
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم إني لا أعرف ما يحمله كل قلب يقرأ كلماتي، لكنك تعرف.
فمن كان منهم خائفًا فآمنه، ومن كان مهمومًا فأرح قلبه، ومن كان ينتظر شفاءً فبشّره بالعافية، ومن كان ينتظر رزقًا فافتح له أبوابًا لم تخطر له على بال.
اللهم احفظ لهم من يحبون، وطمئن قلوبهم على أهلهم وأبنائهم، ولا تجعل لهم في عزيز وجعًا ولا في بيتهم حزنًا.
ومن كان منهم واقفًا أمام باب مغلق ينتظر فرجك، فافتحه له بطريقة تجعله ينسى طول الانتظار.
ومن أخفى أمنية بينه وبينك ولم يخبر بها أحدًا، فاجعل له منها نصيبًا، وارزقه يومًا ينظر فيه إلى السماء ويقول:
يا رب... فعلتها من أجلي.
اللهم اجبر قلوبهم جبرًا جميلًا، واحفظهم لي كما حفظوا لكلماتي مكانًا في قلوبهم. 🤍
وعلى بركة الله نبدأ الفصل الثاني عشر...
قبل ما نبدأ...
أحيانًا لا تبدأ الحقيقة بدليل.
تبدأ بشعور.
ذلك الإحساس الصغير الذي يأتيك فجأة ويهمس لك:
هناك شيء ليس طبيعيًا.
تحاول تجاهله.
تبحث عن تفسير منطقي.
تقول لنفسك إنك تبالغ، وإن الشخص الذي أمامك تعرفه منذ سنوات، وإن الأشياء السيئة لا بد أن تكون واضحة حتى نراها.
لكنها ليست دائمًا كذلك.
أخطر الوجوه ليست التي تخيفنا من أول لقاء...
أحيانًا يكون أخطرهم شخصًا عرفنا صوته، وحفظنا ملامحه، واطمأننا لوجوده لدرجة أننا لم نفكر يومًا أن نسأل:
ماذا لو كنت لا أعرفه أصلًا؟
والخوف الحقيقي لا يبدأ عندما نكتشف الحقيقة كاملة...
بل في اللحظة التي نجد فيها أول قطعة منها.
لأن قطعة واحدة تكفي لتجعلنا نعيد النظر في كل شيء سبقها.
كل كلمة.
كل موقف.
كل صدفة.
وكل مرة أقنعنا فيها أنفسنا أن ما حدث...
مجرد صدفة.
وفي الفصل الثاني عشر...
سيبدأ الشك بسؤال صغير.
لكن بعض الأسئلة، بمجرد أن نسألها... لا تعود حياتنا كما كانت قبلها
نسرين بلعجيلي
*الفصل الثاني عشر*
داخل قسم الطوارئ، رحيم كان واقف قدام باب غرفة الكشف، وشه شاحب وعينه معلقة على الباب، كل ثانية كانت بتعد عليه كأنها سنة.
الباب اتفتح بسرعة، خرج دكتور أطفال في أواخر الثلاثينات، ملامحه جدية وبص لرحيم مباشرة.
الدكتور :
ـ حضرتك والد الطفلة؟
رحيم قرب منه بسرعة.
رحيم :
ـ أيوه، هي عاملة إيه يا دكتور؟
الدكتور :
ـ محتاج أعرف بسرعة الحباية أخذتها من إمتى؟
رحيم حاول يفتكر.
رحيم :
ـ امبارح بالليل، بس ماعرفتش غير النهارده إنها أخذتها.
الدكتور عقد حواجبه :
ـ إسم الدوا إيه؟
رحيم هز راسه :
ـ ماعرفش، بس والدي قال إنه دواء قوي وفيه مادة مهدئة للكبار.
الدكتور أخذ نفس عميق وبص للممرضة :
ـ جهزوا غرفة الطوارئ. واتصلوا بطبيب السموم.
ثم لف ناحية رحيم.
الدكتور :
ـ إحنا هنتعامل مع الحالة على إنها اشتباه تسمم دوائي لحد ما نعرف نوع الدوا بالظبط.
رحيم حس إن رجليه مش شايلينه.
رحيم :
ـ يعني بنتي في خطر؟
الدكتور رد بهدوء :
ـ هي دلوقتي في حالة خمول شديد، وده يستدعي تدخل سريع. لو لقينا إن ابتلاع الدواء كان حديث بما يسمح بالتدخل، هنعمل غسيل للمعدة، ولو الوقت عدى عليه فترة أطول، هنركز على العلاج الداعم ومتابعة التنفس والدورة الدموية وتحاليل السموم. المهم دلوقتي إننا نتحرك بسرعة.
رحيم غمض عينه وحس إن قلبه بيتقطع، كل اللي قدر يقوله :
ـ إنقذوا بنتي أرجوكم.
الدكتور هز راسه ودخل غرفة الطوارئ بسرعة. أما رحيم ففضل واقف قدام الباب، ولأول مرة يتمنى لو كان هو مكانها.
في مستشفى السلام، الممر الطويل كان هادي، لكن بالنسبة لرحيم كان مليان خوف. واقف قدام باب الطوارئ عينيه ثابتة على النور الأحمر فوق الباب، كل ما الباب يفتح، يرفع راسه بسرعة، يمكن يطمنوه. لكن كل مرة يطلع ممرض أو دكتور ويعدي من غير ما يبصله.
وفجأة.. سمع صوت خطوات جاية بسرعة، لف، لقى حسام داخل يجري وخلفه عمر. أول ما شافوا رحيم وقفوا قدامه.
حسام بلهفة :
ـ حبيبة عاملة إيه؟
رحيم ما ردش، فضل باصص لباب الطوارئ.
عمر قرب منه وحط إيده على كتفه.
عمر :
ـ هتبقى كويسة إن شاء الله.
رحيم أخيرًا بص لهم وعينيه كانوا مليانين دموع.
رحيم :
ـ أول مرة في حياتي أحس إني عاجز بالشكل ده، أنا ماعرفتش أحميها.
حسام هز راسه بسرعة :
ـ ماتقولش كده، إنت عملت اللي عليك، أول ما عرفت جريت بيها.
رحيم ضحك ضحكة كلها وجع :
ـ بس بعد إيه؟ لو كنت خذتها معايا الشركة ولا حتى كلمتها الصبح ماكانش ده حصل.
عمر شد على كتفه :
ـ بلاش تلوم نفسك، الغلط مش غلطك.
رحيم نزل عينه وهمس :
ـ دي بنتي، وهي اللي دفعت الثمن.
نسرين بلعجيلي
ساد صمت بينهم، ولا واحد فيهم لقى كلام يهون عليه. في اللحظة دي رن موبايل حسام، بص في الشاشة، إتنهد، عمر بصله :
ـ مين؟
حسام:
ـ ماما.
بص ناحية رحيم واتحرك كام خطوة بعي ورد.
حسام :
ـ ألو.
جاله صوت شويكار، كان كله رعشة :
ـ حسام طمني، حبيبة عاملة إيه؟
حسام بص ناحية باب الطوارئ، وبعدين قال بهدوء :
ـ لسه جوه يا ماما، الدكاترة بيكشفوا عليها.
شويكار انفجرت في العياط :
ـ والله ما كنت أقصد، أنا كل دقيقة بحس إني هموت.
حسام سكت شوية وبعدين قال :
ـ الدعاء دلوقتي أحسن حاجة تعمليها.
شويكار:
ـ رحيم عامل إيه؟ قال حاجة؟
حسام لف وبص لأخوه، كان واقف مكانه ولا اتحرك خطوة من قدام البا كأنه خايف لو بعد عنه يحصل لحبيبة حاجة.
حسام رجع للمكالمة :
ـ لا يا ماما، رحيم دلوقتي مش شايف قدامه غير بنته.
شويكار شهقت وهي بتعيط :
ـ قله.. قله إني آسفة، والله لو الزمن يرجع ما كنت عملت اللي عملته.
حسام غمض عينه وقال بهدوء :
ـ لما حبيبة تقوم بالسلامة يبقى لكل حادث حديث. دلوقتي إدعيلها بس.
وقفل المكالمة، رجع وقف جنب أخواته. الاقنين واقفِين قدام باب واحد، وكل واحد فيهم بيحارب خوفه بطريقته.
ورحيم.. لسه عينه معلقة بالنور الأحمر مستني اللحظة اللي يفتح فيها الباب ويسمع كلمة واحدة بس :"بنتك بخير."
في قصر الألفي..
شويكار كانت منهارة من العياط، رايحة جاية في أوضتها، مش قادرة تهدى. دخل عليها رؤوف بكرسيه المتحرك، فضل يبصلها شوية من غير ما يتكلم.
شويكار مسحت دموعها بسرعة.
وقالت بعصبية :
لو سمحت أنا مش ناقصة أي كلمة منك.
رؤوف بص لها بهدوء وقال :
طول عمرك دماغك سم، بتعملي اللي إنتِ عايزاه مهما كان الثمن. إنتِ مرضيتيش تتصلي برحيم علشان ما يسيبش الميتينج ويرجع لبنته.
شويكار بصت له بعصبية وقالت :
أيوه. وعارف ليه؟ لأن الميتينج ده مهم جدًا. إنت مش داري بأي حاجة، فيه خصم لينا قوي في السوق، أي مناقصة بندخلها بياخذها، ودي أول مرة تحصل. أيوه، إحنا لسه واقفين وجامدين. بس لازم ناخذ احتياطاتنا. إحنا داخلين مشروع وحاطين فيه كل السيولة بتاعتنا.
