رواية قناص قلبي الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم نانسي عاشور

رواية قناص قلبي الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم نانسي عاشور

 

ذاكرة مبتورة
لم يكن الألم هو أول ما شعرت به ليل…
بل الفراغ.
فراغ غريب، بارد، كأن عقلها غرفة أُفرغت فجأة من كل شيء… إلا الخوف.
فتحت عينيها ببطء. الضوء كان خافتًا، أصفر مائل للذبول، يتسلل من مصباح يتأرجح قليلًا في سقف الغرفة. رائحة المكان خانقة… رطوبة، معادن، وشيء آخر… شيء يجعل صدرها ينقبض دون سبب واضح.
حاولت أن تتحرك…
صدمة صغيرة مرت في جسدها.
يدها… مربوطة.
تجمدت.
نظرت حولها بسرعة، أنفاسها تتسارع، قلبها يضرب بقوة كأنه يحاول الهروب من صدرها.
غرفة ضيقة. جدران خرسانية. باب حديدي ثقيل. لا نوافذ.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
"أنا… فين؟"
صوتها خرج مكسورًا… غريبًا عليها.
ثم جاء السؤال الأخطر… الأثقل…
"أنا… مين؟"
الصمت كان مرعبًا.
لا اسم.
لا وجه في الذاكرة.
لا ماضٍ.
فقط شعور داخلي… أنها كانت تهرب… من شيء… أو من شخص.
وضعت رأسها بين كتفيها، تحاول أن تتذكر أي شيء… أي خيط… أي صورة…
وفجأة—
وميض.
صرخة.
يد صغيرة تُسحب بعنف.
صوت رجل يصرخ:
"خدوها بسرعة!"
شهقت ليل بقوة، جسدها انتفض، عينيها اتسعتا.
"إيه ده…؟!"
وضعت يدها على رأسها، الألم ازداد فجأة كأن عقلها يرفض أن يتذكر.
لكن الصورة لم تختفِ.
طفلة…
كانت هي.
خوف…
ركض…
شخص يحملها…
ثم—
ظلام.
"أنا… اتخطفت قبل كده؟"
الكلمات خرجت ببطء، كأنها تخاف تصدقها.
بدأت أنفاسها تضيق.
"طب… بابا؟"
مجرد التفكير فيه جعل قلبها يرتجف… لكن الغريب—
لم تتذكر وجهه.
فقط إحساس…
أمان… كان موجودًا… ثم اختفى.
دمعة نزلت على خدها دون أن تشعر.
"إيه اللي حصل…؟"
في مكان آخر…
كان ظافر يقف كتمثال من غضب.
الغرفة حوله مليئة بالشاشات، صور، خرائط… وأشخاص يتحركون في صمت، لكن الجو كله مشحون بشيء واحد—
الخطر.
"اختفت إزاي؟"
صوته كان منخفض… لكنه أخطر من الصراخ.
لم يرد أحد.
تقدم خطوة، عينيه مظلمة بشكل مرعب.
"أنا سألت سؤال."
أحد الرجال اقترب بتردد:
"الكاميرات… اتقفلت فجأة يا فندم… كأن حد كان متحكم في السيستم بالكامل."
سكت لحظة… ثم أكمل بصوت أوطى:
"نفس الأسلوب… القديم."
تجمد ظافر.
"المافيا."
لم تكن سؤال.
كانت حقيقة.
قبضته انقبضت بقوة لدرجة أن عروقه برزت.
"يبقى رجعوا."
رفع رأسه ببطء، وابتسامة خفيفة—مخيفة—ظهرت على شفتيه.
"غلطتهم."
في نفس اللحظة…
داخل غرفة الاحتجاز—
كانت ليل تحاول فك الحبال حول يدها، لكن دون جدوى.
وفجأة…
صوت خطوات.
تجمدت.
الباب الحديدي صرخ وهو يُفتح ببطء.
دخل رجل.
وجهه لم يكن واضحًا بسبب الظل… لكن حضوره وحده كان كافيًا ليجعل جسدها ينتفض.
اقترب منها ببطء…
ثم انحنى قليلًا أمامها.
"فوقتي بدري."
صوته كان هادئ… بارد… مألوف بشكل مخيف.
نظرت له بتركيز، تحاول أن ترى ملامحه…
لكن عقلها سبق عينيها—
شعور…
رعب قديم.
"إنت…"
توقفت.
هي لا تتذكره…
لكن قلبها يعرفه.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.
"واضح إن الذاكرة راحت."
ثم اقترب أكثر، صوته أصبح همسًا:
"بس مفيش مشكلة… إحنا اللي هنفكّرك."
شهقت ليل، حاولت ترجع للخلف لكنها كانت مقيدة.
"إنتوا عايزين مني إيه؟!"
رفع رأسه قليلًا، نظر لها نظرة عميقة، وقال بهدوء قاتل:
"إحنا… رجعنا نكمل اللي بدأناه من سنين."
تجمدت عينيها.
"سنين…؟"
اقترب أكثر… أكثر…
"فاكرة لما اتخطفتي وإنتي صغيرة؟"
اتسعت عينيها بصدمة.
"لأ…"
ابتسم.
"تمام… يبقى نبدأ من الأول."
في نفس الوقت…
في ملف قديم، مغلق منذ سنوات—
كان هناك سر…
الأب لم يكن ضحية فقط.
بل كان شاهدًا.
وقد أُجبر على الصمت.
لأنهم قالوا له جملة واحدة—
"لو اتكلمت… بنتك هتموت."
والآن…
عادوا.
لكن هذه المرة—
ليل لم تعد طفلة.
وظافر… لن يسمح بإعادتها...



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة