
رواية قناص قلبي الفصل التاسع عشر 19 بقلم نانسي عاشور
الطُعم
كان المكتب مظلمًا إلا من ضوء أصفر خافت يتسلل من مصباح قديم فوق الطاولة.
جلس ماجد الدالي أمام الطاولة الثقيلة، يضغط أصابعه بقوة حتى ابيضت مفاصله.
أمامه جلس الرجل الذي يكرهه في هذه اللحظة أكثر من أي وقت مضى.
ديفيد.
رئيس المنظمة، وصاحب القرار الذي لا يُناقش.
قال ماجد بصوت خافت لكنه ممتلئ بالغضب:
"إنت عارف يعني إيه اللي بتطلبه مني؟"
لم يرد ديفيد فورًا.
اكتفى بأن أشعل سيجارته ببطء، ثم نظر إليه بعينين باردتين.
اقترب ماجد قليلًا من الطاولة، وصوته بدأ يرتجف:
"إنت عارف يعني إيه إن أنا أضحي ببنتي؟
بنتي الوحيدة!"
ضرب الطاولة بقبضته فجأة.
"هي مش مجرد عنصر في خطة...
دي حتة مني."
صمت لحظة، ثم تابع بصوت مكسور:
"ليل اتولدت بعد خمس سنين جواز…
خمس سنين من المستشفيات والتحاليل والدكاترة."
ابتسم بسخرية موجعة.
"كلهم قالوا نفس الكلام…
إن مراتي مستحيل تخلف."
أغمض عينيه لحظة، وكأن الذكريات تخنقه.
"ولما حصلت المعجزة…
لما جت ليل…"
توقف صوته لحظة.
"مراتي فقدت رحمها وهي بتولدها."
رفع عينيه إلى ديفيد.
"فاهم يعني إيه ده؟
فاهم يعني إيه إن دي بنتي الوحيدة؟"
سكت المكتب للحظات.
ثم قال ماجد بصوت مبحوح:
"مراتي كانت كل شوية تقول لي:
اطلقني واتجوز غيري…
خلف…
اعمل عيلة."
ابتسم بحزن.
"بس أنا ما قدرتش.
أنا بعشقها."
ثم نظر لديفيد بحدة.
"وأنت دلوقتي بتطلب مني أضحي بكل ده."
مال ديفيد للأمام قليلًا وقال بهدوء شديد:
"نحن لا نضحي بها…
نحن نستخدمها."
اتسعت عينا ماجد بغضب.
لكن ديفيد أكمل:
"ليل هي الطُعم الوحيد اللي هيخرج الناس اللي بندور عليهم من جحورهم."
اقترب أكثر وقال:
"والأهم…
إنك الوحيد اللي يقدر يقرب منهم."
ساد صمت ثقيل.
ثم قال ماجد بصوت منخفض جدًا:
"لو حصل لها حاجة…"
توقف.
ثم أكمل ببطء:
"أنا شخصيًا…
ههد المنظمة دي فوق دماغكم."
لم يبتسم ديفيد.
لكنه قال ببساطة:
"لن يحدث لها شيء."
لكن ماجد كان يعرف…
أن في هذا العالم…
لا أحد يستطيع أن يضمن ذلك.
القاهرة
في فيلا ضخمة في إحدى أحياء القاهرة الهادئة، جلست ريهام الدالي أمام نافذة واسعة تطل على الحديقة.
كانت ترتدي عباءة أنيقة، وتضع على رأسها حجابًا أبيض ناصعًا.
بالنسبة للمجتمع…
هي سيدة أعمال محترمة.
امرأة خير.
محسنة.
لكن الحقيقة…
شيء آخر تمامًا.
دخل شاب طويل القامة إلى الغرفة.
كان ماركو.
ابنها من زوجها الأجنبي.
قال بهدوء:
"وصلت القاهرة."
رفعت ريهام حاجبها.
"متأكد؟"
أومأ برأسه.
"أكيد."
ابتسمت ببطء.
"وأخيرًا."
ثم سألت:
"فين دلوقتي؟"
قال:
"الناس بتوعنا في المطار أكدوا وصولها…
والشحنة وصلت معاها."
لمعت عينا ريهام.
"جميل."
جلست في هدوء وهي تدير خاتمًا ذهبيًا في إصبعها.
"ماجدة…
لو كنتِ عايشة دلوقتي…"
ابتسمت ابتسامة باردة.
"كنتِ هتشوفي إزاي بنت أخوكي بقت مفتاح كل حاجة."
اقترب ماركو قليلًا وقال:
"تحبي نتحرك؟"
هزت رأسها بالنفي.
"لسه."
ثم قالت بهدوء مخيف:
"خليهم يراقبوها بس."
سأل:
"ولما نتحرك؟"
ابتسمت.
"لما كل القطع تبقى في مكانها."
ثم نظرت إلى الخارج.
"القاهرة…
المدينة اللي بتخبّي أسرار كتير."
ثم همست:
"وأكبر أسرارها…
لسه راجعة لها.".