رؤوف هز راسه بأسى وقال :
يا شويكار الفلوس والنفوذ مش كل حاجة في الدنيا، هنعمل بيهم إيه لو البنت جرالها حاجة؟
شويكار صرخت فيه :
أسكت، كفاية، إن شاء الله مش هيجرالها حاجة. أنا والله مش وحشة، ماكنتش عايزة أأذيها. بس البنت مش طبيعية يا رؤوف، كانت بتصرخ بجنون، إحنا فضلنا أكثر من أربع ساعات بنحاول نسكتها ونهديها، مافيش فايدة، أعمل إيه؟ أنا كمان ليا طاقة، وكفاية كنت متوترة بسبب الميتينج.
رؤوف :
إنتِ لحد دلوقتي بتتكلمي عن الميتينج؟! حفيدتك بين إيدين الدكاترة وإنتِ لسه بتفكري في المشروع؟! خلاص يا شويكار، أنا ابتديت أخاف إن الفلوس عندك بقت أهم من ولادك.
شويكار فضلت تبص له بصدمة كبيرة.
نسرين بلعجيلي
في الحارة..
كانت بوسي نايمة بعد ما أخذت العلاج، و فوزيه قاعدة جنبها، كل شوية تبص لوش بنتها وترجع تبكي. قلبها بيتقطع على اللي حصل لها ومش عارفة تعمل إيه ولا تتصرف إزاي، حاسّة بالعجز وصعبانة عليها بنتها، وصعبانة عليها نفسها.
إثنين ستات مالهمش سند في الدنيا، ولا راجل يجيب لهم حقهم، ولا حد يحميهم من ظلم خالد. فضلت تمسح على شعر بوسي بحنان، وقالت بصوت كله قهر :
يا رب، إنت عالم بحالنا، مالناش غيرك. جيب لبنتي حقها وانتقم لها من اللي ظلمها.
بعد ما خلصت شغلها، سلمى خرجت من عند عمر إيديها كانت ماسكة كيس صغير فيه علاج، وشوية فاكهة وباكو بسكويت، كلهم لبوسي. وقفت قدام بيت فوزيه، أخذت نفس طويل وخبطت على الباب.
بعد ثواني فوزيه فتحت، أول ما شافت سلمى إستغربت.
فردوس :
ـ سلمى؟
سلمى ابتسمت ابتسامة باهتة :
ـ إزيك يا خالتي، بوسي عاملة إيه؟
فوزيه تنهدت ووسعت لها الباب :
ـ أدخلي.
دخلت سلمى، البيت كان هادي بشكل يخوف، ريحة الدوا مالية المكان. سلمى دخلت الأوضة ولقت بوسي نايمة وشها لسه متورم والجرح واضح تحت الشاش. وقفت مكانها وعينيها دمعت. قربت منها بهدوء وقعدت جنبها ومدت إيديها تمسح على شعرها، وقالت بصوت واطي :
ـ ماعلش يا بوسي، والله لو كنت أعرف إنه هيعمل فيكي كده كنت موت نفسي ولا أخليه يقرب منك.
فوزيه كانت واقفة عند الباب. بتسمع كلامها وقالت بحزن :
ـ كله قضاء ربنا يا بنتي.
سلمى حطت كيس العلاج على الكومود :
ـ جبت لها العلاج، والدكتور كتب على كريم كمان.
فوزيه بصت للكيس باستغراب :
ـ جبتي الفلوس منين؟
سلمى سكتت لحظة وبعدين قالت :
ـ ربنا بعثلي ابن حلال ساعدني.
فوزيه بصتلها باستغراب :
ـ مين؟
سلمى بسرعة غيرت الكلام :
ـ المهم إنها تاخذ العلاج.
في اللحظة دي بوسي بدأت تفتح عينيها بالعافية، أول ما شافت سلمى إبتسمت ابتسامة ضعيفة.
بوسي :
ـ جيتي.
سلمى مسكت إيديها :
ـ كان لازم أجيلك، سامحيني.
بوسي هزت راسها :
ـ إنتِ مالكيش ذنب الذنب، ذنب اللي باع ضميره.
ساد صمت، لكن فجأة بوسي ضغطت على إيد سلمى وبصتلها نظرة كلها خوف، وقالت بصوت واطي جدًا :
ـ سلمى، إوعي تثقي في خالد، إنتِ ماتعرفيش هو ناوي على إيه.
اتجمدت سلمى وقلبها دق بعنف.
وقالت :
ـ قصدك إيه؟
بوسي بصت ناحية الباب كأنها خايفة حد يسمعها وهمست :
ـ خالد مش بيقرب من عمر صدفة، هو رايح له علشان ينفذ حاجة، حاجة كبيرة.
وسلمى حسّت لأول مرة إن الخطر مش حواليها هي وبس، الخطر إبتدى يقرب من عمر.
سلمى بصت لبوسي، ولأول مرة افتكرت الحقنة، وافتكرت تعب عمر، وساعتها الشك اللي كان جواها إتحول لخوف حقيقي.
يتبع ......
إيه الحاجة الكبيرة اللي خالد بيخطط لها؟
وهل بوسي تعرف أكتر من اللي قالته؟..