدمت.
حسام كمل :
-أبوك يعرف رجال أعمال، سفراء، ناس في كل مكان، كلمة واحدة تتقال في قعدة، وبعد ساعتين السوق كله يعرف.
لارا :
-السوق أصلًا كله بيتكلم.
حسام :
-عن انسحاب الشركة، مش عن عمر، ومش عن بنت، ومش عن مصيبة إنتِ نفسك ما تعرفيش هي إيه.
لارا أخذت نفس بعصبية وقالت :
-طب قُل لي.
حسام سكت.
لارا :
-قُل لي يا حسام.
قربت منه أكثر.
لارا :
-إيه اللي حصل؟
حسام :
-مش هقول.
ضحكت، بس عينيها إتملت دموع.
لارا :
-طبعًا.
لفت بعيد عنه وكملت :
-طبعًا مش هتقول.
حسام :
-الموضوع مش موضوع ثقة.
لفت له بسرعة.
لارا :
-لأ. هو موضوع ثقة.
وأشارت لنفسها.
لارا :
-أنا مراتك من ثلاث سنين، عايشة وسط عيلتك، سبت بيتي علشان أعيش هنا لأن أمك ما كانتش عايزاك تخرج من القصر، سفرنا يتلغي علشان عندكم مشكلة، حياتنا كلها تتغير علشان عندكم مشكلة، أصحى ألاقي حماتي في المستشفى، جوزي مختفي، أخوه مش موجود، الشركة اللي إسم عيلتي مربوط بيها في كل مكان، تنسحب من أكبر مناقصة...
شهقت وهي بتحاول تمسك دموعها.
لارا :
-وبعدين تيجي تقولي ما تسأليش؟
حسام :
-إسألي، بس مش من أمك،
لارا :
-ما أنا سألتك.
الصمت نزل بينهم.
لارا :
-سألتك كام مرة يا حسام؟
ما ردش.
لارا :
-وكل مرة عملت إيه؟
قربت منه.
لارا :
-قفلت بوقي.
حسام :
-لأن فيه حاجات مش ملكي أحكيها.
لارا :
-بس ملكك تتحكم فيا علشان ما أحكيهاش؟
مدت إيدها.
لارا :
-هات موبايلي.
حسام :
-لأ.
وشها اتغير.
لارا :
-نعم؟
حسام :
-مش قبل ما أفهم إنتِ قلتي إيه بالظبط.
لارا فضلت باصة له ثواني، وبعدين قالت ببطء :
-إنت أخذت موبايلي من إيدي...
سكتت.
لارا :
-وقفلت المكالمة في وش أمي...
أخذت خطوة ناحيته.
لارا :
-ودلوقتي بتقول لي مش هترجعهولي غير لما أتحقق معاك؟
حسام بدأ ياخذ باله شكل الموقف عامل إزاي، لكنه كان متعصب أكثر من إنه يتراجع.
حسام :
-لما الكلام اللي بيتقال ممكن يهد بيت كامل، آه.
لارا اتجمدت، الجملة وجعتها أكثر من صوته.
لارا :
-بيت كامل؟
ضحكت بمرارة وكملت :
-وأنا إيه بالنسبة للبيت الكامل ده يا حسام؟
حسام :
-لارا، بلاش دراما.
سكتت ثانيتين، وبعدين قالت :
-دراما؟
حسام عرف في نفس اللحظة إنه اختار أسوأ كلمة ممكن يقولها.
حسام :
-أنا ما أقصدش...
لارا :
-لأ، قصدك.
مدت إيدها فجأة وأخذت الموبايل من إيده، المرة دي ما منعهاش.
لارا :
-أنا فعلًا غلطانة.
حسام :
-كويس إنك فهمتِ.
رفعت عينيها له.
لارا :
-غلطانة إني من ثلاث سنين بحاول أبقى واحدة منكم.
الكلمة وقفته.
لارا كملت :
-أنا عمري ما كنت واحدة منكم.
حسام :
-إنتِ مراتي.
لارا :
-على الورق؟
حسام :
-إنتِ بتقولي إيه؟
لارا :
-بقول اللي حاساه.
صوتها وطي، وده خلّى الكلام أثقل.
لارا :
-أنا مراتك لما أمك تحتاج شكل العيلة كامل قدام الناس، مراتك لما فيه مناسبة، مراتك لما ننام في أوضة واحدة، لكن أول ما تحصل حاجة حقيقية...
رفعت إيدها وأشارت ناحية بره، وكملت :
-تبقوا إنت ومامتك وباباك وإخواتك.
وضربت على صدرها بصباعها.
لارا :
-وأنا بره.
حسام :
-إنتِ عايزة مني أحكيلك مصيبة تخص أخويا علشان أثبت لك إنك مراتي؟
لارا :
-أنا عايزاك مرة واحدة تحسسني إن جوازنا مش آخر بند في قائمة أولوياتك.
سكتوا هما الاثنين. حسام أخذ نفس عميق.
حسام :
إحنا مش هنتكلم وإنتِ بالشكل ده.
اتحرك ناحية الباب، لارا قالت من وراه :
-ماشي.
وقف، صوتها المرة دي كان هادي جدًا.
لارا :
-بس بما إن كل واحد فينا عرف مكانه...
لف لها، كانت ماسكة موبايلها، الدموع لسه في عينيها، لكنها ما بقتش بتعيط.
لارا :
-أنا كمان من النهارده هتصرف على أساس مكاني.
حسام عقد حواجبه.
حسام :
-يعني إيه؟
لارا ما جاوبتش، فتح الباب، وفي اللحظة اللي خرج فيها سمع صوتها وراه :
-وبالمناسبة يا حسام...
وقف.
لارا :
-أنا ما قلتش لماما أهم حاجة.
لف لها ببطء.
حسام :
-إيه أهم حاجة؟
بصت له وبعدين قالت :
-إني سمعت إسم سلمى قبل ما أي حد فيكم يعرف إني سمعته.
وش حسام اتغير، رجع خطوة لجوه الأوضة.
حسام :
-سمعتيه فين؟
لارا مسحت دمعة من خدها، ولأول مرة كان حسام هو اللي واقف مستني منها إجابة، وهي...
ما جاوبتش.
مش كل اللي نسي ارتاح...
ومش كل اللي فاكر قادر يعيش.
ساعات الحقيقة بتوجع، وساعات الهروب منها بيوجع أكتر.
لكن مهما طال الهروب، ومهما اتدفنت الأسرار...
الحقيقة دايمًا بتعرف طريقها للنور.
يتبع....